سامي كلارك: أحنّ إلى تلك الحقبة الذهبية عندما كان الفنان يتم تقديره

اعتبر عودته إلى الساحة تأكيداً أنه {لا يصحّ إلا الصحيح»

يحيي سامي كلارك في 13 مارس الحالي حفلة غنائية في السعودية
يحيي سامي كلارك في 13 مارس الحالي حفلة غنائية في السعودية
TT

سامي كلارك: أحنّ إلى تلك الحقبة الذهبية عندما كان الفنان يتم تقديره

يحيي سامي كلارك في 13 مارس الحالي حفلة غنائية في السعودية
يحيي سامي كلارك في 13 مارس الحالي حفلة غنائية في السعودية

قال الفنان سامي كلارك إنه يفتقد أيام الحقبة الذهبية للغناء في لبنان عندما كان الفنان يتم تقديره. ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لقد كانت حقبة الفن الحقيقي إذ كنّا نتعب ونجاهد ونكافأ في الوقت ذاته لأن القيمين على الساحة الفنية كانوا يقدّروننا. وكنا وقتها نتنبه بدقة للكلام الذي سنغنيه واللحن الذي نختاره فلا نستخف بالمستمع بتاتا. أما اليوم فبات بعض الفنانين يستسهلون العمل الغنائي فيلهثون وراء الربح المادي ليس أكثر بغض النظر عن الرسالة الفنية المقدسة التي يحملونها».
فسامي كلارك الذي ساهم في تلميع وجه لبنان الفني في السبعينات والثمانينات وصولاً إلى الألفية الثانية، يعدّ رمزاً من رموز الفنّ اللبناني الأصيل رغم اتخاذه هوية غنائية مغايرة تماماً عن زملائه في تلك الفترة. فهو إضافة إلى خامة صوته المميزة التي تستطيع أن تتعرّف عليها بين آلاف من المغنين، استطاع استحداث خط غنائي حديث، جمع فيه النغمتين الشرقية والغربية، دون أن يهمّش دور أي منهما. فحفرت أغانيه مثل «موري موري» و«قومي تنرقص» و«آه على هالأيام» و«تايك مي وز يو» وغيرها في ذاكرة اللبنانيين على مدى أجيال.
«طبعاً أشعر بالفخر والامتنان كون أغانيّ لا تزال مطلوبة ومسموعة من قبل أجيال متتالية. ورغم الكبوة الفنية التي مررت بها لفترة صغيرة بسبب الحروب التي دمّرت قيمنا الفنية والاجتماعية والضياع الذي ساد الساحة ككل، فإن عودتي اليوم على الساحة وبقوة، تؤكّد أنه لا يصح إلا الصحيح. فالفرص عادت تلوح أمامي وأمام زملائي من جيلي ولو بقينا إلى حين في الظل».
ويرى سامي كلارك أنه حارب للبقاء على الساحة فأسس مع زميليه من جيله عبدو منذر والأمير الصغير فرقة «غولدن أيدج» للحفاظ على الأغنية الأصيلة وتعريف الجيل الجديد عليها. كما شارك في إحياء حفلات غنائية وفي إطلالات إعلامية كثيرة طيلة تلك الفترة لأنه كان يعلم أن الفن الحقيقي لا يمكن أن يموت. وعن أسباب عودة البحث عن الفنانين الأصيلين في هذا الوقت يردّ: «إن القيمين على الساحة لم ينسونا يوماً لأن أعمالنا تفرض نفسها على الساحة دون شك فبقينا موجودين. لكن الإعلام بشكل عام كان متلهياً في تغطية مآسي الحروب المحيطة بنا، كما كان التركيز بشكل أكبر على فقاقيع الفن، أي على مواهب غير حقيقية يهمها الشهرة ولو جاءت على حساب الكفاءة والتقدير. حتى شركات الإنتاج الفنية وقعت في فخّ هؤلاء كما ساهمت أيضاً في إعطائهم حيزاً لا يناسب حجمهم الحقيقي. فالقيم الاجتماعية انقرضت وكذلك احترام الوقت. فتحوّل الفنان إلى سلعة يتاجر بها، وتتحكّم بها تلك الشركات، ما أدّى إلى فوضى فنية عارمة».
وما رأيك بالساحة اليوم؟ يرد: «هي برأيي طبق سلطة تم تحضيره باستخفاف، إذ يتألف من مكونات مضرة وأخرى مفيدة. ففيه ألوان غنائية هابطة، وأخرى تهمّش الرومانسية والكلاسيكية، مقابل ثالثة حلوة، وهي أقلية تجذب السمع. حتى كلام الأغاني تبدّل وأخذ منحى غير لائق مرات، ما دمّر مفاهيم الحب والعاطفة بشكل عام. فسيلزمنا وقت طويل لغربلة الساحة وإعادتها إلى الخط الملائم، كوننا نعيش في عصر يحكمه الفضاء الرقمي، ولا نعرف إلى أين سنصل معه». ويضيف: «حتى برامج المواهب الفنية التلفزيونية لم تعد تتحلّى بنكهة الأمس الدسمة، وجمهورها يصوّت فيها بشكل عشوائي وعشائري في آنٍ، لأنه يفتقد الثقافة الفنية. ففي الماضي كانت هناك لجان حكم متخصصة، تقدّر الصوت والموهبة وتشتم رائحتهما من بعيد، عكس ما نراه اليوم في بعض هذه البرامج».
وسامي كلارك الذي أطلّ مؤخراً في برامج تلفزيونية كثيرة سلّطت الضوء على مسيرته الغنائية الرائدة، ولا سيما الدور الذي لعبه في أداء أغاني أفلام رسوم متحركة، اشتهرت بفضله، فرددها الكبار والصغار من أجيال مختلفة كـ«غريندايزر» و«جزيرة الكنز» وغيرها، ساهمت في تجديد نجوميته كواحد من رموزها، يعلّق: «بالفعل هناك هجمة إعلامية عليّ اليوم بحيث حللت ضيفاً على عدة قنوات محلية وفضائية عربية كـ(لهون وبس) على شاشة (إل بي سي آي) مع الإعلامي هشام حداد وفي برنامج (صاحبة السعادة) على شاشة (دي أم سي) مع النجمة المصرية إسعاد يونس. كما أطللت في مهرجانات عربية في (ماس ماش) في أبوظبي وفي الدمام في السعودية، من ضمن فعاليات مهرجان (مانغاكون). كل ذلك ساهم في عودتي الثابتة على الساحة، وهو أمر يفرحني دون شك». ويشير الفنان اللبناني إلى أنه تفاجأ برد فعل الجمهور السعودي وحفظه أغانيه بشكل لافت، ويقول: «في الحقيقة هذا الأمر فاجأني جداً عندما أحييت حفلة غنائية في منطقة الدمام منذ نحو 8 أشهر. فهم يتابعوني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فغنوا معي (قومي تا نرقص) و(غريندايزر) وغيرها فشعرت كأني في بلدي لبنان. حتى إن استقبالهم لي كان رائعاً وأثر بي كثيراً. وأنا متحمس جداً للعودة إلى السعودية في 13 مارس (آذار) لتقديم حفل غنائي هناك في مهرجان الأفلام المتحركة، كون صوتي يشكل أحد رموزها في العالم العربي».
وعما إذا كان يتوقع النجاح الساحق لأغنية «غريندايزر» التي رافقت عروض مسلسل الرسوم المتحركة الذي يحمل الاسم نفسه، يجيب: «لم أكن أتوقع هذا الأمر بتاتاً في ذلك الحين واكتشفت فيما بعد أن اسمي غير مذكور على الجينيريك الخاص به، وكذلك اسم كاتب كلمات الأغنية موفق شيخ الأرض، وهو أمر أحزنني. فكيف لشركة إنتاج محترمة أن تنسى ذكر هذه الأسماء التي ساهمت في شهرة رسوم الكرتون تلك؟». لكن الجميع يعرف بفضل نبرة صوتك الأوبرالية أنك مؤدي هذه الأغنية؟ «هذا صحيح، ولكني كنت أفضل أن يتم ذكر اسمي توثيقاً لمشاركتي في هذا العمل».
وعن رأيه بطبيعة صوته التي لا تشبه أحداً غيره على الساحة، يقول: «إنه من الطبيعي أن يتمتع الفنان بهويته الخاصة، إن بأدائه أو بصوته. ولا أفاخر إذا قلت إن لصوتي وثقافته الموسيقية ما يميّزه عن غيري. فأنا جمعت النغمة الشرقية مع تلك الغربية، ونجحت في ذلك، وأحضّر ابني سام جونيور ليمشي في الطريق نفسه».
ويؤلّف سامي كلارك حالياً مع ابنته ساندرا وابنه سام جونيور «ثلاثياً غنائياً»، تشرف على إدارة أعماله وتنسيقها زوجته. «إنني بصدد إحياء حفلات معهما، إضافة إلى تشجيعي لهما لتسجيل أغانٍ وكليبات مصورة خاصة بهما. فقريباً سنشاهد لساندرا كليب أغنية بعنوان (نفنف يا ثلج) وهي أغنية قديمة لي أعيد توزيعها الموسيقي لتنشدها بصوتها. أما سام فهو بصدد طرح أغنية خاصة به قريبا بعنوان (أنت عمري أنت)، كما أركّز معها على تقديم الأغاني القديمة من نوع (أولديز)؛ لأن هناك شريحة لا يستهان بها من اللبنانيين يحبونها».
وعما إذا هو عاتب على شركات الإنتاج بشكل عام، إذ لا تفكر في ضمّه إليها. يرد: «لم أتكل يوماً على شركة إنتاج طيلة مشواري الفني إذ كنت أتولى شخصيا إنتاج أعمالي على أن توزعها شركات أمثال (شاهين) و(في أو إل) و(صوت بيروت) و(الخوري) وغيرها. ولذلك لا يهمني هذا الموضوع ولا عتب عندي تجاه أحد».
وعن عملية انتقاده في إطلالة تلفزيونية له مؤخراً تحدّث فيها عن أغانٍ ساهمت في شهرته دون أن يذكر أحد ملحنيها إلياس الرحباني، يقول: «لقد تم حذف مقاطع كثيرة من لقائي هذا بفعل عملية المونتاج لاختصار الحلقة مع الوقت المخصص لها. ومن بينها مقطع ذكرت فيه الموسيقار إلياس الرحباني. فأنا أكن له كل احترام وعلاقتي به وطيدة وتعاونت معه مؤخرا في لحن جديد».
ويستعد سامي كلارك لإنزال ألبوم غنائي جديد بالغربية، وأغنيتين بالعربية، لحنها له الموسيقي الراحل زكي ناصيف قبل وفاته بسنين قليلة، وهي «يا هلا بغيّابنا» و«يا دنيي شتي ألحان». ويقول: «أما أقرب هذه الأعمال التي سترى النور فهي (حبّ الأيام) لإلياس الرحباني التي أنوي تصويرها وطرحها في الأسواق مع بداية فصل الربيع».



آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

يضع أريجان النبض الشبابي في موسيقاه التصويرية (أريجان سرحان)
يضع أريجان النبض الشبابي في موسيقاه التصويرية (أريجان سرحان)
TT

آري جان سرحان لـ«الشرق الأوسط»: بين التراث والحداثة أصنع هويتي

يضع أريجان النبض الشبابي في موسيقاه التصويرية (أريجان سرحان)
يضع أريجان النبض الشبابي في موسيقاه التصويرية (أريجان سرحان)

تتعدّد مواهب الفنان السوري آري جان سرحان، إذ يجمع بين التمثيل والغناء والتلحين. غير أنّ نجمه سطع في عالم التأليف الموسيقي، فحجز لنفسه مكانة بين الفنانين المبتكرين، مقدّماً أعمالاً تمزج بين الأصالة والتراث من جهة، والحداثة والتطوّر من جهة أخرى.

اسمه الذي يعني «نار الروح» لم يكن مجرّد صدفة، بل انعكس بوضوح في موسيقاه. فكما يُقال: «النار المتقدة في القلب لا يطفئها برد الأيام»، وهو ما ترجمه في مقطوعات تنبض بشغف واضح ودراسة معمّقة. جاءت أعماله أشبه بنار متقدة شقّت طريق موهبته بثبات، محققاً حضوراً لافتاً في الموسيقى التصويرية لأفلام وأعمال درامية سورية.

يستعد لتلحين أغنية للممثل معتصم النهار تتلون بالكوميديا (أريجان سرحان)

أخيراً، لمع اسمه من خلال تعاونه مع المخرج سامر البرقاوي، حيث شكّل معه ومع النجم تيم حسن ثلاثية فنية ينتظرها الجمهور في الموسم الرمضاني من كل عام، في أعمال من بينها «تاج» و«الزند» و«تحت سابع أرض».

أما في مسلسل «مولانا»، فقد حقّق قفزة نوعية في مسيرته، مقدّماً «الدلعونا» بمشاركة صوت الأيقونة منى واصف. فجاءت شارة البداية كلوحة سوريالية تأخذ المستمع إلى فضاءات فنون بلاد الشام. وفي شارة النهاية، حملت أغنية «رسمتك» بصوت سارة درويش بصمة مختلفة. ومعها سطّر دخولاً متوّهجاً إلى مصافّ صُنّاع الهوية الموسيقية في الدراما العربية.

ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت مشواري مع الموسيقى التصويرية من خلال أفلام قصيرة. أما أول مسلسل وضعت موسيقاه التصويرية فهو (شهر زمان). ولكن مع (الزند) خضت تجربة العمل الفني المعمّق. فصرت أتعاطى مع الموسيقى بالبحث والدراسة. فهو عمل يرتكز على حقبات تاريخية مختلفة شهدتها سوريا. وكان عليّ أن ألحق بتفاصيلها موسيقى تجاريها في العمق».

نفّذ الموسيقى التصويرية لمسلسل {مولانا} (أريجان سرحان)

أما قصة تعاونه مع سامر البرقاوي فيختصرها بالتالي: «هو مخرج يبحث عن الابتكار. يجيد التقاط النفس الجديد إن في التمثيل أو في التلحين. تعرّف إليّ من خلال أغنية (كفوكام) للفنانة أصالة، فاتصل بي وجلسنا معاً، وكانت بداية تعاوننا معاً».

تأثّر آري جان بالرحابنة، فزرعوا عنده حب الموسيقى النابعة من الأرض والوطن. «رغم دراساتي المكثفة في الموسيقى وبينها ما تعلمته في المعهد الفني عن باخ وبيتهوفن وغيرهما، فإنني تأثرت بالرحابنة. كما أن الراحل زياد الرحباني الذي أعدّه في طليعة الموسيقيين العرب، طوّر شغفي الموسيقي».

يعتبر الفنان السوري أن موسيقاه اليوم صارت أكثر نضجاً، وهو ما أسهم في نجاحه في «مولانا»: «هناك عناصر عدة فنية اجتمعت في مسلسل (مولانا)، نتج عنها هذا الانتشار. وأركانها الأساسية تتألف من صوت منى واصف في شارة البداية. فلقد بدّلت في وجه (الدلعونا) التقليدي والمعروف، وزودّته بنفس حديث تطلّب مني الجرأة. فولدت ثلاثية الحداثة والأصالة والجرأة».

يحلم آري جان في الالتقاء بالسيدة فيروز وتقديم لحن لها (أريجان سرحان)

يتمتع آري جان بخلفية موسيقية عميقة قد تكون وليدة إجادة عزفه على آلة البزق. ويعلّق في سياق حديثه: «بصراحة لا أعرف تفسير الخلطة الموسيقية التي عندي. ولكنني كملحن أحاول صنع موسيقى ملحمية تجمع بين التراث والتيمة المطلوبة. وهذه الأخيرة تلعب دوراً رئيسياً لتقديم الموسيقى التي تلخص العمل. تلعب الموسيقى التصويرية دوراً مزدوجاً في الأفلام والمسلسلات. تجذب المشاهد من ناحية، وتواكب أحداث العمل من ناحية ثانية. وكي تولد حقيقية خالية من أي مبالغة يجب أن تدخل طيات العمل من دون ضجيج، فتخدم القصة بتقاطعاتها، وألونها، كي تصيب الهدف. لذلك يمكن للموسيقى التصويرية أن تعزز المشهد الدرامي لأي نوع انتمى. فأي عمل مصوّر لا تواكبه موسيقى تصويرية ناجحة، لا يمكن أن يبلغ هدفه. فهي برأيي الروح الثانية للنص، ومن دونها نشعر بفراغٍ كبيرٍ».

يركن آري جان إلى العزلة عندما ينوي تلحين مقطوعة موسيقية. وحين تتعلق بمسلسل درامي يطلب الاطلاع على النص. يقرأه بتفاصيله لأن أي معلومة فيه قد تلهمه في صناعته الموسيقية، ويمكن أن تأخذه في رحلة بحث طويلة يطّلع خلالها على كتب ومدونات لصقلها. «من المهم جداً أن أتناقش مع المخرج، فالموضوع ليس قصة إلهام، بل تعمّق وبحث».

يقول إنه يعمل على تطوير نفسه باستمرار «ويجب أن أنتقد نفسي وأبحث عن الثغرات التي تشوب أعمالي. تخيلي أني اليوم أتوق إلى سماع موسيقى (مولانا)، ولكن مجرد التفكير بالأمر يخيفني».

يحلم آري جان بالالتقاء بالسيدة فيروز وتقديم لحن لها: «راودتني هذه الفكرة إثر تأليفي موالاً جميلاً نابعاً من أجواء بلاد الشام». ومن الجيل الجديد يلفته حسين الجسمي، وهو معجب بتجاربه الموسيقية الدرامية. فيما لا يخفي تأثره بالراحل ملحم بركات، وكان يتمنى لو التقاه ولو لمرة واحدة.

اشتهر آري جان بتأليف أغنيات تروي قصص حياة ويوميات المواطن، ومن بينها «ركب الأصانصير» للفنان أيمن رضا: «أحاول من خلالها الإضاءة على حياتنا وما نعيشه في بلادنا. وعادة ما تأخذ أغنياتي طابعاً سياسياً واجتماعياً».

حالياً، يستعد لتلحين أغنية للممثل معتصم النهار. ويذكر لـ«الشرق الأوسط» أنها ستكون تجربة جديدة «لأنها تتلون بالكوميديا وتتلقف حالة اجتماعية معينة».

وعن مشاريعه المستقبلية، يقول: «أتمنى العمل في الدراما السعودية، ولا سيما أنها قدّمت في موسم رمضان الفائت أعمالاً ناجحة تابعها المشاهد العربي. وكنت أتمنى لو شاركت في وضع موسيقى مسلسل (شارع الأعشى). لقد سبق أن قمت بتجربة مماثلة في المسلسل الكوميدي السعودي (سندوس). فالدراما السعودية تبرهن يوماً بعد يوم على تطور في موضوعاتها، وفي مسار العمل كله».


مصطفى تمساح لـ«الشرق الأوسط»: الصدق يعرقل النجاح فنياً

برأيه أن المغني لا يتفوق بفنه على العازف (مصطفى تمساح)
برأيه أن المغني لا يتفوق بفنه على العازف (مصطفى تمساح)
TT

مصطفى تمساح لـ«الشرق الأوسط»: الصدق يعرقل النجاح فنياً

برأيه أن المغني لا يتفوق بفنه على العازف (مصطفى تمساح)
برأيه أن المغني لا يتفوق بفنه على العازف (مصطفى تمساح)

منذ نعومة أظافره، رافقه شغفه بالموسيقى، حتى ارتبط اسم مصطفى تمساح بآلات الإيقاع، فلُقّب بـ«سيّد الإيقاع». هو موسيقي لبناني يتميّز بموهبة لافتة كونه عازفاً، إذ ابتكر أكثر من آلة، مستهلاً تجاربه باستخدام أدوات بسيطة كالتنكة والبرميل وغطاء الحديد. وكان يعيد تشكيل هذه الأدوات لتتحوّل إلى آلات إيقاعية تنبض بنوتات حماسية.

يقول إنه سار في مشواره وحيداً، فلم يتّكل على أحد لشقّ طريقه في ساحة تزدحم بالمواهب الموسيقية. لكنه نجح في حجز مكانة له، فرافَق أبرز نجوم الغناء في لبنان والعالم العربي. ويعلّق لـ«الشرق الأوسط»: «لا أرى نفسي (سيّد الإيقاع) كما يوحي لقبي. فما زلت حتى اليوم أكتشف وأتعلّم لصقل موهبتي. حبي للإيقاع لا حدود له، فهو يسري في دمي، ولن أملّ من الاجتهاد لتوسيع معرفتي».

ورغم كل النجاحات التي حققها، لم يسعَ يوماً للبقاء تحت الأضواء. فبعيداً عن التباهي واللهاث وراء الشهرة، يفضّل العمل بصمت. فهل أسهم حجم الجهد الذي بذله في نيل التقدير الذي يستحقه؟ يردّ: «الشخص الشغوف بعمله لا ينشغل بهذه التفاصيل. وعندما أجتهد، أكون في الواقع أكرّم نفسي. أشعر بسعادة كبيرة عندما أحقق اكتشافاً جديداً في موسيقاي، وهذا الفرح يروي عطشي للاستمرار في طريق اخترته عن قناعة وإصرار».

ابتكر آلات موسيقية جديدة من خلال تجارب أجراها بنفسه (مصطفى تمساح)

ويرى مصطفى تمساح أن تأخّر تقدير موهبته قد يعود إلى سبب بسيط: «كوني لا أجامل ولا أتقن الزيف أو التغاضي عن الخطأ، ما جعل طريقي أكثر صعوبة. فالشخص المتلوّن قد يصل إلى أهدافه بسرعة أكبر، لكنني آثرت التمسّك بقناعاتي، وهو ما صعّب الأمور عليّ. فالصدق طريقه شاق، ويعيق نجاح صاحبه» في الساحة الفنية.

يشير إلى أنه عندما بدأ مشواره في عالم الإيقاع، لم يكن هذا الفن قد انتشر بعد في لبنان.

استطاع لفت النظر بموهبته الفنية اللامعة (مصطفى تمساح)

ويقول: «كنت أبتكر آلات جديدة من خلال تجارب أجريها بنفسي، وأطّلع على تطوّر هذا الفن في الخارج لأطبّقه بأسلوبي الخاص. هذا الأمر أسهم في ولادة ثقافة إيقاعية جديدة محلياً. كما لفتت اختراعاتي انتباه موسيقيين وأصحاب متاجر لبيع الآلات الموسيقية، ما دفعهم إلى التواصل معي للاستفادة من خبرتي في تحديد حاجات السوق المحلية، بهدف تطويره». وعن أهمية الإيقاع في المشهد الموسيقي، يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «الإيقاع يشبه نبض القلب، إذ يخلق توازناً بين الآلات الأخرى. فالعازف على الإيقاع يُعرف بـ(ضابط الإيقاع)، وتكمن مهمته في ضبط السرعة وتثبيتها لتلتزم بها باقي الآلات، فتنسجم ضمن نمط موسيقي واضح ومتناسق».

تعاون مصطفى تمساح مع عدد كبير من الفنانين اللبنانيين والعرب، فعاش الحقبة الذهبية للفن، كما واكب مرحلته الراهنة. وعن الفارق بين الأمس واليوم على الساحة الفنية، يقول: «لا شك أن الموسيقى تشهد تطوراً ملحوظاً، لكنها في المقابل تعاني من موجة غير صحية. ففي الماضي، كان الموسيقي يلتزم الأصول والقواعد، ولم يكن من السهل دخول هذا المجال من قبل أشخاص غير ملمين به. أما اليوم، فقد غابت هذه الأسس، وزادت وسائل التواصل الاجتماعي من حدة الظاهرة. بات بإمكان أي شخص أن يعزف ويلحن ويغني من دون التقيد بالركائز الأساسية».

شغفه للإيقاع يلازمه منذ صغره (مصطفى تمساح)

وعن عدم تقدير العازف في لبنان معنوياً ومادياً، بحيث لا يتساوى مع المغني بنجاحاته يعلّق: «هذه المقولة صحيحة، إذ إن العازف لا يحظى بالتقدير الكافي. لكنني أرفض هذا الواقع ولا أتقبّله.

فمن وجهة نظري، لا يتفوّق المغني بفنّه على العازف، فنحن نكمّل بعضنا البعض ونتشارك النجاح. وهناك فنانون يقدّرون الموسيقي ويولونه اهتماماً كبيراً. من بينهم ماجدة الرومي وعاصي الحلاني وصابر الرباعي وسميرة سعيد وديانا حداد، إذ يحرصون على راحة العازف وتقديره معنوياً ومادياً».

أطمح لنيل التقدير المعنوي الذي يوازي كل ما بذلته منذ بداياتي حتى اليوم

مصطفى تمساح

ورغم غياب التشجيع والدعم بشكل عام للعازف الموسيقي في لبنان، لم يؤثر ذلك على مسيرة مصطفى. ويوضح: «عندما أعزف، أنسى كل هذه الأمور، وأركّز على نقل فرح الموسيقى إلى الناس. وحتى إن كان المقابل المادي أقل مما أستحق، لا أستطيع إلا أن أعزف بصدق وشغف. نحن اليوم نعيش زمناً يشهد تراجعاً فنياً في أشكال متعددة، ما انعكس سلباً على الأجور التي نستحقها. كما أن بعض المطربين لا يترددون في التعاون مع عازفين غير محترفين، مكتفين بشهرتهم لإنجاح حفلاتهم، من دون الاكتراث لأهمية وجود موسيقيين محترفين. وهذا ما أوجد خللاً في المشهد، حيث يعاني الموسيقي الأصيل من قلة الفرص، فيما يحظى العازف الأقل خبرة والأدنى أجراً بطلب أكبر».

ومن هذا المنطلق، استطاع مصطفى تمساح أن يحمي نفسه من تقلبات المهنة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «بفضل مسيرتي الموسيقية الطويلة، تمكنت من تأسيس عمل موازٍ ينبع من شغفي بالمهنة. يرتكز هذا المسار على تقديم حفلات وعروض خاصة على المسرح، سواء من خلال افتتاح حفلات ضخمة، أو إحياء حفلات زفاف، أو العزف إلى جانب المايسترو إيلي العليا. لم أعزل نفسي، بل سعيت إلى بناء شبكة أمان تضمن لي الاستمرارية».

وعن طموحاته، يختم لـ«الشرق الأوسط»: «على الصعيد العام، أتمنى أن يعمّ السلام لبنان وسائر بلدان المنطقة. أما على المستوى الشخصي، فأطمح إلى نيل التقدير المعنوي الذي يوازي كل الجهد والتعب الذي بذلته منذ بداياتي حتى اليوم. فقد اعتمدت على نفسي وواجهت تحديات المهنة بمفردي.

وأتمنى أن أترك بصمة واضحة في الساحة الفنية، لا سيما أن أفكاري باتت اليوم أقرب إلى مدرسة يتعلّم منها كثيرون».


تامر كروان: تأليف الموسيقى التصويرية للأعمال الكوميدية مهمة صعبة

برأي تامر أن تعامله مع السينما يختلف جذرياً عن التلفزيون (حسابه على «فيسبوك»)
برأي تامر أن تعامله مع السينما يختلف جذرياً عن التلفزيون (حسابه على «فيسبوك»)
TT

تامر كروان: تأليف الموسيقى التصويرية للأعمال الكوميدية مهمة صعبة

برأي تامر أن تعامله مع السينما يختلف جذرياً عن التلفزيون (حسابه على «فيسبوك»)
برأي تامر أن تعامله مع السينما يختلف جذرياً عن التلفزيون (حسابه على «فيسبوك»)

قال المؤلف الموسيقي المصري، تامر كروان، إن حضوره الدرامي في الموسم الرمضاني الماضي بثلاثة مشروعات دفعة واحدة يضعه أمام مسؤولية مضاعفة قبل أن يكون إنجازاً مهنياً، مشيراً إلى أن كل عمل درامي له روحه التي تميزه وجمهوره، بشكل لا يسمح بوجود أي تشابه في التيمات أو تقاطع بالمشاعر بين مسلسل وآخر، ومن ثم يكمن التحدي الحقيقي في الحفاظ على هوية كل مشروع، بحيث تبدو الموسيقى وكأنها وُلدت من داخله، وليست مفروضة عليه.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن اختلاف البيئات الدرامية يفرض بالضرورة اختلافاً في الإيقاع والاختيارات الموسيقية، مشيراً إلى أن «اللهجة وإيقاع الأداء التمثيلي يؤثران مباشرة في صياغة الجُملة الموسيقية، فضلاً عن أن الدراما المصرية لها طابعها، على العكس من خصوصية الدراما الشامية أو الخليجية التي تحمل إيقاعاً مختلفاً ليس فقط في الكلام، بل في البناء النفسي للشخصيات».

خلال العمل في الاستوديو (حسابه على «فيسبوك»)

ووضع الموسيقار تامر كروان الموسيقى التصويرية لثلاثة أعمال درامية هي المسلسلان المصريان «حكاية نرجس» و«اللون الأزرق»، بالإضافة إلى المسلسل السوري «بخمس أرواح».

أكد تامر كروان أن اختيار الآلات لا يتم بشكل عشوائي، بل يخضع لدراسة لطبيعة المكان والسياق الاجتماعي، فالموضوع الشعبي مثلاً يحتاج إلى معالجة تختلف تماماً عن العمل النفسي أو الرومانسي، حتى يصل الإحساس صادقاً إلى المشاهد، لافتاً إلى أنه يفضِّل أن تكون الموسيقى التصويرية موظَّفةً داخل النسيج الدرامي بهدوء وذكاء، بعيداً عن الاستعراض.

وبيَّن أن بعض المسلسلات لا تحتمل إدخال أغانٍ، لأنَّ الأغنية قد تكسر الحالة الشعورية المتراكمة عبر الحلقات، في حين يؤدي تتر البداية دوراً محورياً بوصفه الواجهة الأولى للعمل، إذ يُمهِّد نفسياً للدخول إلى العالم الدرامي، ويمنح المُشاهد مفتاحه العاطفي.

يؤكد تامر أن اختيار الآلات الموسيقية لا يتم بشكل عشوائي بل يخضع لدراسة (حسابه على «فيسبوك»)

وانتقل كروان إلى الحديث عن السينما، مؤكداً أن تعامله معها يختلف جذرياً عن تعامله مع التلفزيون، موضحاً أن السينما بالنسبة إليه عمل مكتمل الصورة، ولذلك يفضِّل انتظار النسخة شبه النهائية بعد المونتاج ليبدأ صياغة أفكاره الموسيقية، حتى تكون الموسيقى في توافق كامل مع الصورة والحوار والإيقاع العام للفيلم، لافتاً إلى أن السينما تحتاج لمساحة أعمق للتفكير في التفاصيل، لأنَّ الزمن المحدود للعمل السينمائي يسمح ببناء موسيقي أكثر تركيزاً وكثافة.

وتوقَّف عند تجربته السابقة في فيلم «باب الشمس» قبل أكثر من 22 عاماً، عندما اعتمد على بحث معمق في المقامات وطبيعة الأداء الفلسطيني، ليس بهدف توظيف عناصر فلكلورية بشكل مباشر، بل ليظلَّ الإحساس العام حاضراً في خلفية عملية التأليف، عادّاً أن دراسة طريقة عزف العود وبعض الآلات المرتبطة بالبيئة كانت ضرورية، حتى لا تأتي الموسيقى منبتّة عن سياقها الثقافي.

تباين البيئات الدرامية يفرض بالضرورة اختلافاً في الإيقاع والاختيارات الموسيقية

تامر كروان

وكشف عن عمله، فيلم «برشامة»، المعروض بالسينما حالياً، والذي يتقاسم بطولته هشام ماجد ومصطفى غريب، موضحاً أن الكوميديا من أصعب الأنواع موسيقياً، لأن نجاحها يعتمد على التوقيت الدقيق، مما يجعل حضور الموسيقى فيها محسوباً بعناية حتى لا تطغى على الإفيه أو تفسد المفارقة الكوميدية، فالموسيقى بالفيلم الكوميدي لا تضحك بدلاً من الممثل، بل تهيئ المناخ وتضبط الإيقاع دون مبالغة.

وعن عضويته في لجنة تحكيم مهرجان «المركز الكاثوليكي المصري للسينما»، أكد أنه لا ينظر إلى الأفلام من زاوية الموسيقى فقط، رغم تخصصه، بل يجري تقييماً شاملاً لكل عناصر العمل، بدءاً من الرؤية الإخراجية ومدى ملاءمتها للموضوع، مروراً بأداء الممثلين، والتصوير، والمونتاج، وصولاً إلى الصدق العام وقدرة الفيلم على التأثير في المتلقي، موضحاً أن الموسيقى بالنسبة له جزء من منظومة متكاملة، ولا يمكن الحكم عليها بمعزل عن السياق الدرامي العام.

وفيما يتعلق بفكرة الحفلات الموسيقية، عاد كروان ليؤكد أن تقديم الموسيقى التصويرية على المسرح يظل مشروعاً مؤجلاً، ليس لغياب الرغبة، بل لصعوبة تحقيقه بالشكل الذي يرضيه، عادّاً أن الوقوف أمام جمهور مباشر يمثل تحدياً مختلفاً عن العمل داخل الاستوديو، كما أن إقامة حفل يليق بالموسيقى التصويرية تحتاج إلى إنتاج ضخم من حيث عدد العازفين وطريقة التوزيع والتقديم البصري.

وأضاف أن «هذا النوع من الحفلات لا يحظى غالباً بالدعم الكافي من الرعاة، لأنهم يميلون إلى أنماط موسيقية أكثر جماهيرية وأسرع ربحاً، ما يجعل المشروع مغامرة غير مضمونة من وجهة نظر كثيرين».