باريس تستدعي سفيرها من روما للتشاور

أربعة ملفات رئيسية تسمم العلاقات الثنائية

مقر السفارة الفرنسية في روما (أ.ف.ب)
مقر السفارة الفرنسية في روما (أ.ف.ب)
TT

باريس تستدعي سفيرها من روما للتشاور

مقر السفارة الفرنسية في روما (أ.ف.ب)
مقر السفارة الفرنسية في روما (أ.ف.ب)

بعد التوتر الذي أصاب العلاقات الفرنسية - التركية بسبب قرار الرئيس إيمانويل ماكرون تخصيص يوم 24 أبريل (نيسان) من كل عام، لإحياء ذكرى إبادة الأرمن وردود الفعل التركية على هذا القرار، ها هي العلاقات الفرنسية - الإيطالية تدخل منطقة التوتر العالي الذي أفضى أمس إلى قرار باريس استدعاء سفيرها في روما، كريستيان ماسيه، «للتشاور».
وحتى عصر أمس، لم تكن روما قد قررت خطوة مماثلة. ويبين التطور الذي حصل أمس بوضوح أن باريس «فقدت صبرها» إزاء طريقة التعامل الإيطالية والتدخل في شؤونها. وليس سراً أن العلاقات بين العاصمتين القريبتين دخلت منذ تشكيل الحكومة الإيطالية الحالية من الشعبويين - ممثلين بحركة «النجوم الخمس»، واليمين المتشدد ممثلاً بـ«الرابطة» - منطقة من «المطبات الهوائية» الخطرة. وليس واضحاً بعدُ ما إذا كان التباعد بينهما سوف يقف عند هذا الحد، أم أن خلافاتهما السياسية ستدفع بهما إلى القطيعة التامة، علماً بأن البلدين عضوان مؤسسان للاتحاد الأوروبي، وينتميان لمنطقة اليورو وللحلف الأطلسي ولجناحه المتوسطي، وتربطهما علاقات تاريخية سياسية واقتصادية وثقافية وبشرية وثيقة.
أما القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد تمثّلت بلقاء نائب رئيس الحكومة الإيطالية وزعيم حركة «النجوم الخمس» لويجي دي مايو، في باريس، الثلاثاء الماضي، مسؤولين في الحركة الاحتجاجية «السترات الصفراء» التي ينادي بعض من ينتمي إليها إلى رحيل ماكرون عن السلطة، فضلاً عن المطالبة بإصلاحات سياسية ودستورية ومطالب اقتصادية واجتماعية.
ومن أبرز هؤلاء المسؤولين إنغريد ليفافاسور، التي قررت مع لائحة من «السترات الصفراء» خوض غمار الانتخابات الأوروبية نهاية مايو المقبل، وكريستوف شالنسون، أحد مندوبي الحركة المذكورة. وجاء رد الفعل الفرنسي على «زيارة» دي مايو، الذي أعلن في تغريدة عقب لقائه «السترات الصفراء» أن «رياح التغيير اجتازت جبال الألب» (وهي السلسلة الجبلية التي تفصل بين إيطاليا وفرنسا) على مرحلتين؛ الأولى، أول من أمس (الأربعاء)، حيث أعلن ناطق باسم الخارجية الفرنسية أن «هذا الاستفزاز الجديد غير مقبول بين بلدين متجاورين وشريكين في الاتحاد الأوروبي»، وأن «دي مايو الذي يتولى مسؤوليات حكومية، يجب أن يسهر على عدم إلحاق ضرر عبر تدخلاته المتكررة بعلاقاتنا الثنائية، لصالح فرنسا وكذلك إيطاليا». والثانية يوم أمس، عندما أصدرت وزارة الخارجية على لسان الناطقة باسمها أنييس فان در مول بياناً مطولاً، كشفت فيه عن استدعاء السفير في روما، ودعت فيه الطرف الإيطالي إلى العمل «من أجل استعادة علاقة الصداقة والاحترام المتبادلين، تكون بمستوى التاريخ والمصير المشترك».
وبحسب البيان، فإن فرنسا «متمسكة» بعلاقة الصداقة مع إيطاليا التي «تتغذى من التعاون في جميع المجالات ومن القرابة بين الشعبين»، مضيفة أنها «ضرورية أكثر من أي وقت مضى لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين».
إلا أن باريس لم تتردد في الردّ بعنف على ما تعتبره «حملات لا شيء يبررها وتصريحات مخزية» لم تعرفها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية من الجانب الإيطالي. ووجهت باريس سهامها الحادة إلى روما التي اتهمتها بتسخير الخلافات في الرأي بين البلدين «لأهداف انتخابية».
وأكثر من ذلك، اعتبرت «التدخلات الأخيرة (في الشؤون الفرنسية) استفزازاً إضافياً لا يُمكن القبول به». ولمح بيان الخارجية إلى تصريحات سالفيني السابقة، التي تمنى فيها إبعاد ماكرون عن السلطة بالقول إن التدخلات المتكررة «تنتهك الاحترام الواجب للخيار الديمقراطي لشعب (فرنسي) صديق وحليف، كما تنتهك التعامل المتزن بين حكومات انتُخِبت بطريقة حرة وديمقراطية».
وتساءلت باريس عن أهداف هذه الممارسات التي توجد «وضعاً خطيراً»، وعن «نيات الحكومة الإيطالية» إزاء علاقتها بفرنسا.
حقيقة الأمر أنها ليست المرة الأولى التي يتواجه فيها لويجي دي مايو وزميله ماتيو سالفيني وزير الداخلية وزعيم «الرابطة» اليميني المتشدد، مع باريس، خصوصاً مع الرئيس ماكرون. وقد سعت فرنسا، في الأسابيع الماضية، إلى احتواء التدهور وقلب صفحة الخلافات. إلا أن الملفات الخلافية بين البلدين و«العداء» الشخصي بين ماكرون من جهة، وسالفيني ودي مايو من جهة أخرى يضع علاقات البلدين في مهب الريح.
ومع اقتراب الانتخابات الأوروبية التي يريدها ماكرون بين جبهتين، تضم الأولى الليبراليين والمنضوين تحت الشعار الأوروبي وقيم الاتحاد ويقودها هو شخصياً، والثانية القوميين والشعبويين وعلى رأسهم سالفيني ودي مايو، فإن الأمور مرشحة للتفاقم، حيث إن كل أنواع الضربات تصبح متاحة.
ومنذ أسابيع طويلة، لم يكفّ الجانب الإيطالي عن التعبير عن دعمه لـ«السترات الصفراء» ودعوته لهم بالاستمرار في تحركهم، في الوقت الذي يجهد فيه ماكرون من خلال الحوار الوطني والتدابير المالية التي أقرتها حكومته إلى احتواء التحرك، ووضع حد له.
بيد أن الملفات الخلافية بين العاصمتين كثيرة وعميقة. أولها ملف الهجرات، واتهام روما لباريس بأنها تغلق حدودها أمام المهاجرين، بينما تهاجم إيطاليا لأنها تريد الحد من تدفقهم إلى شواطئها. وثانيها الملف الليبي والخلافات السياسية في طريقة التعامل معه والتنافس بين الجانبين، ما يؤثّر حقيقة على الجهود المبذولة لإحداث اختراق ما بشأنه. وثالثها الشعور المنتشر في إيطاليا بأن فرنسا وشركاتها «تستفيد» من الوضع الإيطالي الراهن لوضع اليد على قطاعات صناعية إيطالية. ورابعها الملف الأوروبي وتضارب توجهات البلدين بين باريس التي تريد مزيدا من الاندماج وروما التي تسعى لـ«فرملة» اندفاعة ماكرون.
وبينما وقَّعت باريس وبرلين أخيراً على معاهدة صداقة جديدة، فإن باريس وروما تبدوان مندفعتين نحو مزيد من التصعيد. والسؤال المطروح هو: هل تسوء الأمور بين الجانبين إلى درجة قطع العلاقات الدبلوماسية؟ وهذا الأمر، إن حصل، سيشكل سابقة بين بلدين عضوين في الاتحاد الأوروبي وسيضرب بلا شك مساعي الراغبين بمزيد من التكامل، في الوقت الذي يكافح فيه الاتحاد للخروج من أزمة «بريكست».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».