«العمل الدولية» تريد الإنسان لا «الروبوت» محور السياسات

طالبت مع اقتراب احتفالها بمئويتها الأولى بـ«إجراءات حاسمة» للتصدي لـ«انعدام المساواة»

رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)
رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)
TT

«العمل الدولية» تريد الإنسان لا «الروبوت» محور السياسات

رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)
رايدر ورامافوزا خلال إعلان التوصيات في جنيف أمس (الشرق الأوسط)

حذّرت منظمة العمل الدولية، أمس، من انعكاسات التغييرات التي يشهدها قطاع العمل حول العالم، بما في ذلك التحوّل المتزايد نحو الاعتماد على «الروبوت» مكان الإنسان، على تماسك المجتمعات، معتبرة أنه «إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة، فإننا سنتجه نحو عالم من شأنه أن يُوسع نطاق الحالات القائمة لعدم المساواة وانعدام اليقين».
وأطلقت المنظمة، وهي إحدى وكالات الأمم المتحدة، هذا التحذير في مؤتمر صحافي عقدته في مقرها بجنيف، وقدّمت خلاله مجموعة توصيات خلصت إليها «اللجنة العالمية المعنية بمستقبل العمل» التي يرأسها رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا ورئيس حكومة السويد ستيفان لوفين. ومن المقرر تقديم هذه التوصيات إلى اجتماع للدول الـ187 المنضوية في إطار المنظمة لتبنيها في يونيو (حزيران) المقبل، بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس المنظمة.
وأوضح رامافوزا، أن المهمة الأساسية التي عملت عليها اللجنة على مدى 15 شهراً، هي دراسة التحديات التي تواجه قطاع العمل وكيفية التعاطي معها. وأشار إلى أن «هناك عوامل تغيّر في طبيعة العمل في أنحاء العالم. هناك قوى تغيير وتطورات تمثل تحدياً، لكنها في الوقت ذاته توفر فرصاً (لخلق وظائف جديدة). إن التغيير يأتي مع تحديات، وهذا ما عملت اللجنة على التعاطي معه. إن مستقبل مجتمعاتنا يعتمد على طريقة تعاملنا مع قطاع العمل، وهذا يعني أن نضع برنامج عمل يركّز على الإنسان». وأضاف: «نقترح أن يكون الإنسان هو المحور وليس الآلة».
أما رئيس المنظمة غاي رايدر، فقال: إنها قررت عام 2017 أن تجعل مستقبل العمل محور الاحتفال بمئويتها، مضيفاً: «نعرف أن الناس تعيش متغيرات في عالم العمل. (السؤال هو) كيف يمكن التعامل مع هذه التحديات، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية؟».
ولفت إلى أن التوصيات التي قدمتها اللجنة تركز على «ضرورة الاستثمار في المقدرات البشرية، وضرورة تحقيق المساواة بين الجنسين، والتعامل مع طبيعة العمل وفق التكنولوجيات الجديدة. التحديات كبيرة جداً. والتوصيات طموحة أيضاً». وتابع: «سنعود إلى اجتماع في يونيو لتبني التوصيات وتقديم القرارات في الذكرى السنوية المائة لتأسيس المنظمة»، مشيراً إلى أن مؤسسي المنظمة تحدثوا عند قيامها قبل مائة عام عن أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية لتفادي تعريض السلام والوئام الدوليين للخطر بسبب الظلم والحرمان الذي يلحق بأعداد كبيرة من الناس و«هذا يبقى هدفنا اليوم».
ورداً على سؤال عن الاستخدام المتزايد لـ«الروبوت» محل الإنسان في قطاعات العمل، قال رايدر: إن «السؤال الذي يتكرر اليوم هو هل سأخسر عملي بسبب الروبوت؟ رأيي ورأي اللجنة العالمية، أن هذه ليست الطريقة المثلى للتعامل مع هذا التحدي. لن ندخل كمنظمة في تحديد عدد الوظائف التي ستتم خسارتها بسبب الروبوت. هناك تقديرات مختلفة في شأن هذه الأرقام. لكن مستقبل العمل لن يتحدد من خلال التقدم التكنولوجي فقط. هذا سيعتمد على السياسات التي سيتم اتخاذها. ومن المحتمل أن نخلق فرص عمل جديدة إذا أخذنا القرارات الصحيحة من خلال وضع الإنسان في المحور».
وعلى رغم تجنب رايدر تقديم أرقام عن الخسائر في الوظائف البشرية بسبب الاعتماد المتزايد على «الروبوت»، فإن تقرير «لجنة مستقبل العمل» أورد تقديرات مختلفة عن التحولات المستقبلية في سوق العمل. وبين هذه التقديرات «احتمال أن يُستعاض عن وظائف 47 في المائة من العمال في الولايات المتحدة بالآلات»، و«احتمال أن تتم أتمتة 56 في المائة من الوظائف على مدى السنوات العشرين المقبلة» في دول رابطة أمم جنوب شرقي آسيا. وتضمنت التقديرات أيضاً، أن «ثلثي الوظائف في العالم النامي قابلة للأتمتة»، وأن «قرابة 50 في المائة من الشركات تتوقع أن تؤدي الأتمتة إلى الحد بعض الشيء من قوتها العاملة بدوام كامل بحلول عام 2022».
وتحدث تقرير المنظمة بالتفصيل عن هذه التحديات، معتبراً أن «التطور التكنولوجي - الذكاء الاصطناعي والأتمتة والاعتماد على الإنسان الآلي - سيولّد وظائف جديدة، إلا أن الأشخاص الذين يفقدون وظائفهم في عملية الانتقال هذه قد يكونون أقل تأهباً لاغتنام فرص العمل الجديدة». وتابع: «لن تتلاءم مهارات اليوم مع وظائف الغد، وقد تصبح المهارات المكتسبة حديثاً غير قابلة للاستعمال خلال وقت قصير. ومن المرجح أن يوسع الاقتصاد الرقمي، إذا حافظ على مساره الحالي، الفجوات الإقليمية وبين الجنسين على حد سواء. ومن شأن مواقع العمل التشاركي والعمل الذي تديره التطبيقات، الذي يشكل اقتصاد المنصات، أن يُنعش ممارسات عمل القرن التاسع عشر، ويؤدي إلى ظهور أجيال من العمال الرقميين باليومية في المستقبل». ويشدد التقرير على أن «الانتقال إلى مستقبل عمل يحترم هذا الكوكب ويسعى إلى وقف تغير المناخ سيؤدي إلى إحداث المزيد من الخلل في أسواق العمل. ويُتوقع أن تسفر الزيادة في عدد الشباب في بعض المناطق عن تفاقم البطالة وضغوط الهجرة. ومن شأن تزايد شيخوخة السكان في مناطق أخرى أن يشكل ضغطاً إضافياً على نظم الضمان الاجتماعي والرعاية».
وأشار التقرير أيضاً إلى أن «معدلات البطالة تبقى مرتفعة بشكل غير مقبول وينخرط مليارات العمال في العمالة غير المنظمة. ويعيش 300 مليون عامل في فقر مدقع، وهذا عدد مذهل. ويعتبر الملايين من الرجال والنساء والأطفال من ضحايا الرق المعاصر... ولا تزال أجور النساء تقل عن أجور الرجال بنسبة 20 في المائة».
ولفت التقرير أيضاً إلى أن «190 مليون شخص عاطلون عن العمل (اليوم)، منهم 64.8 مليون من الشباب»، في حين أن «ملياري شخص يكسبون رزقهم في الاقتصاد غير المنظم». ورأى أنه «يتعيّن استحداث 344 مليون وظيفة بحلول عام 2030، إضافة إلى 190 مليون وظيفة لازمة للتصدي للبطالة اليوم». وتحدث عن الفجوة الرقمية في العالم، مشيراً إلى أن «53.6 في المائة فقط من الأسر لديها إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت. وفي البلدان الناشئة، تصل هذه النسبة إلى 15 في المائة فقط».
وجاء في التقرير أيضاً، إن «هناك فرصاً لا حصر لها في المستقبل لتحسين نوعية الحياة المهنية وتوسيع نطاق الخيارات ورأب الفجوة القائمة بين الجنسين وإصلاح الأضرار الناجمة عن عدم المساواة على المستوى العالمي وأكثر من ذلك بكثير. ومع ذلك، فلن يحدث أي من ذلك من تلقاء نفسه. وإن لم تُتخذ إجراءات حاسمة، فإننا سنتجه نحو عالم من شأنه أن يوسع نطاق الحالات القائمة لعدم المساواة وانعدام اليقين».
وتابع: إن «تخضير اقتصاداتنا (التحوّل نحو اقتصاد غير ملوّث) سيولد ملايين الوظائف، بما أننا سنعتمد ممارسات مستدامة وتكنولوجيات نظيفة، لكن وظائف أخرى ستختفي ما دامت البلدان تحدّ من انبعاثاتها من الكربون والصناعات الكثيفة الموارد. والتغيّرات الديموغرافية ليست أقل أهمية. فقد يؤدي تزايد السكان الشباب في بعض مناطق العالم وتزايد شيخوخة السكان في مناطق أخرى إلى فرض ضغوط على أسواق العمل ونظم الضمان الاجتماعي... نحن في حاجة إلى اغتنام الفرص التي تتيحها هذه التغيرات التحويلية لتهيئة مستقبل أكثر إشراقاً، وتوفير الأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وفي نهاية المطاف تعزيز نسيج مجتمعاتنا».
وقالت السيدة هيفاء الكيلاني، وهي العضو العربي الوحيد في لجنة المفوضين الـ27 الذين أعدوا التقرير الصادر أمس: إن التوصيات «تشدد على ضرورة الاستثمار في الإنسان من خلال دعم طاقات العنصر البشري». وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لهذا السبب ركزنا في التقرير على موضوع التعليم. إننا نحقق مستوى تعليم جيداً في العالم العربي، لكن هناك ضرورة إلى بناء قدرات العمال للتكيف مع متطلبات العمل. التكنولوجيا الحديثة تأخذ وظائف من أسواقنا العربية، لكنها تخلق وظائف وفرصاً جديدة». وشددت على ضرورة «مشاركة المرأة العربية في الحياة العملية في المجالات كافة؛ فالمرأة نصف المجتمع ومطلوب أن تُعطى الفرص كافة التي تساعدها لتحقيق دورها»، مشيدة في هذا المجال بالسعودية والمساعدة التي تقدمها للنساء للعب أدوار في الحياة الاقتصادية في المملكة: «بما في ذلك إدارة مؤسسات تجارية كبيرة».
وقالت الكيلاني، وهي الرئيسة المؤسسة للمنتدى العربي الدولي للمرأة: إن «التكنولوجيا تأخذ فعلا فرص عمل مكان البشر، لكنها تخلق وظائف أيضاً. ومن هذا المنطلق، التنمية والاستقرار يتطلبان أن يكون الإنسان هو من يتحكم بالآلة وليس العكس».
وشدد التقرير على ضرورة «اغتنام اللحظة لإنعاش العقد الاجتماعي»، مشيرا إلى أن «إرساء هذا المسار الجديد يتطلب أن تتخذ الحكومات، وكذلك منظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال، إجراءات ملزمة. ويتعين عليها أن تنعش العقد الاجتماعي الذي يمنح الأشخاص العاملين حصة عادلة من التقدم الاقتصادي والاحترام لحقوقهم والحماية من المخاطر مقابل إسهامهم المستمر في الاقتصاد».
واقترح «اعتماد برنامج عمل يركز على الإنسان من أجل مستقبل العمل، حيث يعزز العقد الاجتماعي من خلال جعل الناس والعمل الذي يضطلعون به في صميم السياسة الاقتصادية والاجتماعية وممارسة الأعمال». ويقوم برنامج العمل هذا على ثلاث دعامات من شأنها، كما قال معدو التقرير، «أن تحقق مجتمعة النمو والإنصاف والاستدامة لأجيال الحاضر والمستقبل». ومن هذه الدعامات «الحق الشامل في التعلم المتواصل الذي يمكّن الناس من اكتساب المهارات وتجديدها والارتقاء بها. ويشمل التعلم الرسمي وغير الرسمي من مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم الأساسي إلى تعليم البالغين. وتقع على عاتق الحكومات والعمال وأصحاب العمل، فضلاً عن المؤسسات التعليمية، مسؤوليات تكميلية في بناء نظام فعال وممول تمويلاً مناسباً للتعلم المتواصل».
ومنها أيضاً ضرورة «زيادة الاستثمارات في المؤسسات والسياسات والاستراتيجيات التي من شأنها أن تدعم الناس خلال عمليات الانتقال المتصلة بمستقبل العمل. سيحتاج الشباب إلى المساعدة للتعامل مع عملية الانتقال الصعبة أكثر فأكثر من المدرسة إلى العمل. كما سيحتاج العمال المسنون إلى خيارات موسعة تمكنهم من البقاء نشطين اقتصادياً طالما يختارون ذلك».
وتشدد هذه الدعامات على ضرورة «تنفيذ برنامج عمل تحويلي وقابل للقياس من أجل المساواة بين الجنسين. يبدأ عالم العمل داخل الأسرة. ويتعين على السياسات العامة، ابتداءً من إجازة الأبوة وانتهاء بالاستثمار في خدمات الرعاية العامة، أن تعزز تقاسم أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر في المنزل لتحقيق تكافؤ حقيقي في الفرص في مكان العمل. ويشكل تعزيز صوت المرأة وريادتها والقضاء على العنف والتحرش في العمل، وتنفيذ سياسة شفافة في مجال الأجور شروطاً مسبقة للمساواة بين الجنسين. كما يلزم اتخاذ تدابير محددة لمعالجة المساواة بين الجنسين في وظائف الغد الممكنة تكنولوجياً».
وأكدت التوصيات ضرورة «توفير الحماية الاجتماعية الشاملة من الميلاد إلى الشيخوخة... وزيادة الاستثمار في العمل اللائق والمستدام تمشيا مع برنامج التنمية المستدامة لعام 2030».



«المركزي» المغربي يثبِّت الفائدة عند 2.25 % ويتوقع تضخماً معتدلاً

مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)
مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)
TT

«المركزي» المغربي يثبِّت الفائدة عند 2.25 % ويتوقع تضخماً معتدلاً

مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)
مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)

أبقى البنك المركزي المغربي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.25 في المائة، مؤكداً أن التضخم سيظل في مستويات معتدلة، رغم تصاعد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي على خلفية التوترات في منطقة الخليج.

وأوضح البنك، في بيان أعقب اجتماعه الفصلي، أنه يتوقع استقرار معدل التضخم عند نحو 0.8 في المائة خلال عام 2026، مدعوماً بتحسن إمدادات المواد الغذائية، على أن يرتفع تدريجياً إلى 1.4 في المائة في العام التالي.

وخلال الاجتماع، استعرض مجلس بنك المغرب تطورات الأوضاع الاقتصادية على المستويين الوطني والدولي، إلى جانب التوقعات الماكرو اقتصادية على المدى المتوسط. كما تناول تداعيات الحرب في الشرق الأوسط التي فاقمت حالة عدم اليقين العالمية، في ظل استمرار آثار الحرب في أوكرانيا والتوترات التجارية؛ خصوصاً المرتبطة بالسياسة التجارية الأميركية، ما يضع متانة الاقتصاد العالمي أمام اختبار حقيقي. وتظل انعكاسات هذه الحرب التي بدأت تظهر في الأسواق المالية وأسعار السلع -ولا سيما الطاقة- مرهونة بمدى استمرار النزاع واتساعه وحدته.

وعلى الصعيد الوطني، يُرجَّح أن تنعكس هذه التطورات عبر القنوات الخارجية؛ خصوصاً من خلال أسعار الطاقة. وحسب التقديرات الأولية لبنك المغرب، سيبقى التأثير محدوداً نسبياً في حال كان النزاع قصير الأمد، ولكنه قد يتفاقم إذا طال أمده.

في المقابل، يُتوقع أن تواصل القطاعات غير الفلاحية أداءها القوي، مدعومة بالاستثمارات في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع انتعاش ملحوظ في الإنتاج الفلاحي، مستفيداً من الظروف المناخية المواتية خلال الأشهر الأخيرة.


تأجيل قمة ترمب وشي يُلقي بظلاله على الهدنة التجارية بين أميركا والصين

الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)
الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)
TT

تأجيل قمة ترمب وشي يُلقي بظلاله على الهدنة التجارية بين أميركا والصين

الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)
الرئيسان الصيني والأميركي في لقاء سابق بكوريا الجنوبية (رويترز)

قال محللون إن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل القمة المُقررة في بكين مع الرئيس الصيني شي جينبينغ يُلقي بظلاله على العلاقات الثنائية التي كانت مستقرة منذ آخِر اجتماع بينهما في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكن مِن غير المرجح أن يُسبب ذلك انتكاسة كبيرة. وتُظهر خطوة ترمب كيف قَلَب الصراع الإيراني أجندة سياسته الخارجية رأساً على عقب، وأضاف الحربَ إلى التجارة وتايوان، ضِمن مجموعة القضايا التي تُفرّق بين أكبر اقتصادين في العالم.

وأدى التأجيل إلى توقف مؤقت لإعادة بناء العلاقات الثنائية، وذلك في الوقت الذي اختتم فيه الجانبان محادثات تجارية بالغة الأهمية في باريس، يوم الاثنين، تمهيداً لزيارة ترمب بكين، والتي كان من المقرر أصلاً عقدها في نهاية الشهر. وجاءت هذه المفاوضات عقب فرض واشنطن تحقيقات جديدة في «ممارسات تجارية غير عادلة»؛ بهدف إعادة الضغط التجاري على دول العالم، بما فيها الصين، بعد أن ألغت المحكمة العليا الأميركية الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها ترمب الشهر الماضي.

وقال تشاو مينغهاو، خبير العلاقات الدولية من جامعة فودان المرموقة في شنغهاي: «الوضع ليس في خطر، وبكين لا تزال ترغب في تنظيم القمة، لكن الصراع الأميركي الإيراني وقرار المحكمة العليا بشأن سياسات الرسوم الجمركية قد عَقّدا هذه الجهود». وأضاف: «هذا يجعل التفاعلات الأميركية الصينية، هذا العام، أكثر صعوبة بسبب (حرب ترمب الاختيارية) في إيران». وأكد تشاو أن التأجيل سيتيح أيضاً مزيداً من الوقت لاتخاذ مزيد من الإجراءات التجارية. وقال: «يؤكد البيت الأبيض استمراره في سياسته الجمركية، لكن مما لا شك فيه أننا قد نشهد غموضاً جديداً في هذا الصدد، ما قد يؤثر على حسابات بكين بشأن التعامل مع الولايات المتحدة».

وأفاد مصدر مطلع على محادثات باريس، لوكالة «رويترز»، قبل اليوم الثاني من الاجتماعات، بأن الصين أبدت انفتاحاً على إمكانية شراء مزيد من المنتجات الزراعية الأميركية، بما في ذلك الدواجن ولحم البقر والمحاصيل غير فول الصويا. كما ناقش الجانبان تدفق المعادن الأرضية النادرة التي تسيطر عليها الصين إلى حد كبير، ونهجاً جديدة لإدارة التجارة والاستثمار بين البلدين.

ووصفت صحيفة «تشاينا ديلي» الحكومية المفاوضات، في افتتاحية نُشرت يوم الثلاثاء، بأنها «بناءة»، لكنها حذرت ترمب من أن «انفتاح بكين لا ينبغي الخلط بينه وبين الاستسلام». وجاء في الافتتاحية: «ينبغي على الجانب الأميركي الامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أخرى من شأنها أن تعرقل أو تقوِّض العلاقات الاقتصادية الصينية الأميركية المستقرة. فالإجراءات التي تُثير حالة من عدم اليقين - سواء أكانت تعريفات جمركية أم تدابير تقييدية أم تحقيقات أحادية الجانب - تُحقق ذلك تماماً».

• رسائل متضاربة

وأرسل المسؤولون الأميركيون رسائل متضاربة حول سبب التأجيل. ففي يوم الأحد، صرّح ترمب، لصحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، بأنه قد يؤجل الاجتماع إذا لم تساعد الصين في فتح مضيق هرمز. وفي يوم الاثنين، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن ترمب قد يضطر لتأجيل الزيارة بسبب تنسيق المجهود الحربي، وليس بسبب طلب الصين المساعدة في مراقبة المضيق، أو بسبب أي خلافات تجارية. ومع ذلك، وعلى الرغم من التأجيل، فإن الأولوية لدى الجانبين هي الحفاظ على استقرار العلاقات ومواصلة التخطيط لزيارة ناجحة، وفقاً للمحللين. وأضافوا أن التعامل مع حالة عدم اليقين المتزايدة في الاقتصاد العالمي يمثل الأولوية القصوى للاقتصاد الصيني الذي يعتمد على التصدير.

أما بالنسبة للصين، فقال نيل توماس، الباحث في الشؤون السياسية الصينية بجمعية آسيا: «ينشغل ترمب بالحرب في إيران التي لم تُحسَم بالسرعة المتوقَّعة، لذا فهو حريص على احتواء التداعيات العسكرية والاقتصادية لها، خلال الأسبوعين المقبلين تقريباً... مما يجعل التخطيط لزيارة ناجحة إلى بكين شِبه مستحيل». وأضاف: «مِن وجهة نظر الصين، ثمة قلق بالغ في بكين إزاء قلة استعدادات الجانب الأميركي للقمة، لذا لا يمانع صُناع القرار الصينيون بضعة أسابيع إضافية للتحضير لزيارة أكثر جوهرية».

وقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، هذا الرأي، يوم الاثنين، رداً على سؤال حول تصريحات ترمب، خلال عطلة نهاية الأسبوع، قائلاً: «تلعب الدبلوماسية بين رؤساء الدول دوراً لا غنى عنه في توفير التوجيه الاستراتيجي للعلاقات الصينية الأميركية»، مضيفاً أن الجانبين يتواصلان بشأن الزيارة.

اقرأ أيضاً


دبي تقود مكاسب البورصات الخليجية مع إعادة تقييم المستثمرين المخاطر الإقليمية

مستثمرون يتابعون شاشات الأسهم في سوق دبي المالية (أرشيفية- رويترز)
مستثمرون يتابعون شاشات الأسهم في سوق دبي المالية (أرشيفية- رويترز)
TT

دبي تقود مكاسب البورصات الخليجية مع إعادة تقييم المستثمرين المخاطر الإقليمية

مستثمرون يتابعون شاشات الأسهم في سوق دبي المالية (أرشيفية- رويترز)
مستثمرون يتابعون شاشات الأسهم في سوق دبي المالية (أرشيفية- رويترز)

أنهت أسواق الأسهم الخليجية تعاملات يوم الثلاثاء على ارتفاع، بقيادة سوق دبي، حيث تجاوز المستثمرون المخاوف الجيوسياسية، وأعادوا تقييم آفاق الأسواق على نطاق أوسع. وتمكّن المؤشر الرئيسي في دبي من تعويض خسائره المبكرة، ليغلق مرتفعاً بنسبة 4.1 في المائة، مقلّصاً تراجعه منذ بداية النزاع إلى 15.3 في المائة.

وجدّدت إيران هجماتها على الإمارات، مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث دون مؤشرات على انفراجة قريبة. وظل مضيق هرمز مغلقاً إلى حد كبير، ما دفع أسعار النفط للارتفاع بنحو 3 في المائة، وزاد من المخاوف بشأن التضخم. كما أدت الضربات الأخيرة إلى إغلاق مؤقت للمجال الجوي في الإمارات، في حين استهدفت طائرة مُسيّرة منشأة نفطية في الفجيرة، لليوم الثاني على التوالي، واستمر تعليق العمليات في حقل شاه للغاز عقب الهجوم، وفق «رويترز».

في هذا السياق، أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الاثنين، عن دهشته من الهجمات الإيرانية الانتقامية التي طالت دولاً مجاورة، من بينها قطر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت.

ورغم هذه التطورات، انتعشت الأسواق بدعم من مكاسب قوية بقطاع العقارات، حيث ارتفعت أسهم «إعمار العقارية» و«إعمار للتطوير»، بعد أن أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» مرونة القطاع في مواجهة التوترات الجيوسياسية، وفق دانيال تقي الدين، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمجموعة «سكاي لينكس كابيتال».

وفي أبوظبي، صعد المؤشر بنسبة 1 في المائة، مدعوماً بارتفاع سهم «الدار العقارية» بنحو 6 في المائة.

وكانت بورصتا دبي وأبوظبي قد فرضتا، في وقت سابق من الشهر، حداً مؤقتاً بنسبة 5 في المائة على التراجع اليومي للأسهم، كما علّقتا التداول يوميْ 2 و3 مارس (آذار) الحالي، ضمن إجراءات للحد من التقلبات والحفاظ على استقرار الأسواق.

وأشار تقي الدين إلى أن تحسن المعنويات العالمية، وقوة المؤشرات الاقتصادية المحلية، والتفاؤل بإمكانية حل أزمة مضيق هرمز، قد تدعم استمرار المكاسب في السوقين، لكنه أكد أن التعافي الكامل سيظل مرهوناً بتهدئة التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

وعلى صعيد الأسواق الأخرى، ارتفع مؤشر قطر الرئيسي بنسبة 0.6 في المائة، ومؤشر عُمان بنسبة 0.2 في المائة، وكذلك مؤشر البحرين بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع مؤشر بورصة الكويت بنسبة 0.6 في المائة. وكانت السوق السعودية مغلقة بمناسبة إجازة عيد الفطر.

وخارج منطقة الخليج، قفز مؤشر الأسهم القيادية في مصر بنسبة 1.9 في المائة، بدعم من صعود سهم البنك التجاري الدولي بنحو 2 في المائة.