«رسائل» زيارة الأسد إلى طهران: قلق من موسكو ومواجهة واشنطن

دمشق تريد «تأجيل الحل السياسي إلى ما بعد الحسم العسكري»

الأسد وخامنئي في طهران (أ.ب)
الأسد وخامنئي في طهران (أ.ب)
TT

«رسائل» زيارة الأسد إلى طهران: قلق من موسكو ومواجهة واشنطن

الأسد وخامنئي في طهران (أ.ب)
الأسد وخامنئي في طهران (أ.ب)


حملت الزيارة العلنية الأولى للرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران أكثر من «رسالة»، خصوصاً أنها جاءت بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإبقاء على جزء من قوات بلاده شرق سوريا وتشكيل «قوات سلام» أوروبية - أميركية و«منطقة أمنية»، وعشية زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى موسكو لاستعادة التنسيق العسكري في الأجواء السورية بعد تشغيل «إس 300»، في وقت تكثف فيه القصف على ريف إدلب، إضافة إلى تزامن الزيارة، وهي الأولى منذ 8 سنوات، مع تصعيد العمل لتشكيل اللجنة الدستورية وتراجع الحديث عن «التطبيع العربي» مع دمشق. ويمكن الإشارة إلى «الرسائل السبع» التالية:
1- عتب روسي: بحسب المعلومات، أعربت موسكو عن عدم ارتياحها لانتقادات الأسد في خطابه الأخير «مسار آستانة - سوتشي» لتشكيل اللجنة الدستورية؛ إذ إنه قال الأسبوع الماضي إن حكومته لن تساوم على دستور البلاد مع المعارضة المدعومة من تركيا، منتقداً عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة و«عملية سوتشي» لإجراء إصلاح دستوري. وقال الأسد: «الدستور هو مصير البلد، وبالتالي هو غير خاضع لأي مساومات أو مجاملات، وأي تهاون فيه قد يكون ثمنه أكبر من ثمن الحرب نفسها». ووصف مسؤولي المعارضة الذين تم اختيارهم للجنة الدستورية بأنهم «عملاء» تركيا التي تدعم فصائل المعارضة.
كانت روسيا قادت مع تركيا وإيران «عملية آستانة» واستضافت مؤتمر الحوار السوري في سوتشي في بداية العام الماضي لتشكيل لجنة من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني لإجراء إصلاح دستوري.
وردت موسكو، بحسب معلومات، على خطاب الرئيس الأسد، بأنها كثفت الاتصالات مع الأمم المتحدة للوصول إلى تفاهمات حول تعديل 6 أسماء في القائمة الثالثة التي توافقت عليها روسيا وتركيا وإيران.
من جهته، أطلع الرئيس حسن روحاني الأسد على نتائج القمة الروسية - التركية - الإيرانية، خصوصاً ما يتعلق بـ«وحدة سوريا، وخروج القوات الأجنبية غير الشرعية» ما يعني استثناء روسيا وميليشيات إيران، بحسب تفسير طهران.
2- إرضاء إيران: أبطأت طهران قبل 3 أشهر من تزويد دمشق بمشتقات النفط والمواد الغذائية للضغط على الحكومة السورية لتوقيع «اتفاق طويل الأمد» بين الطرفين، وهذا ما حدث خلال زيارة نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغیري إلى دمشق الأسبوع الماضي. وأعطت الاتفاقات امتيازات لها علاقة بالإعمار والمشروعات الاقتصادية، مما كان بمثابة رد على الضغوطات الروسية التي ظهرت في السنة الأخيرة للحصول على امتيازات استثمار الفوسفات والغاز والاتفاقات العسكرية. وأبلغ روحاني نظيره السوري بأهمية «إعطاء أولوية» لإيران في الإعمار.
3- التطبيع العربي: بدأت دول عربية في نهاية العام إعادة فتح سفاراتها في دمشق، وجرى الحديث عن «عودة الدور العربي إلى سوريا لمواجهة الدورين الإيراني والتركي»، لكن مسيرة التطبيع تجمدت وجرى تأجيل قرار عودة دمشق إلى الجامعة إلى ما بعد القمة العربية في تونس نهاية مارس (آذار) الحالي. ولا تخرج زيارة الأسد إلى طهران عن أنها رسالة للتمسك بـ«علاقة استراتيجية» مع طهران ضد جهود إخراج إيران من سوريا أو إبعاد دمشق عن طهران.
4- الوجود الأميركي: مرة ثانية، قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب نصائح حلفائه بإبقاء 200 جندي شرق الفرات، و200 جندي في قاعدة التنف. وطلب من دول أوروبية مساهمة عسكرية تصل إلى ألفي جندي لتشكيل «قوات سلام» وتثبيت الاستقرار شرق الفرات. ويعتقد مسؤولون أميركيون أن هدف واشنطن هو منع ظهور «داعش» وإضعاف نفوذ إيران. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) عن المرشد الإيراني علي خامنئي قوله للأسد إن «محاولات أميركا الرامیة إلى الوجود على الحدود العراقية - السورية نموذج آخر من المؤامرات»؛ مؤكداً أن «إيران وسوريا تشكلان العمق الاستراتيجي كلتيهما للأخرى»، فيما قال الأسد: «الأكراد والعشائر لديهم علاقات جيدة مع الحكومة، حتى إن بعض الجماعات التي سبق أن كانت معارضة للحكومة واشتبكت معها، أصبحت تؤيد الحكومة وتخالف الرؤية الأميركية». ويتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تنسيقاً روسياً - إيرانياً مع العشائر لإضعاف حلفاء واشنطن.
5- المنطقة الأمنية: نقلت «إرنا» عن خامنئي قوله إن «انتصار محور» دمشق - طهران دفع أميركا إلى «حبك مؤامرات جديدة»؛ معرجاً في هذا الخصوص على قضية المنطقة العازلة التي يحاول الأميركيون تطبيقها في سوريا، وأنه «أكد أنه ينبغي التصدي بحزم لهذه المؤامرات الخطرة».
ويتفاوض مسؤولون أميركيون وأتراك لإقامة «منطقة أمنية» بين جرابلس على نهر الفرات وفش خابور على نهر دجلة شمال شرقي سوريا، بحيث تكون بعمق بين 28 و32 كيلومترا وتنتشر فيها قوات دولية، لكن موسكو اقترحت تفعيل «اتفاق أضنة» بين دمشق وأنقرة، الأمر الذي تدعمه طهران. لكن تركيا ترفض القيام باتصالات سياسية مع دمشق مع موافقتها على اتصالات أمنية لمحاربة «حزب العمال الكردستاني» بعمق 5 كيلومترات. وهناك من يسعى إلى استعادة تنسيق إيراني - سوري - تركي ضد قيام «كيان كردي» كما حصل بين الدول الثلاث ضد كردستان العراق نهاية التسعينات.
6- مثلث الشمال: لا تزال دمشق تضغط عسكرياً للقيام بعمل عسكري في ريف إدلب بدعم من إيران لـ«جر روسيا إلى هذا الخيار»، لكن موسكو تلتزم إلى الآن الاتفاق مع تركيا لخفض التصعيد في «مثلث الشمال». وإذ عزز الجيش التركي نقاطه هناك بعدما حصل على تمديد من روسيا لخفض التصعيد، كثفت قوات الحكومة السورية قصفها على مدينتي خان شيخون ومعرة النعمان على الطريق الرئيسية بين حماة وحلب. ويعتقد أن إيران تدعم دمشق في ذلك للضغط على تركيا كي تبتعد عن «المشروع الأميركي» شمال شرقي سوريا.
7- خريطة مواقع إيران: بحسب مصادر إعلامية، أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو أول من أمس بـ«خريطة مواقع إيرانية» في سوريا، وأنه طلب التنسيق العسكري لدى بدء روسيا تشغيل منظومة «إس 300» الجديدة في سوريا. واستهدفت الزيارة أيضاً طي صفحة التوتر بين موسكو وتل أبيب بعد إسقاطها طائرة روسية غرب سوريا في سبتمبر (أيلول) الماضي. واستهدفت زيارة الأسد التنسيق العسكري المضاد بعدما تعرضت مواقع إيرانية لغارات إسرائيلية عدة وسط صمت روسي.
لا شك في أن حضور قائد «فيلق القدس» قاسم سليمان لقاءي الأسد مع خامنئي وروحاني مؤشر على حضور الجانب العسكري - الأمني، وزيادة التنسيق بينهما إزاء الوجود الأميركي و«المنطقة الأمنية» وإدلب والغارات الإسرائيلية، وغياب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف دليل على تراجع أهمية البعد السياسي المتعلق بمسار اللجنة الدستورية والعملية السياسية... أي تأجيل البحث السياسي إلى «ما بعد الحسم العسكري وخروج القوات الأجنبية»... عدا روسيا وإيران.



مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
TT

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انطلاق مجلس النواب الجديد وبدء جلساته.

ودعا مجلس النواب (الغرفة الرئيسية للبرلمان) لاجتماع مهم، الثلاثاء المقبل، لمناقشة التعديل الوزاري الجديد... ويقول برلمانيون إن «الدعوة العاجلة تأتي لمناقشة برنامج الحكومة».

ولن تشهد الحكومة المصرية تغييراً كاملاً، حيث سيستمر رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، في منصبه، وفق مصدر مطلع، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «نسبة التغيير في الحقائب الوزارية تتراوح ما بين 9 إلى 12».

وأدّى مدبولي اليمين رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) 2018؛ وبعد عام ونصف عام تقريباً، حصل التعديل الأول على تشكيل الحكومة، وانضم 6 وزراء جدد إليها. وبعد إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة، وفي 3 يوليو (تموز) 2024، أدّت حكومته اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل، شملت حقائب وزارية جديدة.

وبعد انعقاد مجلس النواب المصري بتشكيله الجديد، في 12 يناير (كانون الثاني) الماضي، زادت التوقعات والتكهنات لدى وسائل الإعلام المحلية، بشأن «التغيير الوزاري وطبيعة التعديلات المنتظرة».

ووجَّه مجلس النواب أعضاءه لاجتماع طارئ، الثلاثاء المقبل، وذلك «للنظر في أمر هام»، وفق إفادة صادرة عن الأمين العام للمجلس، أحمد مناع.

وربط عضو مجلس النواب مصطفى بكري، بين الدعوة ومناقشة التعديل الوزاري، وقال عبر حسابه الشخصي على منصة (إكس)، إن «البرلمان سيناقش في جلسة الثلاثاء التعديل الوزاري، برئاسة مصطفى مدبولي، بعد اعتماده من رئيس الجمهورية».

وتحدث بكري عن 4 مفاجآت في التغيير المقبل، مشيراً إلى ارتباطه «بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز في إطار برنامج الحكومة السابق، كما أن هناك تصعيداً لبعض الشخصيات التي أثبتت قدرتها على النجاح في أعمالها السابقة، واسم أحد المحافظين يبرز بقوة»، متوقعاً إجراء حركة محافظين عقب التغيير الحكومي.

وتأتي مناقشة البرلمان للتعديل الوزاري قبل أداء الوزراء اليمين أمام رئيس الجمهورية، تنفيذاً للمادة 147 من الدستور، التي نصت على أن «لرئيس الجمهورية، إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ورجح عضو مجلس النواب، ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، أن «يشمل التعديل الوزاري 9 حقائب أو أكثر قليلاً»، وقال: «من المقرر أن يناقش البرلمان برنامج الحكومة بالكامل، بما في ذلك الأسماء الجديدة المرشحة لحقائب وزارية»، مشيراً إلى أن «أعضاء البرلمان سيصوتون على برنامج الحكومة، بتشكيلها الجديد، دون مناقشة الأسماء المرشحة».

وتنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب. فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال 60 يوماً من تاريخ صدور قرار الحل».

ولا يمانع مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من استمرار مدبولي في رئاسة الحكومة، وقال إن «رئيس الوزراء الحالي أثبت جدية في ممارسة مهامه خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أنه «يواجه تحدياً يتعلق بعدم شعور المصريين بثمار الإصلاح الاقتصادي»، ونوه إلى «ضرورة اختيار نائب رئيس وزراء للمجموعة الاقتصادية، من أجل مواصل الإصلاح».

لا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، عصام خليل، الذي قال: «يجب أن تعطي الحكومة الجديدة أولوية لملف الاقتصاد، بتخصيص حقيبة وزارية للاقتصاد، بسياسات جديدة»، مشيراً إلى أن «التغيرات العالمية سياسياً واقتصادياً، تفرض وضع هذا القطاع في أولوية العمل الحكومي».

ودعا خليل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة أن «يشمل التعديل الوزاري تعديلاً موازياً في السياسات، سواء بدمج وزارات أو استحداث أخرى»، وقال إن «القضية ليست في تغيير الأشخاص، لكن في تغيير المنهج الحكومي في القطاعات التي لم تؤت ثمارها، خصوصاً القطاعات الخدمية التي ترتبط بشكل مباشر بالمواطن في الشارع».


مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

وبحسب بيان صادر عن السلطات المحلية في تطوان، فقد باغتت فيضانات مفاجئة سيارة تقل 5 أشخاص على طريق يقع بالقرب من أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة، قبل أن تجرفها المياه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت في بيان: «أسفرت عمليات التمشيط والبحث، خلال ليلة السبت (إلى الأحد)، عن انتشال جثتي ضحيتين» هما فتاة تبلغ 14 سنة وطفل يبلغ سنتين.

وأضافت أنه تم، صباح الأحد، «العثور على جثتين أخريين» لطفل يبلغ 12 سنة ورجل ثلاثيني، موضحة أن «عمليات البحث متواصلة للعثور على الشخص الخامس».

منذ الأسبوع الماضي، تم إجلاء أكثر من 150 ألف شخص في شمال غربي البلاد بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أدت إلى إصدار تحذيرات جوية في مناطق عدة.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار سوء الأحوال الجوية حتى الثلاثاء.


مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.