خالد علي مصطفى... حلم حيفا الذي نام في بغداد

رحل وعينه على فلسطين

خالد علي مصطفى
خالد علي مصطفى
TT

خالد علي مصطفى... حلم حيفا الذي نام في بغداد

خالد علي مصطفى
خالد علي مصطفى

رحل يوم الثلاثاء الماضي في العاصمة العراقية الشاعر الفلسطيني خالد علي مصطفى، الذي ولد في قرية عين غزال القريبة من حيفا عام 1939.
وحينما وقعت نكبة 1948 التجأت أسرته إلى العراق. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في البصرة، ثم التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد، قسم اللغة العربية ليتخرج عام 1962. وواصل فيما بعد دراسته العليا ونال شهادة الدكتوراه، ليعمل بعدها أستاذا في الجامعة المستنصرية.
وقد أصدر الراحل ست مجموعات شعرية، وعدة كتب نقدية منها «الشعر الفلسطيني الحديث» (1978)، و«شاعر من فلسطين» و«في الشعر الفلسطيني المعاصر».
نبأ مفاجئ كان خبر رحيل الشاعر والناقد الفلسطيني المولد والعراقي النشأة والحياة الدكتور خالد علي مصطفى، فقبل أيام كنتُ رأيته يدرج في باحة كلية الآداب المستنصرية، وما زال صوته هو هو صادحاً وصاخباً وممتلئاً بالحياة، رغم أني رأيتُ مسحة انكسارٍ بعافيته أسندها بكفه حين استند على جدار الآداب.
الآداب التي حفظ ممراتها وقاعاتها، وتردد صوته في كل أرجائها مربياً وشاعراً وناقداً. تلك هي المحن يا دكتور خالد أنْ تولد في أرض ومن ثم تُغتصبُ منك هذه الأرض، لترحلَ مع أهلك إلى العراق، ومن ثم تتنقل في بلداته وقراه ومدنه وقصباته، من البصرة إلى بغداد، لتستقر أقدامك أخيراً فيها مأخوذاً بسحرها، وجمالها، ومشتبكاً بحياتها الصاخبة والممتلئة جدلاً ونقاشاً، وأنت العاشق لكل مختلفٍ والمتصدي لكل جدل، فانبهرتَ بوجود السياب والبياتي وبلند، وهذه الحقبة الصانعة لبغداد في تلك المرحلة، حتى توطدت أقدامك على هذه الأرض فغنيتها بقصائدك وكتبت (البصرة ــ حيفا)، وأبيتَ أنْ تغادرَها، فقد طاب الهوى لك، وطابت صحبة الشعراء العراقيين معك، أمثال (سامي مهدي وحميد سعيد) وعشرات غيرهما، حتى أنك وقعتَ على البيان الشعري الذي كتبه فاضل العزاوي «بيان 69» برفقة (فوزي كريم وسامي مهدي).
ومن تلك اللحظة وأقدامك تترسخ في المشهد الثقافي العراقي دون أنْ يُشعرك أحدٌ أنك فلسطيني، لأنك المعجون بطين دجلة ومائها، فمن بين يديك تخرج الآلاف من الطلبة، ومن بينها أيضا كتبت حزنك المضيء نصوصاً وقصائد لا تنسى، ومن بينها كتبت خالد العبسي، ومن بينها تعاركتَ، وتصايحتَ، فأنت الصوتُ الذي يخشاه الشعراء الشبابُ دائماً والكبار أيضا، لأنك الأكثر صراحة لا تجامل، ولا تداهن، ولا تبحثُ عن جمهور، ولا عن معجبين، عاكف في محراب الشعر والنقد والمعرفة والأكاديمية، ولهذا حظك قليل من الشهرة كباقي الأدباء والشعراء، لأنك بالأساس زاهدٌ بكلِّ هذا.
حزين يا دكتور خالد لا لرحيلك فقط - على جلالته وخشوعه - إنما لتلك الدموع التي نزلتْ في يوم ما، يوم التقيتُ بك في برنامج «سيرة مبدع» وأنا أسألك عن حلمك الذي تنتظره طول هذه السنين؟ فغرغرت عيناك بالدمع، واتجهتَ صوب فلسطين، وقلت لي: هي حلمي الأخير الذي أحلم أنْ أشمَّ ترابَها، وأرى قُراها، قبل أنْ تطبق عيناي، وها هي عيناك مطبقتان هذه اللحظة دون أنْ تريا فلسطين، وإنْ اكتحلتا دائماً ببغداد ومقاهيها.
فما زلتُ أذكرُ أواسط التسعينات صخبك في مقهى حسن العجمي بشارع الرشيد حيث صوتُك الأعلى وأنت ترد على هذا وذاك منتصراً للحداثة التي تؤمن بها لا التي تتردد على أفواه أنصاف المواهب، وساخراً بكل معنى السخرية ممن يكتب العمودي، وما زلتُ أذكر مقالاتك التي نزلتْ سلسلة حول مجاميع الاستنساخ لزملائنا من شعراء قصيدة النثر، وأنت تكتب عنهم بما أُوتيتَ من سلاطة لسان وقلم في نفس الوقت، علماً أن الشعراء فرحون جدا بما تكتب، حتى لو كان شتماً وسخرية من تجاربهم، ذلك أنهم يبحثون عن اعتراف من كبير، وهم مؤمنون بأنك أحد الكبار.
وأنا أعلم أنه أحد الكبار الذين مر النقد عليهم سريعا دون أنْ يتوقف عند تجربته الشعرية، ربما لوعورة خالد علي مصطفى ولسانه الحاد الذي لا يعجبه شيء أبدا ــ حتى أني أذكر من حواراتنا معه وآرائه الغريبة حين سألته ما الذي سيبقى من «الرصافي» فقال: نصف بيت من الشعر، وسيحفظ التاريخ من «الجواهري» أبياتاً متناثرات فقط، وسيبقى من «السياب» بحدود عشر قصائد، ومن فلان كذا ومن فلان كذا، وهذه الآراء بالنسبة لنا صادمة، حتى أني سألته ــ بوقاحة ــ وما الذي سيبقى من خالد علي مصطفى؟ حينها سكت قليلاً وقال: لا أعرف فبعد موتي سيكشف القراء الحقيقيون ما بقي مني، وما ذهب أدراج الرياح، أعود إلى إشاحة النقاد عن تجربة خالد علي مصطفى الشعرية فوعورته وصراحته الصادمة ربما كانت سبباً في أنْ يشيح النقاد عنه وعن تجربته الإبداعية، وربما لانشغاله بالأكاديمية محاضراً ومشرفاً ومناقشاً وصانعاً للعشرات، بل المئات من طلبة الدراسات العليا.
من خلال خالد علي مصطفى أستطيع الحديث عن جماليات عدد كبير من الفلسطينيين الذين التحموا بتراب العراق، وشكلوا جزءاً مهماً من ملامحه وحيواته، دون أنْ تذوب شخصيتهم الفلسطينية فيه، والعراقيون مثقفين وغير مثقفين يقدرون الشخصية الفلسطينية، ولا يتعاملون معها على أنها غير عراقية، ولكن في نفس الوقت يعرفون أن لها شخصية اعتبارية، وأن لها أرضاً مغتصبة، وأنهم سيعودون في يوم من الأيام، أعود إلى الفلسطينيين المثقفين الذين ابتدأوا ــ
كما أظن ــ بجبرا إبراهيم جبرا الذي شكل ركناً رئيساً من أركان الحداثة في بغداد، وصوتاً مدنياً يشع بكل ما هو جديد، ومختلف، فمن جبرا وحتى خالد علي مصطفى هناك العشرات من الفلسطينيين، علينا أنْ نسلم عليهم هذه اللحظات شعراء وفنانين وإعلاميين ورسامين ومترجمين وأساتذة شكلوا مع إخوتهم العراقيين البنية التحتية للثقافة والمعرفة للعراق، وبهذا خسرت الثقافة العراقية أحد فرسان الجيل الستيني، وأحد أكثر المشاكسين ثقافياً، وبذلك انثلم بيان 69 البيان الشعري الأشهر في العراق، والذي فتح شهية الشعراء فيما بعد أنْ يتصارعوا ويسرعوا بكتابة البيانات، ها هو أحد فرسانه يترجل عن صهوته.



قمع المرور البرتقالي وموسيقى القرب... تقاليد اسكوتلندية تسحر سكان بوسطن

أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)
أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)
TT

قمع المرور البرتقالي وموسيقى القرب... تقاليد اسكوتلندية تسحر سكان بوسطن

أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)
أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)

من أحداث كأس العالم لكرة القدم 2026 تخرج حكاية لطيفة عن قصة حب بين مدينة أميركية ومشجعي فريق كرة قدم زائر. هي حكاية مدينة بوسطن مع زوارها من اسكوتلندا الذين حلوا على المدينة بلباسهم المميز وموسيقى القرب واحتفالاتهم الصاخبة.

أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)

امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالفيديوهات التي تظهر مشجعي فريق اسكوتلندا في بوسطن وهم يغنون «بدون اسكوتلندا لن تكون هناك حفلة»، التي غناها معهم مشجعو فرق أخرى مثل العراق والمغرب، ليس تحيزاً لفريق دون آخر، بل من باب الاحتفال والاستمتاع بالروح اللطيفة التي غلبت على احتفالية المشجعين الاسكوتلنديين.

من اللقطات الطريفة قيام المشجعين بوضع أقماع المرور البرتقالية على رؤوس التماثيل المختلفة في بوسطن، وهو تقليد اسكوتلندي ظهر في الثمانينات وأصبح علامة لمدينة غلاسكو.

أشار موقع «سي بي إس» الأميركي إلى اجتياح «الجيش الترتاني» (وهو اسم قاعدة المشجعين في اسكوتلندا ويأخذ اسمه من قماش الترتان الصوفي المقلم الذي تشتهر به اسكوتلندا) لبوسطن، وأنهم جلبوا معهم «إحدى تقاليد بلادهم الفريدة»، حيث لاحظ سكان بوسطن وضع أقماع المرور البرتقالية على تماثيل شهيرة في أنحاء المدينة.

مشجعون اسكوتلنديون يمرون بجانب تمثال الثوري جون غلوفر المزين بشكل فكاهي بمخروط مروري في حديقة بمدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس (أ.ب)

قصة أقماع المرور وغلاسكو

حسب «بي بي سي»، فقد دأب سكان غلاسكو على وضع مخروط مروري فوق تمثال دوق ويلينغتون أمام معرض الفن الحديث اتباعاً لتقليد بدأه مجموعة من المحتفلين في ليلة من عام 1980 واستمر بعد ذلك.

وأصبح موضوع الإبقاء على المخروط في مكانه معركة مستمرة بين السكان المحليين والمجلس البلدي، لكن أي محاولة لإزالة المخروط البلاستيكي عن التمثال كانت تُحبط سريعاً، ويُعاد وضعه في غضون أيام.

وبهذا أصبح القمع البرتقالي معلماً محلياً معترفاً به حتى إن معرض الفن الحديث وضع لافتة ترحيبية بزواره تقول: «لمن لا يعلم، فإن المخروط الموجود على رأس التمثال في الخارج مُغطى به باستمرار منذ ما يزيد عن 40 عاماً»، والآن، تُستخدم صور التمثال المُغطى بالمخروط للترويج لغلاسكو، وتظهر على الملصقات وقواعد الأكواب وسلاسل المفاتيح وعده الدليل السياحي «لونلي بلانت» من المواقع التي ينصح بزيارتها أثناء الوجود في غلاسكو.

وحصل القمع الشهير على ختم الموافقة من بانكسي الذي قال إنه كان السبب الذي دفعه لإقامة معرضه الأول في معرض الفن الحديث بالمدينة بعد غياب طويل.

وعبر السنوات حاول مجلس المدينة الوصول لحل للمشكلة بذريعة أن ذلك التقليد يفسد صورة المدينة في الخارج، ولكن ذلك كان يقابل بمعارضة شديدة من السكان وبعض السياسيين. وفي عام 2000 أزال المجلس القمع لتصوير حملة إعلانية سياحية، ولكن اضطر لإعادة القمع مرة أخرى على رأس التمثال بعد موجة من الاعتراضات. وأصبح القمع مشهداً أساسياً في فضاء المدينة، بل وحتى واكب بعض الأحداث السياسية فقد وضع قمع بألوان علم الاتحاد الأوروبي في عام 2020 يوم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وحمل ألوان علم أوكرانيا في عام 2022.

شعبية «الجيش الترتاني»

بالعودة إلى مدينة بوسطن، أصبح لـ«الجيش الترتاني» شعبية كبيرة لدرجة أن البعض يتساءل إن كان من الممكن استضافتهم للأبد. ويصفهم تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» بـ«الزوار الودودين الذين يرتدون التنانير الاسكوتلندية التقليدية... يملؤون شوارع هذه المدينة العريقة الضيقة، وعربات مترو الأنفاق، والمطاعم، ويملؤون الأجواء بأصوات المزامير الاسكوتلندية.. لقد أصبحوا نجوماً على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يمزحون بلطف مع مضيفيهم برمي مخاريط المرور على التماثيل. في مدينة يُعرف سكانها ببساطتهم وفخرهم بفن التذمر، سُحر السكان المحليون تماماً بهذا الوجود الاسكوتلندي البهيج. السؤال الذي يتردد على ألسنة الكثيرين: كيف نجعل الاسكوتلنديين يبقون؟».

أقماع المرور البرتقالية لمحة فكاهة من اسكوتلندا في شوارع بوسطن (إ.ب.أ)

من جانبها علقت عمدة مدينة بوسطن ميشيل وو قائلة: «لقد جعل الغزو السلمي لـ(جيش الترتان) من بوسطن المدينةَ الأفضل لاستضافة كأس العالم، لا يمكنك الذهاب إلى أي مكان في المدينة الآن دون أن ترى شخصاً يرتدي التنورة الاسكوتلندية. لقد كان الأمر ممتعاً للغاية».


رهان دبلوماسي أميركي – أسترالي يثير أجواء المونديال في الرياض

القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)
القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)
TT

رهان دبلوماسي أميركي – أسترالي يثير أجواء المونديال في الرياض

القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)
القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة (السفارة الأميركية)

في أجواءٍ بعيدة عن البروتوكولات الرسمية، شهدت العاصمة السعودية، مساء الجمعة، تنافساً ودياً بين القائمة بأعمال السفارة الأميركية أليسون ديلوورث، التي راهنت السفير الأسترالي مايلز أرميتاج على نتيجة المباراة التي تجمع منتخبي بلديهما في بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.

انطلق التنافس بمنشور للدبلوماسية الأميركية عبر حسابها على منصة «إنستغرام» للتواصل الاجتماعي، عكس ثقافة القهوة في الولايات المتحدة وأستراليا، معلنة أن خاسر المباراة سيتكفّل بشراء القهوة للفائز، وقالت: «الرهان لا يتجاوز خياراً بسيطاً: أميركانو أم فلات وايت».

وخلال حفل أقامته السفارة الأميركية قبيل انطلاق المباراة، أقرَّت ديلوورث بتميُّز الأستراليين في إعداد القهوة، لكنها أبدت ثقتها بفوز منتخب بلادها، قائلة: «السفير أرميتاج زميل لطيف ويتمتع بروح رياضية، وأنا على ثقة تامة بأنه سيكون من يشتري لي قهوة أميركانو».

صورة تذكارية خلال الحفل الذي سبق انطلاق المباراة (السفارة)

ويُجسِّد هذا التنافس الودي جانباً من قدرة كرة القدم على التقريب بين الشعوب والثقافات المختلفة، إذ جمعت أميركيين وأستراليين وسعوديين ودبلوماسيين من مختلف أنحاء العالم أمام شاشة واحدة في الرياض لمتابعة المباراة بشغف واحد.

وفي جدة (غرب السعودية)، نظّمت القنصلية العامة الأميركية فعالية مماثلة حضرها نحو 100 شخص من الأميركيين وأصدقائهم السعوديين، وقال القنصل العام رفيق منصور: «لقد جمعنا أصدقاء من مختلف الأوساط الدبلوماسية والثقافية والتعليمية».

وأضاف منصور: «هذا في رأيي هو المعنى الحقيقي للرياضة. ففي النهاية، نحن جميعاً مشجعون نتوحَّد خلف شغف يتجاوز حدودنا الفردية»، متابعاً: «الليلة، بالطبع، نقف خلف الولايات المتحدة، لكننا نرحب بأي مشجعين أستراليين بيننا، ونعدهم بأن نتحلى بالروح الرياضية».

أليسون ديلوورث تتوسط الدبلوماسيين والمواطنين الأميركيين الذين حضروا الحفل (السفارة)

وتأتي هذه الأجواء المثالية في وقت تواصل فيه السعودية استعداداتها لاستضافة نسخة استثنائية من بطولة كأس العالم في عام 2034، تحت شعار «أهلاً بالعالم»، وعلّقت الدبلوماسية الأميركية: «تعكس السعودية اليوم صورة واضحة للترحيب بالمجتمع الدولي واحتضانه».

واختتمت حديثها بمواصلة المزاح حول الرهان: «الآن، يمكن إرجاء الحديث عن كأس العالم 2034؛ فهناك مباراة تنتظر المشاهدة، ورهان ينتظر الحسم، وفنجان قهوة سيتحدد مصيره بحسب النتيجة».

وفازت ديلوورث برهان القهوة بعد تغلَّب المنتخب البرازيلي على نظيره الأسترالي بهدفين نظيفين، ضمن الجولة الثانية للمجموعة الرابعة من مرحلة المجموعات في البطولة التي تستضيفها حالياً المكسيك وكندا والولايات المتحدة.


الدماغ لا يغفل عبثاً... علم الأعصاب يكشف عن دور «نعمة النسيان»

النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)
النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)
TT

الدماغ لا يغفل عبثاً... علم الأعصاب يكشف عن دور «نعمة النسيان»

النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)
النسيان أداة قوية للدماغ (بكسلز)

يتساءل كثيرون عن أسباب النسيان، غير أن علم الأعصاب الحديث يكشف أن فقدان الذكريات ليس مجرد خلل في الذاكرة، بل عملية معقدة قد تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم الدماغ وحماية الإنسان من تراكم المعلومات غير الضرورية.

وبينما ركّزت الأبحاث لعقود طويلة على فهم آليات الذاكرة، بدأ العلماء في السنوات الأخيرة إعادة النظر في «النسيان» بوصفه عملية نشطة ومقصودة بيولوجياً، لا تقل أهمية عن التذكر نفسه في تشكيل الإدراك والسلوك.

ويستعرض تقرير نشره موقع «سيكولوجي توداي» كيف يفسر علم الأعصاب الحديث ظاهرة النسيان، ولماذا قد يكون «نسيان بعض الذكريات» عاملاً مساعداً على التكيف النفسي والعقلي.

النسيان أداة قوية

من أهم التطورات في فهم الذاكرة إدراك أنها ليست عملية تسجيل ثابتة، بل ظاهرة ديناميكية يُعيد الدماغ بناءها باستمرار، بدلاً من كونها مجرد تسجيل سلبي للأحداث.

هذا التحول في الفهم يتيح إدراك أن «النسيان» قد يؤدي وظيفة ضرورية أيضاً.

فالنسيان ليس فشلاً في الذاكرة، بل نتيجة عمليات تسمح للدماغ بتحديد المعلومات الأكثر أهمية لفهم العالم والتكيف معه.

تخيل لو أنك تتذكر كل تفاصيل يومك بالدقة نفسها: كل وجبة، كل إيصال، وكل محادثة. مثل هذا النظام لن يكون نعمة بل سيصبح عبئاً ثقيلاً. لذلك يحتاج الدماغ إلى الضغط والتلخيص والتخلص من المعلومات غير الضرورية، وهنا يصبح النسيان وسيلة لتعزيز المرونة السلوكية وإزالة المعلومات غير المهمة، تماماً كما يؤدي التخلص من الفوضى إلى تنظيم المنزل.

كيف يحدث النسيان؟

لا يمكننا أن نقرر النسيان بإرادتنا، تماماً كما لا يمكننا إجبار أنفسنا على النوم. وربما يكمن فهم النسيان في فهم كيفية التذكر نفسه.

أسرار التذكر

من بين كل ما نمر به يومياً، لا يتحول إلا جزء صغير جداً إلى ذكريات.

فالتكرار يرسل إشارة إلى الدماغ بأن المعلومة قد تكون مهمة لاحقاً، في حين يُحدد الانتباه ما يستحق أن يُخزن في «أرشيف» الذاكرة. ومن ثم، فإن الذاكرة ليست مجرد سجل للحياة، بل هي نتيجة لما ننتبه إليه.

ولهذا يمكننا، جزئياً، التأثير على ذاكرتنا عبر التركيز على ما نريد الاحتفاظ به، ومع مرور الوقت تتلاشى المعلومات غير المستخدمة.

أما العاطفة فهي عامل حاسم أيضاً، إذ تعمل بوصفها «مُحدد أهمية» للدماغ. فبسبب القرب بين الحُصين (Hippocampus) ومركز العاطفة (اللوزة الدماغية) تُصبح الذكريات المرتبطة بالمشاعر أكثر رسوخاً.

ولهذا نتذكر بسهولة يوم زفافنا أو لحظات الفوز الكبيرة لفريقنا المفضل، في حين يصعب تذكر تفاصيل يوم عادي، مثل ما تناولناه على الغداء.

وفي تجربة على مرضى ألزهايمر، رغم فقدان القدرة على تذكر أحداث الفيلم التي شاهدوها، فإن المشاعر التي أثارها بقيت لديهم، إذ استمر التأثير العاطفي حتى دون الذاكرة نفسها.

علم الأعصاب الحديث للنسـيان

بدأ علم الأعصاب مؤخراً فقط فهم الآليات البيولوجية للنسـيان.

فبعد أن كان يُعتقد أن النسيان مجرد تلاشٍ تدريجي للذكريات، تُشير الأدلة الحديثة إلى وجود ما يُعرف بـ«النسيان النشط»، وهو عملية بيولوجية تتم على المستوى الجزيئي، وعلى مستوى الشبكات العصبية.

وتخضع الشبكات العصبية المسؤولة عن تخزين الذكريات، والمعروفة باسم «خلايا الإنغرام»، لإعادة تشكيل مستمر طوال الحياة. كما أن النوم والتجارب الجديدة والنشاط البدني وحتى تكوّن خلايا عصبية جديدة، كلها عوامل تُساعد الدماغ على تحديث الذكريات القديمة وإفساح المجال للجديدة.

وتشير دراسات أيضاً إلى أن اضطرابات مثل القلق واضطراب ما بعد الصدمة والوسواس القهري والإدمان قد ترتبط بخلل في آليات «النسيان النشط».

كيف يمكننا أن ننسى بشكل أفضل؟

لا يمكننا أن نجبر أنفسنا على النسيان، لكن يُمكننا التأثير على ما يُعززه الدماغ، وما يتخلى عنه تدريجياً.

يمكننا التركيز على ما يهمنا حقاً، عبر تكرار القيم والعلاقات والأهداف التي نرغب في الحفاظ عليها، كما يمكننا تدريب أنفسنا على التخلي عن الضغائن الصغيرة والصراعات المتكررة.

ونستطيع أيضاً تحسين جودة النوم، وممارسة الرياضة بانتظام، وفتح المجال لتجارب جديدة. والأهم من ذلك، إدراك أن النسيان ليس دائماً فشلاً، بل قد يكون شكلاً من أشكال التعافي.

فالذاكرة تمنحنا الاستمرارية، لكنها ليست سجّلاً كاملاً، بل هي انتقائية وقابلة لإعادة البناء. ونحن لا نتشكل فقط بما نتذكره، بل أيضاً بما ننساه.

النسيان... ليس فقداناً بل تحرر

الانتباه يبني «أرشيف» الذاكرة، في حين يقوم النسيان بتحرير هذا الأرشيف وتعديله.

نحن نصبح ما ننتبه إليه، لكن العكس قد يكون صحيحاً أيضاً: نحن نتشكل بما نتوقف عن الانتباه إليه.

فالنسيان لا يمحو الماضي فحسب، بل يفتح الطريق للمستقبل.