«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه

من روايات «القائمة الطويلة» لجائزة «بوكر» العربية

«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه
TT

«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه

«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه

تُثير رواية «الزوجة المكسيكيّة» للدكتور إيمان يحيى الصادرة عن «دار الشروق» بالقاهرة سؤالاً جوهرياً مفاده: هل هذه الرواية تعالقت فقط مع رواية «البيضاء» ليوسف إدريس، أم أنها ذهبت إلى حدّ التناهل والتناص معها لتخلق نصاً مُهجّناً لا يُشبه بالضرورة النص الأصلي في كل تفاصيله، ولا يتطابق معه، لكنه يُحاذيه، ويعتاش عليه، ويتخذه مرآة صقيلة لاستجلاء صور الشخصيات الرئيسية التي تعالَقَ معها في «النص الغائب أو المرجعي» بتعبير الناقد فاضل ثامر.
ثمة عتبة نصيّة مهمة في مستهل الرواية تشير إلى ترحيل السلطات للطالبة المكسيكية سامانثا لأسباب سياسية سوف تتكشف لاحقاً لعلاقتها الغامضة بحركة «كفاية»، كما تلعب هذه العتبة دوراً مهماً في تمثّل النص السردي وتأويل محمولاته الفكرية، فسامانثا ديفيز التي جاءت لدراسة الأدب العربي الحديث في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة هي ثمرة زواج مختلَط بين أم نصفها مصري وأب ذي أصول مكسيكية، وجدتها من جهة الأم قد هاجرت إلى أميركا في بداية الستينيات، ولم تعد أبداً، في إشارة واضحة إلى انتقال جينات الجدة إليها، حيث أتقنت المحكيّة المصرية بوقت قصير، وأخذت تتعرّف على الطقوس الدينية والاجتماعية للأحياء الشعبية في القاهرة.
تنطلق أحداث «الزوجة المكسيكية» من الواقع والخيال في آنٍ معاً، حيث يختار الدكتور سامي جميل رواية «البيضاء» لتلميذته سامانثا ديفيز كي تُعدّ عنها بحثاً لرسالة الماجستير. وبما أنّ الرواية هي سيرة ذاتية للمؤلف يوسف إدريس نفسه، فإنّ يحيى مصطفى هو مجرد قناع لا غير، وقد تزوّج من رُوث دييغو ريفيرا سنة 1957 وهي شيوعية مكسيكية، لكن هذا الزواج سرعان ما انتهى بالطلاق بعد أقل من عام، حيث تعود إلى بلدها لتموت هناك متأثرة بمرض السرطان، كما تؤكد المصادر والأقاويل التي راجت بين الناس. تُرى، هل هذه الحكاية حقيقية لا يرقى إليها الشكّ، أم أنها من صنع خيال المؤلف الأول يوسف إدريس الذي عزّزه خيال المؤلف الثاني د. إيمان يحيى، ليقنعنا بأنّ هذه الزيجة قد تمّت على أرض الواقع، وأنّ هناك من الأدلّة الدامغة ما يكفي لارتباط الطبيب والكاتب المعروف يوسف إدريس برُوث، ابنة دييغو ريفيرا، أهم رسّام جداريات في العالم. ومثلما تتعدد شخصيات الرواية تتعدد أمكنتها فهي تتوزع بين القاهرة وفيينا ومكسيكو سيتي. وحين يدقّق الباحث في المصادر سيجد من دون عناء كبير أن مؤتمر «أنصار السلام» قد عُقد في فيينا سنة 1952، وأن الوفد المصري كان يتألف من كامل باشا البنداري وعبد الرحمن الخميسي وإنجي أفلاطون وسيزا نبراوي ويوسف إدريس وغيرهم، وقد وقع إدريس في حُب رُوث، وطلب يدها من أبيها دييغو ريفيرا الذي وافق على الزواج رغم خشيته الواضحة من هيمنة الضباط وتوجههم نحو الديكتاتورية.
لا تمتد أيام الحُب والدهشة والإعجاب طويلاً، حيث تتكشف شخصية يحيى مصطفى على حقيقتها، فهو رجل شرقي يضع المرأة في المرتبة الثانية حتى لو كانت فنانة ومهندسة وابنة فنان شيوعي كبير من طراز دييغو ريفيرا، الذي يقود حركة «أنصار السلام» في العالم مع بيكاسو وسارتر وأراغون، فقد بدأ يشكّ بها، ويعنّفها، ويتهمها بالخيانة مع أقرب أصدقائه، وحين ضربها أكثر من مرة قررت أن تضع حداً لهذه الزيجة غير المتوازنة، وتعود إلى المكسيك حاملة معها جُرحاً لا يندمل. ومما زاد الطين بلّة تبيّن أنها مصابة بمرض السرطان الذي لم يمهلها طويلاً حيث طلبت من شقيقتها أن تضع مفتاح الشقة الذهبي في مظروف وتبعثه إلى السفارة المكسيكية بالقاهرة، ليتسنى لهم إيصاله إلى يحيى مصطفى (يوسف إدريس) الذي أصبح كاتباً مشهوراً، وليس من الصعب إيجاد محل سكنه.
بمقابل هذه القصة المتعالقة مع رواية «البيضاء»، تبرز حكاية الدكتور سامي جميل مع تلميذته سامانثا ذات الأصول المكسيكية المصرية المشتركة التي تقع في حُب أستاذها، وتشاركه عملية البحث المضنية عن زواج يحيى مصطفى من رُوث دييغو ريفيرا، وبما أنّ المواطن الغربي تدويني بطبعه، بعكس المواطن الشرفي الشفهي، فإنها تنبش في الكثير من المصادر الروسية والإسبانية والإنجليزية حتى تتأكد من كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهذه الزيجة. ولعلها كانت على وشك التوصل إلى نتائج جامعة مانعة بشأن زواج يحيى من رُوث، لكن المباحث المصرية كانت لها بالمرصاد فهي تشترك بمظاهرات حركة «كفاية»، وتشجع النساء المصريات على الوقوف ضد حكم العسكر، لذلك سارعوا إلى تسفيرها وإعادتها إلى البلد الذي وفدت منه. ومع ذلك فقد ظلت تتواصل مع الدكتور سامي جميل بعد أن تحولت من دراسة الأدب إلى التخصص بتاريخ السياسة في بلدان الشرق الأوسط.
لو وضعنا هاتين القصتين العاطفيتين جانباً، وهما ملح النص الغائب والنص المهجّن، فإن ثيمة الرواية تتمحور على شيئين أساسيين هما الفكر اليساري في مصر والعالم برمته، وحُكم العسكر الذي يقترن غالباً بالأنظمة الديكتاتورية، ففي مصر زجّ الرئيس عبد الناصر بكل القيادات السياسية للحزب الشيوعي المصري في السجون، ويبدو أن يحيى مصطفى أو (يوسف إدريس) كان محظوظاً لأن دييغو ريفيرا قد دعاه هو وخطيبته رُوث لقضاء بعض الوقت في مدينة براغ، ولولا هذه الدعوة الكريمة لكان مصيره لا يختلف كثيراً عن مصير أقرانه الذين تعرّضوا لمختلف أصناف التعذيب، خصوصاً بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الناصر، حيث تحولت حياة السجناء السياسيين إلى جحيم لا يُطاق. وفي السياق ذاته أشارت سامانثا إلى فزعها من اضطهاد معظم رموز الثقافة العالمية، الذين سمعت عنهم أمثال شابلن وبيكاسو وآرثر ميلر وإيليا كازان وبول روبسون وغيرهم الكثير.
تنطوي الرواية على أسئلة نقدية كثيرة؛ لعل أبرزها ما أثاره الدكتور سعيد شرابي في متن الرواية، حين قال: «إنّ العمل الأدبي يجب أن يُؤخذ كما هو»، بينما يركِّز الدكتور سامي جميل على الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت به، كما هو الحال في رواية «البيضاء» التي كتبها يوسف إدريس في ظرف حرج للغاية، وكأنه يريد أن يبرّئ ساحته من تهمة الشيوعية، ويعلن توبته أمام الحكومة والملأ الأعظم، فلا غرابة أن يخلص شرابي إلى القول بحدة وانفعال: «اسمع ما قُمتَ به ليس بحثاً ولا نقداً، قد يصلح لرواية أكتبها وخلّصنا من شططك».
إذا كان الزجّ في السجون، والتعذيب، والإعدامات المتفرقة هنا وهناك تهيمن على القاهرة في ذلك الوقت، فإن فيينا كانت تنعم بالسلام النسبي رغم مرور سبع سنوات على الحرب العالمية الثانية ووجود دوريات أمنية لأربع دول كبرى، بينما كانت مدينة مكسيكو بمنأى عن الحروب، لكن المناخ العائلي لعائلة دييغو ريفيرا كان تراجيدياً بمعنى الكلمة، حيث أصيب دييغوا بالسرطان، فيما بُترت ساق زوجته بسبب الغرغرينا، كما توفيت ابنته رُوث عن 47 عاماً بسبب المرض الخبيث ذاته، لتنتهي حياة «الزوجة المكسيكية» التي لعبت دوراً مهماً في الحياة الثقافية للمجتمع المكسيكي. وفيما يتعلق بيحيى مصطفى أو (يوسف إدريس) فقد عقد العزم على ألا يدخل السجن مرة أخرى، بعد أن أيقن بضرورة النضال والمقاومة عبر الكتابة العلنية بعيداً عن الأوكار والأنفاق السريّة.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.