أمين الزاوي: غياب ثقافة المواطنة ينتج ثقافة الكراهية

قال إنه حاول في روايته الأخيرة تقديم قراءة جديدة لتاريخ الجزائر

أمين الزاوي
أمين الزاوي
TT

أمين الزاوي: غياب ثقافة المواطنة ينتج ثقافة الكراهية

أمين الزاوي
أمين الزاوي

أمين الزاوي روائي وأكاديمي جزائري، يعمل الآن أستاذاً بجامعة وهران، ورأس من قبل المكتبة الوطنية بالعاصمة، حصل على عدة جوائز أدبية، وله حضور أدبي واضح بالملتقيات الدولية. صدرت له روايات باللغتين العربية والفرنسية. وآخر رواية صدرت له بالعربية هي «الخلان».
التقيناه على هامش تقديمه «الخلان» للجمهور بنادي الرواية بالجاحظية الثقافية، وكان هذا الحوار:
> أبطال روايتك الأخيرة «الخلان»، رشدي المسلم وأوغسطين المسيحي وليفي اليهودي، شاركوا جميعاً في ثورة تحرير الجزائر. إنها دعوة للتعايش لكن النهايات مفجعة، لماذا؟
- نعم رواية «الخلان» في أحد جوانبها دعوة للتعايش والتسامح في وطن يتسع الجميع بغض النظر عن معتقداتهم وأعراقهم ولغاتهم، وهو الجزائر، وبالجانب الآخر، إنها رواية ضد التاريخ الرسمي. أحداث الرواية تعود إلى تاريخ الجزائر ما بعد الحرب العالمية الثانية وتصل إلى الاستقلال، يعني قبل الثورة التحريرية وبعدها. قدمت نماذج من المجتمع الجزائري: الشخصية الدينية الأب دوفال، كيف أصبح مؤيداً للثورة، وسمي خلال الثورة محمد دوفال، كيف أصبح هؤلاء المسيحيون في الجزائر جزءاً من الثورة وجزءاً أيضاً من القوى التنويرية المناهضة للاستغلال والظلم في الجزائر المستعمَرة. وأخذت بالمقابل شخصية غابرييل لامبير، الذي وصل إلى إدارة بلدية وهران، ولكنه كان مسيحياً متطرفاً، كان فاشياً، الرؤية المختلفة بين المسيحيين داخل المجتمع الجزائري، ثم أخذت في الوقت نفسه شخصية يهودية التي هي ليفي زمرمان النقاوة، عائلة نقاوة عائلة كبيرة في تلمسان وجَدُهم الحاخام الأكبر دفين مدينة تلمسان، واحد من الأهالي «الأنديجان»، وهذا اسم كان يعطى لليهود والمسلمين ولا يعطى للأوروبيين وفق قانون 1870، والشخصية الثالثة أفولاي رشدي مسلم. التقى الثلاثة في ثكنة عسكرية بوهران، وعاشوا كالخلان أو الإخوة.
ولفهم المجتمع الوهراني ووقائع حدثت آنذاك، قرأت كتباً كثيرة في التاريخ وعلم الاجتماع وفي الجغرافيا لاستكمال مشهد الجزائر مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى عشية الثورة الجزائرية، خصوصاً القطاع الوهراني، حيث تدور أحداث الرواية. وصلت إلى أن هذا المجتمع الجزائري كان خليطاً من الديانات، خليطاً من القوميات، واللغات أيضاً، حاولت قدر الإمكان أن أقدم مجموعة شخصيات من كل هذه الأطياف في المجتمع الجزائري لقراءة جديدة لتاريخ الجزائر.
> أيضاً في روايتك «الساق فوق الساق» تضيء فيها على تاريخ الثورة والمجاهدين، هل يمكن للأدب أن يكون تاريخاً والروائي مؤرخاً؟
- نعم الرواية تؤرخ، ولكن بأسلوب أدبي ممتع وليست أحداثاً تاريخية سنة كذا وقعت معركة وسنة كذا انتصر المجاهدون، لا ليس هذا، الرواية تؤرخ لحقبة زمنية بسرد أدبي ممتع للقارئ، وهذا ما أفعله لتصحيح التاريخ، وهذا مشروعي الروائي، في رواية «الخلان» يلتقي الثلاثة في ثكنة في وهران، ولكل واحد حياته الخاصة، كل واحد عنده أمه أو جده أو حيّه وعنده ذاكرته ومرجعياته الثقافية، ولكن جمعتهم ثكنة عسكرية، حيث عاشوا في حياتهم اليومية كأنهم إخوة، كأنهم أصدقاء، كأنهم خلان، لأن الرواية تقول، وهي قناعتي أيضاً، إن الوطن قبل الدين، المواطنة قبل العبادة، لماذا؟ لأن الوطن هو الذي يجمع الديانات كلها، ويجمع المعتقدات واللامعتقدات كلها، حينما تكون لنا ثقافة المواطنة فإننا نحمي ديننا ونحمي دين الآخر، حينما لا تكون لدينا ثقافة المواطنة فإننا ننتج ثقافة الكراهية، أنا عندي ديني وأنت عندك دينك، فنبدأ بالتنابذ والخصام، الرواية تدافع عن قضية أساسية وهي قضية «الوطن قبل كل شيء»، الوطن هو فضاء للجميع، وهو الذي يحمينا جميعاً على اختلاف الألوان العقائدية واللغوية إلى غير ذلك. يلتقون (اليهودي والمسيحي والمسلم) في هذه الثكنة ثم تجيء الثورة، ينخرطون جميعاً فيها، هناك قضية مشتركة بينهم، وهي قضية الوطن والحرية والكرامة والعدالة والدفاع عن الجزائر، يدخلون الثورة بقناعة، الثورة لا يوجد فيها دين، الدين دائما في الخلفية، ما هو موجود هو الوطن، هو قيم الإنسانية، ويستشهد ليفي النقاوة (اليهودي) خلال الثورة كسائر الشهداء الذين استشهدوا بالثورة.
ولكن للأسف حينما يُعاد دفن رفاة الشهداء بعد الاستقلال تقوم المشكلة مرة أخرى، يُرفض دفن رفاة ليفي النقاوة في مقبرة الشهداء، فيبدأ نوع من تأسيس الدين، الذي كان مغطى بستارة الثورة، تبدأ الستارة ترتفع عن الدين، يعني «العنف المقدس» يبدأ بالظهور مرة أخرى في الجزائر المستقلة في نهاية السبعينات والثمانينات والتسعينات.
> ترفض تاريخ الجزائر المدون والمتداول؟
- نعم أرفضه، بل وأدينه. في رواية «الخلان» أردتها ضد التاريخ الرسمي، وأردت أن أقول للشباب الذين يقرأون اليوم التاريخ، خصوصاً من خلال الرواية، علينا أن نعيد لهم المشهد الحقيقي، المشهد المتنوع والمُعَقد من تاريخ الثورة الجزائرية، التاريخ الجزائري ليس الذي يدرس الآن، هذا بهتان، هذا كذب، التاريخ الجزائري أعمق من ذلك، وعلى الرواية في رأيي أن تكون شجاعة في قول ذلك من خلال كتابة أدبية. الرواية متعة وليست كتابة تاريخية.
الرواية نص موازٍ، يعني على مستوى الكتابة واللغة والبنية والشعرية، ولكني أفسر البعد الحضاري أو المضموني لهذا النص الروائي.
> ما لغة الكتابة الروائية لديك؟ العربية في بداياتك ثم أصبحت تكتب بالفرنسية، يُقال إن الكتابة باللغة الفرنسية هي للترويج في فرنسا.
- شخصياً لا أخون قارئي سواء كتبت باللغة العربية أو الفرنسية، الموضوعات والإشكاليات التي أكتبها بالعربية أكتبها باللغة الفرنسية، الهموم التي تشغلني بالعربية وبالفرنسية هي الهموم نفسها، أنا لست شخصين، وبالتالي الكتابة متداخلة، حتى بعض الشخصيات أكتبها في نص باللغة الفرنسية هي مواصلة لشخصية موجودة في نص باللغة العربية، أنا أكتب مشروعاً روائياً، سواء باللغة العربية أو باللغة الفرنسية.
> ما ملامح هذا المشروع الروائي؟
- معالم المشروع الروائي تقوم على؛ أولاً: الدفاع عن المرأة، عن حقوق المرأة، عن حرية المرأة، عن وجود المرأة في المجتمع؛ الوجود السياسي، والوجود الاقتصادي، والثقافي العلمي، والنقطة الثانية: منشغل أيضاً في هذا المشروع بمسألة الدين والتدين والمقدس وعنف المقدس، وهذه المسألة تشغلني كثيراً، لأن الدين أصبح رأسمال يستثمر فيه سياسياً، ثم النقطة الثالثة، هي التاريخ، تشغلني كثيراً، التاريخ وعلاقتنا مع ذاتنا المترامية في الماضي، ولكن ألا يكون هذا الماضي ثُقْلاً علينا، وألا نسحبه كجثة أمامنا، بل فقط ننظر إليه كي نتقدم إلى الأمام، ويشغلني أيضاً في هذا المشروع مسألة الدفاع عن التعددية؛ التعددية الثقافية، والتعددية الدينية، والتعددية العرقية الإنسانية. أنا أعتقد أن المجتمعات الواحدية هي مجتمعات ميتة وفاشلة. المجتمعات المتنوعة والمتعددة هي التي تستطيع أن ترتقي وتستطيع أن تصبح شعوباً وأمماً متقدمة.
> بالنسبة للدين وتناوله في رواياتك، تقول إنك ضد مستعملي الدين وتوظيفه، لكن في النهاية يُفهم لدى شريحة من القراء أنك ضد الدين؛ «الإسلاموفوبيا» الرائج بالضفة الأخرى، أي أوروبا؟
- ترجمت أعمالي إلى 13 لغة عالمية، لأنها كما أعتقد تحمل مشروعاً واضحاً لأنسنة الحياة. أما بالنسبة للدين، فأنا أفرق بين شيئين، بين التدين والدين، ما يزعجني هو «التدين». أما الدين فمسألة فردية لا يهمني أنا ما هو ديني ولا يشغلني مطلقاً دين الآخرين، أكان مسيحياً، مسلماً، يهودياً، بوذياً، لادينياً، يشغلني شيء واحد وهو علاقة الإنسان مع المحيط، مع الفضاء الذي يعيش فيه، قيمة المواطنة التي يعرفها. فلسفة المواطنة التي أدافع عنها هي التي تشغلني. أما أن تكون متديناً ولما يؤذن الظهر تتوقف بسيارتك وسط الطريق السريعة وتصلي؟ هذا لا أعتبره ديناً. هذا ليس ديناً. هذا تدين، وهذه المظاهر هي التي قتلتنا، هذه الممارسات هي التي قتلتنا وأعطت صورة رديئة عنا، لأن الدين أصبح سياسة وأصبح تمظهراً، وأصبح شكلانياً، وبالتالي مثل هذه الممارسات تفرغ الإنسان من الروحانيات، تفرغ الإنسان من الدين الحقيقي، الذي هو التساؤل، الخوف، الفلسفة، الشك، كل هذه القيم الكبيرة تفرّغ منها، وبالتالي عمل لحية ومسبحة ليس ديناً. حقاً وصلنا إلى أشياء غريبة. البارح رأينا في التلفزيون شيخاً يخرّج جناً من شخص، وعلى المباشر. عجيب، يقول أطردك... أحرقك بالقرآن... هل وصل الانحطاط إلى هذه الدرجة ولكن باسم الدين؟ يجب التوقف عن ذلك، وتجب إدانة ذلك، وهذا دور النُخب، دورنا إدانة هذه المواقف. هذا يشوه الأطفال، يشوه الجيل الجديد... ما أشجبه هو هذا التدين، هذا التخريف، هذا الاستغلال للدين. القرآن الكريم يسكن القلوب ويسكن التلاوة لا يسكن شاشات التلفزيون بهذا الشكل المسيء للقرآن والدين. هذا هو المشكل الموجود للأسف في كثير من بلدان العالم الإسلامي، والأمور تزداد خطورة أكثر فأكثر.
> طغت على أدب السبعينات آيديولوجيا اليسار، منهم الطاهر وطار، ورشيد بوجدرة، في الثمانينات والتسعينات تحول إلى قضايا أخرى، هل سقطت الآيديولوجية حتى هجرها الأدب؟
- الرهان على الآيديولوجيا في الكتابة هو رهان خاسر بالكتابة الإبداعية، ولكن الدفاع عن القيم كالعدالة والحرية هي قيم الإنسان، الكتابة هي الدفاع عن الجمال، دفاع عن الحرية، عن العدالة، عن العدالة الاجتماعية، عن الحرية الفردية، أعتقد أنه هذا هو الذي يشغل الكتابة بشكل عام، بطبيعة الحال في مرحلة من المراحل كما في السبعينات كانت الآيديولوجية الطاغية هي الآيديولوجية اليسارية، أو الاشتراكية، وبالتالي طغيان هذه الآيديولوجيا على المستوى السياسي جوّف الكتابة من الجماليات، وأنا شخصياً حتى في السبعينات كنت دائماً خارج القطيع، وكان يُنظر إليّ كأنني أكتب بطريقة برجوازية، أو ليبرالية لأنني كنت أدافع عن العدالة بوصفها قيمة لا آيديولوجية اشتراكية.



من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.