خفايا خطط كيندي لإبعاد كاسترو

أسرار العلاقات بين واشنطن وهافانا في كتاب لباحث مصري

كيندي يوقع قرار الحصار البحري على كوبا عام 1963
كيندي يوقع قرار الحصار البحري على كوبا عام 1963
TT

خفايا خطط كيندي لإبعاد كاسترو

كيندي يوقع قرار الحصار البحري على كوبا عام 1963
كيندي يوقع قرار الحصار البحري على كوبا عام 1963

يكشف الباحث المصري الدكتور إسحق عزيز أسرار وجذور الصراع الأميركي - الكوبي منذ عهد رئيس كوبا الأسبق فولغنسيو باتيستا زالديفار الذي حكم بلاده منذ 1933 إلى 1944 ومن 1952 إلى 1959، قبل أن يسقط نتيجة الثورة الكوبية.
ويتابع عزيز في كتابه «الصراع الأميركي الكوبي» الصادر حديثاً عن «هيئة الكتاب» المصرية، قراءة ما جرى من أحداث حتى عام 1963 الذي شهد قمة الصدام بين «واشنطن» و«هافانا» واغتيال الرئيس جون كيندي وتولي الرئيس ليندون جونسون مقاليد الأمور في البيت الأبيض، مما عكس تحولاً في اتجاهات السياسة الأميركية التي انشغلت عن جارتها بالانغماس في مستنقع فيتنام الذي شغل كل الساسة الأميركيين.
ورغم انهيار الشيوعية والاشتراكية في كثير من بلدان العالم؛ وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي، فإن هناك بلداناً ظلت صامدة أمام المد الرأسمالي تقاوم الحصار الذي ضُرِب عليها لإطاحة أنظمتها، ولتغيير آيديولوجية رجالها، ومن هذه البلدان التي استمرت تقاوم الضغوط الرأسمالية؛ كوبا، وها هي حتى الآن؛ تحت رئاسة كاسترو وخليفته، تقف أمام دولة عظمى هي الولايات المتحدة الأميركية.
ولمعرفة كيف استطاعت كوبا مقاومة الضغوط الأميركية، وكيف وصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن، سعى عزيز إلى دراسة الجذور الأهم في تشكيل أي علاقة دولية سياسية، وتناول بالتحليل كيف خرجت كوبا عن الفلك الأميركي بمجرد أن اعتلى كاسترو سدة الحكم فيها واستمرار نظامه حتى وقتنا هذا.
وبرر عزيز اختياره عام 1959 بدايةً لفترة دراسته، مشيراً إلى أنه شهد انتصار الثورة في كوبا، وبداية مرحلة جديدة من العلاقات بين الثورة وقادتها في هافانا، وبين الولايات المتحدة، ومواجهة واشنطن حقيقة أن النظام الجديد في هافانا قد وصل إلى السلطة في البلاد دون دعم وموافقة ضمنية منها.
ولقراءة تفاصيل العلاقات الأميركية - الكوبية، وما جرى من أحداث وصراعات؛ منها ما فجّر أزمة دولية عرفت بـ«أزمة الصواريخ»، بين أميركا وروسيا؛ القطبين الأساسيين في السياسة العالمية في ذلك الوقت، اتبع عزيز، الباحث في كلية الآداب بجامعة عين شمس، المنهج السردي التحليلي باحثاً عن علل الأحداث التاريخية، ونتائجها. واعتمد على عدد كبير من المصادر، تمثلت في وثائق وزارة الخارجية المصرية، وأرشيف الأمن القومي الأميركي، وملفات وزارة الخارجية الأميركية السرّية، ومجموعة الوثائق السوفياتية المنشورة باللغة الإنجليزية، فضلاً عن مجموعة من مجموعة الوثائق الأميركية المنشورة تحت عنوان «علاقات أميركا الخارجية»، و«سياسة أميركا الخارجية»، خلال الأعوام من 1950 حتى 1963.
ولم يتوقف عزيز في بحثه علاقات أميركا بجارتها الصغرى كوبا عند الوثائق المتاحة فقط، لكنه استعان بأوراق الرئيس الأميركي آيزنهاور، الذي شهد عهد رئاسته الولايات المتحدة نجاح الثورة الكوبية، ووصول فيدل كاسترو إلى الحكم، وكان لسياسته أثر كبير فيما آلت إليه العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا.
واعتمد المؤلف أيضاً على عدد من المذكرات الشخصية؛ يأتي في مقدمتها مذكرات الرئيس آيزنهاور، والرئيس خروتشوف، والسفير فيليب بونسال، وريتشارد بيسل، وريتشارد نيكسون، وتشي جيفارا، وآندريه جروميكو، فضلاً عن عدد من المراجع والدراسات العربية والأجنبية.
وتضمن الكتاب في بدايته تمهيداً، حاول الباحث من خلاله طرح الخلفية التاريخية للعلاقات الأميركية - الكوبية قبل عام 1959، وسعى فيه لإبراز الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لكوبا بالنسبة للولايات المتحدة، وازدياد المصالح والاهتمامات الأميركية بها في ظل السيطرة الإسبانية، والمحاولات الأميركية المختلفة للسيطرة عليها، وهو ما تحقق لها بعد الحرب الإسبانية - الأميركية، واحتفاظ الولايات المتحدة بقدر قوي من النفوذ على هافانا، بعد وضع ملحق للدستور الكوبي، سمح لأميركا بالتدخل في شؤونها دون قيد أو شرط، والذي استمر العمل به إلى أن تم التوقيع على معاهدة أميركية - كوبية جديدة ألغت حق أميركا في التدخل المسلح.
وأبرز الكتاب الجهود الأميركية لاحتواء المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وموقف واشنطن من انقلاب باتيستا في مارس (آذار) 1952، والهجوم على ثكنات مونكادا في يوليو (تموز) 1953، وما أعقبه من تنامٍ للمعارضة الداخلية لنظام الرئيس باتيستا الذي ظلت واشنطن تسانده حتى اتضح لها جليّاً أن استمراره في الحكم يهدد مصالحها، ولذلك قررت حظر الأسلحة عنه في محاولة منها لاستبعاده والبحث عن بديل جديد يقوم بتأمين المصالح الأميركية، لكنها فشلت في إيجاد قوة ثالثة بعيدة عن كاسترو وباتيستا الذي فرّ من البلاد بعدها.
وخصص المؤلف الفصل الأول من كتابه لدراسة الأوضاع في كوبا عقب رحيل باتيستا، والاعتراف الأميركي بالحكومة الجديدة، واستعرض موقف فيدل كاسترو من الولايات المتحدة في المراحل الأولى للثورة، والمحاكمات التي قام بها النظام الجديد في كوبا لأركان النظام السابق، وتأثير هذا على علاقة كاسترو بالولايات المتحدة، ثم ركز على الاختلافات التي برزت داخل الإدارة الأميركية حول أسلوب التعامل مع كاسترو، والذي كان يختلف كل الاختلاف عن تعاملها مع الأنظمة السابقة التي توالت على كوبا، ثم تطرق إلى محاولات الطرفين استجلاء موقف الآخر خلال الزيارة التي قام بها كاسترو للولايات المتحدة، وموقف مسؤوليها من قانون الإصلاح الزراعي، والتفكير في التخلص من الزعيم الكوبي بعد أن وجدت فيه تهديداً خطيراً لمصالحها في كوبا.
وتناول عزيز في الفصل الثاني طبيعة العلاقة التي كانت تجمع الولايات المتحدة مع الحكومة الثورية في هافانا، والتي بدأت تتحول من انتهاج سياسة الحياد في تعاملاتها في ظل الحرب الباردة، إلى الاقتراب من الاتحاد السوفياتي لتقليل الهيمنة الأميركية القوية على اقتصادات الجزيرة، وهو ما تجلى في الاتفاقيات التجارية بين كوبا والاتحاد السوفياتي. كما تعرض لمحاولة واشنطن الضغط على هافانا من خلال رفض مصافي النفط الغربية الموجودة داخل كوبا تكرير النفط السوفياتي، وإنقاص حصة السكر الكوبي في السوق الأميركية، واستخدام منظمة الدول الأميركية في مواجهتها مع كاسترو، والعقوبات الاقتصادية الأميركية على هافانا، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها.
وخصص الباحث الفصل الثالث من كتابه لدراسة محاولة الولايات المتحدة الإطاحة بالنظام الكوبي باستخدام المنفيين الكوبيين، وتناول دور القضية الكوبية في حملة الرئاسة الأميركية، وتطور العملية العسكرية التي وضعتها الإدارة السابقة في ظل إدارة الرئيس كيندي، وفشل محاولة الإطاحة بالنظام الكوبي في عملية «خليج الخنازير»، ودور وكالة المخابرات الأميركية وهيئة الأركان المشتركة ومستشاري الرئيس والرئيس نفسه في صنع هذا الفشل في العملية.
وتناول الفصل الرابع جهود الرئيس كيندي في محاولة إسقاط كاسترو عبر عملية «النمس» التي كانت بمثابة استراتيجية أميركية جديدة في علاقتها بكوبا، ودشنت العملية استراتيجية متعددة المسارات من العمل شبه العسكري، والتخريب، والحرب الاقتصادية، والدبلوماسية، والنفسية، فضلاً عن إطلاقها عنان القوة الكاملة لاستخدام إمكانات العمليات العسكرية السريّة الأميركية ضدّ النظام الكوبي، وتشبث الرئيس كيندي باستخدام العمليات العسكرية السريّة من أجل إثارة انتفاضة شعبية ضدّ كاسترو بعيداً عن التدخل العسكري الأميركي المباشر بسبب مخاوفه من عمل سوفياتي انتقامي. وأوضح عزيز كيف تغلبت مخاوف كيندي بشأن النتائج على المستوى العالمي على ضرورات العملية، وكيف قاد إصراره على التخلص من كاسترو إلى دفع الولايات المتحدة نحو ما يمكن أن يتطور إلى مواجهة نووية مع موسكو. وفي الفصل الخامس تناول الباحث المخاوف الكوبية من الغزو الأميركي مع بداية عام 1962، وكيف قادتها هذه المخاوف إلى الموافقة على إدخال الصواريخ السوفياتية النووية إلى أراضيها، والتغير في موقف الرئيس كيندي نحو كوبا، ونتائج ذلك على السياسة الأميركية اللاحقة، والاكتشاف الأميركي للصواريخ السوفياتية في كوبا، واتخاذ كيندي قرار فرض الحصار. كما تناول محاولات كيندي استخدام آلية القناة الخلفية من أجل الوصول إلى حل سلمي للنزاع، ثم عودته مرة أخرى بعد أزمة الصواريخ إلى سياسة العمل السري من أجل اقتلاع كاسترو من كوبا... وغيرها من جذور الصراع الخفي بين واشنطن وهافانا، التي يكشف عنها الكتاب في نسق سردي شيق، ترفده حزمة من الوثائق التاريخية، تؤكد مصداقيته على مستوى الرؤية والرصد والتحليل وتحري الحقيقة.


مقالات ذات صلة

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

ثقافة وفنون يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يونس أوعلي: المشهد الثقافي المغربي موبوء بشبكات المصالح والحسابات الضيقة

يرى الروائي المغربي يونس أوعلي أن جيل الروائيين الشباب في بلاده لا يشكل تياراً أدبياً متجانساً، بقدر ما يضم تجارب تتقاطع في أسئلتها وتختلف في رؤاها وأساليبها.

ميرزا الخويلدي (حوار)
كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».