«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه

من روايات «القائمة الطويلة» لجائزة «بوكر» العربية

«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه
TT

«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه

«الزوجة المكسيكيّة» تُحاذي نص «البيضاء» ليوسف إدريس وتعتاش عليه

تُثير رواية «الزوجة المكسيكيّة» للدكتور إيمان يحيى الصادرة عن «دار الشروق» بالقاهرة سؤالاً جوهرياً مفاده: هل هذه الرواية تعالقت فقط مع رواية «البيضاء» ليوسف إدريس، أم أنها ذهبت إلى حدّ التناهل والتناص معها لتخلق نصاً مُهجّناً لا يُشبه بالضرورة النص الأصلي في كل تفاصيله، ولا يتطابق معه، لكنه يُحاذيه، ويعتاش عليه، ويتخذه مرآة صقيلة لاستجلاء صور الشخصيات الرئيسية التي تعالَقَ معها في «النص الغائب أو المرجعي» بتعبير الناقد فاضل ثامر.
ثمة عتبة نصيّة مهمة في مستهل الرواية تشير إلى ترحيل السلطات للطالبة المكسيكية سامانثا لأسباب سياسية سوف تتكشف لاحقاً لعلاقتها الغامضة بحركة «كفاية»، كما تلعب هذه العتبة دوراً مهماً في تمثّل النص السردي وتأويل محمولاته الفكرية، فسامانثا ديفيز التي جاءت لدراسة الأدب العربي الحديث في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة هي ثمرة زواج مختلَط بين أم نصفها مصري وأب ذي أصول مكسيكية، وجدتها من جهة الأم قد هاجرت إلى أميركا في بداية الستينيات، ولم تعد أبداً، في إشارة واضحة إلى انتقال جينات الجدة إليها، حيث أتقنت المحكيّة المصرية بوقت قصير، وأخذت تتعرّف على الطقوس الدينية والاجتماعية للأحياء الشعبية في القاهرة.
تنطلق أحداث «الزوجة المكسيكية» من الواقع والخيال في آنٍ معاً، حيث يختار الدكتور سامي جميل رواية «البيضاء» لتلميذته سامانثا ديفيز كي تُعدّ عنها بحثاً لرسالة الماجستير. وبما أنّ الرواية هي سيرة ذاتية للمؤلف يوسف إدريس نفسه، فإنّ يحيى مصطفى هو مجرد قناع لا غير، وقد تزوّج من رُوث دييغو ريفيرا سنة 1957 وهي شيوعية مكسيكية، لكن هذا الزواج سرعان ما انتهى بالطلاق بعد أقل من عام، حيث تعود إلى بلدها لتموت هناك متأثرة بمرض السرطان، كما تؤكد المصادر والأقاويل التي راجت بين الناس. تُرى، هل هذه الحكاية حقيقية لا يرقى إليها الشكّ، أم أنها من صنع خيال المؤلف الأول يوسف إدريس الذي عزّزه خيال المؤلف الثاني د. إيمان يحيى، ليقنعنا بأنّ هذه الزيجة قد تمّت على أرض الواقع، وأنّ هناك من الأدلّة الدامغة ما يكفي لارتباط الطبيب والكاتب المعروف يوسف إدريس برُوث، ابنة دييغو ريفيرا، أهم رسّام جداريات في العالم. ومثلما تتعدد شخصيات الرواية تتعدد أمكنتها فهي تتوزع بين القاهرة وفيينا ومكسيكو سيتي. وحين يدقّق الباحث في المصادر سيجد من دون عناء كبير أن مؤتمر «أنصار السلام» قد عُقد في فيينا سنة 1952، وأن الوفد المصري كان يتألف من كامل باشا البنداري وعبد الرحمن الخميسي وإنجي أفلاطون وسيزا نبراوي ويوسف إدريس وغيرهم، وقد وقع إدريس في حُب رُوث، وطلب يدها من أبيها دييغو ريفيرا الذي وافق على الزواج رغم خشيته الواضحة من هيمنة الضباط وتوجههم نحو الديكتاتورية.
لا تمتد أيام الحُب والدهشة والإعجاب طويلاً، حيث تتكشف شخصية يحيى مصطفى على حقيقتها، فهو رجل شرقي يضع المرأة في المرتبة الثانية حتى لو كانت فنانة ومهندسة وابنة فنان شيوعي كبير من طراز دييغو ريفيرا، الذي يقود حركة «أنصار السلام» في العالم مع بيكاسو وسارتر وأراغون، فقد بدأ يشكّ بها، ويعنّفها، ويتهمها بالخيانة مع أقرب أصدقائه، وحين ضربها أكثر من مرة قررت أن تضع حداً لهذه الزيجة غير المتوازنة، وتعود إلى المكسيك حاملة معها جُرحاً لا يندمل. ومما زاد الطين بلّة تبيّن أنها مصابة بمرض السرطان الذي لم يمهلها طويلاً حيث طلبت من شقيقتها أن تضع مفتاح الشقة الذهبي في مظروف وتبعثه إلى السفارة المكسيكية بالقاهرة، ليتسنى لهم إيصاله إلى يحيى مصطفى (يوسف إدريس) الذي أصبح كاتباً مشهوراً، وليس من الصعب إيجاد محل سكنه.
بمقابل هذه القصة المتعالقة مع رواية «البيضاء»، تبرز حكاية الدكتور سامي جميل مع تلميذته سامانثا ذات الأصول المكسيكية المصرية المشتركة التي تقع في حُب أستاذها، وتشاركه عملية البحث المضنية عن زواج يحيى مصطفى من رُوث دييغو ريفيرا، وبما أنّ المواطن الغربي تدويني بطبعه، بعكس المواطن الشرفي الشفهي، فإنها تنبش في الكثير من المصادر الروسية والإسبانية والإنجليزية حتى تتأكد من كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهذه الزيجة. ولعلها كانت على وشك التوصل إلى نتائج جامعة مانعة بشأن زواج يحيى من رُوث، لكن المباحث المصرية كانت لها بالمرصاد فهي تشترك بمظاهرات حركة «كفاية»، وتشجع النساء المصريات على الوقوف ضد حكم العسكر، لذلك سارعوا إلى تسفيرها وإعادتها إلى البلد الذي وفدت منه. ومع ذلك فقد ظلت تتواصل مع الدكتور سامي جميل بعد أن تحولت من دراسة الأدب إلى التخصص بتاريخ السياسة في بلدان الشرق الأوسط.
لو وضعنا هاتين القصتين العاطفيتين جانباً، وهما ملح النص الغائب والنص المهجّن، فإن ثيمة الرواية تتمحور على شيئين أساسيين هما الفكر اليساري في مصر والعالم برمته، وحُكم العسكر الذي يقترن غالباً بالأنظمة الديكتاتورية، ففي مصر زجّ الرئيس عبد الناصر بكل القيادات السياسية للحزب الشيوعي المصري في السجون، ويبدو أن يحيى مصطفى أو (يوسف إدريس) كان محظوظاً لأن دييغو ريفيرا قد دعاه هو وخطيبته رُوث لقضاء بعض الوقت في مدينة براغ، ولولا هذه الدعوة الكريمة لكان مصيره لا يختلف كثيراً عن مصير أقرانه الذين تعرّضوا لمختلف أصناف التعذيب، خصوصاً بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الناصر، حيث تحولت حياة السجناء السياسيين إلى جحيم لا يُطاق. وفي السياق ذاته أشارت سامانثا إلى فزعها من اضطهاد معظم رموز الثقافة العالمية، الذين سمعت عنهم أمثال شابلن وبيكاسو وآرثر ميلر وإيليا كازان وبول روبسون وغيرهم الكثير.
تنطوي الرواية على أسئلة نقدية كثيرة؛ لعل أبرزها ما أثاره الدكتور سعيد شرابي في متن الرواية، حين قال: «إنّ العمل الأدبي يجب أن يُؤخذ كما هو»، بينما يركِّز الدكتور سامي جميل على الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت به، كما هو الحال في رواية «البيضاء» التي كتبها يوسف إدريس في ظرف حرج للغاية، وكأنه يريد أن يبرّئ ساحته من تهمة الشيوعية، ويعلن توبته أمام الحكومة والملأ الأعظم، فلا غرابة أن يخلص شرابي إلى القول بحدة وانفعال: «اسمع ما قُمتَ به ليس بحثاً ولا نقداً، قد يصلح لرواية أكتبها وخلّصنا من شططك».
إذا كان الزجّ في السجون، والتعذيب، والإعدامات المتفرقة هنا وهناك تهيمن على القاهرة في ذلك الوقت، فإن فيينا كانت تنعم بالسلام النسبي رغم مرور سبع سنوات على الحرب العالمية الثانية ووجود دوريات أمنية لأربع دول كبرى، بينما كانت مدينة مكسيكو بمنأى عن الحروب، لكن المناخ العائلي لعائلة دييغو ريفيرا كان تراجيدياً بمعنى الكلمة، حيث أصيب دييغوا بالسرطان، فيما بُترت ساق زوجته بسبب الغرغرينا، كما توفيت ابنته رُوث عن 47 عاماً بسبب المرض الخبيث ذاته، لتنتهي حياة «الزوجة المكسيكية» التي لعبت دوراً مهماً في الحياة الثقافية للمجتمع المكسيكي. وفيما يتعلق بيحيى مصطفى أو (يوسف إدريس) فقد عقد العزم على ألا يدخل السجن مرة أخرى، بعد أن أيقن بضرورة النضال والمقاومة عبر الكتابة العلنية بعيداً عن الأوكار والأنفاق السريّة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.