«الانفلونسرز»... ظاهرة تقويها تغيرات اجتماعية واقتصادية

بدأت تجربةً لملء ثغرة في السوق وتحولت إلى صناعة قائمة بذاتها

تتربع الأميركية أوليفيا باليرمو في القمة... ففيديو منها على «يوتيوب» يساوي 187.500 دولار وعلى «إنستغرام» ما بين 50 و75 ألف دولار وعلى «تويتر» أو «سنابشات» 30 ألف دولار  -  {الانفلونسر} نينا شويشتنبورغ التي فازت بجائزة «الانفلونسرز» للأناقة في عام 2018  -  أوليفيا باليرمو أغلى مؤثرة في العالم
تتربع الأميركية أوليفيا باليرمو في القمة... ففيديو منها على «يوتيوب» يساوي 187.500 دولار وعلى «إنستغرام» ما بين 50 و75 ألف دولار وعلى «تويتر» أو «سنابشات» 30 ألف دولار - {الانفلونسر} نينا شويشتنبورغ التي فازت بجائزة «الانفلونسرز» للأناقة في عام 2018 - أوليفيا باليرمو أغلى مؤثرة في العالم
TT

«الانفلونسرز»... ظاهرة تقويها تغيرات اجتماعية واقتصادية

تتربع الأميركية أوليفيا باليرمو في القمة... ففيديو منها على «يوتيوب» يساوي 187.500 دولار وعلى «إنستغرام» ما بين 50 و75 ألف دولار وعلى «تويتر» أو «سنابشات» 30 ألف دولار  -  {الانفلونسر} نينا شويشتنبورغ التي فازت بجائزة «الانفلونسرز» للأناقة في عام 2018  -  أوليفيا باليرمو أغلى مؤثرة في العالم
تتربع الأميركية أوليفيا باليرمو في القمة... ففيديو منها على «يوتيوب» يساوي 187.500 دولار وعلى «إنستغرام» ما بين 50 و75 ألف دولار وعلى «تويتر» أو «سنابشات» 30 ألف دولار - {الانفلونسر} نينا شويشتنبورغ التي فازت بجائزة «الانفلونسرز» للأناقة في عام 2018 - أوليفيا باليرمو أغلى مؤثرة في العالم

الجدل حول من يُطلق عليهن «انفلونسرز»، وهن مدونات يُفترض أنهن يُؤثرن على الذوق العام، ومن ثم على حركة البيع والشراء، لن يتراجع هذا العام. بل العكس، فقد تعززت مكانتهن ومن المتوقع أن تزيد سطوتهن. فنسبة من الميزانيات التي كانت مخصصة للإعلانات في المجلات سابقاً تحولت إليهن. حسب صناع الموضة، فإن الأوضاع والأجيال تغيرت؛ الأمر الذي يستدعي طرقاً جديدة ومبتكرة. أكبر دليل على هذا شِبه الحملة الترويجية التي قُدنها لصالح دار «ديور» في منتصف العام الماضي. حملة ظهرن فيها وهن يحملن حقيبتها الجديدة القديمة، «ذي سادل»، التي أبدعها المصمم السابق جون غاليانو في عام 1999.
وأعادت المصممة الحالية ماريا غراتزيا تشيوري صياغتها في عام 2018. الملاحظ أن هذه الأخيرة ومنذ أن دخلت الدار الفرنسية وهي تتودد لبنات الجيل الجديد، وتعمل على استدراجهن إليها، مستعملة كل الإغراءات الفنية والفكرية والبصرية. تارة بتبنيها حركة نسوية معاصرة تستحضر الحركة التي كانت بطلاتها طالبات من عمر الزهور في ستينات القرن الماضي، وتارة تستقي من إرث الدار فتعيده إلينا بصياغته بشكل حديث. وهذا ما قامت به عندما انتقت من أرشيف الدار تصميم «السادل» المستوحى من شكل سرج الحصان. اختيارها هذا التصميم لم يكن اعتباطاً. فهو الأكثر تميزاً، علماً بأنه في عام 1999 حقق شهرة سريعة بعد أن ظهرت به المغنية بيونسي، ثم سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية الشهيرة «سيكس أند ذي سيتي». بين ليلة وضحاها أصبحت «السادل» حقيبة الموسم. لكن هذا النجاح كان مؤقتاً. فشكلها المميز لم يُعطها الفرصة للبقاء طويلاً، خصوصاً أن التسعينات كانت الحقبة الذهبية للحقيبة الموسمية.
كان بإمكان ماريا غراتزيا أن تأخذ أي تصميم آخر من الأرشيف، لكنها اختارته عن قصد. كانت تعرف أنه سيُحقق لها الهدف المطلوب؛ لأنه مميز، وبالتالي سيبدو رائعاً على صفحات «إنستغرام» ووسائل التواصل الاجتماعي، مقارنة بحقيبة كلاسيكية مهما كانت راقية. جندت ماريا غراتزيا ما لا يقل عن 100 من المدونات والمؤثرات من كل أنحاء العالم للترويج لها. كل ما كان مطلوباً منهن هو التقاط صور في أماكن ومناسبات مختلفة وهن يحملنها. وبالفعل انتشرت الصور وغُطيت بشكل كبير على صفحات التواصل الاجتماعي ما بين معجب ومستنكر. فالانطباع الذي خلفته لدى البعض كان عكسياً، بدت فيه مفتعلة وغير تلقائية. كانت حملة إعلانية تعبق بلغة «إنستغرام». لم يخف على العافين أن كل من ظهرن بها إما تلقينها كهدية أو حصلن على مبلغ متفق عليه لكي ينشرنها في التوقيت نفسه وبالـ«هاشتاغ» ذاته ولأن القول الشائع في عالم الإعلانات، إنه ليس هناك دعاية سلبية أو ضارة، فإن الجدل الذي أثير حول الحملة لم يؤثر على مبيعاتها.
«ديور» ليست وحدها التي تبنت هذه الظاهرة، فالكثير من بيوت الأزياء وشركات التجميل، مثل «غوتشي» و«لويس فويتون» وغيرهم قاموا بالعملية نفسها بشكل أو بآخر، بل حتى دار «شانيل» التي كانت ترفض الفكرة في السنوات الماضية تراجعت عن قرارها وفتحت لـ«الانفلونسرز» أبواب عروضها. ففي حين تقدم لهن بعض بيوت الأزياء مبلغاً معيناً، يكتفي بعضهم الآخر بدعوتهن إلى عروض الأزياء والسفر معهم في رحلات الكروز وغيرها، مع تقديم هدايا للإبقاء على خيط الود بينهم متواصلاً. فالجانب التجاري وحده لا يكفي ويحتاج إلى ربط علاقات حميمة بين الطرفين حتى يكون هنا توازن.
وعموما تتركز التعاونات المدفوعة الثمن في مجال منتجات الجمال والتجميل أكثر من الأزياء. لكن المثير للجدل أنه في ظل التغيرات التي تشهدها ساحة الموضة والترف عموماً، وزحف المواقع الإلكترونية، أصبح من الصعب التفريق بين ما هو صادق ونابع من رأي شخصي، وبين ما هو ممول.
ويذهب البعض إلى القول: إن صناع الترف بدأوا يشعرون بأنهم خلقوا فرانكشتانا؛ لأن من كانت تكتفي بعطر أو حقيبة يد هديةً، أصبحت تطالب بمبالغ عالية؛ لأنها اكتشفت أن حقيبة يد لا تُغني من جوع، خصوصاً إذا كانت تعتمد عليها مصدرَ عيشِ، أو تطمح لبناء اسم تجاري وأصبح اسمها معروفاً.
الآن، قلة منهن فقط تقبل بالهدية أجراً، وما بدأ تجربةً بسيطةً لملء فراغ أو ثغرة في السوق تحول إلى صناعة قائمة بذاتها. وكما تطورت طرق الدفع، تطورت طرق الترويج أيضاً. لم تعد مجرد تغريدة أو صورة على «إنستغرام»، بل تشمل حالياً جلسات تصوير وأفلام فيديو قصيرة.
لهذا؛ ليس غريباً أن يذهب جزء كبير من الميزانية الإعلانية للديجيتال، وإلى المدونات أو المؤثرات. ففي الوقت الذي يدفعون فيه 10.000 أو 20.000. جنيه إسترليني تقريباً على صفحة في مجلة «فوغ»، فإن مؤثرة لها مليون متابع متفاعل بشكل جيد، ربما تحصل على مبلغ أقل، لكن تكون النتيجة أكثر تأثيراً؛ لأن صورتها تصل إلى ملايين المتابعين من الجيل الصاعد، الشريحة التي يريد صناع الترف الوصول إليها. لكن ليس كل المؤثرات يتمتعن بمصداقية تضمن هذه النتيجة.
تقول بريتني هينيسي، وهي مؤثرة تحولت إلى خبيرة تسويق في مجموعة «هيرست» للنشر ومؤلفة كتاب «انفلونسرز»: إن العلامات التجارية الكبيرة في موقف ضعيف؛ لأنها تأخرت كثيراً في وضع قيود وشروط، وبالتالي ليس مؤكداً أن ما يصرفونه من مبالغ له مردودية. لكنهم مُكبلون لا يستطيعون التراجع؛ لأن هؤلاء هن وسيلتهم لمخاطبة الجيل الصاعد، من مثيلات كايلي جينر، وغيرها.
الآن وصلت قوة بعض «الانفلونسرز» إلى حد أنهم أصبحوا نجوماً أو رجال/ سيدات أعمال لهم منتجاتهم الخاصة مثل الإيطالية كيارا فيرانجي، المعروفة بموقعها «بلوند سالاد». أصبحت لهم أيضاً شبكة علاقات عامة تدير أعمالهم، بينما انضم بعضهم الآخر إلى شركات متخصصة تلعب أحياناً دور الوسيط بينهم وبين بيوت الأزياء والتجميل، حيث تقوم بدراسات لمعرفة أي منهم هو الأنسب للترويج لمنتج معين. لكن مع ذلك، فإن الكثير من بيوت الأزياء لا تزال تتخبط، ولا سيما فيما يتعلق بأسواق تجهل ثقافتها وطريقة تفكيرها مثل منطقة الشرق الأوسط، فتضطر إلى أن تعتمد على أرقام المتابعين على «إنستغرام»، رغم شكهم في أن بعض هذه الأرقام مُبالغ فيها وغير حقيقية.
ويبقى السؤال الملح هو ما إذا كان الترويج من خلالهم أكثر فاعلية من الحملات الإعلانية وغيرها من الوسائل التقليدية القديمة؟
لا يختلف اثنان على أن هناك تحاملاً على «الانفلونسرز» ومصداقيتهن من قبل الرعيل القديم من محررات الموضة تحديداً. ما يثير حفيظتهن أكثر أن الكثير من بيوت الأزياء ومسؤولي العلاقات العامة، يتعاملون مع «الانفلونسرز» كما لو كن نجوماً. يُخصصن لهن مقاعد في الصفوف الأولى كانت في العقد الأخير حكراً على صحافة الموضة المتخصصة. هذا عدا عن هدايا على شكل منتجات أو مبالغ قيّمة لقاء تغريدة أو صورة واحدة. وتتباين هذه المبالغ بين بضع آلاف من الدولارات بالنسبة لمؤثرة عادية إلى عشرات الآلاف بالنسبة لواحدة مشهورة. أحياناً لهذا التحامل ما يبرره، خصوصاً مع تكاثرهن بحيث حولن ما كان هواية إلى مهنة قائمة بذاتها ولا تتطلب أي دراسة، إلى جانب عدم توافر أرقام تؤكد مدى تأثيرهن في أرض الواقع. صحيح أن عالم الترف يعيش تغيرات هائلة، إلا أن البعض يرى أن الظاهرة لا بد أن تخضع لغربلة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
راينا بنشانكسي، التي كانت نائبة رئيس الاتصالات والعلاقات بشركة «كوتش» الأميركية منذ نحو عقد من الزمن، كانت لها تجربة إيجابية لمستها شخصياً.
كان ذلك حين كانت تُشرف على حملة خاصة بحقائب يد صممتها مجموعة من مدونات موضة، نفذت في وقت قياسي بمجرد طرحها؛ الأمر الذي أكد لها بأن المستقبل ملكهن وبأيديهن. بعدها ببضع سنوات شاركت في تأسيس موقع إلكتروني يعمل وسيطاً بين المدونات والمؤثرات وبين الممولين من الشركات وبيوت الأزياء.
تؤكد أن هناك من يستحقون المبالغ الطائلة التي يتلقونها؛ لأن النتائج تكون واضحة من خلال الأرقام، إلا أن عددهم قليل. من جهتها، تشير هينيسي في كتابها، إلى أن أي شركة، أو بيت أزياء، لا تبذل جُهداً لدراسة الأمر من كل الجوانب تكون كمن يصب الماء في الرمل، ولا يجب أن تلوم إلا نفسها. أسهل طريقة يمكن التأكد منها من جدوى هذا التعاون أن تطلب الشركات تقريراً شفافاً عن نوع المتابعين وأعمارهم. عندما لا تحصل على أي تجاوب فإن هذا قد يكون إشارة إلى أن المتابعين غير حقيقيين وبأن هناك شيئاً غير مريح.
الطريقة الثانية هي الاعتماد على جهة ثالثة، تكون لها أدوات للتحليل متطورة، مثل «تاغر» و«لومانو» ودوفتايل» التي تتعامل معها عادة بيوت الأزياء لتعزيز حملاتها الترويجية وضمان وصولها إلى أكبر عدد من المتابعين من عمر معين، فضلاً عن عقد مقارنات بين المؤثرين الذين تمت الاستعانة بهم في حملة معينة: أي صورة حققت أكثر عدد من المتابعة والتفاعل مثلاً وما شابه من أمور.
شركة «لومانو»، مثلاً، عقدت مقارنة بين شخص له 29000 متابع فقط ومؤثرة لها 800.000، واكتشفت أن الأول باع منتجات أكبر؛ لأنه كان أكثر مصداقية. وهذا ما يجعل البعض يرى أن التعامل مع مؤثرات ليست لديهن شهرة كبيرة أو عدد هائل من المتابعين أفضل من صرف المبلغ كله مع مؤثرة واحدة يتابعها الملايين حتى وإن كانت كيم كاردشيان. وفي حين اعترفت بعض بيوت الأزياء بأن هؤلاء «الانفلونسرز»، لا يحركون المبيعات كما كانوا يأملون، إلا أن ما يشفع لهم أنهم يساهمون بالتعريف بالماركة، وهذا في حد ذاته شيء إيجابي على المدى البعيد، خصوصاً أن الإعلان في المجلات والتلفزيونات لم يعد كافياً كما كان عليه الأمر في السابق.
تقنين الظاهرة
- في عام 2009، أصدرت لجنة التجارة الفيدرالية - وهي وكالة مستقلة تابعة للحكومة الأميركية تعمل على حماية المستهلك، لائحة من المبادئ التوجيهية للمواقع الإلكترونية التي تتعامل مع الانفلونسرز، من بينها ضرورة الإعلان عن أي محتوى مدعوم. وتم تجديد هذه المبادئ في عام 2013، ثم في عام 2015 بعد ظهور منابر وأشكال جديدة من وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هل تم التقيد بهذه التوجيهات؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه البعض. فهناك ثغرات كثيرة تجعل تطبيقها صعباً. الآن تركز اللجنة على متابعة بيوت الأزياء والشركات التي تدفع، وليس على المدونات والمؤثرين. في الماضي تعرضت كل من شركتي «آن تايلور» و«كول هان» للمتابعة علناً، لكن لم تكن هناك متابعة قانونية؛ ما جعلها بمثابة زوبعة في فنجان سرعان ما تناست.
اختلف الأمر بالنسبة للمحال الأميركية، لورد & تايلور، التي تمت متابعتها قانونياً لاستعانتها بـ50 انفلونسرز دفعت لكل واحدة منهن ما بين 1000 و4000 دولار لنشر صور وهن يرتدين فستاناً بنقشة البايزلي على صفحاتهن الخاصة. لكن لم يتم تطبيق العقوبة بعد أن أنكرت الشركة أن الحملة كانت مدفوعة، وأكدت أنها قدمت الفستان مجاناً. ما شفع لها أنها تعاونت مع اللجنة بشفافية. البعض يرى في هذه المتابعات والقوانين تحاملاً وازدواجية؛ لأن المجلات والصحف لا تتعرض لها، لكن يُجمع عليه الكل أن تلقي هدايا أو مبالغ مادية مقابل الترويج لمنتج على أساس أنه خيار شخصي، يتضمن بعض التضليل للمتابعين، الذين لا يعرفون خبايا الأمور.


مقالات ذات صلة

الكرة الذهبية 2026... أناقة تنافس الألقاب

لمسات الموضة هاري كين يتسلم الجائزة الذهبية بكل أناقة (أ.ب)

الكرة الذهبية 2026... أناقة تنافس الألقاب

لم تكن الأناقة بعيدة عن المنافسة الرياضية في الحفل، بل شكَّلت امتداداً لها خارج الملاعب، في مشهد يجمع الأناقة الكلاسيكية واللمسات العصرية الجريئة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

خاص ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

كان المصمم يبحث في هذه المجموعة «عن الجانب التأملي لامرأة تواجه عبث الحياة وتعاني من أزمات وانتكاسات»، لكنها لا تزال تبحث عن نوع من النور

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)

الكرة الذهبية 2026... أناقة تنافس الألقاب

هاري كين يتسلم الجائزة الذهبية بكل أناقة (أ.ب)
هاري كين يتسلم الجائزة الذهبية بكل أناقة (أ.ب)
TT

الكرة الذهبية 2026... أناقة تنافس الألقاب

هاري كين يتسلم الجائزة الذهبية بكل أناقة (أ.ب)
هاري كين يتسلم الجائزة الذهبية بكل أناقة (أ.ب)

كان من الطبيعي، بل ومن المتوقع، أن يتحوَّل حفل توزيع جوائز الكرة الذهبية لعام 2026 في نسخته الـ70، إلى منصة للأناقة والموضة. فالحفل لم يكن مجرد احتفاءً بإنجازات نجوم كرة القدم على المستطيل الأخضر، بل ساحة لمنافسة من نوع مختلف لا يقل حضوراً. في هذه الليلة استبدلوا قمصان أنديتهم ببدلات مُصمَّمة بعناية تحمل توقيع دور أزياء عالمية، قد يجمعهم بها عقد عمل أحياناً أو فقط إعجاب مشترك، بقمصان أنديتهم، وبالتالي لم تكن الأناقة بعيدةً عن المنافسة الرياضية، بل شكَّلت امتداداً لها خارج الملاعب، في مشهد يجمع الأناقة الكلاسيكية واللمسات العصرية الجريئة، من البدلات الرسمية السوداء إلى الخامات المخملية والأكسسوارات اللافتة، التي أسهمت البنية الرياضية لكل واحد منهم في إبراز دقة تفصيلها وجمال تفاصيلها.

لهذا لم تكن الأناقة بعيدةً عن المنافسة الرياضية في هذه الليلة، بل شكَّلت امتداداً لها خارج الملاعب، في مشهد يجمع الأناقة الكلاسيكية واللمسات العصرية الجريئة، تجلّت في البدلات الرسمية السوداء لخامات مخملية أسهمت البنية الرياضية لكل واحد منهم في إبراز دقة تفصيلها وجمال تفاصيلها.

هاري كين الفائز بالجائزة وإطلالة كلاسيكية لكل زمان ومكان (رويترز)

أُقيم الحفل في «مسرح لندن بالاديوم» الواقع بمنطقة سوهو وسط لندن. وتُعدُّ هذه المرة الأولى التي تستضيف فيها العاصمة البريطانية الحفل، في عام شهد تتويج الإنجليزي هاري كين بالجائزة في فئة الرجال، ليصبح أول لاعب إنجليزي يحصل عليها منذ مايكل أوين عام 2001، منهياً انتظاراً دام 25 عاماً. وبينما كان التَّرقُّب منصباً على هوية الفائز بالجائزة الأهم في عالم كرة القدم، سرقت إطلالات اللاعبين ومرافقيهم جانباً من الأضواء مثل:

هارين كين... أناقة كلاسيكية

هاري كين في بدلة من «توم سويني» والإسبانية أليكسيا بوتياس في فستان من «ديور» (أ.ب)

اختار هاري كين إطلالةً رسميةً كلاسيكية باللون الأسود، منحتها التفاصيل الدقيقة حضورها اللافت. اختارها اللاعب من دار «توم سويني» وتميَّزت بياقة مدببة وأزرار مغلفة بالساتان، نسقها مع حذاء رسمي من الجلد اللامع، مؤكداً أنَّ الأناقة لا تحتاج دائماً إلى صخب حتى تترك انطباعاً قوياً، خصوصاً في أمسية ارتبطت باسمه وإنجازه التاريخي.

كيليان مبابي... فخامة مخملية

كيليان مبابي وإطلالة من «ديور» (أ.ب)

كعادته في هذه المناسبات، لفت كيليان مبابي الأنظار بإطلالة رسمية من دار «ديور» بحكم أنه واحد من سفرائها. اختار فيها توكسيدو يجمع بين المخمل والحرير، بياقة «شال» نسقها مع قميص أبيض من القطن وربطة عنق سوداء من الساتان، وأكمل إطلالته بحذاء «ديربي» أسود من الجلد اللامع، ليعكس أسلوباً كلاسيكياً يجمع بين الفخامة والبساطة.

لامين يامال... جرأة شبابية

لامين يامال وإطلالة من «شانيل» (أ.ف.ب)

عكس لامين يامال سنه وميله للعب والاستمتاع بالموضة، وذلك بالابتعاد عن القواعد التقليدية للبدلة الرسمية. كانت إطلالته من دار «شانيل» عبارة عن سترة سوداء قصيرة نوعاً ما من قماش التويل المصنوع من الصوف الخفيف بياقة من الساتان، وبنطلون من الصوف الخفيف تتخلله شرائط من الستان... سواد البدلة كسَرته وردة لافتة بلون وردي فاتح على هيئة بروش. هذه الزهرة بلونها وحجمها، كانت كافية لتخرج الإطلالة من رسميتها وتضفي عليها جرأة وشقاوة ارتبطت باللاعب في السنوات الأخيرة.

عثمان ديمبيلي... إطلالة عنابية

عثمان ديمبيلي وبدلة من «زيغنا» (أ.ب)

اختار عثمان ديمبيلي، نجم باريس سان جيرمان، مساراً مختلفاً عن غالبية الحاضرين باختياره بدلة بلون عنابي. كانت الإطلالة من توقيع «زيغنا»، التي يُعدُّ واحداً من سفرائها. وغني عن القول إن ظهور هذا اللون في ليلة مماثلة أضفت عليه شخصيةً مستقلةً تجمع بين البساطة والثقة.

واللافت أنه باستثناء عثمان ديمبيلي، كان اللون الأسود هو الغالب على بدلات معظم الحضور، إن لم نقل كلهم. كانت أيضاً الكلاسيكية قاسماً مشتركاً بينها، حيث اعتمدت فقط على التفاصيل والأكسسوارات للتخفيف من رسميتها.

ميكيل أرتيتا وبدلة من «جيورجيو أرماني» (إ.ب.أ)

فقد ظهر به أيضاً الإسباني رودري بإطلالة أحادية من دار «دولتشي آند غابانا» ومارك كوكوريلا، ببدلة من «لويس فويتون»، في حين اختار مدرب آرسنال ميكيل أرتيتا أيضاً بدلة باللون الأسود من «جيورجيو أرماني».


ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)
المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)
TT

ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)
المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)

«الأساطير لا تموت». هذا ما يؤكده المصمم الفرنسي ستيفان رولان في كل موسم من مواسم الـ«هوت كوتور» تقريباً. ففي خريف وشتاء 2024، رسم صورة درامية للسوبرانو ماريا كالاس، وحديثاً، في عرضه لخريف وشتاء 2027 قدَم مجموعة استلهمها من أيقونة أخرى هي داليدا. قال إنها مجموعة تتزامن مع الذكرى الأربعين لرحيلها، وفي الوقت ذاته، يستعيد من خلالها ذكريات ترسَّخت في وجدانه وهو يستمع إلى أغانيها منذ صباه.

يضيف في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أنه بالرغم من أنه يستلهم دائماً من فنانين، سواء أكانوا رسامين أم نحاتين أم مؤلفين موسيقيين، فإن للعاطفة التي يُعبِر عنها الصوت والموسيقى وقع خاص في نفسه. أسأله عن سبب اهتمامه تحديداً بأيقونات جريحة نوعاً ما، مثل ماريا كالاس وداليدا، يُجيب أنه يجد نفسه مشدوداً إلى ما يختبئ وراء الصورة الخارجية والبراقة، من مشاعر إنسانية تدفع أصحابها إلى بلوغ أقصى حالات الإبداع، في محاولة لمداواة الألم أو التعايش معه.

كان لا بد لخلق تنوع يخاطب كل الأذواق لتجنب رتابة اللون الواحد (ستيفان رولان)

يُتابع: «كانت ماريا كالاس وداليدا متشابهتين في كونهما روحين جريحتين استطاعتا غزو العالم. لكن بينما كانت كالاس محاربة وشديدة الانضباط رغم الخذلان العاطفي الذي عاشته، كانت داليدا تعيش صراعاً وجودياً وتحمل شرخاً أعمق لم تتجاوزه طوال حياتها، مما جعلها أكثر هشاشة بكثير».

أبرز المصمم هذا الاختلاف بينهما في الأزياء. في مجموعته المستوحاة من كالاس، تجلَت الدراما المسرحية في الأحجام والألوان والكثير من التفاصيل الفنية.

البحث عن داليدا... المرأة

أما في عرض «دليدا.. امرأة من الشرق»، وهو عنوان المجموعة، فبرز البُعد الشرقي بكل ما يحمله من حسية وحميمية، جسّدهما من خلال تصاميم تتبع تضاريس الجسد وانحناءاته، فتكشف أحياناً وتحجب أحياناً أخرى. هذه الازدواجية هي التي سادت المجموعة، وعبَر فيها المصمم عن رؤيته الخاصة لداليدا كامرأة تجمع بين القوة والنعومة.فهو لا يتوقف عند ملامح صورتها المألوفة هنا، من تسريحات الشعر أو الماكياج، إلى سائر التفاصيل التي ارتبطت بها، بل يحاول النفاذ إلى ما يختلج في داخلها، وفهم الثمن الذي دفعته مقابل هالتها الأيقونية. وهكذا تتجاوز المجموعة الاستعراض الجمالي والفني لتغدو قراءة نفسية تستنطق ما وراء الصورة.

لمسات المصمم الفنية ظهرت في الكثير من التفاصيل (ستيفان رولان)

يقول رولان إن الصورة التي لا تفارق مخيلته عن المغنية، هي لامرأة شقراء ذات روح شرقية، تقف تحت أضواء المسرح، بفستان أبيض ذي خطوط بسيطة، لا يكسر صفاءه سوى الستارة الحمراء لمسرح الأولمبيا الشهير. إنها ليست داليدا التي استقرت صورتها في الذاكرة خلال سنواتها اللاحقة، ولا نجمة الديسكو الشابة قبل معاناتها مع الفقد بعد رحيل رفيق دربها منتحراً، وما أعقب ذلك من مآسٍ شخصية وانكسارات عاطفية، بل امرأة تعود إلى المسرح بعدما اعتقد كثيرون في الوسط الفني أن مسيرتها انتهت.

وفي ليلة 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 1971، كتبت لنفسها بداية جديدة. صعدت إلى المسرح بذلك الفستان الذي يكاد يكون رهبانياً في بياضه وبساطته، من تصميم «بالمان» وقدمت أداءً مذهلاً بحيث وُصفت تلك الليلة بـ«ليلة الانتصار الملحمي».

وظَّف المصمم قدرته على النحت والبناء المعماري للتصاميم وخلق توازناً بين الصلابة والنعومة (ستيفان رولان)

الأبيض للبدايات

هذه اللحظة هي التي التقطها المصمم وجسّدها في مجموعة غلب عليها اللون الأبيض، باستثناء قطع قليلة بالأسود والأحمر. لم يأتِ الأبيض، وفق رؤية رولان، للتعبير عن الحنين أو الرغبة في الاختفاء، بقدر ما يرمز لبداية جديدة وفتح صفحة بيضاء، تظهر فيها داليدا امرأة قوية بما يكفي لتسحر الملايين بصوتها. لكن وراء هذه القوة تسكن امرأة هشة بما يكفي لأن يهزمها خذلان حياتها الخاصة.

من الناحية الفنية، يوضِح المصمم أن التحدي في ابتكار مجموعة بهذه الدرجة من الصفاء، يكمن في تحقيق التنوع الذي يخاطب كل امرأة، أياً كان ذوقها، من دون تكلف أو مبالغة في الزينة، وفي الوقت نفسه تفادي الرتابة التي يمكن أن يُولدها تكرار اللون الواحد. لتحقيق ذلك، كان لا بد من توظيف الحسية، مستعيناً بانحناءات الجسد وبعض تقنيات الثني والانسياب في القماش. كما أضفى على الخامات ثراءً إضافياً بإدخال الذهب والأحجار الكريمة». وهكذا يمكن لأي امرأة أن تتعامل مع القطعة بالأسلوب الذي تختاره ويناسب شخصيتها. فالأبيض هنا جاء بمثابة «كنفس» يمكنها أن ترسم عليه الصورة التي تعكس ذوقها الخاص.

اللمسات الشرقية ظهرت أيضاً في تجنب الكشف المبالغ فيه لأجزاء من الجسم (ستيفان رولان)

أما كيف ترجم هذا التنوع، رغم الازدواجية بين القوة والهشاشة، وحوّله إلى لغة فنية متماسكة، فكان عبر الحركة والتفاصيل الخفيفة التي تتكشف بهدوء، من ثنيات وأحجام واسعة، اعتمد فيها على خامات مثل الغازار والأورغنزا الخفيفة إلى جانب الريش والكريستال الصخري والأحجار الثمينة. عناصر تعبر عن الفخامة والتميز لكنها تظل مطبوعة بالرقة، حتى في التصاميم الأكثر صلابة. فرولان المعروف بخطوطه المعمارية وحضوره النحتي، كان يبحث في هذه المجموعة، على حد تعبيره «عن الجانب التأملي لامرأة تواجه عبث الحياة، لكنها لا تزال تبحث عن نوع من النور، وتعكسه فوق خشبة المسرح». ويوضِح: «لم أخترع داليدا جديدة، ولن أجرؤ على ذلك أبداً. ما قدَمته هو نوع من التخيَل الفني للصورة التي تشكَلت لدي عما وراء مظهرها المصقول، حيث تسكن إنسانة حساسة، لها جراحها وشقوقها، وتبحث عن طريق للاستمرار».

ظهرت بعض التصاميم كمنحوتات رغم تناقضاتها بين الانسيابي والهندسي (ستيفان رولان)

فهي امرأة أكثر تأملاً في علاقتها بالحياة والموت، تكاد تقترب من النظرة الفلسفية. ففي نظر رولان، لم تكن داليدا مجرد فنانة عادية، بل امرأة تتساءل عن معنى وجودها وتحاول فهم معنى الحياة وكيفية مواصلة العيش فيها».

ولتجسيد هذه الصورة، أو الروح التواقة للتعايش مع الحياة، اقترح 33 إطلالة، برز من بينها فستان بتقنية المكرمية، يجمع بين كورسيه وتنورة من الأورغنزا وتفاصيل من ريش النعام. كما ظهرت فساتين طويلة أخرى، يجمع بينها التوازن بين الصلابة والنعومة، بينما بدت العارضات في العديد منها كأنهن منحوتات متحركة. لم يغب غموض الشرق ولا سحره. فقد برزا من خلال خامات، مثل الأورغنزا التي تنساب مع الخطوات كزبد البحر، وتصاميم تكشف اجزاء من الجسد من دون مبالغة، كما حضر الأسود إلى جانب الأحمر في قطع معدودات. الأسود ليعكس السوداوية التي كانت تعيشها في حياتها الخاصة، والأحمر ليستحضر ستارة مسرحها المفضل، الأولمبيا.

مسرح الأولمبيا

هذا المسرح بالنسبة لرولان، لا يمكن فصله عن داليدا، أو عن تلك الليلة الملحمية التي عادت فيها إلى الأضواء، لأنه كان جزءاً من حكايتها، حيث وقفت على خشبته مرات لا تُحصى، لذلك «كان مهماً أن أقدِم هذه المجموعة التكريمية والتي تتزامن مع رحيلها الأربعين في المكان الذي كانت تُفضِله».

غلب الأبيض على العرض باستثناء قطع قليلة استخدم فيها المصمم الأسود (ستيفان رولان)

ويشرح رولان أنه يعتبر اختيار المكان عموماً، عنصراً أساسياً في كل عروضه. فعندما استلهم من ماريا كالاس، كان قصر غارنييه الخيار الطبيعي. فقد غنَت على خشبته وأحيت فيه ثلاث حفلات مهمة في مسيرتها. كذلك الأولمبيا، الذي كان الأقرب إلى داليدا، وحققت فيه أجمل نجاحاتها.

وعندما أشير إلى أن الغوص في الذات الإنسانية هنا، وسرد القصص في عالم الموضة عموماً، بات يحتل أحياناً مساحة مبالغاً فيها، إلى حد يجعل كل مجموعة مصحوبة بحكاية أو مصدر إلهام أو مرجعية ثقافية تكاد ترقى إلى أطروحة فكرية أو فلسفية، يُقرِ رولان أن هذا السرد يتحول إلى عبء حين يُختلق لمجرد إرضاء المتلقي. ويُوضِح: «أنا أحب رواية الحكايات، لكن فقط إذا عشتها أو لمستني شخصياً. عندها فقط أومن بأن الإحساس سيصل صادقاً ومقنعاً».

نعومة الأقمشة لم تؤثر على هندسية التصاميم وأسلوب المصمم النحتي (ستيفان رولان)

من هذه القناعة، هو لا ينسج قصصاً للترويج لمجموعة أزياء، بل يستلهم تجارب إنسانية حقيقية يترجمها بلغة فنية. ولعلَ هذا ما يُفسِر تركيزه على داليدا في لحظة مفصلية من حياتها: حين عادت إلى المسرح بعدما اعتقد كثيرون أن مسيرتها انتهت، متحدِية خذلان منتجين رفضوا تمويل حفلتها الشهيرة، إذ موَّلتها من مالها الخاص، لتقف أمام الجمهور بفستان أبيض، شامخة، وكأنها تعلن رفضها للغياب أو التواري عن الأنظار. في تلك اللحظة، بكل ما تختزنه من معاني العودة والتجدد واستعادة الذات، وجد رولان الصورة التي أراد أن يستحضرها ويُقدمها في هيئة امرأة معاصرة.

فقد رأى في تلك الليلة من عام 1971 ما يتجاوز حدود الموضة. رأى امرأة تحاول أن تمضي في الحياة رغم التحديات، ومن هنا وظف اللون الأبيض كرمز للعودة وفتح صفحة جديدة لا كلون للاختفاء والتواري.


كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)
يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)
TT

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)
يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

هناك لحظات يتشكّل فيها مستقبل مبدع حين يجد نفسه في المكان الصحيح. في الحادية والعشرين من عمره، كان «يورغن مايكلسن»، شاب ألماني من مدينة بريمن، على موعد مع فرصة استثنائية حين اختاره «كريستيان ديور» شخصياً، «بأعجوبة» على حدّ تعبيره، للعمل في الاستوديو، قلب الدار الإبداعي، حيث شهد أسلوب «نيو لوك» (New Look) انطلاقته اللافتة في فبراير (شباط) 1947. ومنذ ذلك الحين، انفتح أمامه عالم الأزياء الراقية «كوتور» الفرنسية في مهد الأناقة الباريسية. وخلال تسمية تصاميم مجموعة «ليبر» (Libre) التي أسهم في ابتكارها، اختار له السيد «ديور» اسم «يورن» (Yorn)، وهو اسم يحمل وقع علامة أزياء راقية «كوتور»، وكأنّه كان استشرافاً للمسيرة التي ستقوده لاحقاً إلى أن يصبح مصمم أزياء، ويتولى قيادة دار أزياء خاصّة به.

غلاف الكتاب (ديور)

عن تلك البدايات التي تترك في الذاكرة أثراً يتجاوز زمنها، لتصبح جزءاً من تكوين المبدع ومن الطريقة التي يرى بها العالم، يُدخلنا المصمم الألماني يورغن مايكلسن في كتابه «موسم في دار ديور» (A Season at Dior)، الصادر عن دار «فلاماريون» (Flammarion)، عالم 30 «مونتين» (Montaigne) خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1956 و1957، وهي مرحلة مفصلية شهدت رحيل «كريستيان ديور» المفاجئ.

ينطلق الكتاب من لحظة اعترف فيها السيد «ديور» في سيرته الذاتية «ديور بقلم ديور» (Dior by Dior) بأنّ «السنوات الأولى، حين يبدأ المرء في شقّ مساره المهني، هي أكثر فصول أي سيرة ذاتية تشويقاً».

كريستيان ديور يجري بروفات قبل العرض (ديور)

من خلال هذه الشهادة القيّمة، يرسم «يورن مايكلسن» صورةً إنسانيةً مرهفة لكريستيان ديور، ويستحضر أجواء ذلك العام المفصلي بكل ما حملته من تألّق استثنائي وزخمٍ إبداعي. ويتخلل هذا السرد الشعور العميق بالامتنان؛ امتنان شاب أُتيحت له فرصة استثنائية، ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته.

ويعيد مايكلسن إحياء عالم 30 «مونتين» (Montaigne) في تلك الحقبة بكل زخمه من: الاستوديو، والمشاغل، ورئيسات المشاغل، والحرفيات الماهرات، وعارضات الأزياء، ومندوبي المبيعات، وكبار المسؤولين في الدار؛ كوكبة من المواهب والشخصيات التي تضافرت معاً لتبثّ الحياة في حلم «ديور» (Dior).

كريستيان ديور وفريق يعمل ويراقب ويتعلّم (ديور)

يرصد الكتاب أيضاً مسار ابتكار مجموعة من الأزياء الراقية «كوتور»، مستعيناً بسلسلة من الصور الفوتوغرافية المصوّرة بعدسة «لوميس دين»، أُنجزت لصالح مجلة «لايف» (LIFE). ومن صورة إلى أخرى، تتكشف تفاصيل الحياة اليومية داخل الاستوديو، ذلك القلب الإبداعي ومختبر الأفكار، حيث تولد التصاميم وتتبلور ملامح القصّات والإطلالات، قبل أن تنتقل إلى الأيدي الخبيرة في مشاغل الدار لتتجسد على أرض الواقع. وتكتمل هذه الشهادة البصرية بصور التقطها كل من «ريتشارد أفيدون»، و«هنري كلارك»، و«ويلي مايوالد»، و«مارك شو»، و«هنري كارتييه - بريسون»، إلى جانب مواد من أرشيف «ديور» (Dior) تُنشر للمرة الأولى، لتقدّم مجتمعةً سجلاً بصرياً نادراً لتلك المرحلة.

أهمية كتاب «موسم في ديور» (A Season at Dior) لا تكمن في أنه يسلط الضوء على عالم الأزياء فحسب، بل في كونه يروي أيضاً حكاية جيلٍ يراقب ويتعلّم ويستوعب، قبل أن يمتلك الجرأة على رسم مساره الخاص. بعد تجربته في دار «ديور» (Dior)، ثم عمله لدى «مدام غريس» بصفته مصمّم أنماط، مضى «يورن مايكلسن» في شق طريقه المستقل. وفي عام 1962، أصبح أول مصمم ألماني يفتتح دار أزياء تحمل اسمه في 144 شارع الشانزليزيه.