حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

عشرات الإصدارات سنويا لمؤلفين شباب بعضها تجارب إبداعية وبعضها «خربشات»

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟
TT

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

حلم الإصدار الأول.. من يحمي الذائقة الأدبية؟

في السعودية هناك طفرة تأليف شبابية، إذ تشكل نسبة الأسماء الجديدة من الشباب خصوصا، من بين المؤلفين ما بين 30 إلى 40%. في وقت وصلت فيه عدد الإصدارات الروائية أكثر من 900 رواية، أما المجموعات القصصية فقد زادت عن 1000 قصة، وبلغ عدد المجموعات الشعرية ما يزيد على 3000 ديوان.

لا يجادل أحد في أن حركة التأليف والنشر دليل حيوي على قوة الإنتاج الفكري للمجتمعات. لكّن نقاد وأدباء وناشرين حذروا من أن غياب المؤسسات الأدبية المُحكِمَة، مع وجود دور نشر تبحث عن ربح سريع، أفرز عددا من الإصدارات ضعيفة المستوى وخالية من القيمة الأدبية. وهناك تقديرات تشير إلى أن دور النشر المحلية تعتمد في 60% من نشرها على الناتج الشبابي.

وأمام سهولة إنتاج مؤَلَف أو طباعة كتاب يحتوي على نسبة فائضة من المشاعر والخواطر تحت عنوان «شعر»، أو يوميات تحت عنوان «قصة»، أو تجارب كتابية تحت «رواية»، يسطرها في الغالب شباب وفتيات تغريهم عمليات النشر السريع، أصبح الحديث عن «فتنة» الإصدار الأول أمرا واقعا.

من ناحية أخرى، من يزور معارض الكتب، وخاصة معرض الرياض، يلحظ أن هذه الإصدارات الشبابية وأغلبها تدور حول السرد القصصي والروائي، رغم بساطتها تسجل حضورا كبيرا كما تسجل مبيعات عالية، وغالبا ما تزدحم أجنحة دور النشر بعشرات المتبضعين وخاصة من الفتيات اللواتي تستهويهن هذه التجارب الإبداعية.

هناك من يحمل دور النشر مسؤولية انخفاض الذائقة الأدبية عبر هذا العدد الكبير من الإصدارات الضعيفة، لكن هذه الدور تلقي اللوم على المؤسسات الثقافية التي يتعين عليها احتضان التجارب الشبابية واستيعاب هذا الحماس وتطوير موهبته.

* النعمي: تسعير الثقافة

الناقد الدكتور حسن النعمي يرى أن تنامي حركة النشر يحمل أهدافا تجارية بحتة، وعليه فهي تقيم دخلها بناء على رواج الكتاب، وهي بذلك تتلمس قابلية التداول. وبما أن إنتاج الشباب وخاصة الإنتاج الروائي له جاذبية لدى المتلقي، فقد أولت دور النشر للطباعة والدعاية والتسويق لهذا النوع من المؤلفات عناية لافتة.

يقول النعمي: «في سياق هذا الاهتمام لا تدقق دور النشر في المستوى الفني، بل يهمها العائد الربحي، وليست هناك إمكانية لتغيير هذا السلوك التجاري طالما هناك إقبال من الكتاب ومن القراء على هذه المنشورات. وفي رأيي فإن أي تدخل في هذا الأمر سيحيله إلى بيروقراطية مقيتة. وفي تصوري أن القارئ هو من يحكم على هذه الأعمال بالجودة أو الرداءة، والكاتب الذي لا يجد قابلية لأعماله سيتوقف، ودار النشر ذاتها لن تغامر بنشر أعمال لا تلقى رواجا يحقق لها الربح. ومن ناحيتي، لاحظت انحسارا في الإقبال على النشر، لأن من كتبوا اصطدموا بضعف تلقى أعمالهم والإشارة إليها من قبل النقاد».

لكنّ، كيف يقيم الناقد الدكتور حسن النعمي هذه الأعمال؟ يقول: «لقدّ مرّ الإنتاج الروائي بعد عام 2000 بمرحلتين: طفرة وتراجع. أما الطفرة فكانت في الإنتاج الروائي، وذلك نتيجة عدة عوامل منها تركيز الإعلام على المنشور من الروايات، واتساع هامش التعبير، وسهولة النشر الخارجي، وظهور أسماء روائية تركت بصمة حظيت بالنقد والمتابعة، فأغرت الكتاب الأصغر سنا والأحدث تجربة ليغامروا بكتابة الرواية».

أما مرحلة التراجع، فيعتبر النعمي أنها حصلت منذ 2010 تقريبا، حيث تراجع المنشور كما تراجع مستوى ما ينشر، وهذا يعود، كما يرى، لانحسار الاهتمام النسبي بالرواية نتيجة تشبع المشهد، ونتيجة لظهور كتاب من خارج الوسط الأدبي التقليدي لم يقتنعوا بمحاولاتهم الروائية، فظلت رقما دون أن تترك بصمة واضحة في المشهد الروائي المحلي.

* اليوسف: إغراق أدبي

الباحث والروائي السعودي خالد اليوسف، الذي يشتغل على جمع ورصد وتصنيف الأدب السعودي، وأصدر دراسة في ثلاثة أجزاء تحت اسم «معجم الإبداع الأدبي في المملكة العربية السعودية: دراسة تاريخية بيوغرافية ببلومترية»، فيرى أن الرأي القائل بأن المؤسسات المعنية بالنشر اتجهت نحو إنتاج الشباب وطباعة إصدارتهم ما أغرق سوق الكتب بإصدارات خاوية لا تحمل مضمونا أو محتوى ناضجا، يحتمل نصيبا من الصواب، مشيرا إلى أن نسبة هذه المؤلفات تتجاوز 60%.

وقال: «انظر إلى ذلك إنه أمر طبيعي، لأنه بعد عام 2000. تركزت عملية النشر على ثلاث أو أربع دور نشر محلية شبه متخصصة في الكتب الثقافية ومنها الأدبية، لذلك القضية التي انظر إليها هي: ثم ماذا بعد الكتاب الأول، الذي أعنونه بكتاب البطاقة؟ أي أنه بمثابة بطاقة الهوية التي ربما تعرّف بالكاتب أو تلغيه أو تبقيه ذكرى».

ويبقى السؤال الذي يواجه الكاتب الجديد وفق اليوسف، هو: ماذا يمكنك أن تقدم أو تنجز بعد الكتاب الأول؟ فاستنادا إلى نتائج البحث السنوي الببليوغرافي الذي يجريه اليوسف، تحت عنوان: «الإنتاج الأدبي في المملكة العربية السعودية»، فإن هناك عددا كبيرا من الأسماء الجديدة في أدب المقالة والرواية والشعر والقصة القصيرة، ويصل عددهم إلى ثلث المنتج سنويا: «وهكذا يتكرر هذا كل عام».

ويضيف اليوسف: «في كل عام نرى أسماء جديدة، لكنّ السؤال هو: من يبقى منهم متواصلا متجذرا في فنه وإبداعه؟ ومن يواصل الإنتاج والنشر وإثبات اسمه حتى الآن؟ ومن ارتفع إلى مستويات أعلى وأرقى وأجمل؟.. والجواب: إنه عدد قليل!».

يلاحظ اليوسف أن من بين أشهر الأسماء الشبابية التي ذاع صيتها، هي الروائية رجاء الصانع صاحبة رواية «بنات الرياض»، التي مضى عليها عشر سنوات حتى الآن، لكنه تساءل: أين نتاجها التالي لهذه الرواية الناجحة؟.. مضيفا: أرى أمثلة كثيرة لحالة الصانع.

ولفت اليوسف إلى أن الأسماء الجديدة التي تلتحق بقافلة المؤلفين تتجدد في كل عام، وهي تشكل نسبة ثلاثين إلى 40%، مبينا أن عدد الروايات وصل حتى اليوم إلى نحو 900 رواية، بينما وصلت المجموعات القصصية إلى نحو الألف أو تزيد، وفاقت المجموعات الشعرية بكل أنواعه ثلاثة آلاف ديوان شعري.

واليوسف، لا يرى الصورة داكنة، فإن هذا التواصل للحركة الأدبية التي أنجزت هذا الكم الكبير، ينبئ عن تجدد الطاقات الشبابية والمعرفية، وهو عنوان لحيوية المجتمع.

* دور النشر: نوفر منصة للشباب ولسنا معنيين بالتقييم

* من بين عدد من دور النشر السعودية التي تأخذ على عاتقها احتضان التجارب الشبابية والإسراع بطباعة الإصدارات الأولى للشباب، تأتي دار الفكر العربي في الدمام، شرقي المملكة، حيث يهيمن الشباب على أغلب العناوين التي تنشرها، وتتراوح هذه التجارب من حيث المستوى، لكنها وفرّت منصة يطل من خلالها عدد كبير من الشباب والفتيات الذين يمتلكون مواهب كتابية نحو عالم النشر ودخول المنتدى الثقافي.

في حديثه لـ«الشرق الأوسط» يقول باسل درويش مدير التسويق بدار الفكر العربي: «إن فكرة الإصدار الأول تدل على مؤشرين: الأول حيوية الحراك الثقافي لدى المجتمع، فما دام هناك حراك ثقافي، فهو مؤشر على بروز تجارب لكتاب مبتدئين يودون طرح أفكارهم، ولا بد من استيعاب هذه التجارب وتوفير مناخ للتعبير، وحركة النشر تمثل واحدا من هذه المناخات.

ويضيف: «كان توجه الأدباء السعوديين قبل عام 2004 نحو الطباعة بدور النشر العربية خارج السعودية، منها مصر ولبنان، وعندما بدأت دور الطباعة والنشر السعودية تنشط في هذا المجال في هذه الفترة، أصبح لديها قابلية للمنافسة واجتذاب شرائح جديدة».

ويشير درويش إلى أن هذا الحراك من رواية وشعر وخواطر، أدى لأن يتجه الشباب والشابات السعوديات، إلى نشر كتبهم وإصداراتهم الأولى محليا، في ظل صعوبة الوصول إلى دور النشر في الخارج، وكان ذلك في صالح دور النشر السعودية.

ولا تكلف عملية إصدار كتاب لأي من الشباب على مبالغ كبيرة، وعند سؤال درويش عن سعر التكلفة لإصدار كتاب لأي من هؤلاء الشباب، قال: تتراوح التكلفة بين 2 إلى 7 آلاف دولار، وهو مبلغ في حدود إمكانية الشباب.

لكنه يلاحظ أيضا أن بعض دور النشر تحاول استغلال اندفاع الشباب نحو النجومية عبر إصدارات تفتقر للحد الأدنى من الجودة.

ولا يعتقد درويش أن دور النشر مسؤولة عن انخفاض الذائقة الأدبية للجمهور عبر هذه الإصدارات «الضعيفة»، ويرى أن المسؤول على ضعف الإنتاج الأدبي الشبابي، هو غياب الأندية الأدبية عن تحمل مسؤولياتها في احتضان التجارب الشبابية وصقل موهبتها وطباعة المؤلفات الصالحة فيها، حتى لا يتجه الشباب نحو الاعتماد على أنفسهم في طباعة مؤلفاتهم.

ويذكر درويش أن دور النشر السعودية تعتمد في نشرها بنسبة تفوق 60% على الناتج الشبابي، مبينا أن مؤسسة «دار الفكر العربي» التي أصدرت منذ إنشائها قبل 3 سنوات 154 مؤلفا، يهيمن الشباب على هذه الإصدارات بنسبة تتراوح بين الـ70 والـ80%، مشيرا إلى أنه في كل 50 إصدارا سنويا للدار هناك 35% عبارة عن «إنتاج أول» للشباب.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».