مشادات كلامية بين أعضاء مجلس النواب ورئيس أركان الجيش الليبي

سكان في طرابلس لـ («الشرق الأوسط») : سقوط قتلى وجرحى في تصاعد للاشتباكات بين الميليشيات في منطقة المطار

جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)
جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)
TT

مشادات كلامية بين أعضاء مجلس النواب ورئيس أركان الجيش الليبي

جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)
جلسة استماع مجلس النواب لرئيس أركان الجيش الليبي في طبرق أول من أمس («الشرق الأوسط»)

بينما واصل مجلس النواب الليبي مناقشة الوضع الأمني والعسكري في البلاد، كشفت وزارة الخارجية الليبية أمس النقاب عن أن وفد الأمم المتحدة الزائر أبدى استعدادها لإرسال مراقبين دوليين لمراقبة وقف القتال، وتحديد الجهات التي تستهدف المدنيين في الأحياء السكنية والتي أدت إلى نزوح الآلاف من سكان العاصمة إلى مناطق آمنة.
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية عن مصدر بوزارة الخارجية الليبية قوله إن الوفد بدأ مشاورات مع الأطراف المتقاتلة في العاصمة طرابلس من أجل التوصل لوقف إطلاق النار، وإيجاد آليات تنفيذه، مشيرا إلى أن رئيس الوفد ولد الشيخ أحمد الذي يشغل أيضا منصب المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية في ليبيا يركز اهتمامه خلال هذه المهمة على تقييم الوضع الإنساني في مدينة طرابلس والأضرار التي ترتبت على القتال المستمر منذ زهاء الشهر، ومعاناة السكان واحتياجاتهم وظروفهم المعيشية الصعبة في ظل نقص الوقود والمواد الغذائية في البلاد، وظروف النازحين من جراء هذا القتال.
لكن الميليشيات التي تتصارع للسيطرة على مطار طرابلس الدولي لم تتوقف أمس في المقابل عن تبادل القصف فيما بينها في منطقة محيط المطار، حيث أبلغ رامي كعال، الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية الليبية، أن القصف استمر أمس بالأسلحة الثقيلة في طريق المطار، مشيرا إلى عدم توفر أي إحصائيات رسمية تفيد بسقوط ضحايا أو تحدد حجم الأضرار الناتجة عن هذه الاشتباكات.
وقال سكان في العاصمة لـ«الشرق الأوسط» إن القصف العنيف تواصل منذ صباح أمس بشكل متقطع، بالإضافة إلى اندلاع اشتباكات بين الميليشيات التي حولت منطقة المطار إلى ساحة قتال حقيقية للأسبوع الرابع على التوالي من دون توقف.
وتحدث السكان عما وصفوه بكارثة إنسانية في عدة أحياء سكنية نتيجة القصف العشوائي باستخدام صورايخ غراد وقذاف الهاون، خاصة في أحياء الأكواخ والسراج وجنزور.
وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط»: «القصف لم يتوقف علي محيط طريق المطار، وثمة هجوم على حي الأكواخ بالأسلحة الثقيلة». فيما قالت مواطنة أخرى: «صاروخ سقط في منطقة الهضبة الشرقية على منزل ومات طفل، وتم أيضا قصف محطة وقود الطيران ما أدى لحدوث انفجار». وأضافت: «اليوم (أمس).. القصف مستمر منذ الصباح ونسمع انفجارات، أكيد هناك كوارث».
ورغم تأكيد السكان ورود أنباء عن سقوط قتلى وجرحى، فإن السلطات الرسمية الليبية لم تصدر أي إحصائيات رسمية.
كما سقطت عدة قذائف على منازل بمنطقة القادسية بغوط الشعال مساء أول من أمس، ما أدى إلى أضرار جسيمة دون حدوث إصابات بشرية، وفقا لشهود عيان في المنطقة، فيما رصدت وكالة الأنباء الرسمية نزوح ومغادرة عدد من المواطنين الذين تضررت منازلهم، المنطقة، تحسبا لوقوع صواريخ أخرى، إلى مناطق آمنة.
بموازاة ذلك، وفي إشارة واضحة باعترافها بمجلس النواب الليبي الذي يتخذ من أحد فنادق مدينة طبرق بأقصى شرق ليبيا، مقرا له، أوفدت السلطات المصرية وفدا دبلوماسيا التقى مساء أمس مع صالح عقيلة رئيس المجلس طبقا لما أكدته مصادر مقربة من المجلس لـ«الشرق الأوسط».
واستغل سامح شكري وزير الخارجية المصري اجتماعه أمس مع ديفيد ساترفيلد مدير عام القوة متعددة الجنسيات والمبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، للتأكيد على حرص مصر على تحقيق تطلعات الشعب الليبي في بناء دولته الحديثة بما يصون وحدة التراب الليبي، مشيرا إلى ترحيب مصر بإجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة في ليبيا وانعقاد أولى جلسات مجلس النواب في مدينة طبرق.
كما أعرب شكري، وفقا لبيان أصدره مكتبه، عن أمله في أن ينجح المجلس في تشكيل حكومة وطنية في أقرب وقت ممكن لاستكمال خطوات بناء باقي مؤسسات الدولة، مؤكدا على ضرورة استمرار التنسيق الكامل من جانب المجتمع الدولي مع دول الجوار الجغرافي لليبيا باعتبارها المعنية في المقام الأول بتحقيق الاستقرار هناك.
ولفت البيان إلى أن المسؤول الأميركي أعرب عن اهتمامه البالغ للاستماع إلى الرؤية المصرية للوضع في ليبيا، آخذا في الاعتبار الدور الإقليمي المحوري لمصر واعتبارها أحد أهم دول الجوار الجغرافي لليبيا.
في غضون ذلك، عقد مجلس النواب الليبي أمس جلسة مغلقة خصصها للاستماع إلى اللواء عبد السلام العبيدي رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، ومساءلته حول أحداث الاقتتال الجاري في عدة مناطق ليبية.
وقال فتح الله السعيطي عضو المجلس النواب إن العبيدي أقر خلال الجلسة بأنه عاجز عن إصدار أوامره بوقف إطلاق النار، وأن القوات المهاجمة لمطار طرابلس لا تتبعه، مؤكدا أن الجيش الليبي على وشك الانهيار.
وقال النائب إن أعضاء المجلس دخلوا في مناقشات حامية مع العبيدي ووجهوا له كلمات شديدة اللهجة وحملوه مسؤولية كل ما يحدث في ليبيا من انتهاكات وتعدٍّ على أملاك الدولة وأملاك الشعب الليبي.
وقال أعضاء آخرون إن العبيدي اعترف أيضا بمسؤوليته عن تزويد ميليشيات مسلحة لا تتبع الجيش بالذخيرة.
وكان يفترض أن يستمع المجلس لاحقا إلى كل من سالم الحاسي رئيس المخابرات، وعبد الله الثني رئيس الحكومة الانتقالية، بعدما قدم عدد من وزراء الحكومة معلومات مفصلة عن الوضع الأمني في البلاد والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة تداعيات هذا الوضع، كما استعرض المجلس المشاكل والصعوبات التي تواجه الوزارات في أداء عملها بتقديم الخدمات للمواطنين والتخفيف من مضاعفات الأزمة الإنسانية التي تواجهها بعض المناطق في ليبيا.
وكان الثني قد طالب عناصر الجيش الليبي بضرورة الالتزام بالضوابط والقوانين العسكرية، والاعتزاز به وبالانتماء إليه لحماية الوطن وحدوده.
وأكد الثني في كلمة ألقاها بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لتأسيس الجيش تحت قيادة العاهل الليبي الراحل إدريس السنوسي، على ضرورة مشاركة أفراد الجيش لضباط وأفراد الشرطة من أجل إرساء دعائم الأمن والاستقرار في ربوع ليبيا.
وأشاد الثني بتاريخ الجيش الليبي الذي استطاع إبان تأسيسه ورغم قلة الإمكانيات المادية والبشرية أن يساهم في تحرير ليبيا من الاحتلال الإيطالي ويصبح جيشا يمثل كل مناطق ليبيا ويجمعهم جميعا تحت راية الوطن، معربا عن أسفه لما يحدث الآن بعد مرور هذه السنوات الطويلة من هدم لهذا الصرح العظيم، واعتداء على هيبته، وتغيير لولائه وانتمائه.
من جهتها، دعت وزارة الداخلية الليبية أمس رؤساء الأجهزة والمصالح ومديري الإدارات العامة ومديري الأمن ومن في حكمهم كافة إلى ضرورة الوجود بمقار أعمالهم والالتزام بتنفيذ مهامهم الوطنية.
وشددت الوزارة في بيان لها على ضرورة دعوة عناصرها للالتحاق بأعمالهم واتخاذ ما يلزم من إجراءات تضمن استمرارهم في أداء واجباتهم تجاه أمن الوطن والمواطن، محذرة بتحويل كل من يتخلف للمحاكمة التأديبية.
وفى بنغازي بشرق البلاد، نفى العقيد علي العمامي مدير الأمن الوطني لمنفذ بنغازي البحري وصول أي تهديد بضرب الموانئ من قبل السلاح الجوي التابع لقوات اللواء المتقاعد حفتر، مؤكدا أن المنفذين البحريين «الرئيسي» و«جليانة» يعملان بصورة طبيعية. ولفت إلى أن الحركة خفت عن ذي قبل بسبب الأحداث الجارية بالمدينة، وخوف بعض الدول على رعاياها، مؤكدا ترحيل 383 فردا من الجالية الهندية إلى بلادهم تحت إشراف إدارة الجوازات وبمساعدة الهلال الأحمر الليبي.
وكان العقيد محمد حجازي الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الوطني قد أعلن إغلاق ميناء بنغازي البحري واستهداف أي قطعة بحرية تقترب منه اعتبارا من أول من أمس لأنه تحت سيطرة ما يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي» التابع للجماعات المتطرفة في المدينة.
وهدد حجازي باستهداف أي قطعة بحرية أو أي جسم يتحرك في المياه الإقليمية بالقرب من بنغازي بالطائرات، مطالبا مصلحة الموانئ بنقل کل سفنها إلى ميناء طبرق البحري، حتى لا يجري استخدامها من قبل المجموعات وتصبح بهذا هدفا مشروعا لقواتهم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.