أوروبا تجدد اهتمامها بعسكرة المحيطين الهندي والهادئ

دبلوماسي هندي: الاستراتيجية النهائية هي كبح جماح الصين من خلال الانخراط والتفاعل والمواجهة

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول في المياه الهندية قبل بدء المناورات المشتركة «فارونا 2015» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول في المياه الهندية قبل بدء المناورات المشتركة «فارونا 2015» (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تجدد اهتمامها بعسكرة المحيطين الهندي والهادئ

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول في المياه الهندية قبل بدء المناورات المشتركة «فارونا 2015» (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول في المياه الهندية قبل بدء المناورات المشتركة «فارونا 2015» (أ.ف.ب)

التوقعات أن تصبح منطقة المحيطين الهندي والهادي من أبرز ساحات الجغرافيا السياسية الرئيسية خلال الجيل القادم، فالعديد من البلدان الأوروبية، وفي مقدمتها بريطانيا، فضلا عن الولايات المتحدة الأميركية، واليابان، وأستراليا، والهند، يحدوها التزام جدي وتام بصياغة الاستجابة المشتركة على مختلف الصُعد لمجابهة التحديات القائمة والتهديدات الماثلة في تلك المنطقة التي تشهد تناميا ملحوظا للنفوذ والهيمنة الصينية اقتصاديا وعسكريا. وقد أعلنت الحكومة البريطانية في أكثر من مناسبة بأن المملكة المتحدة معنية تماما بزيادة أنشطتها المختلفة في المياه الآسيوية، وهي مهتمة إلى حد كبير بالرد على التهديدات الناشئة عن التواجد العسكري المتصاعد للصين في المنطقة. وفي الآونة الأخيرة، أجرت سفن البحرية البريطانية تدريبات عسكرية في بحر الصين الجنوبي الذي يعد جزءا رئيسيا لا ينفصم عن المنطقة.
وتعد التجارة العابرة لهذه المنطقة من أهم أسباب تعزيز الاهتمام في منطقة المحيطين من قبل الدول الأوروبية المختلفة. وقال المعلق الهندي سي راجا موهان بأن أكثر من 70 في المائة من التجارة الأوروبية تمر عبر منطقة المحيطين الهندي والهادي. كما أن المنطقة تعتبر من أبرز الوجهات العالمية لمبيعات الأسلحة الأوروبية.

- دور أكبر لبريطانيا في المنطقة
وتأتي التحركات البحرية البريطانية بعد بضعة أشهر من إبحار إتش إم إس ألبيون، وهي سفينة حربية زنة 22 ألف طن وتحمل مفرزة من وحدات مشاة البحرية الملكية، عبر جزر باراسيل المتنازع عليها والتي تخضع للسيطرة الصينية. وجاء الرد الصيني حادا وصارما وطالبت بريطانيا بوقف تلك العمليات على الفور وأن تترفع لندن عن الدوران في فلك الولايات المتحدة. ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، رافقت السفينة البريطانية (إتش أم إس أرغيل) حاملة الطائرات المروحية اليابانية (كاجا) في رحلة مشتركة عبر المحيط الهندي لإجراء تدريبات عسكرية في بحر الصين الجنوبي. كما أعلنت الحكومة البريطانية كذلك عن إرسال أول رادار محلي للدوران حول الأرض باستخدام صاروخ هندي الصنع. ويقوم «نوفوسار» بمراقبة أنشطة الشحن في المحيط الهندي.
وكانت الفرقاطة البريطانية المضادة للغواصات «إتش إم إس مونتروز» هي رابع قطعة بحرية بريطانية تبحر إلى حافة المحيد الهادي منذ يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، ويأتي ذلك نتيجة مباشرة لتجدد التركيز والاهتمام الأوروبي بتلك المنطقة المهمة من العالم. وأوضح وزير الدفاع البريطاني غافن ويليامسون أن البحرية الملكية معنية بالمحافظة على تواجدها المستمر في منطقة المحيطين الهندي والهادي في عام 2019 وما بعده، مضيفا أن مثل هذا الانتشار العسكري يهدف إلى حماية النظام العالمي القائم على القواعد، بما في ذلك حرية الملاحة، والتي تعتبر من ركائز أمن ورخاء المملكة المتحدة الأساسية.
وكان وزير الخارجية البريطاني الأسبق بوريس جونسون قد أعلن في عام 2017 أن حاملة الطائرات الملكية البريطانية الجديدة «إتش إم إس إليزابيث» سوف تتجه إلى بحر الصين الجنوبي في رحلتها الأولى اعتبارا من عام 2021. وسوف تجري تدريبات عسكرية مع القوات البحرية اليابانية والكورية الجنوبية. وكشف وزير الدفاع ويليامسون في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي عن الخطط البريطانية الرامية إلى إنشاء قاعدة عسكرية بحرية بريطانية إما في سنغافورة أو في بروناي، حتى يتسنى تأمين الوجود العسكري البريطاني المستمر في غرب المحيط الهادي، في الوقت الذي قد تعيد لندن النظر في سياساتها الخارجية على ضوء خروجها من التكتل الأوروبي.
وكتب الدبلوماسي الهندي الأسبق آنيل وادوا معلقا على الأمر «برغم الحذر الذي تعتمده المملكة المتحدة في تعاملها مع الصين ومتابعتها لمستوى متوازن من العلاقات مع بكين، إلا أن مجال هذه الشراكة يتغير وفق ما يطرأ من مستجدات على مصالح لندن في المنطقة. فإذا ما قررت الصين توسيع نفوذها هناك، فلن تتردد المملكة المتحدة في إسناد التحالف الهندي، الياباني، الأسترالي، الأميركي المعني بالقضية ذاتها... بل ومن المتوقع تشكيل تحالف ثلاثي بين بريطانيا وفرنسا وأستراليا لخدمة نفس الغرض. ولذلك، فإن ملامح الاستراتيجية النهائية هي كبح الجماح الصيني من خلال مزيد من الانخراط والتفاعل والمواجهة، والمحافظة في الأثناء ذاتها على حالة الوحدة القائمة مع البلدان الصديقة».

- تنامي الدور الفرنسي
تعمل فرنسا كذلك على ترسيخ وجودها في منطقة المحيطين الهندي والهادي. وهناك قوات عسكرية فرنسية منتشرة بالفعل في المحيط الهادي. وفي عام 2017. شاركت القوات البحرية الفرنسية نظيرتها الأميركية، واليابانية، والبريطانية في إجراء مناورات عسكرية متعددة الجنسيات قبالة سواحل «جزيرة غوام» التابعة لحكومة الولايات المتحدة الأميركية.
وقد أعربت باريس عن اهتمامها بالحفاظ على حرية الملاحة في منطقة المحيطين، كما أعربت عما يساورها من قلق غير مباشر بشأن تنامي الوجود العسكري الصيني في مناطق مثل بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي. وتعتبر فرنسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي تملك وجودا عسكريا مستداما في تلك المنطقة. وفي عام 2016. صرح وزير الدفاع الفرنسي الأسبق لودريان أمام خبراء الأمن والدفاع الإقليميين خلال حوار شانغريلا في سنغافورة أن فرنسا تساند نشر الدوريات البحرية المنتظمة والمستمرة من قبل الاتحاد الأوروبي في بحر الصين الجنوبي. وأضاف الوزير الفرنسي قائلا: «تعبر القطع البحرية الفرنسية مياه هذه المنطقة مرات عدة من كل عام، وإننا مستمرون في القيام بذلك».
ولم يكن الاهتمام الفرنسي بالمنطقة وليد المصادفة. إذ يعيش أكثر من 1.5 مليون مواطن فرنسي في أقاليم وإدارات فرنسية خارجية منتشرة في تلك المنطقة، بالإضافة إلى 200 ألف مواطنا فرنسيا آخرين موجودين في مختلف بلدان المنطقة. كما تحتفظ باريس كذلك بمنطقة اقتصادية خالصة تبلغ مساحتها نحو 9 ملايين كيلومتر في نفس المنطقة، مما يجعلها ثاني أكبر المناطق الاقتصادية الأوروبية الخالصة في العالم.
ومما يُضاف إلى ذلك، أن فرنسا تعتبر شريكا استراتيجيا وثيق الصلة باليابان، وأستراليا، والهند، ومن أبرز محركات التفاعل الأوروبي في قضايا الأمن الإقليمي هناك، الأمر الذي يعني اعتماد الاتحاد الأوروبي لسياسات خارجية أكثر صرامة حيال الصين.
وحذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من تأثير النفوذ الصيني في البلقان بجنوب شرقي أوروبا. وأعرب وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل في مؤتمر ميونيخ للأمن المنعقد عام 2018 عن قلقه العميق بشأن مبادرة الحزام والطريق الصينية، وقال خلال المؤتمر «إن الصين تعتزم تطوير نظام شامل لا يشبه نظامنا القائم، فهو لا يستند على أسس الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان».

- الصين تعزز الموانئ الاستراتيجية
منطقة المحيطين هي تلك المنطقة التي تتألف من المحيط الهندي وغرب المحيط الهادي. والمنطقة بكاملها بدءا من شرق أفريقيا، مرورا بشرق وجنوب شرقي آسيا، ثم بحر الصين الجنوبي، وتايوان، واليابان، وإندونيسيا، وأستراليا، تعتبر موطنا طبيعيا لأكثر بلدان العالم اكتظاظا بالسكان، والكم الهائل من الموارد الطبيعية، ومراكز الصناعة والإنتاج في آسيا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المحيط الهندي، مقارنة بالماضي، يحمل دلالات كبيرة فيما يتعلق بالتجارة الدولية. فهناك ما لا يقل عن 63 ميناء موزعة عبر مختلف المواضع في هذا المحيط الكبير، تلك التي يمكن الوصول إليها من خلال ثلاثة مضايق بحرية مهمة هي مضيق هرمز، ومضيق ملقا (المطل على نقطة بحر أندامان في المحيط الهندي إلى الجنوب من المحيط الهادي)، ومضيق باب المندب (الذي يربط المحيط الهندي من خلال البحر الأحمر وقناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط). ويشكل المحيط الهندي وحده ما يقارب 80 في المائة من عبور ناقلات النفط العالمية.
كما يطل المحيط الهندي على أغلب مناطق الصراعات في العالم، بما في ذلك فلسطين، واليمن، والعراق، وأفغانستان. وبالتالي، فإن الموقف الاستراتيجي للمحيط الهندي يلعب دورا حاسما ومحوريا في مستقبل أمن التجارة العالمية (أي الطاقة). ويكمن السبب الرئيسي وراء المستجدات والتطورات التي تشهدها ساحة المحيطين الهندي والهادي في إصرار بكين على توسيع مجال النفوذ البحري في المحيط الهندي وما وراء ذلك حتى البحر الأبيض المتوسط. وترغب الصين في تطوير إمكاناتها البحرية في المياه العميقة، وتعزيز الموانئ الاستراتيجية على سبيل التحكم النهائي في طرق التجارة وممرات الطاقة الآتية من الشرق الأوسط.
وعلق الجنرال الهندي المتقاعد بي كيه ماليك على ذلك قائلا: «تستعد الصين لعسكرة قواعدها في الجزر التابعة لها في بحر الصين الجنوبي. وهناك نزاع بحري قائم لدى بكين مع العديد من دول رابطة الآسيان. كما رفضت الصين قبول قرار المحكمة الدولية في ذلك الشأن». هذا وقد أعربت أستراليا عن قلقها إزاء وتيرة ومجال الأنشطة الصينية غير المسبوقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي. كما حذرت استراتيجية الأمن القومي بالولايات المتحدة الأميركية من استغلال الصين للمحفزات والعقوبات الاقتصادية، وعمليات بسط النفوذ والهيمنة، والتهديدات العسكرية الضمنية، في إقناع البلدان الأخرى في المنطقة للاستجابة إلى أجندة مصالحها السياسية والأمنية. وعلى نفس القدر من الأهمية، يأتي موضع الهند من جوهر الصراع على منطقة المحيطين الهندي والهادي.
ووفقا لما ذكره ألكسندر زيغلر السفير الفرنسي لدى الهند «يعد الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد من أهم وأكبر شركاء الهند في المجالات السياسية، والاقتصادية، والأمنية. ولهذا السبب، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، اعتمد الاتحاد الأوروبي الاستراتيجية الأوروبية الهندية المشتركة. وبالتالي صياغة عرض قائم أمام نيودلهي يهدف إلى تعميق شراكتنا الاستراتيجية بصورة أكبر». وعلاوة على ذلك، فإن تواتر الزيارات الرسمية رفيعة المستوى بين الهند، وفرنسا، وألمانيا، يعكس وبكل وضوح ما يجري في هذا الصدد. ففي العام الماضي وحده، كما استطرد السفير الفرنسي في الهندي، تبادل رؤساء البلدين الزيارات الرسمية، كما بودلت الآراء ووجهات النظر بشأن جملة من القضايا المهمة ذات الاهتمام المشترك، تلك التي كانت علامة إيجابية بارزة على العلاقة الناضجة والعميقة التي تجمع بين البلدين.



غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

غوتيريش يدعو أميركا والصين لبدء حوار بشأن الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، الولايات المتحدة والصين إلى بدء حوار بشأن مستقبل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وذلك في ظل ازدياد الدعوات إلى كبح سرعة تطوّر القطاع والخشية من تأثيره على البشرية. وقال غوتيريش خلال افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة: «تقع على عاتق الحكومات ذات القدرات الأكبر في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤوليات الكبرى حيال الإنسانية»، مشدداً على ضرورة «إقامة قنوات من أجل الحوار والتواصل والثقة والتعاون» بين تلك الدول. وأضاف: «في لحظة محورية في أثناء الحرب الباردة، أدرك خصمان استراتيجيان الحاجة إلى إدارة التهديدات الوجودية المشتركة»، في إشارة للتواصل الأميركي السوفياتي آنذاك.

وتُجري الصين والولايات المتحدة حالياً محادثات لإنشاء قناة اتصال بشأن المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، تمهيداً للقمة المقررة، الخميس، في واشنطن بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ. وتأتي هذه المحادثات في وقت تواجه القوتان مخاوف متزايدة من أن الأنظمة ذات القدرات المتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي قد تقضي على البشرية؛ ما يوفر حافزاً نادراً للتعاون رغم احتدام السباق على التفوق التكنولوجي بين البلدين.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي كلمته خلال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقرها بنيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تحذير من الشعور «بالقوة الخارقة»

وقال غوتيريش، إن على القوى العظمى أن تدرك أن «قوتها ليست خارقة كما تبدو» وأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان السلام.

ودعا إلى «عالم مبني على الاعتماد المتبادل» لدى الإدلاء بخطابه الأخير أمام قادة العالم الحاضرين في الجمعية العامة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأضاف قائلاً: «إن خطوط الانقسام في عالمنا تتسع»؛ مشيراً إلى الحروب المستعرة، وارتفاع درجات الحرارة والذكاء الاصطناعي، من بين أمور أخرى.

وتعهّد غوتيريش بمواصلة «الدفاع عن اقتناعي بأن تحقيق السلام ممكن» بمجرد انتهاء ولايته العام الحالي.

وافتتح خطابه الجزء الرئيسي من أكبر اجتماع دبلوماسي في العالم في العام الحالي. ويخاطب قادة الدول الأعضاء الـ193 في الأمم المتحدة بعضهم بعضاً، ويعرضون آمالهم وخططهم وشكاواهم.

ويُعد الذكاء الاصطناعي أحد الموضوعات الرئيسية المطروحة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام. وقبيل بدء الاجتماعات في نيويورك، دعا قادة أكثر من 20 دولة إلى اتخاذ تدابير مُلزمة لضمان سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، محذّرين من أن تطوّر هذه التكنولوجيا قد يتجاوز القدرات المتاحة للسيطرة عليها. ولم تكن الصين والولايات المتحدة من الدول الموقعة على تلك الدعوة. وعارض ترمب بشدة تدابير سلامة الذكاء الاصطناعي، متعهداً، السبت، بعدم السماح بـ«تدمير» هذه الصناعة بسبب ما يعدها مخاوف غير مبررة. وقال الرئيس الصيني شي جينبينغ في يوليو (تموز) إن الذكاء الاصطناعي يجب ألا تهيمن عليه دولة واحدة، داعياً إلى تعاون دولي في تطوير هذه التكنولوجيا.


مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
TT

مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)

رفعت مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية دعوى قضائية أمام محكمة اتحادية في الولايات المتحدة ضد شركة «أوبن إيه آي»، على خلفية اتهامات بعدم إبلاغ السلطات عن تفاعلات مقلقة عبر تطبيق «تشات جي بي تي» سبقت حادث إطلاق نار في مدرسة ببلدة تامبلر ريدج، أسفر عن مقتل 8 أشخاص، بينهم 6 أطفال.

ونفّذت الهجوم، الذي وقع في فبراير (شباط) الماضي، ويُعدّ أحد أسوأ حوادث إطلاق النار الجماعي في تاريخ كندا، فتاة تُدعى جيسي فان روتسيلار، تبلغ من العمر 18 عاماً، قبل أن تنتحر عقب إطلاق النار.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، كانت الشركة قد اعتذرت سابقاً عن عدم إبلاغ سلطات إنفاذ القانون بشأن حساب جيسي على «تشات جي بي تي»، بعدما أثار مخاوف لدى فريق السلامة في الشركة بسبب إشارات إلى العنف باستخدام الأسلحة، وذلك قبل وقوع الهجوم بأشهر.

وصرحت نيكي شارما، المدعية العامة لمقاطعة كولومبيا البريطانية، بأن الدعوى القضائية تثير تساؤلات حول «مسؤوليات شركات التكنولوجيا عندما تدرك وجود تهديدات موثوقة بوقوع أعمال عنف جسيمة».

وأضافت شارما: «حتى الآن، لم تتخذ (أوبن إيه آي) خطوات ملموسة لمعالجة المخاوف التي أثارها الناجون وعائلات الضحايا وسكان تامبلر ريدج».

وتابعت قائلة: «لا تزال الشركة تملك فرصة لإثبات تحملها للمسؤولية من خلال تعزيز تدابير الحماية، وتحسين الشفافية، واتخاذ إجراءات فعلية للمساعدة في منع وقوع مآسٍ مماثلة في المستقبل».

وأوضحت شارما للصحافيين أنها لم تطلع على محتوى المحادثات التي أجرتها جيسي عبر «تشات جي بي تي»، مشيرة إلى أن حكومتها طلبت من الشركة الكشف عنها، لكنها رفضت ذلك. وقالت: «علينا جميعاً أن نسألهم: لماذا؟».

كما صرحت شارما بأن أي تعويضات مالية قد تحصل عليها المقاطعة من القضية ستُخصص لإعادة بناء المدرسة الثانوية التي وقعت فيها المأساة.


الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة على الصين، خلال محادثات عُقدت في نيويورك الأحد، إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، قبل أيام من لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ.

وجاء الاقتراح بعد ثلاثة أيام من تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانغشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية.

وفي الفترة نفسها، طرح خبراء أمنيون أميركيون وصينيون ضوابط مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، محذّرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثّل هجوماً متعمداً من الطرف الآخر.

وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار. فهل يزيد ذلك خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة لم تكن أي منهما تسعى إليها؟

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قرارات أسرع

دخل الذكاء الاصطناعي مجالات متعددة من العمل العسكري، من تحليل كميات ضخمة من المعلومات والصور إلى المراقبة ورصد التهديدات ودعم عمليات القيادة واتخاذ القرار.

وتكمن إحدى أبرز ميزاته العسكرية في السرعة. فالأنظمة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات خلال فترة قصيرة يمكن أن تمنح الجيوش قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وهي أفضلية تزداد أهميتها في ساحات قتال تتسارع فيها وتيرة العمليات.

لكن الميزة نفسها تحمل خطراً معاكساً. فكلما ازدادت سرعة رصد التهديد والرد عليه، تقلّص الوقت المتاح أمام البشر للتحقق من المعلومات وتقدير نيات الخصم قبل اتخاذ قرار قد يصعب التراجع عنه.

ويشير معهد «بروكينغز» الأميركي إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى المجال العسكري، من الدفاع الإلكتروني إلى أنظمة الأسلحة وتحليل المعلومات والقيادة واتخاذ القرار، يفتح مسارات جديدة أمام أخطاء أو سوء استخدام يمكن أن يقود إلى التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلّق الأمر بقوى نووية، حيث يمكن أن تكون تكلفة تفسير نشاط معادٍ بصورة خاطئة أكبر بكثير منها في ساحات القتال التقليدية.

وزراء دفاع الصين ولاوس وبيلاروسيا وكمبوديا قبيل افتتاح منتدى شيانغشان في بكين في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

ولا يحتاج هذا السيناريو إلى أن يتّخذ الذكاء الاصطناعي قرار شن حرب بصورة مستقلة. فقد تبدأ المشكلة قبل ذلك بكثير، عندما تصبح المعلومات التي ينتجها أو يحللها جزءاً من سلسلة القرارات التي يتخذها البشر.

فالأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وقد يؤدي تصنيف غير دقيق لهدف أو تحليل خاطئ لمعلومة إلى تقديم صورة مضللة لصانع القرار، خصوصاً عندما يكون مطالباً بتحديد طبيعة التهديد والرد عليه بسرعة.

كما تبرز مشكلة أخرى في العمليات الإلكترونية، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم. فقد يكون مصدره دولة أو مجموعة غير حكومية أو جهة تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يمكن أيضاً تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن دولة أخرى تقف خلفها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الآلة وحدها، بل في التفاعل بين معلومات غير مكتملة وسرعة متزايدة وضغط لاتخاذ القرار. وقد يقود الرد على هجوم نُسب بصورة خاطئة إلى الخصم إلى سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة يصعب وقفها لاحقاً.

مخاطر تطول الأنظمة النووية

ويزداد القلق عند ارتباط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة النووية والعمليات الإلكترونية.

وحذّر خبراء أمنيون أميركيون وصينيون، الأسبوع الماضي، من أن تدَخُّل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي في شبكة للقيادة والسيطرة النووية، أو تنفيذه عملية إلكترونية عسكرية، قد يترك الطرف الآخر أمام وقت محدود لتحديد ما إذا كانت الحكومة المنافسة تقف خلف ما حدث.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إطلاق حرب نووية من تلقاء نفسه. لكن دمجه في أنظمة الإنذار والتحليل العسكري يمكن أن يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أزمات يكون الوقت المتاح لإدارتها محدوداً أصلاً.

وتزداد المخاطر مع انتشار أنظمة عسكرية أكثر استقلالية، مثل المسيّرات والسفن غير المأهولة. فتحرُّك غير مقصود أو استجابة آلية لحادث في منطقة تشهد احتكاكاً عسكرياً يمكن أن يُفسَّرا بصورة مختلفة لدى الطرف المقابل، ما يفرض على الحكومات احتواء الأزمة بعد وقوعها.

إبقاء القرار بيد الإنسان

ودفعت مخاطر سوء التقدير إلى البحث عن ضوابط تضمن بقاء السيطرة البشرية في المجالات العسكرية الأكثر حساسية.

وكانت الولايات المتحدة والصين قد اتفقتا في أواخر عام 2024 على ضرورة بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية تحت سيطرة البشر. ويرى باحثون أميركيون وصينيون مشاركون في حوار ينظمه معهد «بروكينغز» و«مركز الأمن والاستراتيجية الدولية» في جامعة تسينغهوا الصينية أن هذا المبدأ يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لضوابط أوسع.

ومن بين المقترحات إبقاء قرار تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة النووية والبنى التحتية الحساسة بيد البشر، وتحديد معنى واضح لـ«السيطرة البشرية» على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

كما يقترح الخبراء إنشاء قناة اتصال أميركية - صينية مخصصة للحوادث الناجمة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي أو الهجمات الإلكترونية المرتبطة به، بهدف منع سوء الفهم من التحوّل إلى أزمة أوسع.

ولا تمثل هذه المقترحات اتفاقاً بين الحكومتين، لكنها تزامنت مع تحرّك رسمي في الاتجاه نفسه. فقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد محادثاته مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، الأحد، إن واشنطن اقترحت آلية للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، على أن يبحث ترمب وشي هذه الآلية خلال لقائهما.

سباق أسرع من الضوابط

لكن إبقاء الإنسان ضمن سلسلة اتخاذ القرار لا يحل المشكلة بالكامل. فالولايات المتحدة والصين لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة لتنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، فيما يستمر التنافس بينهما على تطوير قدرات أكثر تقدماً.

كما أن بقاء الكلمة الأخيرة للإنسان لا يعني بالضرورة امتلاكه الوقت والمعلومات الكافية للتأكد من صحة ما تقترحه الأنظمة الآلية. فزيادة سرعة الأنظمة العسكرية قد تفرض على البشر اتخاذ قراراتهم تحت ضغط أكبر.

ويضاف إلى ذلك ما يصفه باحثو «بروكينغز» بمعضلة أمنية ناجمة عن صعوبة معرفة القدرات الحقيقية التي يمتلكها الخصم، أو تحديد ما إذا كانت تطبيقاته العسكرية للذكاء الاصطناعي دفاعية أم هجومية. وقد يدفع الغموض كل طرف إلى افتراض السيناريو الأسوأ وتطوير قدرات مقابلة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحسابات السياسية التي تقود الدول إلى الحرب أو تمنعها منها، لكنه يغيّر جانباً من معادلة الردع بين الدول المتنافسة، عبر تسريع رصد التهديدات والاستجابة لها وتقليص الوقت المتاح لتقدير الموقف قبل اتخاذ القرار.

ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، تزداد أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية ومنح القادة الوقت الكافي للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء قبل اتخاذ القرار. فالسرعة التي توفرها هذه الأنظمة قد تكون ميزة عسكرية، لكنها تزيد في المقابل أهمية التأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ خطوات قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.