بوادر مواجهات مسلحة ضد الحوثيين في صنعاء

توالي الضغط على الجماعة الانقلابية عبر «مقاومة ناعمة»

يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

بوادر مواجهات مسلحة ضد الحوثيين في صنعاء

يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)

تصاعدت في الأشهر الماضية أصوات المقاومة «الناعمة» في صنعاء ضد الميليشيات الحوثية عبر الناشطين والموظفين الحكوميين والحقوقيين وصولاً إلى قيادات محسوبة على الجماعة بدأت تضجّ من سلوك الميليشيات على صعيد انتهاك الحريات الشخصية ومحاولات «دعشنة» صنعاء.
وعلى وقع تنامي هذه المقاومة «الناعمة» في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة تَلوح نُذُر تحوُّلها في الأيام المقبلة إلى «مقاومة مسلحة» بخاصة مع رصد حوادث غامضة كانت قد أودت بقيادات حوثية في الأشهر الماضية كانت آخرها العملية التي أودت برئيس أركان القوات الجوية المعيّن من قبل الجماعة والمسؤول الفعلي عن طيرانها الإيراني المسير إبراهيم الشامي.
ولفتت مجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطلق على نفسها «المقاومة اليمنية في صنعاء»، الأنظار عندما أعلنت تبنيها، أول من أمس، مسؤولية تفجير مخزن صواريخ تابع للميليشيات في منطقة قاع «القيضي» التابع لمديرية سنحان جنوب مدينة صنعاء.
ووفقاً لما تم تداوله عن المجموعة المقاومة فإن عملية الاستهداف للمخزن جرت بواسطة صاروخ موجّه محمول على الكتف، ما أدى إلى تفجير المخزن، من دون ورود أنباء عن عدد القتلى والجرحى الحوثيين الذين سقطوا خلال العملية.
وشاعت حوادث متلاحقة في صنعاء منذ مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح في ديسمبر (كانون الأول) 2017، ذهب ضحيتها عناصر من أتباع الجماعة الحوثية دون معرفة من يقف وراءها، على الرغم من القبضة الحوثية المشددة التي فرضتها على سكان العاصمة وأتباع صالح العسكريين ومن بقي من الموالين له في أجهزة الأمن الخاضعة للجماعة.
ويرجح المراقبون أن حالة الغليان التي تشهدها صنعاء وبقية المناطق الخاضعة للحوثيين باتت تشكل أرضية جيدة لنشوء خلايا مسلحة للمقاومة إذا ما استطاعت هذه المجموعات تنظيم نفسها لوجيستيا عبر التواصل مع قيادات الجيش اليمني والتحالف الداعم للشرعية وبخاصة مع وصول السخط الشعبي إلى درجة غير مسبوقة ضد الجماعة.
وفي الوقت الذي طغى على السطح أخيراً أكثر من حادثة تنمّ على وجود صراع مستميت بين أجنحة الجماعة المختلفة، أفرز كل ذلك إلى العلن وجود قيادات موالية تهدد بالانشقاق عن الجماعة كما هو حال عدد من الوزراء في حكومة الانقلاب.
وتسبب لجوء الجماعة الموالية لإيران إلى الوسائل القمعية والأخرى الحادة لإخضاع عناصرها ومراقبة الموالين لها والاشتغال على ورقة «الإغواء» عن طريق «الزينبيات»، فضلاً عن حملات الخطف التي طالت العشرات من النساء، في إحداث ضربة أخلاقية قوية في بنيان الجماعة التي تزعم أنها تكافح ما تطلق عليه «الحرب الناعمة» وفقاً لتوجيهات زعيمها.
وحسب تقديرات المراقبين فإن امتناع الجماعة عن دفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها للسنة الثالثة على التوالي، أسهم إلى حدٍّ كبير في تصاعد حدة السخط ضدها، بخاصة مع وجود الأموال الضخمة التي تجنيها الجماعة من موارد المؤسسات وتقوم بتسخيرها لمصلحة المجهود الحربي وإثراء قادتها الطائفيين.
ويرجح الناشط اليمني توفيق المخلافي لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات الحوثية ستكون على موعد مع انفجار شعبي غير مسبوق إذا ما حانت اللحظة المناسبة في صنعاء وغيرها من المدن الخاضعة للجماعة. وأضاف: «في تقديري أن حالة الغليان الكبيرة في صنعاء تشكل مهاداً جيداً لتبلور المقاومة الشعبية وإرباك سكينة الحوثيين وصولاً إلى إسقاط الجماعة وحكمها الطائفي الانقلابي».
ويبدو أن الجماعة الموالية لإيران، تنبهت إلى الخطر الذي يتهددها جراء وجود هذه المقاومة، فعملت على التخفيف منها عبر حملات الملاحقة والاعتقالات التي امتدت إلى عشرات من ضباط الجيش والأمن والمخابرات السابقين ممن رفضوا الانخراط في برامجها الطائفية وتأدية قَسَم الولاء لزعيم الجماعة. ويعتقد مراقبون للشأن اليمني أن حالة الخوف التي كانت سائدة في صنعاء من القمع الحوثي أخذت في الآونة الأخيرة تتراجع، بخاصة مع قيام الموظفين في صنعاء بالمساهمة في فضح فساد الجماعة على صعيد نهب المساعدات الإنسانية والتشهير بانتهاكاتها ضد المدنيين.
ويرجح المراقبون أن حالة السخط الشعبي العارمة ضد الجماعة الحوثية لا يمكن السيطرة عليها من قِبل الجماعة في ظل سلوكها الرامي إلى تدمير الهوية المجتمعية للسكان وإرغامهم على اعتناق الثقافة الإيرانية الخمينية.
وفي الأيام الماضية تمكّن المعلمون في المدارس الحكومية في صنعاء من شلّ العملية التعليمية بعدما رفضوا مواصلة التدريس دون رواتب، وهو الأمر الذي فشلت معه تهديدات الجماعة لهم بالفصل والطرد من الوظيفة.
ويرفض أغلب سكان صنعاء الذهاب إلى الصلاة في المساجد الخاضعة لمعمَّمي الميليشيات في حالة تعبّر عن الرفض الكبير للوجود الحوثي، كما يحرص أغلب السكان في مناسباتهم الاجتماعية على استدعاء الروح الجمهورية الوطنية وبدء هذه المناسبات (أعراس، حفلات تخرج) بالنشيد الجمهوري لليمن، في مقابل ما تكرسه الجماعة في مثل هذه المناسبات من ترديد «الصرخة الخمينية» الدالّة على الهوية الجديدة التي تحاول فرضها على المجتمع المقاوم. وعلى الرغم من تمكن الجماعة الحوثية من احتواء قيادات حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضعين لها في صنعاء منذ مقتل الرئيس السابق علي صالح، فإن أغلبية هذه القواعد، لا تزال تجاهر بخصومتها للجماعة سراً وعلناً، وتقود عملية رفض ناعمة للوجود الحوثي الموالي لإيران.
وإن صحت الأنباء الواردة عن إصابة الرجل الثالث في الجماعة محمد علي الحوثي، قبل يومين في حادث سير مدبَّر في أثناء وجوده في إحدى مناطق عمران، فإن ذلك يعني دخول المقاومة اليمنية في مناطق الجماعة الحوثية طوراً متقدماً على صعيد استهداف العناصر البارزة في سلم الهرم الحوثي الانقلابي.
ولعل حالة الرعب هذه هي التي جعلت رئيس مجلس حكم الجماعة مهدي المشاط، المعيّن خلفاً لصالح الصماد بعد مقتل الأخير في عملية للتحالف الداعم للشرعية في الحديدة، يتوارى عن الحضور الميداني والجماهيري، فضلاً عن التنقل لحضور الفعاليات التي تقيمها الجماعة في صنعاء والمحافظات المجاورة، كما أنها هي المسؤولة عن استحداثه أكثر من 20 مكتباً سرياً لعقد لقاءاته مع عناصر الجماعة ومسؤولي حكومة الانقلاب.
وفي حال ما إذا نجحت المقاومة في صنعاء خلال الفترة المقبلة في تنفيذ أي عمليات جديدة، سواء عبر الاستهداف المباشر أو عبر التنسيق مع الشرعية والتحالف الداعم لها، فإن ذلك سيشكل كرة الثلج التي يمكن أن تتنامى للتعجيل بإسقاط الحكم الانقلابي للجماعة.
غالبية خصوم الجماعة في صنعاء كانوا يراهنون في الفترة الماضية على سقوط الحديدة وموانئها وانكسار الجماعة عسكرياً إلى جانب رهانهم على اقتراب قوات الجيش اليمني من الأطراف الشمالية للعاصمة، من أجل أن تتاح لهم حرية التحرك فعلياً لإشعال فتيل المواجهة داخل العاصمة صنعاء، عبر العمليات النوعية. ويتحدث بعض المصادر في صنعاء عن وجود مئات من الضباط والعسكريين السابقين المدربين تدريباً جيداً، والذين يمكن أن يشكّلوا نواة صلبة للمواجهة مع الحوثيين في صنعاء، بأسلحتهم الشخصية في البداية، بخاصة أنهم باتوا يملكون معلومات قيمة عن تحركات الجماعة وقادتها ومخازن أسلحتها.
ومع ابتداء العملية العسكرية الواسعة لتحرير الحديدة، في أبريل (نيسان) الماضي، كان عدد من هؤلاء الضباط -حسب معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط»- قد عرضوا على العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل، الالتحاق به، غير أنه أوعز إليهم بالبقاء في صنعاء، تحيناً للفرصة السانحة لقيادة عمليات المقاومة من داخل كتلة الوجود الحوثي.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.