الأزياء الراقية لربيع وصيف 2019... موسم يحتفل فيه المصممون بالاختلاف

بين غياب كارل لاغرفيلد ومشاركة 45 عارضة سمراء

منظر لفيلا «شانيل»
منظر لفيلا «شانيل»
TT

الأزياء الراقية لربيع وصيف 2019... موسم يحتفل فيه المصممون بالاختلاف

منظر لفيلا «شانيل»
منظر لفيلا «شانيل»

إذا كنت من الذين يرون الكأس نصف ممتلئ فإن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، والمخاوف من عواقب الـ«بريكست» والخروج دون اتفاق، كانت لها تأثيرات إيجابية على الموضة إذا كان ما تابعناه في الأسبوع الماضي هو المعيار. فاللافت خلال أسبوع الأزياء الراقية بباريس لربيع وصيف 2019 أن الكل كان يشعر بأنه ليس هناك مجال للتهاون. كانت المنافسة على أشدها بين بيوت الأزياء العالمية والمصممين لتقديم الجديد والفريد. فقد أدركوا أن الأسواق، التي كانت إلى عهد قريب، واعدة شجعتهم على التوسع فيها، تعرف حاليا تباطؤا وتقلصا، الأمر الذي يعني شيئا واحدا وهو أن البقاء سيكون للأقوى والمتميز فقط، وهذا ما كان ملموسا فيما تم اقتراحه. فبعد مواسم باردة لعب فيها أغلبهم على المضمون، استجمعوا كل طاقاتهم الإبداعية وقدموا أزياء لم تكن متعة للعين فحسب بل قابلة لتكون استثمارا على المدى البعيد. من عرض ستيفان رولان، الذي يمكن القول بأنه كان من أفضل ما قدمه منذ سنوات إلى عرض «أليكسي مابيل» الذي أكد فيه نُضجا فنيا، مرورا بالكبار من أمثال «ديور»، «شانيل» و«فالنتينو» وطبعا إيلي صعب و«رالف أند روسو» وغيرهم، يمكن القول بأن الطبق كان متوازنا وصحيا. صحيح أنهم لعبوا على المضمون، من ناحية تقديمهم لما يروق لامرأة عصرية، إلا أنهم أيضا جددوا أنفسهم وأعادوا لنا حلم أيام زمان، كل بلغته وأدواته الخاصة مع بعض الرسائل المبطنة تحت عشرات الأمتار من الأقمشة والتطريزات التي سهرت على تنفيذها الأنامل الناعمة لآلاف الساعات. بيير باولو بيكيولي، مصمم دار «فالنتينو» الذي كان نجم الأسبوع بلا منازع لخص الأمر بقوله بأن «الهوت كوتير تعني الحلم والفانتازيا، هي أيضا التعبير عن الفردية، وهذا يعني التنوع... إنها ليست رسالة سياسية تكتبها على «تي_شيرت» وليست ملابس «سبور» أو مستقاة من ثقافة الشارع... إنها كيف تتعامل مع العالم ومن أي زاوية تنظر إلى الأمور». من هذا المنظور كانت هناك الكثير من الرسائل، ربما تكون سياسية أو اجتماعية، لكنها لم تكن مكتوبة بالبنط العريض باستثناء الثنائي «فكتور أند رولف» اللذين قدما مجموعة كتبا عليها رسائل طريفة. أما الباقون فاكتفوا بالإيحاءات المبطنة، بمن فيهم ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة «ديور» التي عودتنا على رسائلها النسوية المكتوبة إما على «تي_شيرتات» أو على إكسسوارات. ما تستنجه من هذه العروض أن أغلب المصممين توصلوا إلى أن الأولوية يجب أن تكون لتصاميم تخدم المرأة من دون أن ينسوا تلك الرؤية الفنية التي كانت ولا تزال جزءا لا يتجزأ في أزياء الـ«هوت كوتير» تحديدا. فلا بأس أن يستلهموا من فنون العمارة أو الرسم والنحت وما شابه، ما دامت لا تعيق الحركة وتتيح استعمالها بمرونة. فالمرأة تريدها فريدة من نوعها حتى تتألق فيها لكنها في الوقت ذاته تريدها مريحة.
وبما أننا في زمن أصبحت تتحكم فيه وسائل التواصل الاجتماعي، شاء البعض أم أبى، فإن العروض أصبحت تتطلب الكثير من البهارات حتى يحضر عنصر الإبهار وتأتي الصورة مثيرة. فالأزياء، مهما كان جمالها، تحتاج إلى خلفية مناسبة. أمر باتت بيوت الأزياء تعرفه وتُلبيه، بدليل أن العديد من العروض أصبحت تقام في معالم أثرية أو متاحف تتغير معالمها بديكورات تُجسد رؤية المصمم، كما كان الحال في متحف «لورودان» المقر شبه الرسمي لعروض دار «ديور» منذ سنوات. كانت القاعة المنصوبة في حديقته الشاسعة تبدو كالمعتاد مجرد قاعة ضخمة، لكن ما إن تدخلها حتى تُداهمك رائحة الخشب ومنظر الأعمدة في كل مكان. بعد أن تتعود العين على ظلمة المكان، نفهم أننا على موعد مع سيرك «ديور». لا نستغرب هذا الاختيار بقدر ما نتحمس له، لأنه يُذكرنا بأن السيد كريستيان ديور كان يحب الذهاب إلى السيرك في فصل الشتاء، وهو ما التقطته كاميرا ريتشارد أفيدون، في عام 1955 في صورة تحمل عنوان «دوفيما مع الفيلة». في نفس العام، أي 1955. عرض التلفزيون البريطاني، وبمناسبة عرض أقامته الدار في فندق «سافوي» بلندن، تقريراً مصوراً يحمل عنوان «سيرك ديور». لهذا ليس غريبا أن تكون هذه النقطة هي التي انطلقت منها المصممة ماريا غراتسيا تشيوري هذا الموسم، مبررة ذلك بقولها بأن أكثر ما شدها في ثقافة السيرك أنه يحتضن الاختلاف بكل أشكاله وألوانه «هناك مساواة لا تتحكم فيها معايير الجمال ولا تُلقي بالا للجنس أو العمر أو الأصل... هناك تركيز فقط على المهارة والتقنية».
وهذا ما جسدته في مجموعة متنوعة تتقفى تاريخ السيرك إلى حد ما، مثل مجموعة بتطريزات تبدو وكأنها وشوم تغطي الجسد، قالت بأنها استلهمتها من بشرة المرأة لتُذكرنا بسيرك الحقبة الفيكتورية. أما ألوان البودرة التي تتماهى وتمتزج ضمن لوحة ألوان لا متناهية فكانت ترمز إلى التهالك والغبار الذي يغطّي ملابس المسارح، بينما يرمز الأبيض والأسود بالبهلوانات والمروّضين والفرسان. بيد أن التفصيل والتفاصيل الراقية كانت أبعد ما تكون عن التهريج، بما في ذلك البنطلونات المشدودة عند الكاحل أو الركبة، التي قد لا تناسب كل النساء، لكن المصممة نجحت في طرحها من خلال إطلالة أنيقة بعد أن نسقتها مع قمصان بيضاء شفافة ذات ياقات عالية أو زينتها بشرائط. كانت هناك أيضا «كورسيهات» من الجلد، وكنزات وقمصان مقلّمة وفساتين سهرة طويلة من التول بتطريزات وخطوط أنثوية تستحضر مرونة راقصات الباليه. كعادتها تلاعبت المصممة أيضا على الذكوري والأنثوي من خلال مزجها الخامات والتصاميم المتناقضة مع بعض. التول والأورغنزا مثلا مع الجلد، والفساتين المنسابة مع كورسيهات تشد الخصر لتحدده وتخفف من نعومة الفستان.
كان مهما بالنسبة لماريا غراتزيا أن تأتي «كل إطلالة بشخصية مختلفة، تماما مثل شخصيات السيرك... شجاعة، مرحة، سعيدة وحزينة» حسب قولها، مضيفة: «السيرك عالم قائم بذاته. إنه يمر من مدينة إلى أخرى، وفي كل مرة يرتجل وتتغير بعض تفاصيله، مثل الموضة».
لكن لا بد من الإشارة إلى أن المصممة التي التحقت بدار «ديور» في عام 2016 كأول امرأة منذ تأسيسها، لم تنس أنها دخلتها وهي تحمل راية حركة نسوية جريئة عبرت عنها من خلال تعاونها الدائم مع كاتبات وموسيقيات ومخرجات ومصورات وفارسات. لم يختلف الأمر هذه المرة أيضا، حيث استعانت بفرقة سيرك «لامامبر» البريطانية المكونة كاملة من نساء.

شانيل
كان غياب المصمم كارل لاغرفيلد لافتا في عرض «شانيل». السبب أنه كان متعبا. ورغم أن لا أحد لامه على هذا الغياب، فهو في عُمر يحتاج فيه إلى أخذ الأمور ببساطة كما أن الطقس كان مُثلجا في ذلك اليوم، إلا أن غيابه فتح الباب للكثير من التأويلات. فقد كانت هذه المرة الأولى التي يتغيب فيها منذ التحاقه بالدار في عام 1983.
لكن رغم غيابه لم تغب لمساته السحرية في تشكيلة عرضها في «لوغران باليه». كالعادة كان الديكور مبهرا يتحدى الطقس والواقع. فبينما كان الثلج يتساقط على قبة المتحف في الخارج، كانت الصورة بالداخل مختلفة بفضل الإضاءة الاصطناعية التي أعطت الانطباع بأننا في يوم مشمس من أيام الصيف وبأننا في فيلا تقع على ربوة عالية، بسلالم تؤدي إلى حديقة غناء يتوسطها مسبح. على جوانبها تم زرع أشجار النخيل والميموزا والليمون وممشى مغطى بالحصى. فيلا شانيل كما تمت تسميتها في بطاقة الدعوة ليست مكانا خياليا. فهي مستوحاة من «لافيجي» وهي فيلا في مونت كارلو كان المصمم يقضي فيها إجازاته الصيفية في الثمانينات.
لم تعكس الأزياء أجواء الصيف بالكامل. فقد كانت تبدو سميكة من بعيد يمكن أن تناسب كل المواسم، عاد فيها المصمم إلى القرن الـ18 وهي حقبة يعشقها ويعود إليها في الكثير من الأحيان. وعلى ما يبدو فإن الفكرة انبثقت بعد زيارة إلى معرض يقام حاليا في متحف بمنطقة «لوماريه» في الجادة الـ4 بعنوان «أقمشة مترفة: تجار ميرسر باريس القرن الـ18». يركز المعرض على التجار الفرنسيين الذين كانوا يستوردون الأقمشة والأشرطة الحريرية والإطارات الذهبية وما شابه من منتجات كان التجار يجلبونها للطبقات المخملية في ذلك العهد، من بينهم مدام بومبادور التي كانت معروفة بأناقتها وحبها للترف والورود. كان حبها هذا يمتد للأدوات المنزلية، بحيث لا بد أن نذكر أن الفضل في فتح مصنع البورسلين الفرنسي في ليموج يعود إليها، بعد أن أعجبت بمنتجات الشركة الألمانية مايسن وطلبت أن يكون لفرنسا شيء مماثل.
بدوره جند كارل لاغرفيلد كل الورشات التي تنضوي تحت أجنحة «شانيل» لصنع أزهار وورود من الريش أو الدانتيل، أو لتلوين الخرز باليد، وغيرها من التفاصيل التي زينت الأورغنزا والموسلين والدانتيل والحرير وطبعا التويد، في تصاميم تتميز بطبقات وطيات تستحضر فن الأوريغامي. افتتح العرض بمجموعة من تايورات التويد بتنورات تغطي نصف الساق، أتبعها بمجموعة من جاكيتات «البوليرو» سرعان ما اختفت لتحل محلها جاكيتات مفصلة تستقي خطوطها من جاكيت الدار الأيقوني، إلى جانب فساتين من الدانتيل تميل إلى الاستدارة بعض الشيء، بحيث تبدو وكأنها سلة مليئة بالأزهار. كان الانطباع رائعا يُرسل قشعريرة في الجسم أحيانا، تحار إن كانت بسبب البرد القارس في ذلك اليوم أم بسبب تأثير الإطلالات المتتالية. لكن هذا لا يعني أن كل الأحجام والأشكال كانت موفقة، فبعضها كان غريبا إلى حد القول بأن البعض قد يراه «دقة قديمة» لولا سحر اسم «شانيل» المتمثل في رموزه الأيقونية مثل الجاكيت الكلاسيكي والتويد. القطع المفصلة، مثلا، ركزت على الأكتاف المحددة في الجاكيتات وعلى التفصيل المحسوب في التنورات المستقيمة حتى الركبة لتتفتح من تحت بشكل أو بآخر، مثل تنورة مستقيمة تتفرع من تحت على شكل بليسيهات، أو فستان بسيط تظهر على جوانبه كشاكش من الريش أو طية تُلف عند الركبة نحو الخصر لتخلق طبقتين تُغلفان تطريزات جيدة أنيقة. كان هناك تلاعب بالأحجام لكن بنسبة أقل بكثير من عروض جيامباتستا فالي، «فالنتينو» أو أليكسي مابيل مثلا.
في نهاية العرض وبعد ظهور عروس «شانيل» التي استعاضت عن الفستان التقليدي بملابس بحر، تهادت العارضات من دون كارل لاغرفيلد. بدا الأمر غريبا وكأنه نهاية حقبة، لأنه تعود أن يحيي الحضور في نهاية كل عرض. في المقابل أرسلت الدار مكانه فيرجينا فييار، رئيسة مشغله ويده اليمنى التي بدأت تظهر معه في العروض السابقة، فيما اعتبره البعض تمهيدا لتسليمها المشغل بعده.

رالف أند روسو
في عرض «رالف أند روسو» لم تختلف الصورة كثيرا عما تم تقديمه طوال الأسبوع. كانت هناك رغبة في نيل الرضا بكل الأشكال والوسائل. كانت فرقة موسيقية مكسيكية في استقبال الحضور، وهو ما فسرته المصممة تامارا رالف فيما بعد على أنه كان تماشيا مع ملهمة هذه التشكيلة، ماريا فيلكس، أشهر ممثلة ومغنية مكسيكية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي. كانت نجمة عاطفية وتتمتع بكاريزما عالية حسب قولها «كانت أيضا أنيقة رغم أنها لم تأخذ الموضة محمل الجد، وهذا ما أردته في هذه التشكيلة: أن تكون مرحة تعكس الجمال الأميركي اللاتيني». ما إن بدأ العرض حتى توارت صورة الفرقة الموسيقية عن الأذهان، ومعها تبدد الخوف من أن تكون التشكيلة فولكلورية. كانت أول إطلالة على شكل تايور ببنطلون مفصل على الجسم من صوف الكريب مزين بالكريستال وخيوط الذهب. العنصر المكسيكي الوحيد فيها كان القبعة الواسعة التي غطت رأس العارضة، وكان واضحا أن الهدف منها هو خلق بعض الدراما لا أقل ولا أكثر. توالت الإطلالات، التي تؤكد أن الدار وبعد أن رسخت مكانتها بين الكبار لا تريد أن تتنازل عن هذه المكانة مهما كان. فقد وجدت المصممة وصفة ناجحة لا تحيد عنها، وتتمثل في تقديم طبق متنوع يضمن لها مخاطبة كل نساء العالم، بغض النظر عن ثقافتهن. المهم أن تكون لهن الإمكانيات العالية والرغبة في التألق. مكمن قوة الدار أيضا هي أن المصممة تأخذ من كل بستان زهرة، بمعنى أنها تدرس ما تريده المرأة من الموضة، فتطرحه لها بلمسات جمالية راقية. جرعة الأناقة والثقة هذا الموسم زادت وتجسدت في استعمالها السخي للريش الذي زين مجموعة من قفاطين الشيفون الخفيفة، ولكريات صغيرة تدلت من فساتين كوكتيل من الدانتيل. الأسود كان قليلا مقارنة بالألوان الفاتحة، أما الجرأة، أو بالأحرى الشقاوة، فتمثلت في فستان سهرة باللون الأبيض طرزت عليه باقة من الموز وكأنها تذكرنا بجُرأة ملهمتها، ماريا فيلكس. كان واضحا أن تامارا حرصت أن لا تقع في مطب الفولكلور لهذا ركزت على التصاميم الهوليوودية بخطوطها الكلاسيكية بينما اكتفت بالسفر بنا إلى المكسيك من خلال بعض التفاصيل والألوان الزاهية وقبعات السومبريرو.

أليكسي مابيل
في نفس اليوم المثلج، قدم أليكسي مابيل تشكيلة كل ما فيها يقول بأنه بلغ مرحلة النضج. العنوان الذي اختاره لتشكيلته كان «دفقة قوس قزح» نظرا لألوانها الزاهية التي امتدت أيضا إلى الماكياج. خلف الكواليس قال المصمم بأنه تخيل فتاة تحاول أن تشم باقة من الورد، الأمر الذي انعكس على أطواق الورد في تسريحات الشعر وألوان الماكياج المتفتحة بألوان الورود. وأضاف: «إنه قوس قزح بكل المقاييس... يجسد حرية الألوان وحرية التعبير في الوقت ذاته». كان لكل لون، من الفيروزي والمرجاني إلى الوردي والأخضر وغيرها شخصيته التي يستمدها من عُمق درجته. فالأزرق الغامق مثل صبغ جاكيت مُفصل لامرأة ناضجة أو سيدة أعمال شابة بينما الفوشيا طبع فساتين أكثر حيوية وديناميكية. لكن الألوان لم تكن وحدها مركز الجذب والاهتمام، فالخطوط والأحجام كانت تضاهيها أهمية، مثل فستان بلون زهر الأقحوان بحزام معقود على شكل فيونكة، وآخر بلون الفاونيا تظهر منه كشاكش من التول على شكل قفص وآخر ينسدل من الظهر إلى الأرض بسخاء وتظهر من جوانبه فيونكات أنيقة يعتبرها البعض لصيقة بأسلوبه. إضافة إلى تركيزه على الأحجام والألوان انتبه أيضا إلى التفاصيل لا سيما في الأكمام المبتكرة، والتي يبدو أنها ستلعب دورا مهما في الموسم المقبل. في آخر العرض أرسل المصمم ثلاثة فساتين باللون الأبيض أنكر أن يكون قصده منها التودد للعرائس. فهي برأيه فساتين لكل المناسبات وإن كان غرضه منه أن تُلفت الانتباه في أي مناسبة حسب قوله مؤكدا أن هدفه هو أن يجعل المرأة لافتة للأنظار لكن في الوقت ذاته أن يمنحها الثقة.

ستيفان رولان
ستيفان رولان أكد أنه فهم أخيرا أن الجانب التسويقي، بمعنى التجاري، في أهمية الفني وبالتالي لا يمكن التمرد عليه. شغفه بالفن، وتحديدا فن العمارة جعله في السابق يُركز على الإبداع والابتكار أولا وأخيرا متناسيا أن الزمن لم يعد هو الزمن، وأن الراحل إيف سان لوران تقاعد لهذا السبب تحديدا لأنه فهم أنه لن يتمكن من تغيير وضع لم يُعجبه. لحسن الحظ أن ستيفان رولان لم يُحبط بقدر ما فهم الدرس وعمل على تحقيق المعادلة الصعبة بين رؤية ما يتوق له وما يتطلبه السوق. الدليل أنه قدم تشكيلة يمكن القول بأنها من أجمل ما قدمه منذ سنوات. عاد فيها حسب قوله إلى بداية القرن العشرين، الحقبة التي شهدت الكثير من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، مثل تحرير المرأة، إضافة إلى طفرة فنية أثمرت على فن الآرت ديكو. كل هذا ترجمه من خلال أزياء لم يتخل فيها عن الفنية في الخطوط والتفاصيل لكنه طعمها بمرونة وانسيابية تجعلها قابلة لكل المناسبات ولكل نساء العالم. ومع ذلك لم يخف المصمم تحسره على بعض التغيرات التي تدفع البعض للمجاراة ملقيا اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي «لم تعد هناك حرية تفكير كما كان عليه الأمر سابقا. في المقابل هناك تبعية لا تُصدق، وما علينا سوى مراقبة الناس في الشارع لنتأكد أننا نتبع بعضنا البعض... نتبع توجهات الموضة، المدونات والأنفلوونسرز عوض أن يكون لكل واحد منا أسلوبه الخاص بعيدا عن إملاءات الغير».
بدأ عرضه بإطلالة بالأبيض، عصرية تضج بالأناقة تتكون من قميص شفاف يزين الريش حواشي أكمامه مع بنطلون واسع ومعطف طويل وعمامة قال المصمم بأنها تلقي تحية للراقصة إيسادورا دانكان. اللمسة الشرقية ظهرت في فستان طويل بفتحة أمامية مزينة بسيلكيون بلوني الذهب والبرونز وتطريزات بألوان المرجان والورد وفي الإيشاربات التي زينت رؤوس معظم العارضات.
مثل الأغلبية هذا الموسم، تلاعب ستيفان بالأحجام، وإن كانت أكثر توازنا وانسدالا من غيره. بيد أنه لم يتخل عن الدراما تماما، فقد ظهرت في فستان من الحرير بأكمام شفافة منفوخة بشكل كبير وياقة مزينة بالكريستال بطبعات يتماوج فيها البني مع الأصفر والأبيض، قال المصمم بأنه استلهمها من لوحة للمعماري الصيني، سونغ دونغ، الذي يعمل معه حاليا على مشروع يدور حول إصدار منتجات عضوية. إضافة إلى خفة التشكيلة ومرونتها، كانت التشكيلة تعبق بروح باريسية أكد فيها المصمم قدرته على مزج الألوان مع بعض. بيد أنه حرص أن لا تكون صارخة بالتناقضات، بحيث اكتفى بمزج لونين مع بعض باستثناء استعماله ألوانا أكثر في التطريزات.

جون بول غوتييه
أما بالنسبة لجون بول غوتييه، فإنه ومنذ أن تخلى عن خط الأزياء الجاهزة وهو يصب كل طاقته وشقاوته المعروفة على خط الـ«هوت كوتير» وبالنتيجة يُتحفنا بالغريب والعجيب. في عرضه لربيع وصيف 2019 تراجعت التصاميم والألوان المستوحاة من عالم البحارة التي أصبحت لصيقة بأسلوبه ولم تختف فكرتها. فعوض أن يُسهب في الخطوط المقلمة وألوان الأبيض والأزرق وما شابه من أمور أخذنا في رحلة بحرية مر بها على عدة بلدان دافئة قبل أن يحط الرحال في اليابان. قدم فساتين بكل الأشكال، إلى جانب جاكيتات درامية عند الأكتاف، وطبعا الكثير من القطع المستوحاة من فتيات الغيشا. الكورسيه الذي اشتهر به كان أيضا حاضرا إلى جانب حزام الأوبي العريض، لكن أكثر ما أثار الانتباه هي الأكمام التي كانت فيها بعض المبالغة المسرحية، وهو ما يمكن اعتباره طبيعيا بحكم أن غوتييه هو مصمم ملابس المسرحية الموسيقية الراقصة «فاشن فريك شو» التي تعرض حاليا في «لي فولي بيرجير» بباريس، وتعرف نجاحا كبيرا استدعى تمديد مدة العرض إلى شهر أبريل (نيسان) المقبل.
فمع كل إطلالة تقريبا، كانت تظهر شخصية مختلفة. مرة على شكل عارضة في ملابس راقصة كانكان، ومرة على شكل حورية بحر في فستان أزرق من التول بصدر مشدود وكأنه في قفص ومرة على شكل فتاة غيشا، وهكذا. وتجدر الإشارة إلى أنه استعان بعارضات يشاركن أيضا في المسرحية، مثل ديتا فون تيز وآنا كليفلاند التي أنهت العرض بفستان، من المفترض أن يكون فستان زفاف، مصنوع بالكامل من الورق. قدمته وهي تقوم بحركات راقصة تؤكد أن المصمم الشقي لا يزال يستمتع بالموضة من دون أن يأخذها بجدية. بيد أنه بتوجهه إلى اليابان والصين، فإنه يبرهن أنه لا يتجاهل أن هذه الأزياء للبيع وليست للمسرح، لا سيما أن التشكيلة بكل تقنياتها ورغم غرابتها ستروق للذائقة اليابانية بشكل كبير. فهو لم يستنسخ ثقافتهم بشكل حرفي بل أخذ منها مجرد عناصر تتماشى مع الأسلوب الباريسي الذي تتوق له الآسيويات ممن أصبح لهن دور كبير في إنعاش خط الـ«هوت كوتير».

فالنتينو
اختتم أسبوع الهوت كوتير لربيع وصيف 2019 بالدموع وشهقات الإعجاب. كان ذلك في عرض «فالنتينو»، الذي لم تتمالك فيه المغنية سيلين ديون نفسها، وبكت أمام الكل عندما بدأ العرض على نغمات أغنية سبق وغنتها لزوجها الراحل رينيه. أما شهقات الإعجاب فقد صدرت من كل الحضور، لأن مصممها بيكيولي أخذنا إلى أقصى مراحل الجمال والفنية. بعد العرض عانقته سيلين ديور قائلة «شكرا من القلب، لقد أعدت للمرأة الجمال»، وكانت على حق. فقد حملت تشكيلته الحضور إلى عالم من الخيال بألوانها الزاهية وأحجامها الضخمة وتطريزاتها السخية. لم تصدم العين أو تصيبها بالتخمة لأن نصف هذه التطريزات كان في البطانة أساسا أو يختفي تحت ستارة من القماش. لكن عرضه لم يكن عن الأزياء وحدها. كان أيضا رسالة راقية عن التنوع واحتضان الآخر، باستعانته بـ45 عارضة سوداء وسمراء، وهو عدد غير مسبوق خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن تشكيلته ضمت 65 قطعة، أي أن نسبة العارضات الشقراوات كانت أقل بكثير.
بعد العرض صرح بيكيولي بأنه استلهم الفكرة من صورة التقطها مصور الموضة المعروف سيسل بيتون في عام 1948 وتظهر فيها تسع عارضات، في أزياء فخمة للمصمم الراحل تشارلز جيمس. كل ما في الصورة كان يعبق بالجمال والفخامة، لكن لم تكن من بينهن ولا عارضة سوداء أو سمراء، الأمر الذي أثار انتباهه وحفيظته على حد سواء، وجعله يُصحح الأمر بصورة تواكب العصر من حيث ثقافتها وخطوطها. كانت هناك بالطبع أزياء للنهار لكن بما أن نسبة 70 في المائة الـ«هوت كوتير» تكون عن أزياء المساء والسهرة، فإنه لم يُقصر في هذا الجانب، وقدم مجموعة قد تكون متنوعة من حيث الألوان والتطريزات، لكنها تتقاسم الفخامة في كل جزئية منها.
ورغم أن بيكيولي صرح بأن أكثر ما يحبه في «الهوت كوتير» خفتها وتفردها وما تتيحه من فرصة لاختبار أفكار فنية جديدة، إلا أن ما لم يقله بلسانه وعبر عنه بالكشاكش والورود والدانتيل، أن تحت غطاء الفنية والحرفية، يسكن مصمم رومانسي يحترم الأنوثة ولا يبخل عليها بشيء. قدم مثلا فستانا احتاج إلى 236 مترا من القماش ليصوغ منه ورودا طرزها عليه، وآخر إلى 63 مترا ـ بينما استغرق تطريز فستان، بورود مصنوعة من الدانتيل، إلى 700 ساعة من العمل، وفستان بكشاكش ظهرت به العارضة كايا غيربر، من الأورغنزا والدانتيل إلى 1.050 ساعة. تفسيره كان «أن هذا ما تعنيه الهوت كوتير. كل ما في الأمر أنه عليك أن تنظر إليها من زاوية مختلفة» حتى تُبرز قدرات المصمم وفي الوقت ذاته تُبرر أسعارها التي تتعدى مئات الآلاف.

لقطات
الثمانينات
لا تزال هذه الحقبة مؤثرة في الموضة. ظهرت في عدة عروض على شكل أكتاف محددة وواضحة كما الحال في عروض «بالمان» وألكسندر فوتييه، كما ظهرت في البريق والجمع بين عدة إكسسوارات في إطلالة واحدة، والتسريحات المنفوخة.

إكسسوارات الشعر
طوق الشعر، الإيشاربات والقبعات رافقت تايورات مفصلة للنهار كما الفساتين الفخمة للسهرة والمساء. في عرض ستيفان رولان أخذت روحاً شرقية، وفي عرض أليكسي مابيل أخذت أسلوباً بوهيمياً يأخذنا إلى الستينات والسبعينات، حقبة الهيبيز.
- التايور المفصل كان حاضراً في عدة عروض. الفرق بينه في الماضي وهذا الموسم أن التفاصيل تغيرت فيما يخص الأكتاف والتنورات التي اكتسبت حيوية أكبر من خلال التفاصيل مثل البليسيهات أو الريش. في عرض «شانيل» مثلاً تأثرت باستدارة فساتين القرن 18.

النظارات الشمسية
كانت إكسسواراً مهماً في كثير من العروض، مثل عروض إيلي صعب وألكسندر فوتييه وغيرهما.
لم تكن عادية للحماية من أشعة الشمس فقط بل بأشكال مبالغ في أحجامها وألوانها أحياناً، كأنها تخاطب فتيات «إنستغرام»، بتصاميمها المستقبلية حيناً أو «فينتاج» حيناً آخر. في بعض الأحيان وصلت إلى مرحلة كاريكاتورية.

الماكياج
- إذا كانت التصاميم تتسم ببعض المبالغة فإن الماكياج كان على العكس، يميل إلى الطبيعي والطبيعة بألوان الورد.
لكن لا ينطبق هذا الأمر على كل العروض، فبعضها تفنن في تزيين العيون مثلما الحال في عرض «فالنتينو» التي ظهرت فيها العروض برموش طويلة من الريش وبتلات ورد في محيطها.
أما بالنسبة للتسريحات فكانت بسيطة ومرتبة، وفي حالات أخرى منفوخة تستحضر حقبة الثمانينات.



مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
TT

مصنع «لورو بيانا» الجديد للملابس المحبوكة... استثمار في البشر والحجر

تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)
تمر القطعة بعدة مراحل إنتاج تخضع فيها لاختبار كل التفاصيل والتأكد من جودتها ودقتها (لورو بيانا)

سيبقى يوم 18 من شهر سبتمبر (أيلول) 2026 تاريخياً بالنسبة لدار «لورو بيانا». ففي هذا اليوم افتتحت مركزها الجديد في «غيمي» بمنطقة بيدمونت الإيطالية، على بعد 45 دقيقة تقريباً من وسط ميلانو. وهو مركز متخصص في صناعة الملابس المحبوكة يجمع كل عمليات الدار تحت سقف واحد، بدءاً من البحث والتطوير ووصولاً إلى المنتجات النهائية، مروراً بمساحة متخصصة للتدريب ونقل المهارات إلى الأجيال المقبلة.

أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري وتراعي مفهوم الاستدامة بشكل جدي (لورو بيانا)

حضر الافتتاح فريديريك أرنو، الرئيس التنفيذي، وبير لويجي لورو بيانا، نائب رئيس مجلس الإدارة وأحد أفراد الجيل السادس من عائلة لورو بيانا، إلى جانب أدولفو أورسو، وزير الشركات و«صنع في إيطاليا».

وكما قال أرنو، في كلمة الافتتاح فإن «مصنع غيمي ليس مجرد منشأة جديدة، بل يمثل محطة استراتيجية مهمة تجمع بين تطوير أساليب التصنيع ودعم خططنا للنمو وتطلعاتنا على المدى الطويل».

أهم ما في هذه الخطوة أنها تجمع بين الاستثمار الصناعي والحفاظ على الحرفة وتطويرها وتأتي في وقت أصبحت فيه مسألة الاستمرارية أكثر إلحاحاً في صناعة الرفاهية عموماً والموضة خصوصاً.

يعد المشروع أكبر استثمار صناعي في تاريخ لورو بيانا لكنه أيضاً استثمار في الخبرة (لورو بيانا)

ما تشعر به خلال الجولة التي دعت فيها الدار الإيطالية «الشرق الأوسط» لمشاركتها هذا الحدث، إلى جانب باقة من الشخصيات ووسائل الإعلام، هو أن صناعة الرفاهية لم تعد محصورة في المُنتج ولا حتى في فرادة المكان والمعمار وحدها، فهناك عنصر أكثر أهمية، لا يمكن شراؤه بسهولة، ألا وهو الخبرة البشرية.

فالخيط يمكن الحصول عليه، والآلة يمكن تطويرها، والمبنى يمكن تصميمه، لكن معرفة كيفية التعامل مع مادة نادرة، وتحويلها إلى قطعة فخمة ومريحة، تحتاج إلى أشخاص وخبرة ووقت. فالحرفي لا يتعامل مع الخيط باعتباره مادة ثابتة، بل يفهم سلوكه ومدى مرونته خلال العمل. وتلك معرفة تتكون مع الوقت والممارسة، ولا يمكن اختصارها في مواصفات تقنية للآلة وحدها.

يتم اختبار الغرز والخيوط والبنية إلى جانب كل التفاصيل في كل مرحلة من الإنتاج (لورو بيانا)

من هذه الزاوية، يمثل المصنع الجديد استثماراً في المستقبل البشري بقدر ما هو استثمار في التصنيع. وهو وفق رؤية الدار البعيدة، محاولة لإبقاء الحرفة داخل المؤسسة، بتوثيقها وتعليمها، ثم نقلها إلى أشخاص قادرين على الإبقاء عليها لعقود، إن لم نقل قروناً.

استثمار في الحرفة

من الناحية الصناعية، يُمثِل المشروع أكبر استثمار لـ«لورو بيانا» حتى الآن. استغرق تطويره ثلاث سنوات، ويمتد على مساحة تزيد على 8 آلاف متر مربع. والهدف منه منذ البداية كان جمع المعرفة المتراكمة، والحرفية الإيطالية، والخبرة في التعامل مع المواد النادرة، ثم نقل هذه الخبرة إلى جيل جديد. في هذا السياق، يُوضِح أرنو، أن المركز سيضم خلال السنوات المقبلة نحو 300 شخص، في خطوة تعكس بحسبه «الاستثمار في الجيل التالي من الحرفيين والعاملين في هذا المجال». وأضاف: «غيمي لا يقدم نفسه بوصفه مجرد مصنع جديد، وإنَما يمثل محطة استراتيجية باعتباره جزءاً من الطريقة التي تريد الدار أن تبنى بها مستقبلها».

يتم إنتاج الجزء الأمامي والخلفي والأكمام والياقة والحواف بشكل منفصل ثم تبدأ مرحلة تجميع كل الأجزاء معاً (لورو بيانا)

كان من الممكن أن تُقوِي «لورو بيانا» حضورها وإيراداتها بزيادة عدد المتاجر أو طرح منتجات كثيرة، لكن الاستثمار هنا يتجه أولاً إلى ما تحتاجه للحفاظ على تميزها في عالم تشتد فيه المنافسة بين صناع الموضة، وذلك بخلق اكتفاء ذاتي في مهاراتها البشرية.

فالحرفيون هم من يُحوِلون الألياف النادرة إلى قطع نهائية، عبر عملية طويلة تجمع بين التكنولوجيا والحرفة، وبين الابتكار والتقاليد، وبين الدقة واللمسة الإنسانية. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه فريديريك أرنو منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي في يونيو (حزيران) 2025 خلفاً لدايمون برتراند، في تبنِي استراتيجية أوسع تستهدف نمواً مدروساً ومتدرِجاً.

المواد النادرة تحدد الإنتاج

ثم إن المواد التي تعتمد عليها الدار مثل صوف «Gift of Kings®» و«الفيكونا» لا تتوافر بكميات كبيرة أساساً، لهذا لا يمكن زيادة الإنتاج بسرعة.

تعتبر الألياف الطبيعية ونعومتها قوة بنت عليها الدار سمعتها عالمياً (لورو بيانا)

وكان برنار أرنو، الأب، ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة «إل في آم آش»، قد تحدث عن هذه المسألة خلال إعلان نتائج المجموعة لعام 2025، مشيراً إلى أن التحدي بالنسبة إلى «لورو بيانا» ليس تسريع النمو، وإنما الحفاظ على وتيرته ضمن حدود لا تؤثر في جودة المنتجات. وأضاف أن الدار لا تريد التوسع بسرعة كبيرة، بل إنها مستعدة للتدخل لكبح النمو عندما يصبح أسرع مما ينبغي، بهدف الحفاظ على مستوى الجودة الذي تقوم عليها العلامة.

هذه المقاربة تختلف عن نموذج التوسع السريع الذي يمكن أن تتبعه علامات الأزياء في قطاعات أخرى، هي أيضاً من الأفكار التي تظهر بوضوح خلال زيارة «غيمي». فما يبدو للوهلة الأولى استثماراً في مصنع لزيادة القدرة الإنتاجية، يتعلق في جانب أساسي منه بحماية الجودة والسيطرة على وتيرة النمو.

وصل أجزاء القطعة غرزة بغرزة عملية تحتاج إلى دقة ووقت عند التعامل مع خيوط رفيعة جداً (لورو بيانا)

ووفق ما تؤكد عليه الدار، فإن تحسين القدرة التصنيعية لا يعني بالضرورة إنتاج كميات ضخمة من كل منتج، وهو ما يرتبط بمفهوم الرفاهية التي تريد تسويقها للعالم. هذه الرفاهية يشعر بها المستهلك، ولا يلاحظها بسهولة، لأنها قد تكون مجرد غرزة محاكة بطريقة معينة، أو ملمس خيط فائق الدقة، أو طريقة التعامل مع الألياف الطبيعية أثناء تعرضها للحرارة والرطوبة. إضافة إلى ذلك، فإن بعض أنواع الصوف يتسم بألياف فائقة النعومة في علاقة حميمة بين المادة والتقنية. وخيط Royal Lightness أكبر مثال على ذلك.

فهو يجمع بين صوف ميرينو فائق النعومة وحرير Mulberry. وفيما يبلغ قطر ألياف الميرينو المستخدمة نحو 13.5 ميكرون، يبلغ سمك الحرير نحو 21 دينيراً، وهذا ما يجعل الخيط رفيعاً وناعماً للغاية، وفي الوقت ذاته، أكثر صعوبة في التعامل معه، إذ قد ينقطع بسهولة إذا لم يتم التحكم في عملية الحياكة بدرجة عالية من الدقة. وهنا تبرز أهمية تدريب الحرفيين، لأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.

هذه الأهمية هي التي ساهمت في إطلاق الدار لأكاديمية الحرف في عام 2015، وتقع حالياً في مبنى أبيض بسقف أحمر كان في الماضي منزل حارس الموقع، قبل أن يخضع للترميم ويصبح جزءاً من المشروع الجديد.

كل شيء في المصنع من نوعية الخشب إلى النوافذ والإضاءة تأخذ بعين الاعتبار راحة الحرفي ومعايير الاستدامة (لورو بيانا)

في هذا المكان، يتم التدريب على عدد من المهارات الأساسية في صناعة الملابس المحبوكة، مثل برمجة تصنيع الملابس، وتجميع القطع، والتشطيب اليدوي، وإصلاح القطع، إلى جانب مسارات تدريب وتطوير أخرى. وتكتسب الأكاديمية أهميتها في أنها لا تنقل المعرفة من خلال تعليم نظري، وإنما من خلال الممارسة والعمل إلى جانب أصحاب الخبرة.

مكان يهتم بالطبيعة والإنسان

هذا ويحمل موقع «غيمي» تاريخاً صناعياً طويلاً. فقد كان فيما مضى مصنعاً للورق ثم تحوّل إلى مصنع للقطن لأكثر من مائة عام. وفي عام 1987، استحوذت عليه لورو بيانا واستخدمته لاحقاً لغزل الصوف الممشط، وإنتاج خيوط لصناعة الأقمشة والملابس المحبوكة. ومع المشروع الجديد، أعيد تطوير الموقع مع الحفاظ على بعض عناصر القديمة، مثل برج المياه التاريخي ومنزل حارس العقار السابق، الذي تحوَل اليوم إلى مقر لأكاديمية الحرف.

تجري Loro Piana أبحاثاً واختبارات على الخيوط قبل استخدامها لتحديد الطريقة الأنسب لإظهار خصائصها (لورو بيانا)

يراعي تصميم متطلبات شهادة «LEED Gold»، ويضم نظماً لاستعادة مياه الأمطار، وألواحاً للطاقة الشمسية الكهروضوئية، إلى جانب أنظمة متقدّمة لإدارة الطاقة.

ويُصبح بذلك أول منشأة تصنيع تابعة للدار صُممت من دون استخدام الوقود الأحفوري. حتى النباتات والأشجار التي غُرست فيه تراعي عدم حاجتها إلى سقي مستمر، وبالتالي لا تستنزف المياه.

بينما تُتيح الواجهات الزجاجية الممتدة على مساحات واسعة بدخول أكبر قدر ممكن من ضوء النهار إلى المبنى، ما يحدّ من الحاجة إلى الإضاءة الاصطناعية، في حين يقوم نظام إضاءة ذكي بتعديل مستوى الإضاءة تلقائياً وفقاً للظروف وعدد الموجودين في المكان.

تظهر هذه الفكرة في المساحات المفتوحة، والحدائق، والساحات.

من الصوف إلى القطعة النهائية

تمثّل مرحلة المعاينة النهائية للتأكد من كل التفاصيل مرحلة مهمة في صناعة كل منتج (لورو بيانا)

داخل المصنع، مركز عمليات التنفيذ والإنتاج، تبدأ رحلة الملابس المحبوكة من مرحلة البحث والتطوير، وكل تصميم يبتكره قسم التصميم يمر بعدة مراحل. من الرسوم الأولية وتجارب الحياكة، إلى تطوير العينة واختبارها قبل انتقالها إلى المرحلة التالية من الإنتاج. بعد ذلك تبدأ البرمجة والحياكة بتطوير الغرز وبناء القطع اعتماداً على نظم التصميم بمساعدة الحاسوب (CAD) المتخصصة. وتُعد مرحلة تجميع الملابس مجالاً يجمع هو الآخر بين التخصص والعمل اليدوي، لتأتي المرحلة الأخيرة ألا وهي غسل الملابس وكيّها، وهما خطوتان أساسيتان للوصول إلى النعومة المطلوبة والحفاظ على شكل القطعة وثباتها وأبعادها.

أهمية التكنولوجيا لا تُقلِل من أهمية عين الإنسان وحرفيته اليدوية (لورو بيانا)

في نهاية الجولة، يصعب النظر إلى «غيمي» باعتباره مجرد مصنع ضخم. فالمشروع الذي يضع الإنسان في قلب هذه العملية ينظر إلى المستقبل ويستبق عصراً جديداً لصناعة الرفاهية، يتعامل مع التكنولوجيا كونها وسيلة للتطور والتطوير، لكن من دون إلغاء الجانب الإنساني الذي يحتاج إلى يد تُدير التكنولوجيا. أما قلبها النابض، فيبقى أولاً وأخيراً في أليافها الطبيعية التي قال رئيسها التنفيذي السابق داميان برتراند في لقاء خاص مع الشرق الأوسط إنها هي التي تجعل من «لورو بيانا» دار أزياء مختلفة عن غيرها. فإلى جانب تصاميمها التي لا تتبع موجات الموضة الموسمية، تتوجه بصوفها النادر للعارفين وأصحاب الذوق الرفيع لنُدرته وطرق غزله.


بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
TT

بعد غياب... «ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة لربيع وصيف 2027

لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)
لعب المصمم على الظلام والنور وعلى غرابة التي تتميز بها لندن (ماكوين)

كان قرار لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ»، بإعادة «ماكوين» للعرض في موطنها الأصلي بلندن، بعد غياب دام نحو 4 سنوات، قراراً موفقاً، أسعد عشاق الدار والمشرفين على أسبوع الموضة في لندن على حد سواء؛ ففي فوضى لندن، بكل ما فيها من تناقضات، شيء ينسجم تماماً مع روح الدار التي أسسها الراحل ألكسندر ماكوين، المعروف بـ«لي ماكوين». مديرها الإبداعي الحالي شون ماكغير عبَّر عن هذه العودة بأن المجموعة «احتفاء بقوة لندن التي لا تتوقف عن الإلهام وكسر المتعارف عليه»، مضيفاً أن «(ماكوين) دار وُلدت في لندن، وأن موقف المدينة من الابتكار الذي لا يُساوم وروحها المتمردة يقعان في صميمها».

لمسات الدار الإبداعية تظهر واضحة في التفاصيل الدقيقة (ماكوين)

وتأتي عودة «ماكوين» إلى لندن في وقت تشهد فيه الدار إعادة ترتيب على المستوى الإداري والتجاري؛ ففي يونيو (حزيران)، عُيّن جيانفرانكو داتيس رئيساً تنفيذياً، بعد أن شغل سابقاً منصباً قيادياً في برادا، وكُلّف بتحسين الأداء المالي للدار وتعزيز موقعها في السوق. كما يأتي في وقت تحتاج فيه لندن إلى دعم من كل أبنائها لكي تستعيد بريقها، وهو ما عبَّر عنه عمدة المدينة، صادق خان، بحضوره العرض، ولورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء، بتصريحها بأن العرض جزء من مسعى أوسع لإعادة دور أزياء بريطانية المولد مثل «ماكوين» و«مالبيري» إلى برنامجها الرسمي.

ظهرت بدلات ماكوين بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية (ماكوين)

عرض يستحضر الجذور

قدمت «ماكوين» عرضها لربيع وصيف 2027، في القبو السفلي لكنيسة لينكولن إن، وهي قاعة تعود إلى القرن السابع عشر، تحمل أرضيتها الحجرية أسماء رجال استخبارات ومحامين ووعاظ رحلوا منذ زمن، ودُفنت عظامهم تحتها، بينما ارتفع سقف قوطي بأقبية على شكل نجوم، في مشهد لافت بجماله.

وبعد أن أخذ المدعوون أماكنهم على المقاعد الخشبية البسيطة، وانطلقت موسيقى فرقة «شارد فويسز»، بدأ العرض مستحضراً روح «لي ماكوين» العالقة بين الظلام والنور؛ فمن خلال مجموعته الجديدة، قدّم شون ماكغير رؤيته الخاصة لإرث ماكوين، مستلهماً حرية لندن وتناقضاتها، ومستعيداً، في الوقت نفسه، شيئاً من روح ألكسندر ماكوين نفسه. ويختصر المصمم هذه الرؤية بقوله: «الأمر كله يتعلق بتصادم الأشياء».

الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإبداع في دار ماكوين، كذلك اللون الأسود (ماكوين)

كان هذا أول عرض يقدمه شون ماكغير لـ«ماكوين» في لندن، منذ توليه قيادة الدار. وقد جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة، حيث حاول الجمع بين عالمين متباعدين في رؤيته لـ«ماكوين»: القداسة ذات الطابع الكلاسيكي الجديد، والجانب الأكثر انفلاتاً وارتباطاً بكسر التقاليد. واستند في الطرف الأول إلى لوحة «معمودية المسيح» لبييرو ديلا فرانشيسكا، التي أثارت اهتمامه بشدة عندما كان طالباً وصل حديثاً إلى لندن، بينما استمد الطرف الآخر من حفلات النوادي الليلية التي تقام في الأقبية تحت الأرض.

تم تفصيل البدلات بمعايير «سافيل رو» وهانتسمان التي تتعامل معها الدار منذ سنوات (ماكوين)

ظهرت بدلات «ماكوين» بأكتاف مغلقة صُممت لتشبه أجنحة الملائكة المطوية، تحت تسريحات شعر ذات قمتين، استوحيت من مظهر كيث فلينت، الموسيقي البريطاني المعروف بشخصيته المسرحية الصاخبة وشعره الملون والمصفف بطريقة حادة وفريدة من نوعها. وضمت المجموعة 3 إطلالات رجالية صُممت خصيصاً بالتعاون مع هانتسمان في سافيل رو، الذي كان يتولى تفصيل ملابس لي ماكوين نفسه وتعاملت معه الدار تقليداً. استخدمت في هذه الإطلالات أقمشة صوف بريطانية تقليدية، مع أكتاف مبالغ في حجمها وخصور مرتفعة وضيقة، لتعيد تقاليد الخياطة البريطانية إلى جانب النسب الطويلة والممتدة التي اعتمدها ماكغير.

بدت تداخلات الألوان في فساتين زُيّنت بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة (ماكوين)

طال هذا التناقض الفساتين التي تم تصميمها بأسلوب كلاسيكي وفخم فقط ليكسر المصمم أناقتها بإضافة لمسات فوضوية تتأرجح بين الغرابة والجرأة. من بينها أحزمة صممها شون لين، أحد المتعاونين الأوائل مع «ماكوين»، وأشكال مشوهة من أقمشة مطاطية امتدت فوق صدور فساتين الساتان اللامع، إلى جانب كورسيهات مفتوحة من الخلف تتجاوز خط الكتفين.

طال التناقض فساتين كلاسيكية وفخمة تعمّد المصمم كسر أناقتها بلمسات فوضوية لم تؤثر في جمالها (ماكوين)

أما تداخلات الألوان فبدت كأنها تستعيد أثر أضواء ليلة صاخبة على العين. وكان من أبرز القطع فستان مكوّن من جماجم معدنية مترابطة، مطرزة يدوياً، بحيث بدت كل جمجمة مختلفة عن الأخرى.

وزُيّنت بعض القطع بأوراق معدنية متناثرة بلا انتظام، وكأن الريح حملتها وأسقطتها فوق البدلات والفساتين. ودفع استخدام الشبك والجلد المثقب والسراويل والتنانير الرياضية المحبوكة ذات الحواف الملونة المجموعة أكثر نحو أزياء حفلات الـ«رايف» الصاخبة. أما أقمشة الجاكار، فغُيّمت نقوشها وتداخلت طبقاتها وتشوّهت تفاصيلها إلى درجة بدت معها على حافة فقدان تماسكها.

ظهرت هذه التناقضات أيضاً في خامات من التول الشفاف بدرجات دخانية وأورغانزا عاكسة للضوء، إلى جانب لوحة ألوان مستوحاة من البورتريهات الدينية وتفاصيل زهرية دقيقة.

جمع العرض بين أزياء النساء والرجال، متنقلاً بين الإشارات الدينية وثقافة التمرد للمدينة (ماكوين(

وفي الجانب الأكثر رقة من المجموعة، ظهرت طبعات زهرية بألوان متوهجة على الأورغانزا، بينما امتدت تطريزات دقيقة ونقوش جاكار مستوحاة من الليل إلى أقمشة شفافة. وجاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الخفيفة. ويبدو مما قدمه ماكغير أنه يعرف أن الظلام كان دائماً مصدراً مهماً للإلهام والإبداع في دار «ماكوين». لكن الفرق بينه وبين لي ماكوين أنه يستعمل هذا الظلام لغاية فنية بينما كان المؤسس يعيشه سوداويته بشكل شخصي. ماكغير عبَّر عن ذلك قائلاً: «يمكنك أن تتحدث عن الأشياء المظلمة، ويمكنك أن تدخلها في عملك، لكن لا تدعها تدخل حياتك. عليك أن تستمتع بوقتك». كانت ترجمته لهذه الفكرة واضحة من خلال تحرَك المجموعة بين الظلال، بحثاً عن لحظة من النشوة.

جاء الساتان المطلي بسطحه الأكثر صلابة ليشكل تبايناً مع هذه الخامات الشفافة (ماكوين)

وهذا ما يُحسب لشون ماكغير في هذه المجموعة، أنه لم يحاول ترويض جنون لي ماكوين بقدر ما أعاد ضبطه، محتفظاً بتوتره وحدّته من دون الوقوع في محاكاته. أخذ عذابات لي ماكوين ومخاوفه وتناقضاته، وحوّلها من مصدر للاضطراب إلى مادة للإبداع، ومن الألم إلى لغة جديدة تتميز بها الدار اليوم.


داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
TT

داريو فيتالي مديراً إبداعياً لـ«إمبوريو أرماني»

داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)
داريو فيتالي (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

خرج المصمم الإيطالي داريو فيتالي من دار «فيرساتشي» بعد مجموعة واحدة. والآن عُيّن مديراً إبداعياً لخط «إمبوريو أرماني»، ومشرفاً على إكسسوارات «جورجيو أرماني»؛ مما يمنحه موطئ قدم أيضاً في قلب الخط الرئيسي والأهم.

ويُعدّ تعيينه أول تغيير كبير في القيادة الإبداعية لإمبراطورية «جورجيو أرماني» منذ تأسيسها عام 1975.

فقد ظل جورجيو أرماني يشرف شخصياً على التصميم والتنسيق والتوجيه الفني في مختلف أعماله حتى وفاته في سبتمبر (أيلول) 2025. ومنذ ذلك الحين، يتولى عدد من معاونيه وأفراد من عائلته، بينهم سيلفانا أرماني، رئيسة قسم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، المسؤول عن الأزياء الرجالية، إدارة استوديوهات الشركة، في محاولة للحفاظ على استمرارية أعمال تبلغ قيمتها ملياري يورو.

من هو داريو فيتالي؟

داريو فيتالي... تجربة طويلة قبل دخوله «إمبوريو أرماني» (تصوير: جانيت مونتغومري بارون)

قبل «أرماني» و«فيرساتشي»، أمضى فيتالي 14 عاماً خلف الكواليس في «ميوميو»، حيث انتهى به الأمر إلى تولي منصب مدير التصميم والصورة للعلامة. وجاء رحيله عن «فيرساتشي» في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، بعد يومين من إتمام «برادا» استحواذها على دار الأزياء الإيطالية مقابل 1.25 مليار يورو.

قدّم مجموعة واحدة فقط، في ديسمبر الماضي، تضمنت تصاميم مرحة تتحدى القوالب التقليدية بألوانها الزاهية وتنسيقاتها المتعددة الطبقات؛ الأمر الذي أبعد «فيرساتشي» عن عنصر الإغراء الذي ارتبط بها وأعطى الأمل في عهد جديد.

وهذا ما صرّحت به سيلفانا أرماني، رئيسة تصميم الأزياء النسائية، وليو ديل أوركو، رئيس تصميم الأزياء الرجالية في «مجموعة أرماني» بالقول إن «إمبوريو أرماني» أكثر من مجرد خط أزياء؛ «إنها كيان نرتبط به بعمق، فقد تابعنا رحلتها وشاركنا فيها منذ بدايتها». ويضيفان أن تعيين فيتالي مهم جد؛ لأن المتوقع منه أن يُعبّر عن روحها باحترام وأصالة وفي الوقت نفسه ضخ دم جديد فيها، لا سيما أنه سيتمتع بمساحة شاسعة من الحرية للتجريب والابتكار.

«إمبوريو أرماني»... الخط الأصغر

يخاطب الخط عشاق الموضة ممن يتوقون لبصمات «أرماني» في التفصيل والدقة (إمبوريو أرماني)

تأسست «إمبوريو أرماني» عام 1981 لتقديم نسخة أعلى شباباً وعفوية، وأدنى مرتبة من خط الرفاهية الرئيسي؛ «جورجيو أرماني»، وبالتالي تستهدف قاعدة أوسع من عشاق الموضة. وقد توسعت لتضم بعض خطوط الشركة المتوسطة، بينها «أرماني جينز» و«أرماني كوليزوني»، بعد إعادة الهيكلة التي أجرتها الشركة عام 2017. ويأتي تعيين المصمم في وقت يواجه فيه هذا الخط ضغوطاً تجارية وحاجة إلى هوية أعلى تميزاً.

لكن اعتماد «إمبوريو» بدرجة أكبر على المنتجات ذات الأسعار الأدنى، إلى جانب شبكة توزيع تعتمد إلى حد كبير على المتاجر متعددة الأقسام ومتاجر الأزياء الرجالية الصغيرة التي تبيع علامات عدة، جعلها أكبر تعرضاً للضغوط التي أصابت القطاع المتوسط من سوق الموضة في السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها تراجع تجارة الجملة.

يتميز خط «إمبوريو أرماني» بالأناقة والتفصيل الإيطالي رغم سعره الأدنى من الخط الرئيسي (إمبوريو أرماني)

وخلال السنوات الأخيرة، حاولت الشركة إعادة «إمبوريو» إلى القيم الأساسية لـ«أرماني»: الأناقة غير المتكلفة. لتحقيق ذلك، جددت متاجرها الرئيسية، وقدمت عروضاً للأزياء ركزت على الأزياء المفصلة المريحة، بألوان متحفظة يغلب عليها الكحلي والرمادي المائل إلى البيج.

لهذا يُمثل وصوله بداية فصل جديد في تاريخ العلامة، ويفتح حواراً بين الابتكار والهوية، بما يعزز البنية الإبداعية للمجموعة ويدعم تطورها، مع الحفاظ على الرؤية الجمالية التي لطالما ميّزت اسم «جورجيو أرماني».