«إنترنت الأشياء»... إمكانات وحلول ومشكلات

مليارات الأجهزة والأدوات تتواصل إلكترونياً في منازل ومدن ذكية

«إنترنت الأشياء»... إمكانات وحلول ومشكلات
TT

«إنترنت الأشياء»... إمكانات وحلول ومشكلات

«إنترنت الأشياء»... إمكانات وحلول ومشكلات

سيشهد عام 2019 اندماج إنترنت الأشياء (IoT) في حياتنا اليومية بطريقة أكثر سلاسة ومرونة سواء في المنزل أو العمل لدرجة تجعل من هذا سماع هذا المصطلح أمراً طبيعياً. ويؤكد هذا الأمر تقريراً نشر مؤخراً من موقع «زد نت» يشير إلى وجود نحو 8.4 مليار جهاز من الأشياء قيد الاستخدام في عام 2017، بزيادة 31 في المائة عن عام 2016، ومن المرجح أن يصل هذا الرقم إلى 20.4 مليار بحلول عام 2020.

إنترنت الأشياء
إذن، ما هي إنترنت الأشياء؟ يشير مصطلح «إنترنت الأشياء» إلى مليارات الأدوات والأجهزة المرتبطة الآن بالإنترنت في جميع أنحاء العالم، حيث تجمع البيانات وتشاركها فيما بينها. وبفضل توافر المعالجات الرخيصة والشبكات اللاسلكية، أصبح من الممكن تحويل مصباح ضوئي صغير أو طائرة نفاثة، إلى جزء من عالم «إنترنت الأشياء». ومن هنا تبرز أهم ميزة «إنترنت الأشياء»، وهي أنها تتيح للإنسان التحرر من المكان، أي أن الشخص يستطيع التحكم في الأدوات من دون الحاجة إلى وجوده في مكان محدّد للتعامل مع جهاز معين.
ومن الأمثلة على أجهزة «إنترنت الأشياء»، المصباح الذي يمكن تشغيله باستخدام تطبيق الهاتف الذكي، وكذاك هو الحال لمستشعر للحركة أو ثرموستات ذكي (أداة ضبط الحرارة) في بيتك. وعلى نطاق أوسع، تعتبر مشروعات المدن الذكية Smart City مثالاً أكبر على «إنترنت الأشياء»، حيث تقوم الحكومات بإنشاء وتوزيع كاميرات وأجهزة استشعار على مناطق كاملة تساعدنا على فهم البيئة والتحكم فيها أحياناً.
وعادة ما يستخدم مصطلح «إنترنت الأشياء» بشكل أساسي للأجهزة التي لا يُتوقع اتصالها بالإنترنت، فلا يُعتبر الكومبيوتر الشخصي ولا الهاتف الذكي جزءاً منها، لكن قد يتم تصنيف ساعة ذكية أو خاتم ذكي متعقب للياقة كجهاز لـ«إنترنت الأشياء».

منازل ذكية
بالنسبة لنا كمستهلكين، ربما يكون المنزل الذكي خير مثال لـ«إنترنت الأشياء»، وهو بلا شك أحد المجالات التي تتنافس فيها كبريات شركات التكنولوجيا بشدة، ولا سيما «أمازون» و«غوغل» و«آبل»، وعلى نطاق أكبر «سيسكو».
وعلى سبيل المثال هذه الشركات تنتج أنواعاً مختلفة من المساعدات الصوتية الذكية مثل «أمازون ايكو» و«غوغل هوم»، وربما يعتقد البعض أنها غير مهمة ويمكن التعايش من دونها، لكن هناك جانباً أكثر جدية للتطبيقات المنزلية الذكية، فيمكن عن طريقها منح فرصة أفضل للمسنين ليستقلوا في بيوتهم الخاصة من خلال تسهيل التواصل مع العائلة ومقدمي الرعاية لهم ومراقبة كيفية حصولهم عليها. كما أن الفهم الأفضل لكيفية عمل بيوتنا، والقدرة على تعديل هذه الإعدادات، يمكن أن يساعد في توفير الطاقة من خلال أتمتتها على سبيل المثال.

أمان وخصوصية
ماذا عن الأمان والخصوصية؟ تعد قضية الأمان والحماية، إحدى أكبر المشكلات المتعلقة بـ«إنترنت الأشياء». فكما ذكرنا، تقوم الأجهزة والمستشعرات بجمع بيانات حساسة للغاية عنا؛ فهي تسمع ما نقوله وتعرف ما نفعله في بيوتنا، والحفاظ على هذا سرية هذه البيانات أمر أساسي بالنسبة لثقة المستهلك، لكن في الحقيقة فإن تاريخ أجهزة إنترنت الأشياء ما زال سيئاً للغاية حتى الآن، حيث إن الكثير من هذه الأجهزة، وخصوصاً الرخيصة منها لا تعطي أهمية كبيرة أساسيات الأمن، كتشفير البيانات أثناء إرسالها مثلاً.
ويتم بشكل شبه يومي اكتشاف العيوب في برمجيات أجهزة إنترنت الأشياء التي يصعب تصحيحها عن طريق إرسال تحديثات برمجية لها؛ مما يجعلها عرضة للخطر بشكل دائم. لذلك؛ تجد أن بعض أجهزة «إنترنت الأشياء» (ككاميرات المراقبة المنزلية) هدفاً سهلاً للقراصنة، حيث وجد الباحثون أنه هناك أكثر من 100.000 كاميرا مراقبة منزلية يمكن اختراقها بسهولة، في حين تم العثور أيضاً على بعض الساعات الذكية المخصصة للأطفال تحتوي على ثغرات أمنية تسمح للقراصنة بتعقب مواقع مرتديها أو التنصت على محادثاتهم، بل ووصل الأمر إلى التواصل معهم كلامياً عبر هذه الساعات.

توقعات المستقبل
ما الذي يمكن توقعه من «إنترنت الأشياء» في الأعوام المقبلة؟ لا يوجد سقف لما يمكن أن تصل إليه «إنترنت الأشياء»، وكما لا يخلو بيت من هاتف ذكي أو كومبيوتر، فلا يستبعد أن يكون لجهاز إنترنت الأشياء مكان خاص في بيوتنا قريباً. لكن، بشكل أوسع، يتوقع الكثير من الخبراء، أن أهم تطبيق لها سيكون المدن الذكية، فيضرب سكوت بيتي، رئيس قسم التكنولوجيا في شركة «فودافون»، مثالاً بقوله «يمكن على سبيل المثال توصيل جميع حاويات القمامة في المدينة رقمياً، بحيث يصل تنبيه للجهات المختصة عندما يكون صندوق النفايات ممتلئاً ويحتاج إلى إفراغ». وبالمثل تستخدم مدينة كاري في ولاية كارولينا الشمالية الأميركية بيانات «إنترنت الأشياء» لتوصيل إشارات المرور إلى منصة إدارة علاقات العملاء الخاصة من أجل تنبيه شركات المرافق في حال انطفأت إحدى إشارات المرور. يمكن أيضاً استعمال «إنترنت الأشياء» في بناء أسواق ذكية تقوم بمعرفة كمية الوقت الذي يستغرقه الزبائن في قسم معين، إضافة إلى السماح له بالتبضع وشراء المنتجات دون الحاجة إلى الانتظار في الطوابير كما هو الحال مع محال «أمازون غو» Amazon Go، التي تمكنك من التجول في المتجر وشراء ما ترغب فيه عن طريق تطبيق في هاتفك.
أما في المنطقة العربية فقد شهد المؤتمر السعودي الدولي الثاني لـ«إنترنت الأشياء»، الذي أُقيم خلال الفترة من 13 إلى 15 فبراير (شباط) الحالي بمدينة الرياض تحت شعار «التواصل بمفهوم جديد» الإعلان عن جهاز ذكيّ، يعالج مشكلة سوسة النخيل بالسعودية. والجهاز عبارة عن مجسات استشعار، توضع على النخلة، تقيس مستوى الذبذبات داخلها؛ لتنبئ المزارع بتحركات آفة سوسة النخيل فورياً في حال إصابة النخلة، لبدء مرحلة العلاج في مرحلة مبكرة.
فكرة إنترنت الأشياء مبنية على أنه من خلال ربط شيء ما - أي جهاز - عبر الإنترنت، يمكنك فتح إمكانات هائلة لأتمتة نقل المعلومات ومعالجتها بشكل أسرع وأكثر كفاءة، لذلك لا شك أننا متجهون إلى عالم تصبح فيها إنترنت الأشياء جزءا لا يتجزأ من حياتنا.

«إنترنت الأشياء» في السعودية
- في المنطقة العربية، شهد المؤتمر السعودي الدولي الثاني لـ«إنترنت الأشياء»، الذي أُقيم خلال الفترة من 13 إلى 15 فبراير (شباط) الحالي بمدينة الرياض تحت شعار «التواصل بمفهوم جديد» الإعلان عن جهاز ذكيّ، يعالج مشكلة سوسة النخيل بالسعودية. والجهاز عبارة عن مجسات استشعار، توضع على النخلة، تقيس مستوى الذبذبات داخلها؛ لتنبئ المزارع بتحركات آفة سوسة النخيل فورياً في حال إصابة النخلة، لبدء مرحلة العلاج في مرحلة مبكرة.

«سيسكو» ومشروعات التحول الرقمي في المنطقة
- في حديث مع «الشرق الأوسط»، صرح ديفيد ميدز، نائب رئيس شركة «سيسكو» لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، بأنه بالإضافة إلى فروع أكاديمية «سيسكو» التي تقدم دورات تدريبية في موضوعات متنوعة تبدأ من إنترنت الأشياء IoT، وإلى أمن نظم تقنية المعلومات، كانت الشركة وقّعت أيضاً اتفاقية تسريع رقمي وطني للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
وشاركت «سيسكو» في إطلاق مدينة الرياض الذكية في عام 2018، بعد فترة تجريبية مدتها تسعة أشهر في إطار عملية التحول الرقمي للبلاد.
ونذكر من تقنيات المدينة الذكية التي اختبرتها «سيسكو» في حي العليا في الرياض: مواقف السيارات والإضاءة الذكية وإدارة المياه. وأسست «سيسكو» أخيراً في دبي مركزاً جديداً للتعاون في مجال الابتكار يضاف إلى 12 مركزاً عالمياً آخر لديها يعمل في المجال ذاته، ويضاف ذلك إلى اتفاقية التحول الرقمي للبلاد الموقّعة في عام 2018 بين «سيسكو» وهيئة تنظيم الاتصالات في دولة الإمارات العربية المتحدة.



بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».