مقري: مشكلتنا ليست العهدة الخامسة بل النظام السياسي برمته

مرشح «حركة مجتمع السلم» لرئاسية 2019 قال لـ«الشرق الأوسط» إن رغبة الرئيس في تمديد حكمه «إهانة للجزائريين»

عبد الرزاق مقري
عبد الرزاق مقري
TT

مقري: مشكلتنا ليست العهدة الخامسة بل النظام السياسي برمته

عبد الرزاق مقري
عبد الرزاق مقري

قال عبد الرزاق مقري، رئيس «حركة مجتمع السلم» الجزائرية الإسلامية، ومرشحها لرئاسية 18 أبريل (نيسان) المقبل، إن مشاركته في الاستحقاق الانتخابي «رغم التزوير (المتوقع) هي مقاومة سياسية لرفض الخضوع للأمر الواقع، وإقامة الحجة على المواطنين».
وذكر مقري في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن مساعي أحزاب وشخصيات معارضة لاختيار مرشح واحد، تدخل به غمار المنافسة، «جاءت متأخرة جدا وهي غير واقعية، وقد اتفقنا على مواصلة المشاورات حول الوضع العام». مشيرا إلى أنه كان مستعدا لسحب ترشحه لو اتفقت المعارضة على مرشح يمثلها في الاستحقاق.
وبحسب مقري، يوجد احتمال أن تتحول الولاية الخامسة التي يريدها الرئيس بوتفليقة، إلى صراع أجنحة داخل منظومة الحكم، معتبرا أن رغبة الرئيس في تمديد حكمه «إهانة للجزائريين وإهانة لجيلنا خاصة». وفيما يلي أهم ما

جاء في الحوار:
> قبل نحو شهر من انطلاق حملة رئاسية 2019... يبدو عبد الرزاق مقري، مرشح المعارضة الوحيد في مواجهة مرشح السلطة... إلى أي مدى تعتبر ذلك صحيحا؟
- لا، هناك مرشحون محتملون آخرون، كعلي بن فليس، وعبد القادر بن قرينة، وعبد العزيز بلعيد، ورشيد نكاز، ومهدي غاني.
> ولماذا في رأيك فشلت مساع للمعارضة لإيجاد «مرشح توافقي» تدخل به معترك الرئاسية؟
- حاولت من جهتي التوصل إلى ذلك عبر اتصالات كثيرة جماعية وثنائية، لم أعلن عنها في ذلك الوقت، وأعلنت استعدادي للانسحاب في حالة الوصول إلى اتفاق، كما اقترحت الأسماء التي يمكن الاتفاق عليها. لكن لم أتلق أي رد. بعد ذلك جاءت مبادرة جبهة العدالة والتنمية فانخرطنا فيها، وحضرنا اللقاء التشاوري، لكن كان هناك غياب واضح لمكونات المعارضة في هذا الاجتماع، وأثناء اللقاء طغى الحديث عن الحراك الشعبي، واتضح للجميع أن هذه المبادرة متأخرة جدا وغير واقعية، فاتفقنا على مواصلة المشاورات حول الوضع العام.
ربما السبب الأساسي لعدم التوصل لمرشح واحد للمعارضة هو عدم وجود ضمانات النزاهة، وتزوير الانتخابات، مما يجعل احتمال الحسم الانتخابي ضد ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة غير مضمون بصناديق الاقتراع، وعليه تصبح مواجهة العهدة الخامسة بالمرشح الواحد، أو غيره، سيان، مع أن التعاضد بين المرشحين من المعارضة لمواجهة التزوير يوم الانتخابات يبقى ممكنا. وحتى لو اجتمعت المعارضة على مرشح واحد، يبقى هاجس تمرير العهدة الخامسة باستعمال كل مؤسسات ووسائل الدولة قائما، وذلك في ظل موازين القوة القائمة. فالسلطة ستكتفي بإعلان رقم وهمي لصالح بوتفليقة، بعيدا كل البعد عما سيكون في محاضر فرز الأصوات، لأن الإدارة والقضاء والأسلاك الأمنية كلها ستكون متواطئة على ذلك، كما هي العادة في كل الانتخابات السابقة. فهل الحراك الشعبي الذي بدأ يتشكل سيغير المعادلة؟... سنرى ذلك.
> يسود اعتقاد بأن مرشح النظام فائز لا محالة، وأن بقية المترشحين سيؤدون في النهاية الدور الذي تريده منهم السلطة، وهو «إضفاء منافسة وديمقراطية مزيفتين على الاستحقاق»... ما رأيك؟
- رغم التزوير، تظل المشاركة في الانتخابات مقاومة سياسية لرفض الخضوع للأمر الواقع، وإقامة الحجة على المواطنين. يجب أن تتغير هذه الحالة البائسة التي نحن فيها، إما بذهاب المواطنين بالملايين لصناديق الاقتراع وقلب الطاولة على المزورين بكثافة العدد الرافض للعهدة الخامسة، وهذا توجهنا، أو بالتظاهر السلمي في الشارع لإظهار الرفض كذلك، وهذا نباركه ونؤيده.
> خرج آلاف الجزائريين في عدة مناطق ينددون بترشح الرئيس لعهدة الخامسة. فهل ينبغي في رأيك تأطير هذه الاحتجاجات سياسيا، أم يستحسن تركها عفوية؟ وهل سيتعامل النظام بإيجابية معها، أم سيواجهها بالقوة إذا تعاظمت في الأيام المقبلة؟
- التظاهر السلمي حق يضمنه الدستور الجزائري وكل النظم والأعراف الدولية، وربما انخراط مناضلي الأحزاب في هذا الحراك القائم، دون تصدره، هو أضمن لنجاحه. المطلوب هو حرمان السلطة من أن تستعمل كبش فداء لضرب هذا الحراك، كما أنه ليس من الأخلاق أن تقوم الأحزاب بقيادة حراك لم تدع له. من واجبها دعمه وأن تساهم في بقائه سلميا، ولكن الأفضل عدم تصدره الآن.
غير أن الذي يجب الانتباه إليه هو أن مشكلتنا في الجزائر ليست العهدة الخامسة فقط، بل النظام السياسي كله، وما النظام البوتفليقي إلا منتج من هذا النظام.
العهدة الخامسة إهانة للجزائريين وإهانة لجيلنا خاصة، ولكن أخشى أن تتحول هذه القضية إلى صراع أجنحة داخل منظومة الحكم. ونضيع فرصة الانتقال الديمقراطي. إن عرضنا مبادرة التوافق الوطني، وحل مشكلة التزوير الانتخابي قبل الدخول في المنافسة الحقيقية، كان بهدف استغلال ضعف النظام السياسي الحالي لتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، وليس تدوير السلطة بين مكوناتها بصناعة الأزمات.
> هل تعطي مصداقية لكلام مفاده أن الرئيس بوتفليقة «مغيّب»، وأنه «رهينة للمحيط القريب منه»، وبالتالي لا يمكن أن ننسب له رسالة إعلان نية ترشحه، التي نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية قبل أسبوعين؟
- لا شك أن الرئيس بوتفليقة يهمه أن يموت رئيسا، ويمكنني أن أقول إنه طور النظام السياسي الجزائري بما يضمن بقاءه. وإن كان غير قادر على مغادرة فراش مرضه طوال عهدته. فقد صنع توازنات تجعل كل الذين من حوله يطمعون في خلافته، ولكن لا أحد يستطيع أن يفرض نفسه على الآخرين، ولا يستطيعون جميعا الاتفاق على واحد منهم، والنتيجة استمرار دعمهم لبوتفليقة واستمرار الحرب الباردة بينهم من حوله حتى وفاته، والذي يسيطر في تلك المرحلة على المؤسسة العسكرية، بتسخيرها أو بشلها، هو الذي سيحسم الأمر لصالحه.
ولعلمنا في حركة مجتمع السلم بهذه المعطيات، أردنا إدخال المعارضة في عملية الانتقال على مستوى الحكومة عبر توافق وطني، وإصلاحات سياسية، ولو تطلب ذلك تأجيل الانتخابات من ستة أشهر إلى سنة.
لكن يبدو أن المتصارعين على خلافة بوتفليقة انتبهوا إلى أن هذا المشروع سيغير الموازين، ويخرج المنافسة من الدهاليز المظلمة إلى الساحة الديمقراطية المكشوفة، فخربوا المبادرة. لذلك أتمنى أن يقلب الشعب الطاولة على الجميع في إطار سلمي، لا ينقلنا إلى العنف والانفلات، الذي لا يكون إلا في صالح ساسة الدهاليز المظلمة.
> ما أولويات المترشح عبد الرزاق مقري في حال أصبح رئيسا؟
- عرضت أمام وسائل الإعلام برنامجا متكاملا سميناه «الحلم الجزائري»، وهو يتضمن ثلاثة محاور كبرى: الرؤية السياسية لحل الأزمة وتحقيق التحول الديمقراطي والحكم الراشد، والرؤية الاقتصادية، والبرامج القطاعية المتعددة لكل القطاعات.
أما بخصوص الخطوات الأولى التي سأقوم بها في حالة فوزي بالانتخابات فتتمثل في تجسيد التوافق الذي دعوت إليه، وسأبدأ بتعيين رئيس حكومة معروف لدى الجزائريين بالكفاءة والنزاهة، وهو ليس من حركة مجتمع السلم، وقد حددته وسأعلن عنه مباشرة بعد نتائج الانتخابات. ثم نبدأ سويا بتجسيد التوافق بتشكيل حكومة توافقية، والبدء بالإصلاحات السياسية، التي يكون من أولوياتها تغيير الدستور الحالي عبر الاستفتاء الشعبي، لتحقيق توازن وتكامل بين المؤسسات، وإقامة اللجنة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات، وتحرير تأسيس الأحزاب والجمعيات، وإنهاء ابتزاز وسائل الإعلام وسيطرة الجهاز التنفيذي على العدالة، والبدء بالإصلاحات الاقتصادية التي تكون أولويتها الحد من الفساد والنهب لما بقي من ثروات.
بالاضافة إلى توفير بيئة صالحة للأعمال لجلب الأموال اللازمة للاستثمار الداخلي والخارجي خارج المحروقات، والانتقال نحو إيجاد مليوني مؤسسة اقتصادية في الفلاحة والصناعة والخدمات للوصول لتحقيق «الحلم الجزائري». برنامجنا محدد بأرقام وآجال معلومة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.