مؤتمر وارسو يختبر الاختلافات والتوافقات بشأن إيران والسلام في المنطقة

بمشاركة ممثلين عن 50 دولة... عواصم أوروبية تخفض مستوى حضورها... وبيان ختامي باسم الأميركيين والبولنديين فقط

نائب الرئيس الأميركي مايك بنس لدى وصوله إلى مطار وارسو للمشاركة في مؤتمر الشرق الأوسط أمس (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي مايك بنس لدى وصوله إلى مطار وارسو للمشاركة في مؤتمر الشرق الأوسط أمس (رويترز)
TT

مؤتمر وارسو يختبر الاختلافات والتوافقات بشأن إيران والسلام في المنطقة

نائب الرئيس الأميركي مايك بنس لدى وصوله إلى مطار وارسو للمشاركة في مؤتمر الشرق الأوسط أمس (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي مايك بنس لدى وصوله إلى مطار وارسو للمشاركة في مؤتمر الشرق الأوسط أمس (رويترز)

بدأت في وارسو، مساء أمس (الأربعاء)، أعمال المؤتمر الوزاري لتشجيع السلام والأمن في الشرق الأوسط، وسط هيمنة واضحة لملفين؛ الأول يتعلق بالتصدي لسياسات إيران التي توصف بأنها مزعزعة للاستقرار في المنطقة، والثاني بجهود الولايات المتحدة لإعلان خطة سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وبينما ستتركز الأنظار على المواقف التي سيعلنها الأميركيون اليوم بخصوص إيران ومدى تقاربها، أو تباعدها، مع مواقف الأوروبيين المتمسكين بالاتفاق النووي مع طهران رغم انسحاب واشنطن منه، فإن حضور إسرائيل أعمال المؤتمر سيكون مناسبةً جديدةً لتسليط الضوء على السياسة التي تعتمدها للتصدي لنفوذ إيران في سوريا، وأيضاً للانفتاح على الدول العربية.
في المقابل، سيشكّل غياب روسيا والصين، تحديداً، عن أعمال مؤتمر وارسو، دليلاً جديداً على الانقسام في المجتمع الدولي بخصوص ملف التعامل مع إيران، علماً بأن تدني مستوى حضور بعض الأوروبيين (مثل ألمانيا وفرنسا) فُسّر أيضاً بأنه يدل على تحفظات دولهم على الخطّ المتشدد ضد نظام الحكم في طهران الذي ينوي الأميركيون الدفع به في وارسو.
ويتحدث بعض المسؤولين الأميركيين عن تحالف يمكن أن ينشأ للتصدي لنفوذ إيران وتصرفاتها، علماً بأن لجاناً عدة يفترض أن تتشكل غداً لمتابعة ملفات أساسية مطروحة للنقاش، على أن تجتمع في الشهور المقبل في أكثر من دولة.
وكان لافتاً الحضور الأميركي الكبير في وارسو، وهو ما اعتبر مؤشراً على الأهمية التي تضعها إدارة الرئيس دونالد ترمب على ملفي إيران وعملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ويرأس الوفد الأميركي مايك بنس، نائب الرئيس، ويضم وزير الخارجية مايك بومبيو ومعه بعض أبرز معاونيه المعنيين بالملف الإيراني. كما يضم جاريد كوشنر، مستشار الرئيس ترمب وصهره، وجيسون غرينبلات، المبعوث الرئاسي الأميركي لعملية السلام، ومعهما مساعدون من «فريق السلام» الذي يعمل من البيت الأبيض لإعداد ما يُعرف بـ«صفقة القرن» لحل النزاع العربي - الإسرائيلي.
ومن الدول العربية المشاركة في أعمال المؤتمر المملكة العربية السعودية، والبحرين، والأردن، والكويت، والمغرب، وعُمان، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، وتونس واليمن.
وقال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة الأميركية الأمير خالد بن سلمان، إن مشاركة بلاده في مؤتمر وارسو الدولي لمحاربة الإرهاب، لإيضاح حقيقة إيران، التي اعتبرها الراعي الأول للإرهاب في العالم.
وأضاف في تغريدات عبر حسابه على «تويتر» أمس، أن انضمام السعودية إلى جانب نحو 70 دولة في قمة وارسو لاتخاذ موقف تواجه فيه التحديات التي تهدد مستقبل الأمن والسلام في المنطقة، قائلاً: «على رأس قائمة الإرهاب والراعي الأول للإرهاب في العالم، النظام الإيراني المستمر في جهود زعزعة أمن واستقرار المنطقة، بما في ذلك إطلاق الصواريخ على المدنيين في المملكة واليمن».
وقالت وزارة الخارجية البولندية التي تستضيف مؤتمر وارسو بالاشتراك مع الولايات المتحدة، إن الاجتماع الوزاري يشكّل مناسبة كي تتشارك الدول في عرض رؤيتها للملفات المطروحة، سواء من دول الشرق الأوسط نفسها أو من خارجها. وأوضحت في بيان: «هذا يتضمن محادثات عن الأزمات الحالية في المنطقة، والجهود الدولية للتعامل معها. خلال الاجتماع الوزاري، سيناقش المشاركون المواضيع الآتية: أزمات المنطقة وتأثيراتها على المدنيين في الشرق الأوسط، وتطوير الصواريخ وانتشارها، والأمن السيبراني والتهديدات الناشئة لقطاع الطاقة، والتصدي للتطرف والتمويل غير الشرعي له».
أما ناثان تك، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية (المتحدث بالعربية)، فأشار إلى أن المؤتمر سيناقش «التحديات في الشرق الأوسط من انتشار الأسلحة والأزمات الإنسانية، إلى الإرهاب وأمن الطاقة».
وأضاف في تصريحات له قبل بدء المؤتمر: «سيعيد الوزراء تنشيط الجهود لمواجهة هذه التحديات من خلال إعادة تنشيط تحالفاتنا وشراكاتنا. وسيوفر للبلدان فرصة لمشاركة تقييماتها للمنطقة وتقديم أفكار حول كيفية حل مشكلاتنا المشتركة». ونوه تك بأن جدول الأعمال «واسع النطاق، وسيشمل مناقشة لجهود الإدارة الرامية إلى تعزيز سلام شامل ودائم بين إسرائيل والفلسطينيين، فضلاً عن محادثات بشأن كيفية معالجة الأزمات الإنسانية الإقليمية الحالية. سيقدم الوزير (بومبيو) جميع المستجدات حول الوضع في سوريا ومناقشة الأولويات الأميركية الأخرى في المنطقة، بما في ذلك المخاوف المتعلقة بأنشطة إيران التدميرية».
وفي إشارة إلى الاختلاف مع الأوروبيين بشأن الملف الإيراني، قال تك إن «الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها وتتوقع من جميع الدول الأخرى أن تفعل الشيء نفسه، ونرحب باختلاف الآراء. ونأمل أن تؤدي المناقشة الصريحة إلى طرق جديدة ومبتكرة للتفكير - وحل - قضايا قديمة ومتكررة».
ووصف هذا الاجتماع بأنه «حدث تاريخي»، مشيراً إلى توقعات بحضور وزراء خارجية وممثلين من أكثر من 50 دولة، مضيفاً أن «الحضور يشمل شركاء إقليميين (للولايات المتحدة)، مثل إسرائيل والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، بالإضافة إلى شركاء من أجزاء أخرى من العالم، مثل المملكة المتحدة وكوريا الجنوبية والبرازيل وإيطاليا وكينيا».
ومن المقرر أن يعقد وزيرا خارجية أميركا وبولندا مؤتمراً صحافياً في ختام أعمال المؤتمر، اليوم (الخميس)، حيث سيعلنان بياناً ختامياً باسم دولتيهما، ما يرفع العبء عن بقية الدول المشاركة في أعماله، التي ربما لا تريد تبني موقف متشدد من إيران، كالذي تدفع نحوه الولايات المتحدة.
وعشية بدء المؤتمر، نظم معارضون إيرانيون مؤتمراً تحدثت فيه زعيمة منظمة «مجاهدين خلق» مريم رجوي عبر رسالة ملتفزة كررت فيها الدعوة إلى إسقاط نظام الحكم في إيران. وبعدما انتقدت الدول الأوروبية التي أقامت آلية مالية للتعامل مع إيران، دعت إلى إدراج الحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات في قائمتي الإرهاب لوزارة الخارجية الأميركية والاتحاد الأوروبي، وإلى طرد «عملاء مخابرات الملالي و(قوة القدس) الإرهابية في أميركا وأوروبا». كما دعت إلى «طرد» القوات التابعة لإيران من سوريا والعراق واليمن ولبنان وأفغانستان، و«إرغام الحكومة العراقية على دفع تعويضات لمنظمة (مجاهدين خلق) وجيش التحرير الوطني الإيراني» بعد طردهما من العراق، إثر سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين.
كما تحدث في التجمع المعارض الذي أقيم أمام الاستاد الوطني في وارسو (مقر اجتماعات اليوم) رودي جولياني، محامي الرئيس ترمب، الذي شن هجوماً عنيفاً على الحكام الإيرانيين، قائلاً إن الوقت قد حان للتخلص منهم، وإقامة نظام جديد يوفر مستقبلاً أفضل للشعب الإيراني. وقال جولياني، وهو حليف قديم لمنظمة «مجاهدين خلق» ويشارك دوماً في نشاطاتها، إن البديل موجود لتولي الحكم في طهران، مشيراً إلى طيف من المعارضين على رأسهم رجوي، وأشاد بخطة من 10 نقاط أطلقتها قبل فترة لتحقيق بديل ديمقراطي منتخب عقب سقوط النظام الحالي، بحسب ما تأمل هي وطيف من المعارضين الآخرين.
وبعدما قارن جولياني بين الوضع في بولندا التي كانت تحت حكم الشيوعيين السوفيات وتخلصت منه خلال حكم الرئيس الراحل رونالد ريغان الذي آمن بفكرة مساعدة الشعب البولندي الكاثوليكي للتحرر من الشيوعية، والوضع في إيران حيث هناك إدارة أميركية جديدة برئاسة دونالد ترمب تؤمن بدورها بضرورة التغيير في إيران، قال: «سنقيم هذا الاحتفال قريباً في طهران».
ومساء أمس (الأربعاء)، أُقيم عشاء في القصر الملكي في وارسو على شرف المشاركين في أعمال المؤتمر.



قاليباف: ليس ممكناً إحراز تقدم إلا عند تلبية شروط إيران السبعة

قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)
قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)
TT

قاليباف: ليس ممكناً إحراز تقدم إلا عند تلبية شروط إيران السبعة

قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)
قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، اليوم ‌الخميس، ‌إن ​طهران ‌أبلغت شروطها إلى ​الوسطاء مراراً وبوضوح، وإنه لا يمكن إحراز تقدم ‌إلا ‌إذا ​تمت تلبية ‌شروطها ‌السبعة.

وأضاف رئيس البرلمان الإيراني، عبر منصة «إكس»، أن «سياسة العصا والجزرة لن تُجدي ‌نفعاً مع إيران»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقدمت إيران مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، بعد انهيار وقف مؤقت لإطلاق النار. وتشمل شروطها، إلى جانب مطالب أخرى، رفع الحصار الأميركي عن موانئها، وإلغاء العقوبات على صادراتها النفطية، ووقف الأعمال القتالية على جميع الجبهات في المنطقة.


شبكة عسكرية إيرانية تجلب سراً العتاد لتجاوز الحصار

قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)
قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)
TT

شبكة عسكرية إيرانية تجلب سراً العتاد لتجاوز الحصار

قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)
قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي خلال مقابلة صحافية من مصنع للطائرات المسيّرة في موقع مجهول (أرنا)

سخّرت إيران شبكة عسكرية ومالية تضم 5000 كيان لجلب مكونات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة ضرورية لبرامجها للطائرات المسيّرة والصواريخ، حتى خلال الحرب، ووصلت الشحنات إلى إيران براً وبحراً وجواً.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن إيران أنشأت شبكة من الكيانات العسكرية السرية ذات امتداد عالمي لاستيراد معدات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة بما لا يقل عن مليارَي دولار منذ يناير (كانون الثاني) 2025، متجاوزة الحصار البحري الأميركي والعقوبات الغربية. وتحمل تلك الكيانات التي تعمل في الخفاء أسماء تبدأ بحروف «ودجا»، وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية.

ويشكل ما يربو على 5000 كيان منظومة مالية وعسكرية ضخمة. ويمكن تتبع معاملاتها المالية في بوالص الشحن وغيرها من بيانات الاستيراد التي تعود لعام 2016. ويرتبط بعضها بـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبمجموعات تجارية تُعرف باسم «البُنياد» وتخضع لسيطرة النخبة الإيرانية.

وتكشف نتائج التحقيق أحد أكبر ألغاز الحرب: كيف يعزز «الحرس الثوري» ترساناته من الصواريخ والطائرات المسيّرة في حين يطلقها بالآلاف؟ وفي الأشهر الـ18 من يناير 2025 إلى يونيو (حزيران) 2026، وهي فترة تشمل الأشهر الأربعة الأولى من حرب هذا العام، استوردت جهة واحدة فقط من هذه الكيانات، وهي «ودجا 346428»، كميات ضخمة من وقود الصواريخ والمتفجرات ومكونات الأسلحة الضرورية لتصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ، فضلاً عن شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها كمنصات لإطلاق الصواريخ. ووصلت هذه المعدات إلى إيران براً وبحراً وجواً، وأظهرت سجلات أن جزءاً كبيراً منها جاء من الصين وروسيا وألمانيا.

ويستند هذا التحقيق حول شبكة وزارة الدفاع الإيرانية إلى آلاف السجلات المصرفية والحكومية الإيرانية، ووثائق تسجيل الشركات، وبيانات الاستيراد.

«الأمناء»... وعنوان واحد

صواريخ إيرانية معروضة بأحد شوارع طهران في سبتمبر 2026 (رويترز)

وتتخذ جميع الكيانات السرية عنواناً واحداً في طهران هو نفسه عنوان وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية، وتدرج هذه الوكالات تاريخ تأسيسها في 11 فبراير (شباط) 1979، وهو اليوم الذي تولى فيه المرشد الأول الخميني السلطة في إيران بعد الإطاحة بنظام الشاه. لكن السجلات تظهر أن معظم هذه الكيانات تأسست فعلياً في عام 2013، في حين كانت إيران ترزح تحت وطأة العقوبات التي أدت إلى تراجع صادراتها من النفط الخام وانهيار عملتها.

وتشكل هذه الكيانات، التي حددتها «رويترز» للمرة الأولى بالتعاون مع شركة «240 أناليتكس» الإسرائيلية - الأميركية لاستشارات المخاطر، العمود الفقري لمنظومة إيران للمشتريات العسكرية والتحايل على العقوبات. وتدير هذه الكيانات شبكة من أشخاص يعملون كواجهات وشركات صورية أجنبية، يُعرفون باسم «الأمناء»، ويستخدمون عائدات مبيعات النفط غير المشروعة لشراء سلع لصالح إيران.

ويستخدم الشبكة قادة عسكريون كبار منخرطون في برامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. كما تظهر أرقام هواتف مسجلة باسم 91 من هذه الكيانات في سجلات «بنك سبه» الحكومي الخاصة بأفراد من «الحرس الثوري» لديهم حسابات في البنك. ومن بين هؤلاء قائدان على الأقل اتهمتهما الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات بحق محتجين مدنيين.

وفي حين يخضع الجيش الإيراني منذ عقود لعقوبات أميركية متعددة، لم تجد «رويترز» أي دليل على أن أياً من الكيانات المذكورة في الوثائق قد تم إدراجها على قوائم العقوبات الغربية.

وقال مياد مالكي، المسؤول الكبير السابق في وزارة الخزانة الأميركية، والذي ساعد في وضع برنامج العقوبات الأميركية على إيران: «ما نراه هنا هو شريان الحياة العسكري للنظام خلال هذا الصراع ولسنوات عديدة قبله. هذه هي المنظومة المتكاملة بأكملها للأعمال التجارية للجيش الإيراني».

هجمات إيران الدقيقة

المسيّرة الإيرانية «شاهد» (أ.ب)

ووفرت شبكة استيراد الأسلحة كثيراً من المواد الخام التي تحتاجها طهران لصنع الصواريخ والطائرات المسيّرة. وهذه الأسلحة مسؤولة عن هجمات إيران الدقيقة المتواصلة على منشآت للطاقة في الخليج، مما أتاح لإيران الحد من تأثير الهجوم العسكري الأميركي.

وفي تقارير أخرى هذا العام، أظهرت «رويترز» كيف صمدت إيران أمام الضغوط الأميركية من خلال استغلال منصات تداول العملات المشفرة وشبكات المقامرة غير القانونية للحصول على إيرادات غير مشروعة والتحايل على العقوبات، وكيف عزّز «الحرس الثوري» الإيراني سيطرته على مضيق هرمز، وكيف دشنت الحرب حقبة جديدة من القمع في إيران.

وكان مالكي واحداً من أربعة خبراء في العقوبات على إيران والأسلحة اطلعوا على نتائج تحقيق «رويترز»، وأكدوا أن كثيراً من هذه المواد يمكن استخدامها في برامج إيران للصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي إطار تتبعها للواردات، راجعت «رويترز» جزءاً من نحو 19 ألف سجل استيراد بمقارنتها بوثائق الشحن، ومقاطع مصورة من وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير وسائل الإعلام الرسمية. وتظهر البيانات أن جميع المواد التي استوردتها إيران تقريباً كانت معفاة من الرسوم الجمركية ومصنفة على وجه التحديد على أنها معدات عسكرية. وأشار الخبراء إلى أن كثيراً من الواردات، حتى المتفجرات، يمكن اعتبارها مزدوجة الاستخدام، ومن ثم يمكن أن تكون لها أيضاً استخدامات مدنية.

ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريراً عن بعض الشحنات القادمة من الصين في 23 سبتمبر (أيلول). وقال مالكي، الذي كان حتى العام الماضي المدير المساعد لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأميركية، إن الكيانات العسكرية السرية تشكل نظاماً للتجارة الخارجية موازياً للاقتصاد العالمي الرسمي، يتيح لإيران إنفاق الأموال التي تجنيها في الخارج من مبيعات النفط غير المشروعة على المعدات العسكرية.

ونادراً ما تعبر الأموال الحدود؛ إذ قد يؤدي ذلك إلى إطلاق إنذار بشأن انتهاك العقوبات. وبدلاً من ذلك، أظهرت بيانات الاستيراد أن معاملات 97 في المائة من الشحنات التي راجعتها «رويترز» جرت تسويتها «من دون تحويل أموال». وكان وسطاء موثوق بهم من الإيرانيين المقيمين في الخارج يشترون السلع باستخدام أموال مودعة في بنوك أجنبية، ثم يشحنونها إلى إيران.

برامج الصواريخ الباليستية

ومن بين الجهات التي تحصل على احتياجاتها عبر هذه الشبكة، الوحدة العسكرية المشرفة على برامج إيران للصواريخ الباليستية. ومن بينها أيضاً شركة «رعد الصحراء»، التي فرضت عليها واشنطن عقوبات في عام 2024 لتصنيع وتوريد طائرات مسيّرة إلى روسيا أحدثت دماراً في أوكرانيا.

وتوصلت «رويترز» وشركة «240 أناليتكس» إلى الوحدات العسكرية الإيرانية من خلال مطابقة بيانات الاستيراد مع سجلات الشركات ورسائل بريد إلكتروني ووثائق جمعها موقع «ويكي إيران». ولم تتمكن «رويترز» من تحديد هوية القائمين على «ويكي إيران»، وهو موقع إلكتروني يستقبل وثائق مسربة من إيران، ويقول إن إيرانيين معارضين للحكومة «أُجبروا على العيش في المنفى» هم من يديرونه.

ووفقاً لقواعد بيانات الواردات خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، فقد شملت الشحنات صواعق تفجير بقيمة 1.9 مليون دولار، وأطناناً من المتفجرات وأجزاء لمحركات طائرات ومكونات لوقود الصواريخ ومركبات إطلاق ثقيلة.

وقال خبراء في الأسلحة والعقوبات إن جميع هذه المواد يمكن استخدامها كمكونات رئيسية لصنع وإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بما في ذلك طائرات «شاهد».

وقال بيتر سالزبري، الأستاذ المساعد غير المتفرغ في جامعة كولومبيا الذي أمضى السنوات القليلة الماضية في دراسة عمليات نقل الأسلحة الإيرانية وسلاسل توريدها: «يبدو أن هذا جهد واسع النطاق لإعادة بناء أو توسيع ترسانة إيران الحالية» من الطائرات المسيّرة والصواريخ. وأضاف: «تُظهر هذه البيانات بوضوح قدرة المنظومة الإيرانية على التكيّف وإيجاد مسارات جديدة».

وقال سالزبري وأحد خبراء الأسلحة إنهما استخدما بيانات «ويكي إيران» في السابق ووجدا أنها دقيقة.

بحر قزوين

صواريخ إيرانية وصور للمرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في الحرب خلال معرض عسكري بطهران في سبتمبر 2026 (أ.ب)

ودخلت الواردات إلى إيران على متن سفن شحن عبر بحر قزوين من روسيا، وبالشاحنات من آسيا الوسطى، وعلى متن طائرات شحن من الصين، وفقاً لبيانات الاستيراد ووثائق حصلت عليها «رويترز».

ورداً على أسئلة مفصلة بشأن ما توصلت إليه «رويترز»، قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان أرسلته بالفاكس: «نرفض بشدة محاولات الربط بسوء نية بين الأعمال القتالية في المنطقة وبين الصين، أو تشويه سمعة الصين».

وعلاوة على المكونات المنفردة، تشتري إيران آلات دقيقة يمكن استخدامها لتصنيع معداتها العسكرية بنفسها. وتشمل المشتريات مواد مصنفة على أنها مخارط متطورة تعمل بالتحكم الحاسوبي، وأفراناً تعمل بحزم الإلكترونات ومسرعات جسيمات، وفقاً لبيانات الاستيراد التي تغطي الفترة حتى يونيو. ولكل هذه المعدات استخدامات صناعية، ويمكن استخدامها أيضاً في تصنيع معدات عسكرية، بما في ذلك هياكل الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وفي 12 أكتوبر (تشرين الأول) قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه لا يعتقد أن الصين وروسيا تقدمان دعماً لطهران. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «إذا كانتا تفعلان ذلك، فهو على مستوى محدود جداً، لكنني لا أعتقد أنهما تفعلان ذلك على الإطلاق». وأضاف: «لديهما الكثير لخسارته، وسنعلم بذلك، وسنعلم به سريعاً جداً».


معسكر نتنياهو يكثّف الضغوط على الأحزاب العربية بعد مكاسبها التاريخية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

معسكر نتنياهو يكثّف الضغوط على الأحزاب العربية بعد مكاسبها التاريخية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

رأت القائمة العربية المشتركة، الخميس، أن خوف نتنياهو من قوتها السياسية بعد النتائج غير المتوقعة التي حصدتها في الانتخابات الأخيرة كان سبباً في اتهاماته ومعسكره بوقوع مخالفات انتخابية وتلقي أموال من جهات أجنبية.

وجاء في بيان للقائمة: «تؤكد القائمة المشتركة أن حملة التحريض التي يقودها نتنياهو وائتلافه الفاشي ضد تصويت الجماهير العربية تكشف عن خوفهم من قوتها السياسية».

ودعت القائمة معسكر المعارضة المناهض لنتنياهو إلى «الكف عن مجاراة أكاذيب نتنياهو»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وكثّف معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، ضغوطه على رؤساء الأحزاب العربية، وسعى من خلال اتهامات غير مثبتة بشأن تلقيها تمويلاً أجنبياً إلى الحدّ من المكاسب الكبيرة التي حققتها في الانتخابات التي لم تُحسَم بعد نتائجها بوضوح.

ودعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ إلى التحقيق في الادعاءات المتعلقة بالتزوير، لكنه حذّر من وصم المجتمع العربي في إسرائيل بأكمله، بعدما سجّل أفراده مشاركة انتخابية غير مسبوقة.

ومن المتوقع أن تنتهي الخميس عملية فرز أصوات الناخبين في الانتخابات التي أجريت الثلاثاء ولم يتمكن نتنياهو ولا كتلة المعارضة بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت من تأمين أغلبية في البرلمان (الكنيست).

وقد تؤدي اتهامات معسكر نتنياهو، التي رفضها أحد الأحزاب العربية الرئيسية، إلى إثارة حالة من عدم اليقين بشأن العملية الانتخابية، في وقت يخيّم فيه على المنطقة خطر العودة إلى الحرب مع إيران.

وشهدت الانتخابات العامة مشاركة واسعة غير مسبوقة للمواطنين العرب في إسرائيل الذين يرون أن إسرائيل تعاملهم كأقلية، ما يرتب ممارسات ضدهم.

والمواطنون العرب في إسرائيل هم أبناء وأحفاد 160 ألف فلسطيني ظلّوا في أراضيهم بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، ويشكّلون اليوم نحو 21 في المائة من السكان.

أما وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، فدعا إلى الاعتقال «الفوري» لرؤساء تلك الأحزاب.

من جانبه، أكد رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس أن «لا علاقة للقائمة» بالاتهامات. وقال عباس، وفقاً لبيان صادر عن مكتبه تلقت «وكالة الصحافة الفرنسية» نسخة منه: «لا تربط القائمة العربية الموحدة أي صلة بالقضية المذكورة أو بأي قضايا أخرى، ونؤكد أننا سنتعاون بشكل كامل مع جميع سلطات إنفاذ القانون لكشف الحقيقة».

رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس خلال الإدلاء بصوته في انتخابات الكنيست (أ.ب)

وتملك الأحزاب العربية مجتمعة عدداً كافياً من الأصوات لتمكين كتلة المعارضة من بلوغ الأغلبية اللازمة، لكن آيزنكوت أبدى تحفظاً للإقدام على مثل هكذا خطوة وخاصة بعد الهجوم الذي شنه نتنياهو عندما حذر قاعدته اليمينية اليهودية من أن التصويت للمعارضة سيؤدي إلى وصول العرب إلى السلطة.

زلزال سياسي

وطلب قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرغ، من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) التحقيق في ادعاءات تفيد بأن حزب «راعم» تلقى أموالاً من قطر التي تربطها قنوات اتصال بحركة «حماس».

وقال حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، في بيان: «فضيحة (راعم غيت) تمثل زلزالاً سياسياً. لقد سُرقت الانتخابات الإسرائيلية».

وأضاف الحزب: «هذا اعتداء على الديمقراطية، يهدف إلى تمكين جهة أجنبية من السيطرة على الكنيست، وأسلمة إسرائيل، والإطاحة بحكم اليمين».

ولم يقدم المسؤولون الحكوميون أدلة تدعم هذه الاتهامات، في حين اتهم المرشح اليساري يائير غولان نتنياهو بمحاولة إثارة الجدل بعدما أخفق في الحصول على الأغلبية.

وسبق أن تعرض نتنياهو العام الماضي لاتهامات تتعلق بتلقي اثنين من مساعديه أموالاً من قطر بعد أن اعتقلا.

أما قطر، فنفت «نفياً قاطعاً» مزاعم تدخلها في الانتخابات الإسرائيلية أو «تمويل أي أنشطة تستهدف التأثير في نتائجها»، حسب ما أفاد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري.

وقال الأنصاري، عبر منصة «إكس»، إن قطر «ترفض الاتهامات التي يروج لها بعض السياسيين الإسرائيليين وأطراف إعلامية مرتبطة بهم»، وأضاف: «نؤكد أن هذه الاتهامات الباطلة تجمع بين العبثية والخطورة». وذلك بعد ادعاءات لم تثبت صحتها بعد تفيد بتلقي أحزاب عربية أموالاً من قطر.

وأكد رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس، الخميس، أن «لا علاقة للقائمة» بالادعاءات المتعلقة بالتزوير الانتخابي وتلقي مبالغ مالية من جهة أجنبية، مؤكداً أنه يرحب بالتحقيقات وعلى استعداد للتعاون لكشف الحقيقة.

وكان نتنياهو الذي يُعدّ رئيس الوزراء الأطول بقاءً في منصبه في تاريخ إسرائيل، أيَّد ضمنياً ولسنوات التمويل القطري لقطاع غزة الذي كانت تحكمه حركة «حماس»؛ على أمل الحفاظ على الاستقرار. لكن هذا النهج انهار بعد هجوم «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

الأحزاب العربية تحت الضغط

ومع فرز ما يقرب من 93 في المائة من الأصوات، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، في حين حصلت قوى المعارضة بقيادة آيزنكوت على 48 مقعداً، وكلاهما أقل بكثير من المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة. أما القوائم العربية، فحصلت حتى الآن على 19 مقعداً، وهو رقم غير مسبوق.

وسرعان ما رأى بعض المراقبين أن هذه الاتهامات ستصبّ في مصلحة نتنياهو، عبر جعل التعاون مع النواب العرب أكثر إحراجاً سياسياً بالنسبة إلى آيزنكوت.

وقال رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، إنه مستعد للتعاون مع حكومة تقودها المعارضة للإطاحة بنتنياهو، من دون الانضمام إليها بشكل مباشر.

ورداً على الاتهامات الجديدة، قال آيزنكوت إنه يتلقى إحاطات بشأن التطورات، وتعهد باتخاذ «أقصى درجات اليقظة» لمنع التدخل في الانتخابات.

رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس حزب «يشار» (أ.ف.ب)

وأضاف: «في المقابل، لا يمكننا السماح للجهات السياسية باستغلال الوضع والتأثير في موعد تنصيب الكنيست السادس والعشرين».

من جانبه، وصف أفيغدور ليبرمان، أحد حلفاء آيزنكوت ذوي التوجهات اليمينية، الاتهامات بأنها «خطيرة وغير مسبوقة»، ودعا إلى إجراء تحقيق سريع.

أما الشرطة الإسرائيلية، فقالت في بيان إنها ستحقق في كل شكوى تتعلق بنزاهة الانتخابات.

الجبهة الإيرانية

يُعرف بنيامين نتنياهو، الذي قاد إسرائيل لأكثر من 19 عاماً بصورة متقطعة، بأنه سياسي محنّك وبارع في المناورات السياسية.

وتحدث نتنياهو، الثلاثاء، عن اتهامات بالتزوير، وادعى أن مظاريف تحتوي على أموال نقدية ضُبطت بحوزة الأحزاب العربية، ودعا أنصاره إلى الخروج والتصويت رداً على ذلك.

وقالت الشرطة إنها اعتقلت ثلاثة مشتبه بهم، لكن لجنة الانتخابات وصفت الحادثة بأنها غير مألوفة.

كذلك، من المتوقع أن تؤثر احتمالية شن هجوم على إيران على مسار تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ (أ.ف.ب)

وهدد نتنياهو مراراً بتوجيه ضربات لإيران، في حين أشار حليفه، الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى استعداده لشن هجوم بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الثلاثاء المقبل، والتي تشير التوقعات إلى أن الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه سيخسر خلالها بعضاً من نفوذه.

وحذّر آيزنكوت المؤسسة العسكرية من أن نتنياهو لا يملك تفويضاً بذلك، مؤكداً أن على الضباط عدم الاستجابة لـ«احتياجاته السياسية».

وفي حال تم توجيه ضربة لإيران فإن ذلك سيزيد من الضغوط على آيزنكوت للانضمام إلى حكومة وحدة وطنية طارئة، وهو خيار استبعده علناً، أو قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة السياسية إلى حين تمكن إسرائيل من الدعوة إلى انتخابات جديدة.

وبعد نشر النتائج الرسمية، سيختار الرئيس إسحق هرتسوغ، الشخص الذي سيكلفه تشكيل الحكومة.