حادثة قطار في مصر تُخلّف عشرات القتلى والجرحى... وتطيح وزير النقل

شجار سائقين وراء الكارثة... وتعهُّد حكومي بمحاسبة المتسببين > القيادة السعودية تعزي السيسي

فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)
فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

حادثة قطار في مصر تُخلّف عشرات القتلى والجرحى... وتطيح وزير النقل

فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)
فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)

سقط عشرات القتلى والجرحى بمصر، إثر حريق نتج، أمس، عن ارتطام جرار قطار بحاجز داخل محطة القطارات الرئيسية في العاصمة القاهرة. وعلى أثر هذا الحادث قدّم وزير النقل هشام عرفات، استقالته. لكن رئيس لجنة النقل بالبرلمان هشام عبد الواحد، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الاستقالة لن تعفيه من المساءلة أياً كان شكلها».
وأسفر الحادث عن مقتل 20 مواطناً وإصابة 43 آخرين، حسب الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة والسكان، التي أكدت أن «حالات المصابين ما بين بسيطة إلى متوسطة، وهناك عدد من الحالات الدقيقة، أغلبها كسور وحروق».
وذكرت هيئة السكة الحديد أن «الحادث نجم عن انحدار جرار واصطدامه بالمصدات الخرسانية عند نهاية الرصيف رقم 6 بمحطة مصر (بميدان رمسيس وسط القاهرة)»، مبرزة أن «الاصطدام أدى لاندلاع حريق»، نتيجة انفجار خزان وقود الجرار، الذي يعمل بالديزل (زيت الوقود).
وأوضحت لقطات فيديو، أُخذت من كاميرا أمنية بمدخل محطة رمسيس، أن جرار قطار كان على أحد الخطوط باتجاه المحطة، وعند دخوله احتكّ بقطار آخر قادم في مواجهته، ما تسبب في إيقاف حركة القطارين، فما كان من سائقه إلا أن تركه، ونزل للتحدث مع سائق القطار الآخر، قبل أن يتحرك الجرار بصورة فجائية، وينطلق بسرعة داخل المحطة ويصطدم بالحاجز.
وأظهرت لقطات فيديو أخرى، متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، الجرار وهو يدخل مسرعا إلى الرصيف، قبل أن يرتطم بحاجز في نهايته، بينما كان ركاب يسيرون بشكل اعتيادي، قبل أن تُظهر اللقطات أشخاصاً يركضون في موقع الحادث والنار تلتهم ملابسهم. وبدت أعمدة الدخان مرتفعة فوق محطة مصر، فيما كان الجرار المتفحم مائلاً على أحد جانبيه بجوار رصيف داخل المحطة.
وعلقت وزارة النقل حركة وصول وانطلاق القطارات من محطة مصر لفترة وجيزة، قبل أن تعلن انتظام حركة القطارات، باستثناء الرصيف الذي وقع عنده حادث الجرار. وألقت قوات الأمن المصرية القبض على سائق جرار القطار، بعد أن عثرت عليه مختبئاً داخل المحطة إثر هروبه، وتم اتخاذ كل الإجراءات القانونية ضده، وإحالته إلى النيابة التي باشرت التحقيق.
وقالت وزيرة الصحة إنه «لم يتم التعرف على هوية معظم جثامين الحادث»، مضيفة في مؤتمر صحافي أن «الطب الشرعي سوف يقوم بمهمة التعرف على هوية الجثامين». كما نوهت الوزيرة إلى خروج عدد من المصابين من المستشفيات بعد تحسن حالاتهم الصحية.
وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الألباني ألير ميتا الذي يزور القاهرة، إنه «أمر الحكومة بالتوجه إلى موقع الحادث ومتابعة حالة المصابين، وتقديم الرعاية اللازمة لهم ولأسرهم، ومحاسبة المتسببين فيه بعد انتهاء التحقيقات».
وانتقل فريق من محققي النيابة العامة إلى مكان الحادث. وقال مكتب النائب العام إن «بياناً مفصلاً سيصدر عن ملابسات الحادث وأسبابه». فيما قرر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، تشكيل لجنة على درجة فنية عالية لفتح تحقيقات عاجلة لمعرفة تداعيات الحادث، وتحديد ومعرفة المتسبب فيه، إلى جانب تحقيقات النيابة العامة، وذلك لـ«محاسبة المتسببين وتحديد المسؤولين عن الحادث حساباً عسيراً، ومساءلتهم لكي نضمن حقوق المتوفين والمصابين جراء الحادث ومنع تكراره»، على حد قوله.
بدوره، قال رئيس الوزراء إن «الحكومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تقاعس، أو أمام الأخطاء التي تهدد حياة المواطنين»، مؤكداً أن «حياة كل مواطن مصري غالية على الجميع وعلى الدولة، وأي حدث يتعرض له المواطنون يسبب ألماً شديداً... وهذه الأخطاء يجب أن تتوقف».
وتقدم وزير النقل الدكتور هشام عرفات باستقالته، وقال المستشار نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء، إن رئيس الوزراء قبل الاستقالة. وفي غضون ذلك كلف مدبولي الدكتور محمد شاكر، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، بالقيام مؤقتاً بمهام وزير النقل، بالإضافة إلى مهام منصبه لحين تعيين وزير للنقل.
ودخل البرلمان المصري على خط الحادث، مؤكداً عزمه محاسبة جميع المسؤولين عن وقوع الكارثة، إذ قال النائب هشام عبد الواحد، رئيس لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة في حالة انعقاد دائم، ولن تتوانى عن محاسبة المتسببين في الحادث». موضحاً أن «اللجنة ستدعو المسؤولين كافة، ومن بينهم رئيس هيئة السكة الحديد، للتعرف على ملابسات الحادث، وسيستخدم البرلمان كل أدواته لمعاقبة المتسببين»، منوهاً إلى أن «استقالة وزير النقل لن تعفيه من المساءلة والمحاسبة، أياً كان شكلها». وأكد البرلماني المصري أن «السكك الحديدية في مصر تعاني إهمالاً رهيباً، وأن هذا الحادث لن يكون الأخير إذا استمرت الأوضاع على حالها دون أي تطوير للعنصر المادي (القطارات والمحطات)، وكذلك البشري».
وعلى أثر هذا الحادث الأليم، وافق مجلس الوزراء على صرف 80 ألف جنيه (نحو 4500 دولار) لورثة كل متوفٍّ، أو مصاب بعجز كلي، وكذا صرف 25 ألف جنيه (1400 دولار) لكل مصاب في هذا الحادث. كما وجه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، ببدء إجراء البحث الاجتماعي للمصابين وأسر المتوفين، وتقديم أقصى درجات الدعم لها، وتقديم التعويضات اللازمة.
في غضون ذلك، قدمت دول عربية وأجنبية عزاءها إلى مصر في ضحايا الحادث.
وأعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عن تعازيه ومواساته للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في ضحايا الحريق، وقال الملك سلمان في برقيته: «علمنا بنبأ الحريق الذي اندلع في محطة قطارات رمسيس بمدينة القاهرة، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وإننا إذ نبعث لفخامتكم ولأسر المتوفين وشعب جمهورية مصر الشقيق باسم شعب وحكومة المملكة العربية السعودية وباسمنا أحرّ التعازي وأصدق المواساة، لنرجو المولى سبحانه وتعالى أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان».
كما أبرق الأمير محمد بن سلمان ولي العهد معزياً الرئيس السيسي، وقال: «تلقيت نبأ الحريق الذي اندلع في محطة قطارات رمسيس بمدينة القاهرة، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وأعرب لفخامتكم ولأسر المتوفين كافة عن بالغ التعازي وصادق المواساة».
وبعث أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، برقية عزاء للرئيس السيسي، معرباً عن خالص تعازيه وصادق مواساته في ضحايا الحريق. كما بعث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني برقية مماثلة، مؤكداً وقوفه بجانب مصر وشعبها الشقيق.
بدورها، أعربت بريطانيا عن تعازيها لمصر حكومةً وشعباً في ضحايا الحادث. وقالت المتحدثة باسم السفارة بالقاهرة إن «المملكة المتحدة وطاقم عمل السفارة البريطانية يتقدمون بخالص العزاء للمصريين شعباً وحكومة».
وفي جدة، توجه الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين، بـ«أصدق عبارات العزاء والمواساة لمصر حكومة وشعباً، ولأهالي الضحايا لمصابهم الأليم». كما بعث الرئيس الفلسطيني محمود عباس، برقية عزاء إلى الرئيس السيسي، وتقدم باسم دولة فلسطين وشعبها للحكومة والشعب المصري وللعائلات الثكلى بأحرّ التعازي.
كما أعربت فرنسا عن تضامنها مع أسر ضحايا الحادث، ووصف سفيرها في القاهرة ستيفان روماتيه، الحادث بأنه «مأساوي»، مؤكداً تضامن بلاده مع أسر الضحايا.كما وصف يوليوس جيورج لوي سفير ألمانيا بالقاهرة، الحادث «بأنه مأساة مفزعة»، معرباً عن خالص العزاء لأسر الضحايا.
فيما حذرت السفارة الأميركية بالقاهرة رعاياها من الوجود في محيط منطقة رمسيس.



رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
TT

رفض عربي لافتتاح «أرض الصومال» سفارة في القدس

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)
رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

لقي افتتاح الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» سفارة في القدس رفضاً عربياً متواصلاً لمُخرجات ذلك التطبيع الذي بدأت أولى محطاته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ووصفته جامعة الدول العربية بأنه خطوة «باطلة وبلا أثر قانوني».

ووفق خبير في الشأن الصومالي، فإن ذلك الرفض العربي يحمل «خط دفاعٍ دبلوماسياً مهماً للصومال»، مشيراً إلى أن قوته الأساسية تكمن في عزل أي محاولة لتقديم الإقليم كدولة مُعترَف بها، وتأكيد أن العالم العربي يقف خلف وحدة الصومال.

وأعربت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، في بيان، الثلاثاء، عن «استنكارها الشديد وإدانتها، بأشدّ العبارات، إقدام إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية على فتح سفارة في مدينة القدس المحتلة».

كانت «أرض الصومال» قد افتتحت سفارة لها في القدس، الاثنين، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقال رئيس الإقليم الانفصالي عبد الرحمن عرو، عبر حساب ما يسمى «رئاسة أرض الصومال»، إن افتتاح السفارة في القدس سيكون مدخلاً لـ«عصر جديد من الشراكة والتعاون مع دولة إسرائيل».

وأكدت الجامعة العربية، في بيانها، أن «إقامة بعثات دبلوماسية في القدس المحتلة أو الاعتراف بها مقراً للبعثات الأجنبية تمثل تقويضاً للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام العادل والشامل على أساس مبدأ حل الدولتين».

ووصفت هذه الخطوة بأنها «مرفوضة شكلاً ومضموناً»، وشددت على أنها تُعد «أحد أوجه ترسيخ الاحتلال غير الشرعي، وتُعد باطلة ومُلغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني»، داعية المجتمع الدولي لتحمُّل مسؤوليته ووقف تلك الإجراءات.

كما أدانت مصر، في بيان لـ«الخارجية»، الثلاثاء، بـ«أشدّ العبارات، افتتاح إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية، ما يسمى منطقة أرض الصومال، سفارة مزعومة له في مدينة القدس المحتلة»، وعدّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي». وشددت على أن أي خطوات تهدف إلى تغيير وضع القدس القانوني والتاريخي «تُعد باطلة وملغاة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني».

«دفاع عن وحدة الصومال»

ويلفت المحلل السياسي الصومالي عبد الكامل أبشر إلى أن وصف «أرض الصومال» بـ«إقليم الشمال الغربي من جمهورية الصومال الفيدرالية» يعكس تمسك الجامعة العربية بالاعتراف بوحدة الصومال وسيادته ورفض أي اعتراف بانفصال الإقليم.

واستطرد قائلاً إن الرفض العربي «يُعد انتصاراً دبلوماسياً للحكومة الصومالية؛ لأنه يجدد التأكيد العربي بوحدة أراضي الصومال، ويرفض التعامل مع الإقليم كدولة مستقلة».

رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي خلال افتتاح سفارة بالقدس المحتلة (رئيس الإقليم على منصة «إكس»)

وفي 24 مايو (أيار) الماضي، أصدر وزراء خارجية 14 دولة عربية وإسلامية والسلطة الوطنية الفلسطينية بياناً مشتركاً أدانوا فيه إقدام الإقليم الانفصالي على افتتاح «سفارة» بمدينة القدس.

وشملت الدول الرافضة تلك الخطوة كلاً من السعودية، ومصر، وقطر، والأردن، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، وجيبوتي، والصومال، والسلطة الفلسطينية، وسلطنة عُمان، والسودان، واليمن، ولبنان، وموريتانيا.

وكانت إسرائيل قد عمَّقت وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر ديسمبر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً إلى الإعلان في مايو قرب تبادل افتتاح السفارات، وفق بيانات وتصريحات رسمية بالجانبين.

وعيّنت إسرائيل في أبريل مايكل لوتم أول سفير لها في «أرض الصومال»، وذلك بعدما أعلن الإقليم الانفصالي، في فبراير (شباط) تعيين محمد حاجي سفيراً له لدى إسرائيل.

«خط دفاع دبلوماسي»

وقال المحلل السياسي الصومالي أبشر إن ذلك الرفض العربي ليس مجرد تعبير عن التضامن، «بل هو ورقة دبلوماسية مهمة للصومال في صراع الشرعية الدولية»، لكنه أشار إلى أن قيمته الحقيقية «ستُقاس بما إذا تحوّل إلى تحرك دبلوماسي جماعي طويل الأمد داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والعلاقات الثنائية مع الدول المؤثرة».

وأضاف: «البيانات وحدها نادراً ما تحسم قضايا الانفصال، بينما التحالفات والضغوط المستمرة قد تؤثر، بشكل كبير، في مسارها».

وأكد أنه «عندما تتلاقى الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) والشرعية الإقليمية الأفريقية (الاتحاد الأفريقي) والدعم السياسي العربي (جامعة الدول العربية)، فإن ذلك يخلق جبهة دبلوماسية واسعة ترفع الكلفة السياسية لأي دولة قد تفكر في الاعتراف بـ(أرض الصومال) أو إقامة علاقات رسمية معها».

وخلص إلى أن الموقف العربي «يشكل خط دفاع دبلوماسياً مهماً للصومال، لكنه ليس نهاية المنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي، بل جزء من صراع أوسع على النفوذ والممرات البحرية في المنطقة».


خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

خريجو الجامعات اليمنية بمناطق الحوثيين في قبضة البطالة

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)
المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

أصبحت البطالة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية واحدة من أكثر الأزمات بين أوساط الشباب، خصوصاً خريجي الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية الذين يجدون أنفسهم بعد سنوات من الدراسة أمام واقع اقتصادي مأزوم وسوق عمل عاجز عن استيعابهم.

ومع تزايد أعداد الخريجين سنوياً، تتسع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، في وقت يشهد فيه النشاط الاقتصادي انكماشاً مستمراً نتيجة تداعيات الصراع وتراجع الاستثمارات وإغلاق عدد من المؤسسات والمنشآت الاقتصادية؛ الأمر الذي جعل الحصول على وظيفة مستقرة هدفاً بعيد المنال بالنسبة لكثير من الشباب.

وحسب مصادر تعليمية يمنية، فإن الجامعات والمعاهد الحكومية والأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين تواصل تخريج آلاف الطلاب سنوياً في مختلف التخصصات، غير أن سوق العمل المحلية لا تمتلك القدرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة؛ ما يدفع أعداداً كبيرة من الخريجين إلى القبول بأعمال مؤقتة أو مهن لا ترتبط بتخصصاتهم العلمية، في حين يختار آخرون الهجرة إلى مناطق سيطرة الحكومة اليمنية أو إلى خارج البلاد بحثاً عن فرص أفضل.

ويؤكد خريجون أن سنوات طويلة من البحث عن وظائف مناسبة لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة، في ظل محدودية الفرص المتاحة وتراجع التوظيف في المؤسسات العامة والخاصة، على حد سواء.

أطفال يمنيون يجلبون مياه الشرب في أحد أحياء صنعاء (الشرق الأوسط)

ويقول محمود (27 عاماً)، وهو خريج هندسة معمارية من صنعاء، إنه أمضى ما يقارب ثلاث سنوات في البحث عن وظيفة مستقرة دون أن ينجح في ذلك، رغم تقدمه بطلبات توظيف إلى جهات حكومية عدة.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الوظائف المتاحة في بعض المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين باتت تخضع منذ سنوات لمعايير وإجراءات يراها كثيرون بعيدة عن الكفاءة المهنية؛ وهو ما جعل فرص حصول الخريجين على وظائف تتراجع بصورة كبيرة.

ويضيف أن الحصول على فرصة عمل مناسبة أصبح بالنسبة لكثير من الشباب حلماً يصعب تحقيقه، خصوصاً مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وتقلص النشاط العمراني والاستثماري الذي كان يوفر فرصاً لخريجي التخصصات الهندسية.

مهن اضطرارية

أما سليمان (25 عاماً)، وهو خريج أحد المعاهد الفنية في ضواحي صنعاء، فيقول إن البطالة أجبرته على العمل في مهن يومية متفرقة لا تمت بصلة إلى المجال الذي درسه لسنوات.

ويشير إلى أنه كان يأمل في توظيف المهارات التي اكتسبها خلال فترة دراسته في عمل مهني يحقق له الاستقرار، إلا أن غياب الفرص المناسبة دفعه إلى القبول بأي عمل يضمن له الحد الأدنى من الدخل لتغطية احتياجاته المعيشية.

وتروي إحدى خريجات المحاسبة، تجربة مشابهة، مؤكدة أن سنوات الانتظار الطويلة للحصول على وظيفة دفعتها إلى تأجيل كثير من مشاريعها الشخصية والمهنية.

وقالت إنها كانت تتطلع إلى بناء مسار وظيفي واضح بعد التخرج، غير أن الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص التوظيف جعلتها عاجزة عن تحقيق تلك الطموحات، مضيفة أن حالة الانتظار المستمرة أصبحت جزءاً من حياتها اليومية.

معلمة بصنعاء توجهت للعمل في مهنة أخرى لإطعام أطفالها (الشرق الأوسط)

وتعكس البيانات الدولية حجم الأزمة التي يواجهها الشباب اليمني في سوق العمل. فوفقاً لتقارير دولية حديثة، بلغ معدل بطالة الشباب في اليمن أكثر من 32 في المائة خلال عام 2024، في حين تجاوز معدل البطالة العام 17 في المائة؛ ما يشير إلى اتساع الفجوة بين أعداد الداخلين إلى سوق العمل والفرص المتاحة.

وتؤكد تقارير أممية أن الشباب يمثلون قرابة ثلث سكان اليمن؛ الأمر الذي يجعل قضية التوظيف واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على مستقبل البلاد واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

آثار تتجاوز الجانب المعيشي

ولا تتوقف آثار البطالة في اليمن عند الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية متزايدة التأثير.

ويقول مختصون اجتماعيون إن فترات الانتظار الطويلة بعد التخرج، وعدم القدرة على تحقيق الاستقلال المالي، تولد لدى كثير من الشباب مشاعر الإحباط والقلق وفقدان الثقة بالمستقبل.

كما تسهم البطالة المزمنة في زيادة احتمالات الإصابة بالاكتئاب والعزلة الاجتماعية، خصوصاً لدى الخريجين الذين يشعرون بأن سنوات الدراسة والجهد لم تنعكس على واقعهم المعيشي أو المهني.

ويشير المختصون إلى أن الضغوط الاقتصادية المتواصلة تدفع كثيراً من الشباب إلى الشعور بالعجز أمام متطلبات الحياة الأساسية؛ وهو ما ينعكس سلباً على علاقاتهم الأسرية والاجتماعية ويزيد من حدة التوتر داخل المجتمع.

خريج جامعي يعمل في بيع الملابس بإحدى أسواق صنعاء (الشرق الأوسط)

ومن أبرز النتائج الاجتماعية المترتبة على البطالة، وفق مراقبين، ارتفاع معدلات تأخر الزواج بين الشباب.

ففي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على دخل ثابت، يجد كثير من الخريجين أنفسهم غير قادرين على الإقدام على خطوة الزواج أو تحمّل المسؤوليات المالية المرتبطة بتأسيس أسرة.

وفي المقابل، تتزايد رغبة الشباب في الهجرة إلى مناطق أخرى داخل اليمن أو إلى الخارج؛ بحثاً عن فرص عمل أكثر استقراراً، وهو ما يفاقم من ظاهرة نزيف الكفاءات البشرية التي تحتاج إليها البلاد في مرحلة إعادة الإعمار والتنمية المستقبلية.


اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
TT

اتهامات للحوثيين بتوزيع أغذية فاسدة

يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)
يمنيون في صنعاء يتلقون مساعدات من رجال أعمال (الشرق الأوسط)

تواجه الجماعة الحوثية اتهامات بتوزيع مساعدات غذائية غير صالحة للاستهلاك الآدمي أو قاربت صلاحيتها الانتهاء على آلاف الأسر الفقيرة والنازحة في مناطق سيطرتها، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن سلامة المستفيدين من المعونات الإنسانية في بلد يعاني إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

وتقول مصادر مطلعة إن الجماعة وزعت خلال الأسابيع الأخيرة، عبر ما تُسمى «هيئة الزكاة»، كميات من المواد الغذائية شملت القمح وزيت الطهو ومنتجات أخرى على أسر محتاجة في صنعاء وذمار وإب ومناطق أخرى، قبل أن تتكشف شكاوى متصاعدة بشأن جودة تلك المواد وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

ووفق المصادر، فقد اكتشف عدد من المستفيدين وجود علامات تلف في جزء من كميات القمح التي تسلموها، في حين تحدث آخرون عن تعرض أطفال ونساء لأعراض صحية بعد استهلاك منتجات غذائية يشتبه في فسادها أو عدم مطابقتها معايير السلامة.

طفلة يمنية قرب إحدى الجمعيات الخيرية التي توزع الغذاء في صنعاء (الشرق الأوسط)

ويؤكد عامل في المجال الإغاثي بصنعاء أن الشكاوى المتعلقة بجودة بعض المساعدات الغذائية تكررت خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الأمر «يتطلب رقابة أشد صرامة على عمليات التخزين والنقل والتوزيع، بما يضمن وصول المساعدات للمستحقين وفق المعايير الإنسانية المعتمدة».

وتتزامن هذه الاتهامات مع انتقادات متكررة وجهها ناشطون حقوقيون للجماعة الحوثية بشأن إدارة المساعدات الإنسانية، متهمين إياها بحرمان آلاف المحتاجين من الإغاثة عبر الاحتفاظ بكميات كبيرة من المعونات في مخازن تابعة لها لفترات طويلة؛ مما يؤدي إلى تلفها أو تراجع جودتها قبل توزيعها.

سوء تخزين وفساد إداري

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن بعض المسؤولين في «هيئة الزكاة» الحوثية أقدموا على شراء شحنة من القمح من أحد التجار المقربين من الجماعة رغم وجود مؤشرات مسبقة على تضرر أجزاء منها نتيجة الرطوبة وسوء التخزين خلال النقل البحري، مما انعكس على جودة الكميات الموزعة لاحقاً.

ويرى هؤلاء أن توزيع أغذية منتهية الصلاحية أو متضررة يشكل انتهاكاً مباشراً لحقوق المدنيين، لا سيما الفئات الأشد ضعفاً التي تعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها اليومية.

كما دعوا إلى فتح تحقيقات مستقلة في ملابسات توزيع تلك المواد، ومحاسبة المتورطين في حال ثبوت المخالفات، مع وضع آليات تضمن عدم تكرار هذه الممارسات مستقبلاً.

وأثارت هذه الاتهامات حالة من القلق والاستياء بين أوساط المستفيدين الذين أكدوا أنهم يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب مصادر دخل مستقرة.

الحوثيون يسخرون غالبية المساعدات الإنسانية لأتباعهم (الشرق الأوسط)

ويقول خالد، وهو عامل بالأجر اليومي في صنعاء، إنه فوجئ بعد تسلمه سلة غذائية من فرع «هيئة الزكاة» الحوثية في مديرية معين بوجود مواد غذائية تحمل تواريخ صلاحية منتهية منذ أشهر عدة.

وأضاف: «لم يكن أمامي خيار آخر، فأنا أعتمد على هذه المساعدات لإطعام أسرتي، لكنني اكتشفت أن بعضها لم يعد صالحاً للاستهلاك».

وفي محافظة إب، أكدت أم محمد، وهي أم لـ5 أطفال، أن أسرتها اضطرت إلى التخلص من جزء من المواد الغذائية التي تسلمتها بعد ملاحظة تغيرات واضحة في اللون والرائحة، مشيرة إلى أن انتظار المساعدات يتحول صدمةً عندما يكتشف المستفيدون أن بعض محتوياتها تالفة.

أما في محافظة ذمار، فأفاد أحد المستفيدين بأن عدداً من الأسر اشتكى من رداءة بعض المواد الموزعة، موضحاً أن البلاغات التي قُدمت للجهات التابعة للجماعة لم تلقَ استجابة واضحة أو معالجة فورية للمشكلة.

نمط متكرر

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه الحوادث تعكس اختلالات أوسع في منظومة إدارة المساعدات الإنسانية بمناطق سيطرة الحوثيين، حيث سبق أن أثيرت اتهامات باحتجاز شحنات إغاثية فترات طويلة أو التلاعب بعمليات التوزيع؛ الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى تلف المواد الغذائية قبل وصولها إلى مستحقيها.

وكانت الجماعة قد أعدمت خلال سنوات سابقة كميات كبيرة من المساعدات الغذائية، خصوصاً القمح المقدم من منظمات دولية، بعد تعرضها للتلف نتيجة سوء التخزين وتأخر توزيعها، وفق ما وثقته تقارير وشهادات محلية.

إتلاف أغذية في صنعاء انتهت صلاحيتها نتيجة سوء التخزين (الشرق الأوسط)

ويحذر خبراء في الشأن الإنساني بأن أي تلاعب في المساعدات أو سوء إدارتها يضاعفان من معاناة ملايين اليمنيين الذين يواجهون أوضاعاً اقتصادية متدهورة ومستويات متصاعدة من انعدام الأمن الغذائي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه التحذيرات الدولية من استمرار تدهور الوضع الإنساني في اليمن، مع اعتماد شريحة واسعة من السكان على المساعدات الإغاثية بصفتها المصدر الرئيسي لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.

ويؤكد خبراء أن الحفاظ على سلامة المساعدات الإنسانية وجودتها يمثل ضرورة ملحة لا تحتمل الإهمال أو التسييس، «خصوصاً في ظل اتساع رقعة الفقر والنزوح وتراجع القدرة الشرائية لمعظم الأسر اليمنية؛ الأمر الذي يجعل أي خلل في إدارة المعونات تهديداً مباشراً لحياة الفئات الأعلى هشاشة».