الرئيس الفرنسي يطرح خطته لـ«انبعاث أوروبي»

يريد تعديل اتفاقية شنغن وإبرام معاهدة دفاع مشترك بين دول الاتحاد

الرئيس ماكرون وصل إلى السلطة حاملاً مشروعاً أوروبياً طموحاً (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون وصل إلى السلطة حاملاً مشروعاً أوروبياً طموحاً (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي يطرح خطته لـ«انبعاث أوروبي»

الرئيس ماكرون وصل إلى السلطة حاملاً مشروعاً أوروبياً طموحاً (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون وصل إلى السلطة حاملاً مشروعاً أوروبياً طموحاً (إ.ب.أ)

لم ينس الفرنسيون والأوروبيون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصل إلى السلطة حاملاً مشروعاً أوروبياً طموحاً. إلا أن المعارضة التي واجهته من داخل الاتحاد وخصوصاً من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية وملف البريكست وفتور المستشارة الألمانية لمجاراته في مشاريعه، أعاقت تقدم طروحاته. وها هو اليوم يعود إلى الواجهة مستبقاً استحقاقاً انتخابياً رئيسياً وهو الانتخابات الأوروبية في 26 مايو (أيار) القادم التي «سترسم صورة أوروبا المستقبلية». وعمد ماكرون إلى توجيه رسالة من أربع صفحات نشرت أمس في 28 بلداً أوروبياً وضمنها مشروعه الأوروبي «المعدل» الذي سبق له أن فصله بصيغته الأصلية في خطابين رئيسيين: الأول في جامعة السوربون، خريف عام 2017، والثاني بمناسبة منحه جائزة شارلماني في 10 مايو الماضي التي تسلمها من يدي المستشارة الألمانية بسبب «رؤيته القوية لأوروبا متجددة».
بداية تتعين الإشارة إلى أن ماكرون رغم ضعفه السياسي هو الرئيس الوحيد الذي رغب في، أو تجرأ على، طرح رؤية لمشروع أوروبي في زمن لم يعد فيه الاتحاد الباب السحري لإيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها القارة. وواضح أن ماكرون يريد أن يربح معركة الرأي العام. لذا، فإن رسالته موجهة لـ«المواطنين» الأوروبيين الذين يريد أن يقيم معهم علاقة مباشرة تمر من فوق رؤوس المسؤولين. ومبتغى الرئيس الفرنسي أن يكون مجدداً حامل راية الاتحاد بمواجهة الشكوك والانتقادات التي تنصب عليه من اليمين المتطرف والشعبويين وكل الذين «فقدوا الإيمان به». ويقرع ماكرون ناقوس الخطر ويؤكد أن «لم تكن أبداً مهددة بهذا الشكل». أما «وجوه» الأخطار المحدقة فهو البريكست أولاً، الذي يعني هدم ما سبق أن أنشئ والانطواء القومي وصعود التذمر والأكاذيب التي تساق بحق الاتحاد والخنوع، واعتبار أن الاتحاد «سوق للتبادل وليس مشروعا» والشكوك التي تهدم الديمقراطيات وتضرب القيم الأوروبية... إزاء هذه المخاطر مجتمعة، يقترح ماكرون مشروعاً ينهض على ثلاثة أعمدة رئيسية هي الدفاع عن الحرية وتوفير الحماية والدفع باتجاه التقدم، ما سيمكن أوروبا من النهوض وتحقيق «الانبعاث» الأوروبي. ولا يكتفي ماكرون بالتنظير بل يطرح تسعة مقترحات عملية يرغب في مناقشتها في إطار مؤتمر أوروبي مختلف عن الاجتماعات الدورية على كل المستويات التي يشهدها الاتحاد. وما يريده الرئيس الفرنسي، وعلى غرار الحوار الكبير الذي ابتدعه في فرنسا ضم المواطنين، بحيث لا تكون القرارات فوقية، أو المقررون بعيدين عن القاعدة الشعبية.
تحت باب الدفاع عن الحرية، يدرج ماكرون في المنزلة الأولى حرية الإنسان والرأي والإبداع والنظام الديمقراطي، بعيدا عن التأثيرات الآتية من قوى الخارجية. وإن كان ماكرون لا يشير إلى جهة بعينها، فإنه من الواضح أنه يستهدف روسيا التي يزعم أنها أثرت إلكترونياً على الانتخابات الأميركية ويمكن أن تقوم بالشيء نفسه بمناسبة الانتخابات الأوروبية. وما يريده ماكرون هو إنشاء «وكالة أوروبية لحماية الديمقراطيات» التي تستطيع توفير الخبرات لأي بلد أوروبي يطلب المساعدة، كما تمنع التمويل الأجنبي للأحزاب الأوروبية، وتحرص على إبعاد «خطاب الكراهية» والعنف عن الشبكة العنكبوتية.
بيد أن أهم ما جاء به ماكرون يتناول «حماية أوروبا»، أي حماية المواطنين الأوروبيين والحدود الأوروبية. من هنا، فإن الرئيس الفرنسي يريد إعادة النظر باتفاقية شنغن التي ألغت الحدود الداخلية بين الدول الموقعة عليها وعددها 22 دولة. إلا أن الهجرات المكثفة والإرهاب قلبا المزاج الأوروبي ووفرا أرضية خصبة لمعارضي الاتحاد للانقضاض عليه بحجة أنه لم يعد يحمي المواطن ومصالحه. ويريد ماكرون من الدول التي تريد أن تبقى داخل الاتفاقية أن تلتزم وتنفذ مجموعة من المهمات مثل الرقابة المشددة للحدود الخارجية، والعمل بمبدأ التضامن (في التعامل مع المهاجرين)، وإيجاد قانون موحد للجوء، وإنشاء شرطة حدود موحدة ومكتب مشترك للجوء، ويكون ذلك كله تحت إدارة «المجلس الأوروبي للأمن الداخلي». ويرى ماكرون أنه بمواجهة أزمة الهجرات، «يتعين على أوروبا أن تحمي قيمها وحدودها» على السواء.
لا يقتصر أمن أوروبا على الداخل الأوروبي بل أيضا على توفير وسائل الدفاع. وطموح الرئيس الفرنسي يذهب إلى حد الدعوة إلى إبرام «معاهدة الدفاع والأمن» بين البلدان الأوروبية، وذلك «على صلة» بالحلف الأطلسي والحلفاء الأوروبيين. وعملياً، يريد ماكرون أن يزيد الأوروبيون من ميزانياتهم الدفاعية ويقروا مبدأ الدفاع المشترك والمتبادل بينهم وإيجاد مجلس الأمن الأوروبي يضم بريطانيا للتحضير للقرارات الجماعية. وجديد ماكرون أنه يريد الدفاع الأوروبي مستقلاً إلى حد بعيد عن الملف الأطلسي، ما يذهب في اتجاه ما طرحه سابقا عن إنشاء «جيش أوروبي موحد وحقيقي». ومن المنتظر أن تثير المقترحات الدفاعية جدلاً واسعاً في أوروبا التي ترفض الكثير من دولها التخلي عن الحلف الأطلسي والمظلة النووية الأميركية مقابل دفاع أوروبي غير موجود.
يبقى باب التقدم الأوروبي وأهم ما يدعو إليه ماكرون هو إنشاء «درع اجتماعية» تضمن حداً أدنى للرواتب في أوروبا تأخذ وضع كل بلد في الحسبان ويتم إقرارها سنويا بشكل جماعي. ولا ينسى ماكرون معركة البيئة. لذا يدعو لإنشاء «البنك الأوروبي للمناخ» لتمويل النقلة البيئوية، إضافة إلى وكالة أوروبية خاصة بالصحة ومتطلباتها. ويدفع الرئيس الفرنسي إلى نظام أوروبي للرقابة على شركات الإنترنت والاقتصاد الرقمي وتحفيز الإبداع، من خلال إنشاء المجلس الأوروبي للإبداع يتمتع بميزانية واسعة مشابهة لما هو الحال في الولايات المتحدة لخوض التنافس في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي... كذلك يدعو ماكرون للعمل بمبدأ «التفضيل الأوروبي» وحماية مصالح أوروبا الاقتصادية والاستراتيجية وإقامة شراكة مع أفريقيا التي تأتي منها أكثرية المهاجرين.
ختاماً، يدعو ماكرون لـ«مؤتمر من أجل أوروبا» لطرح أفكار ومشاريع للتغيير من غير ممنوعات بما فيها إمكانية تعديل المعاهدات الأساسية التي نشأ الاتحاد على هديها، وأن يفتح المؤتمر بوجه المواطنين والباحثين والجامعيين ورجال الدين.
والخلاصة، يجب أن تكون التوصل إلى «خريطة طريق» جماعية تترجم التوجهات الكبرى لأعمال ملموسة بحيث «تستعيد الشعوب الإمساك بمصيرها» و«تشكل الطريق للانبعاث الأوروبي».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».