برلمان ليبيا يوافق على إجراء أول انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر

«مجلس الثوار» تحدى مجلس النواب.. واغتيال مدير أمن طرابلس.. وطائرات حفتر تقصف معقل المتطرفين في درنة

طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)
طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

برلمان ليبيا يوافق على إجراء أول انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر

طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)
طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)

عادت الاغتيالات إلى قلب العاصمة الليبية طرابلس أمس بعدما قتل مجهولون ملثمون العقيد محمد سويسي مدير أمن طرابلس، بينما قرر أمس مجلس النواب الليبي أن تجرى أول انتخابات رئاسية في تاريخ البلاد لاختيار رئيسها المقبل عن طريق الاقتراع المباشر، لكنه أعلن أنه سيحدد لاحقا موعد الانتخابات وكيفية إجرائها للمفوضية العليا للانتخابات.
ووافق أعضاء المجلس في جلسة عقدوها بمقره المؤقت بمدينة طبرق بأقصى شرقي ليبيا، بأغلبية ساحقة على أن يجري اختيار رئيس الدولة الليبية عن طريق الانتخابات المباشرة من القاعدة الشعبية، حيث صوت 141 عضوا على أن يكون اختيار رئيس الجمهورية عن طريق الانتخابات المباشرة من القاعدة الشعبية، فيما امتنع اثنان، ورفض عضو واحد التصويت، من إجمالي 144 عضوا شاركوا في الجلسة.
وتعلق التصويت بكيفية انتخاب الرئيس المؤقت لليبيا وهل سيجري بالانتخاب المباشر أم غير مباشر وفقا لما جاء في التعديل الدستوري.
وجرى التصويت علانية في جلسة جرى بثها مباشرة على بعض القنوات الفضائية المحلية في أول إجراء من نوعه منذ تولي المجلس مهام عمله الأسبوع الماضي، بوصفه أعلى جهة دستورية وتشريعية في البلاد.
ويأمل شركاء غربيون أن يتيح البرلمان الجديد المجال أمام مفاوضات بين الميليشيات المتناحرة وداعميها السياسيين ليعود الاستقرار إلى ليبيا بعد شهر من اشتباكات حولت العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي إلى ساحتي قتال.
وبعد ثلاث سنوات من الإطاحة بنظام حكم العقيد الراحل القذافي، خيم الخلاف السياسي على الحكومة الليبية الهشة، فأصاب البرلمان السابق بالشلل، وزاد من قوة الكتائب المتناحرة للمقاتلين السابقين المدججين بالسلاح.
واشتبكت هذه الكتائب في الماضي لكن الخصومة بينها تحولت الشهر الماضي إلى معارك ضارية في الشوارع تأتي في إطار صراع أوسع على غنائم عهد ما بعد القذافي في ليبيا. ومنذ بدء القتال، انسحب معظم الدبلوماسيين الغربيين من البلاد وأغلقوا سفاراتهم في ظل مخاوف من أن البلد المنتج للنفط على شفا الحرب الأهلية.
وأصبحت طرابلس أهدأ أمس، ولم تشهد أعمال القصف ونيران الصواريخ التي شهدتها خلال الأيام القليلة الماضية، بينما أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشدة استمرار المعارك في طرابلس رغم الدعوات المتكررة لوقف فوري لإطلاق النار وعدم اللجوء إلى القوة لحل الخلافات السياسية.
وأعربت البعثة في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، عن استنكارها ارتفاع أعداد القتلى والجرحى من المدنيين، وأبدت قلقها البالغ من تناقص الإمدادات الطبية ونزوح آلاف العائلات والدمار الكبير الذي لحق بالمنازل والبنية التحتية وتوقف النشاط الاقتصادي.
كما نددت أيضا استمرار المعارك في المنطقة الشرقية والأذى الذي يلحق بالسكان المدنيين والاعتداء المستمر على مقرات الجيش والشرطة وكذلك استخدام الطيران في العمليات العسكرية. وقالت البعثة إنها بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، على اتصال مستمر مع كل الفرقاء سعيا إلى تحقيق وقف لإطلاق النار وحقن الدماء والاتفاق على معالجات سياسية للمشكلات الحاضرة، وحثت الجميع على التجاوب مع هذه الجهود دون إبطاء.
ويدور الصراع بين كتيبتي «القعقاع» و«الصواعق» المناهضتين للإسلاميين والتابعتين لمقاتلين سابقين من بلدة الزنتان الغربية من جهة، وكتائب تميل أكثر إلى الإسلاميين والكيانات السياسية الإسلامية ومرتبطة ببلدة مصراتة في غرب البلاد، من جهة أخرى.
في المقابل، دعا ما يسمى «المجلس الأعلى لثوار ليبيا» رئاسة المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته لتحديد موعد انعقاد جلسة إتمام مراسم التسليم والتسلم القانونية لمجلس النواب بمدينة بنغازي، مؤكدا استعداد الثوار لتأمين أعمال المجلس. وطلب المجلس الذي تهيمن عليه جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها من أعضاء مجلس النواب التوجه إلى مدينة بنغازي والإسهام بشكل فاعل في إنهاء حالة الانقسام ، مشيرا إلى أن أعضاء مجلس النواب الموجودين في طبرق قد خالفوا ما جاء في الإعلان الدستوري الذي منح رئاسة المؤتمر الوطني صلاحيات تحديد مكان وزمان انعقاد جلسة التسليم والتسلم.
وعدّ أن اجتماع الأعضاء في طبرق قد ساهم في إحداث شقاق واختلاف بين طيف واسع من ممثلي الشعب الليبي الذين قال إنهم تجاهلوا قرارات هيئة تطبيق معايير تولي المناصب العامة.
وزعم المجلس أنه احتراما لمطالب الشارع الليبي الذي خرج يوم الجمعة الماضي معبرا عن رفضه الاعتراف بالمجلس، فقد قرر المجلس الأعلى لثوار ليبيا اعتبار كل ما صدر عن المجلس المنعقد في طبرق من قرارات كأنها لم تصدر على الإطلاق.
من جهته، أصدر اللواء عبد السلام العبيدي رئيس الأركان العامة للجيش الليبي أمرا إلى أركان القوات البرية، البحرية، والجوية، والدفاع الجوي، وحرس الحدود، والمناطق العسكرية، وإلى التشكيلات والدروع التابعة لرئاسة الأركان، بالوقف الفوري لإطلاق النار في جميع مدن ليبيا.
وقال رئيس الأركان: «حقنا لدماء الليبيين وتنفيذا للبيان الصادر عن مجلس النواب بشأن وقف إطلاق النار، عليه نأمر نحن رئيس الأركان العامة للجيش الليبي بالوقف الفوري لإطلاق النار في جميع مدن ليبيا، وسوف يتحمل كل مخالف لهذه التعليمات والأوامر مسؤولية ذلك».
إلى ذلك، اغتال مجهولون أمس العقيد محمد سويسي مدير أمن طرابلس، بعدما أطلقوا عليه النار في منطقة تاجوراء عند إحدى الإشارات الضوئية بعد خروجه من اجتماع لمجلسها البلدي.
وقالت مصادر أمنية إن مجموعة ملثمة اغتالت سويسي وقامت باختطاف اثنين كانوا برفقته، فيما قال رامي كعال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية الليبية إن «السويسي اغتيل عندما كان عائدا من اجتماع دعي إليه من قبل المجلس البلدي في تأجوراء، وبالتحديد بالقرب من مصحة المتوسط، حيث جرى اعتراضه من قبل سيارتين».

وأضاف: «طلبوا منه النزول بعدما قاموا بإجبار المرافقين له على النزول، حيث رفض السويسي النزول، عندها قام المسلحون بإطلاق النار مباشرة عليه، كما قاموا بضربه على مؤخرة الرأس بكعب البندقية، ولاذوا بالفرار بعدما قاموا باختطاف المرافقين».
وأعلن أن وزارة الداخلية تنعى الفقيد، مشيرا إلى أن مراسم دفن رسمية ستجرى لاحقا بحضور قيادات الوزارة.
من جهتها، زعمت غرفة العمليات الرسمية لعملية «قسورة» التي يشنها مقاتلون من مصراتة وحلفائهم أن مجموعة من ثوار مصراتة قاموا بمساعدة ثوار من «سوق الجمعة» في ما وصفته بـ«عملية نوعية» بالقرب من تأجوراء واعتقلوا أربعة أشخاص زعمت أنهم كانوا يخططون للسيطرة على معسكر في تأجوراء.
وقالت الغرفة في بيان مقتضب بثته عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «هذه المجموعة قتلت شخصين من بينهم (من وصفته) الزلم وقائد العصابة (مدير مديرية أمن طرابلس)»، وتساءلت: «من تظنونه يحميكم يا أهل طرابلس، هو يسرقكم ويمول العصابات».
وجاءت عملية الاغتيال بعد ساعات من تجديد مديرية الأمن بطرابلس، طلبها لجميع أعضاء الشرطة المتغيبين بضرورة الالتحاق فورا بأعمالهم، وذلك لتأدية واجباتهم لحماية المواطنين، وتأمين المرافق العامة والأماكن الحيوية بالمدينة.
ودعت المديرية رجال الشرطة المتغيبين عن العمل إلى ضرورة الالتحاق بمقار عملهم، نظرا لما تطلبه مصلحة الوطن، ولأنه تقع عليهم مسؤولية المحافظة على الأمن والاستقرار للمواطن.
وحثت في نداء بثته وكالة الأنباء المحلية، رجال الشرطة على الالتزام بالعمل المنوط بهم قانونا للمحافظة على الأمن داخل المدينة، وهددت باتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من يتخلف عن الالتحاق بعمله.
من جهة أخرى، قصفت طائرة عسكرية يعتقد أنها تابعة للجيش الوطني الذي يقوده اللواء متقاعد خليفة حفتر، مخزنا بميناء درنة البحري مما أدى إلى إحداث أضرار تدميرية بمرافقه دون وقوع أي إصابات بشرية بالميناء.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن الطائرة أصابت أيضا بقذائف أخرى المنطقة السكنية القريبة من الميناء، مما أدى إلى إصابة سبعة أشخاص بإصابات متفاوتة بين البسيطة والمتوسطة أخطرها إصابة طفلة تبلغ من العمر ثمانية أشهر حالتها مستقرة، فيما غادر بقية المصابين المستشفى. وكان العقيد محمد حجازي، الناطق باسم القيادة العامة للجيش الوطني، قد طلب من مصلحة الموانئ نقل کل سفنها إلى ميناء طبرق البحري.
وكان قد جرى العثور على جثتين إحداهما بمعسكر الصاعقة «21»، والأخرى بمنطقة سيدي فرج، وجرى تسليمهما لمركز بنغازي الطبي، فيما أعلن قيس الفاخري رئيس فرع الهلال الأحمر الليبي أنه جرى انتشال 85 جثة من مناطق الاشتباكات منذ أول أيام عيد الفطر وحتى أمس.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.