مقتل طبيبين سعوديين في سوريا يسلط الضوء على جهود داعش في استقطاب كوادر صحية

حملات التصفية بين التنظبمات المتطرفة لم توفر الأطباء

مقتل طبيبين سعوديين في سوريا يسلط الضوء على جهود داعش في استقطاب كوادر صحية
TT

مقتل طبيبين سعوديين في سوريا يسلط الضوء على جهود داعش في استقطاب كوادر صحية

مقتل طبيبين سعوديين في سوريا يسلط الضوء على جهود داعش في استقطاب كوادر صحية

أعاد مقتل أحد الأطباء السعوديين، حديثا، بعد تخليه عن الابتعاث للدراسة والانضمام إلى صفوف «داعش»، إلى الواجهة من جديد مساعي التنظيمات المتطرفة، وبخاصة «جبهة النصرة» و«داعش» لتجنيد الأطباء الخليجيين والسعوديين للمشاركة في النزاع المسلح القائم منذ اندلاع الثورة السورية.
وبحسب خبير في شؤون الجماعات الجهادية، فإن من بين 200 حساب نشط لأعضاء ومؤيدين للتنظيمات المسلحة المتطرفة عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، برز طبيبان سعوديان موجودان في سوريا بدعوى تقديم الخدمات الطبية تحت لواء «جبهة النصرة».
وأكد المصدر ذاته، أن نفير أطباء خليجيين وسعوديين إلى سوريا كان تحت غطاء تقديم الخدمات الطبية والإغاثة الإنسانية، والتي عدها بابا يخترق من خلاله الأطباء المتطوعون، كما حدث سابقا خلال الجهاد السوفياتي.
وأشارت معلومات إلى نجاح «جبهة النصرة» في ضم أصحاب المهن المتخصصة بخلاف تنظيم «داعش» الذي يفتقر إلى شخصيات ذات مستويات مهنية رفيعة.
«الشرق الأوسط» تحدثت مع أحد الأطباء السعوديين العائد من سوريا من المنطقة الغربية «جدة»، وهو ضمن الخمسة الأوائل في دفعة طلاب الطب لعام 2006، الذي اكتفى بتأكيد ذهابه إلى سوريا منذ ما يقارب العام، أمضى، على حد قوله، أسبوعين للمشاركة في الخدمات الطبية بمبادرة فردية من قبله.
وقال: «ذهبت بعد ما شاهدته عبر وسائل الإعلام من معاناة إنسانية لحقت بأشقائنا هناك، ومكثت أسبوعين أشارك في تقديم الخدمات الطبية»، نافيا انتماءه إلى صفوف أي من الجماعات أو التنظيمات.
وحول أسباب عودته، أفاد الطبيب السعودي (27 عاما) بأن ذلك جاء بعد أن «تكشفت لي الحقائق حول المنهج الشرعي الذي تقوم عليه الجماعات المسلحة المتطرفة»، مشيرا إلى أنهم يحملون معتقدات تنافي الدين الإسلامي والإنسانية، إضافة إلى أن أسرته سعت إلى إعادته سالما بعد عدة اتصالات له جرت معها بيّن فيها لهم حقيقة الأمور ورغبته في العودة إلى الوطن. وقال: «عدت ولله الحمد إلى أسرتي وإلى مزاولة مهنة الطب، وقريبا سأتقدم لإكمال مسيرتي العلمية في برنامج التخصصات الطبية».
ودعاوى ما يسمى «جهاد الأطباء» بدأت النشاط عبر مواقع التواصل الاجتماعي عقب مضي أشهر معدودة على بداية النزاع في الأراضي السورية، وتزامنا مع اشتداد المعارك، على غرار حملة «من الابتعاث إلى الجهاد» التي لم تلق الصدى المرجو منها.
وقبل نهاية 2012، بدأت حملة نفير الأطباء يعلو صداها، فبحسب ما ورد على حساب أحد المنظرين الشرعيين الخليجيين لـ«جبهة النصرة»: «نحتاج إلى أطباء متخصصين يذهبون لخط التماس في ريف حماه وحمص ودرعا وحلب.. الجراحات كثيرة، والأطباء أندر من النادر، أليس في الأئمة أطباء مجاهدون».
وفي 14 مايو (أيار) 2014 أطلق أحد أعلام التنظير الشرعي الخليجي في «جبهة النصرة»، تغريدة عبر حسابه الشخصي قائلا: «يا قادة الجهاد ونخب الأمة وعلماءها ومفكريها، يا أيها الأطباء والمهندسون والأكاديميون.. آن الأوان لتجتمع الكلمة لتحكيم شرع الله». وقال مغرد آخر: «الأطباء الليبيون يعملون في سوريا، والأطباء المصريون يعملون في سوريا، أما الأطباء الخليجيون فلا يعلمون بما في سوريا».
وعلى الخطى ذاتها، دعا أبو بكر البغدادي، زعيم «داعش»، (المجاهدين) في أنحاء العالم إلى السفر للعراق وسوريا للقتال والمساعدة على بناء ما سماه «الدولة الإسلامية»، مشددا على أن هجرة المسلمين إلى ما دعاه «الدولة الإسلامية» واجبة عليهم، داعيا بصورة خاصة القضاة والأطباء والمهندسين وجميع من لديهم الخبرة الإدارية والعسكرية للانضمام. ورغم تسابق الجماعات المتطرفة والمتورطة في الاقتتال نحو تجنيد من أطلقوا عليهم «ملائكة رحمة الجهاد»، لاستغلالهم في علاج الإصابات الواقعة بين صفوفهم من جراء المعارك الدائرة؛ فإن ذلك لم يكن كافيا لتجنيب الأطباء حملات التصفية المتبادلة بين طرف وآخر، كما جرى مع الطبيب أبو ريان، القيادي في حركة أحرار الشام، بعد تعذيبه والتمثيل به وقتله على يد تنظيم «داعش». يشار إلى أن تنظيم «القاعدة» ومنذ الثمانينات الميلادية كان أول من بدأ تدشين حملة تجنيد الأطباء إبان الحرب السوفياتية في أفغانستان، بعد أن التحق بصفوفه عدد كبير من الأطباء الذين ذهبوا للإغاثة الإسلامية، وانتهت بانخراط الكثير منهم في القتال والانضمام إلى صفوفه.
وفي عام 2013 قال الناشط الأصولي المصري في لندن، الدكتور هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات في لندن: «إن الجيل الأول من المهاجرين العرب الذي استوطن كندا، كان كثير منهم أطباء ومهندسين، وعندما اندلعت الحرب السوفياتية في أفغانستان، التي دامت عشر سنوات ديسمبر (كانون الأول) 1979 - مايو 1988، سافر كثير من العوائل العربية من كندا إلى باكستان، وعمل كثير منهم في مجالات الإغاثة الإسلامية، وكانت الدول الغربية تشجع على ذلك من أجل طرد المحتل الروسي لبلد إسلامي، ونشأ الجيل الثاني من أبناء الجاليات العربية في أفغانستان وباكستان وسط بيئة قاسية، وتعوّد وتشبّع بحياة وأفكار المجاهدين الأوائل، وكانت عودتهم الثانية إلى كندا وباقي الدول الغربية بعد انتهاء حرب أفغانستان وسقوط طالبان بأفكار إسلامية خالصة.
يذكر أن من أبرز الشخصيات القتالية التي كانت لها خلفية دراسية ومهنية قبل الانخراط في القتال، أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، حيث تخرج في كلية الطب جامعة القاهرة عام 1974، ثم عمل كطبيب وجراح، وكان يمتلك عيادة في المعادي، وشارك عام 1985 كطبيب جراح في مستشفى الهلال الأحمر الكويتي في بيشاور على الحدود الأفغانية - الباكستانية لعلاج المصابين من جراء الحرب الأفغانية السوفياتية.



لقاء جنوبي يمني موسّع لتوحيد الصف والشراكة الوطنية

القيادات الجنوبية في اليمن تكثف مشاوراتها تمهيداً لمؤتمر الحوار الذي ترعاه الرياض (سبأ)
القيادات الجنوبية في اليمن تكثف مشاوراتها تمهيداً لمؤتمر الحوار الذي ترعاه الرياض (سبأ)
TT

لقاء جنوبي يمني موسّع لتوحيد الصف والشراكة الوطنية

القيادات الجنوبية في اليمن تكثف مشاوراتها تمهيداً لمؤتمر الحوار الذي ترعاه الرياض (سبأ)
القيادات الجنوبية في اليمن تكثف مشاوراتها تمهيداً لمؤتمر الحوار الذي ترعاه الرياض (سبأ)

في خطوة سياسية لافتة على صعيد الحراك اليمني الجنوبي، عقد كبار القيادات العليا في الدولة، لقاءً موسعاً في الرياض ضمن مساعي تعزيز الثقة وتوحيد الصف الجنوبي، والتمهيد لمرحلة مقبلة من العمل المشترك، تقوم على الشراكة الوطنية والمسؤولية الجماعية في مواجهة التحديات الراهنة.

عُقد اللقاء الواسع بحضور كبار القيادات السياسية والعسكرية، يتقدمهم أعضاء مجلس القيادة الرئاسي: عبد الرحمن المحرّمي، ومحمود الصبيحي، وسالم الخنبشي، وعبد الله العليمي باوزير، إلى جانب رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني، ورئيس مجلس الشورى أحمد عبيد بن دغر، ورئيس هيئة التشاور والمصالحة محمد الغيثي.

كما حضر اللقاء محافظو المحافظات الجنوبية، وعدد من الوزراء والمستشارين، وأعضاء مجلسَي النواب والشورى، حيث خُصِّص اللقاء للتشاور حول مستجدات الأوضاع في المحافظات الجنوبية، ومتطلبات المرحلة السياسية والأمنية والخدمية المقبلة، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي.

وأكد المشاركون أن وحدة الصف الجنوبي تمثِّل الركيزة الأساسية لحماية أمن واستقرار المحافظات الجنوبية، والحفاظ على حالة الهدوء النسبي التي تشهدها، مشددين على أن العمل بروح الشراكة والتكامل لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل بات ضرورة وطنية تفرضها حساسية المرحلة وتعقيداتها الإقليمية والداخلية.

أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني المنتمون للمحافظات الجنوبية (سبأ)

وشدَّد المجتمعون على أهمية تجاوز الخلافات السابقة، وإدارتها بعقلانية عبر الحوار والتفاهم، بعيداً عن منطق التصعيد أو الإقصاء، مع تعزيز القواسم المشتركة بين مختلف المكونات الجنوبية.

وأكدوا أن الحوار سيظل الإطار الجامع لكل الرؤى والتوجهات، وأن كل مَن يحمل رؤية أو طرحاً سياسياً سيكون حاضراً على طاولة الحوار دون استثناء، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن ما يجمع أبناء الجنوب واليمن عموماً أكبر وأعمق مما يفرِّقهم.

وفي هذا السياق، جدَّد اللقاء التأكيد على الوقوف الكامل إلى جانب مجلس القيادة الرئاسي، ودعم رئيس مجلس الوزراء في جهوده لتشكيل حكومته وإسنادها، وتهيئة بيئة سياسية وأمنية مستقرة تمكّنها من أداء مهامها ومواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية المتراكمة، لا سيما في ظلِّ ما ستحظى به الحكومة من دعم فني واستشاري بخبرات سعودية ويمنية وأجنبية، بما ينعكس إيجاباً على تحسين الأداء الحكومي ومستوى الخدمات المُقدَّمة للمواطنين.

دعم المؤسسات والشراكة

شدَّد الحاضرون في اللقاء الجنوبي المُوسَّع على أهمية مساندة وتمكين السلطات المحلية والأجهزة الأمنية في المحافظات الجنوبية من القيام بمهامها الخدمية والأمنية، بوصفها خط الدفاع الأول عن الأمن والاستقرار، وبما يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويعيد الاعتبار لدور الدولة بوصفها حاضنةً جامعةً لكل أبنائها.

ودعا اللقاء إلى وقف أشكال المناكفات والحملات الإعلامية كافة، وتهدئة وترشيد الخطاب الإعلامي والسياسي، ونبذ لغة التخوين والكراهية، مع توجيه الإعلام نحو ما يعزِّز وحدة الصف ويخدم القضايا الوطنية، ويواكب متطلبات المرحلة بروح مسؤولة وبنّاءة.

وأكد المجتمعون دعمهم الكامل للحوار الجنوبي - الجنوبي المرتقب الذي ترعاه السعودية، بوصفه المسار الأمثل لوضع معالجات حقيقية وعادلة للقضية الجنوبية، والالتزام بالعمل مع جميع الأطراف لإنجاحه.

جانب من الحضور في لقاء ضم كبار القيادات الجنوبية اليمنية (سبأ)

كما شدَّدوا على أهمية التواصل مع القيادات الجنوبية في الداخل والخارج، ودعوتهم للانخراط الإيجابي في دعم هذا المسار، الذي سيحتضن الجميع دون إقصاء أو سقوف، وصولاً إلى بناء رؤية جنوبية جامعة، تقوم على نبذ العنف وإدانة الفوضى، وتفويت الفرصة على المتربصين بأمن الجنوب واليمن عموماً.

وفي هذا الإطار، أشاد المشاركون بالدور المحوري الذي تضطلع به السعودية في دعم الجنوب واليمن سياسياً واقتصادياً وإنسانياً وتنموياً، مؤكدين أهمية العمل والتنسيق الاستراتيجي مع المملكة، والالتزام بالمسارات السياسية التي ترعاها، بوصفها الضامن الأساسي للاستقرار، والداعم الرئيسي لجهود السلام وإعادة بناء مؤسسات الدولة.


اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)
جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)
TT

اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم خفر السواحل اليمني

جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)
جانب من اجتماع دولي في الرياض لتعزيز دعم قوات خفر السواحل اليمني (سبأ)

أكد اجتماع دولي رفيع المستوى أهمية دعم قوات خفر السواحل في اليمن، وتمكينها من الاضطلاع بدورها الحيوي في تأمين المواني، وحماية السواحل والمياه الإقليمية، ومكافحة الجرائم البحرية والأنشطة غير المشروعة، إلى جانب تنفيذ مهام البحث والإنقاذ، بما يسهم في حماية الأرواح، وضمان سلامة الملاحة الدولية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم.

جاء ذلك خلال اجتماع استضافته العاصمة السعودية الرياض، بتنظيم من المملكة المتحدة، ضمن إطار شراكة الأمن البحري اليمني (YMSP)، حيث ناقش المشاركون سبل تطوير القدرات المهنية لخفر السواحل اليمني، وتعزيز منظومة الأمن البحري للجمهورية اليمنية، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.

وشهد الاجتماع مشاركة رئيس مصلحة خفر السواحل اليمني، اللواء الركن خالد القملي، الذي قدّم إيجازاً عملياتياً مهنياً استعرض فيه أبرز الإنجازات التي حققتها المصلحة خلال المرحلة الماضية، إلى جانب التحديات القائمة، والفرص المتاحة لتعزيز الدور الوطني والإقليمي لخفر السواحل في حماية الأمن البحري، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وضمان الالتزام بالقانون البحري الدولي.

ونقل الإعلام الرسمي أن الشركاء الإقليميين والدوليين أشادوا بالدور الوطني والمسؤول الذي يضطلع به خفر السواحل اليمني، بوصفه جهة إنفاذ للقانون البحري، مؤكدين أهمية استمرار الدعم الفني واللوجستي والتدريبي، بما يمكنه من أداء مهامه بكفاءة واحترافية، ويعزز حضوره شريكاً فاعلاً في جهود حفظ أمن الملاحة الدولية.

إلى ذلك، ثمّن خفر السواحل اليمني مواقف الشركاء الداعمة لليمن، وفي مقدمتهم السعودية، لما تقدمه من دعم قيادي وحاسم للحكومة اليمنية في هذا التوقيت المفصلي، مؤكداً التزامه الكامل بأداء مهامه الوطنية بكل حيادية ومهنية، بالتعاون الوثيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

تنسيق أمني

كان رئيس هيئة الأركان العامة اليمنية قائد العمليات المشتركة، الفريق الركن صغير بن عزيز، بحث مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبده شريف، أوجه التعاون الدفاعي وتعزيز الشراكة الثنائية، لا سيما في مجالات الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والتصدي لعمليات التهريب، في ظل التحديات المتصاعدة التي تهدد أمن الممرات المائية الدولية.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية أن بن عزيز أشاد بالمواقف الداعمة التي تتبناها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تجاه اليمن، ودورهما في دعم جهود إحلال السلام، ومساندة الحكومة اليمنية في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية، معرباً عن تطلعه إلى مزيد من الدعم لتطوير قدرات القوات المسلحة ورفع جاهزيتها العملياتية.

وعلى صعيد إقليمي، ناقش نائب وزير الخارجية اليمني، مصطفى نعمان، مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الصومالي، عبد السلام عبدي، سبل تعزيز التنسيق الأمني بين البلدين، وذلك على هامش الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الدول العربية والهند المنعقد في نيودلهي.

وتركزت المباحثات - وفق المصادر الرسمية - على قضايا الأمن الإقليمي، ومكافحة التهريب، والهجرة غير النظامية، وأهمية تنسيق الجهود المشتركة لضمان الأمن والاستقرار في باب المندب والبحر الأحمر، والدعوة إلى وقف التدخلات الخارجية التي تهدد أمن واستقرار دول المنطقة.


كيف وصلت علاقة الأمم المتحدة مع الحوثيين إلى طريق مسدود؟

الجماعة الحوثية تزعم أن الموظفين الإغاثيين يتجسسون عليها (رويترز)
الجماعة الحوثية تزعم أن الموظفين الإغاثيين يتجسسون عليها (رويترز)
TT

كيف وصلت علاقة الأمم المتحدة مع الحوثيين إلى طريق مسدود؟

الجماعة الحوثية تزعم أن الموظفين الإغاثيين يتجسسون عليها (رويترز)
الجماعة الحوثية تزعم أن الموظفين الإغاثيين يتجسسون عليها (رويترز)

بعد أكثر من عام على تعليق الأمم المتحدة معظم أنشطتها الإنسانية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، واعتقال عشرات من موظفيها المحليين، ومصادرة أصولها وممتلكاتها، أعلنت المنظمة الدولية وصول علاقتها مع الحوثيين إلى طريق مسدود، في تطور ينذر بتداعيات إنسانية خطيرة على ملايين اليمنيين المعتمدين على المساعدات الغذائية.

وفي خطوة تعكس عمق الأزمة، قرر برنامج الأغذية العالمي إيقاف أعماله بشكل كامل في صنعاء، وتسريح جميع موظفيه، بعد استنفاد كل الجهود الرامية إلى وقف الانتهاكات المتكررة بحق العاملين الإنسانيين، وضمان الحد الأدنى من شروط العمل الآمن.

وقالت مصادر عاملة في الأمم المتحدة وقطاع الإغاثة لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار برنامج الأغذية العالمي إنهاء وجوده في مناطق سيطرة الحوثيين، جاء نتيجة ممارسات ممنهجة استهدفت تقويض استقلالية العمل الإنساني، عبر التدخل المباشر في أنشطته، وفرض قيود مشددة على حركة الموظفين، ومصادرة المكاتب والمخازن، إلى جانب محاولات متكررة لفرض قوائم مستفيدين خاضعة لاعتبارات سياسية وأمنية.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال زيارته السابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وكان البرنامج قد علَّق أنشطته في تلك المناطق أكثر من مرة خلال الأعوام الماضية، احتجاجاً على تدخل الجماعة في توزيع المساعدات الغذائية، وسعيها للاستيلاء عليها أو توجيهها خارج إطارها الإنساني.

وعلى الرغم من ذلك، أبقى البرنامج على نشاط محدود عبر شركاء محليين لتقديم مساعدات طارئة للفئات الأشد تضرراً؛ خصوصاً خلال فترات الكوارث الطبيعية والفيضانات التي شهدتها بعض المحافظات خلال العامين الماضيين، قبل أن تتعقد الظروف الأمنية والإدارية بشكل غير مسبوق.

اعتقالات ومصادرة أصول

إزاء ما أبدته الأمم المتحدة من مرونة في التعامل مع القيود المفروضة، وسعيها لتجاوز التجاوزات التي طالت القواعد المنظمة لعمل البعثات الأممية، رد الحوثيون بسلسلة إجراءات تصعيدية شملت مداهمة مقرات عدد من المنظمات الأممية، من بينها مكتب برنامج الأغذية العالمي، واعتقال عشرات الموظفين المحليين، واتهامهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب مصادرة أصول وممتلكات تابعة للبرنامج ومنظمات أخرى.

ووفقاً للمصادر، واصل برنامج الأغذية العالمي طوال أكثر من عام دفع رواتب موظفيه، بمن فيهم المعتقلون، أو أولئك الذين مُنعوا من أداء أعمالهم بسبب سيطرة أجهزة المخابرات الحوثية على المقرات الأممية، كما استمر في تسديد إيجارات المباني، بالتوازي مع مفاوضات شاقة هدفت إلى الإفراج عن الموظفين المحتجزين، وإنهاء السيطرة على المكاتب، واستعادة الأصول المصادرة.

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

وتشير المصادر إلى أن المنظمات الإغاثية خلصت، بعد هذه الفترة الطويلة، إلى أنها تأخرت في اتخاذ قرار إنهاء وجودها، نتيجة ما وصفته بالمراوغة المتعمدة خلال المفاوضات.

فبينما أبدى الجناح الذي يدير ما تسمَّى وزارة الخارجية الحوثية تفهماً لمطالب الأمم المتحدة، وقدَّم مقترحات لمعالجة الأزمة، اتجه جناح آخر تقوده الأجهزة الاستخباراتية نحو مزيد من التصعيد.

تصعيد متواصل

خلال المفاوضات التي قادها منسق الأمم المتحدة لدى اليمن على مدار العام الماضي، اقترح الحوثيون عرض ما زعموا أنها «أدلة» تثبت اتهامات التجسس الموجهة للموظفين المحليين، قبل أن يطرحوا لاحقاً مقترحاً يقضي بمحاكمة المعتقلين، ثم إصدار عفو عام عنهم بعد إدانتهم.

إلا أن الجانب الأممي رفض تلك المقترحات، متمسكاً بالإفراج غير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين، والبالغ عددهم نحو 73 شخصاً، إلى جانب موظفين آخرين في منظمات دولية ومحلية وبعثات دبلوماسية.

وتزامن ذلك مع خطوات تصعيدية جديدة، شملت اقتحام مزيد من مكاتب المنظمات الإنسانية، واعتقال مجموعات إضافية من الموظفين المحليين، وإحالة عشرات على المحكمة المتخصصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة، ما عمَّق أزمة الثقة وأغلق أي أفق لحلول وسط.

طائرة المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ خلال زيارة سابقة إلى صنعاء (أ.ف.ب)

ومع وجود نحو 12 مليون شخص في مناطق سيطرة الحوثيين، تحذِّر الأمم المتحدة من أن هذه الإجراءات، وآخرها مداهمة مكاتب 6 منظمات أممية في صنعاء ومصادرة أصولها، ستؤدي إلى تفاقم غير مسبوق للوضع الإنساني، في ظل غياب ترتيبات مقبولة تضمن إيصال المساعدات إلى المحتاجين.

وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قرارين في عام 2025 والعام الحالي، دعا فيهما الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين من الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والبعثات الدبلوماسية، إلا أن الجماعة تجاهلت تلك الدعوات، وطالبت بإعادة النظر في اتفاقية وجود الأمم المتحدة في اليمن الموقعة منذ ستينات القرن الماضي.