دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك

في طليعة الأهداف إطلاق مسيرة التنمية ومحاربة الإرهاب

دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك
TT

دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك

دول الساحل الأفريقي... أحلام كبيرة وسط الأشواك

احتفلت «مجموعة دول الساحل الأفريقي» بمرور أربع سنوات على تأسيسها، ولكن هذا الاحتفال كان ناقصاً بسبب الهواجس التي نغصت على هذه الدول فرحتها، فالحصيلة التي خرجت بها المجموعة ما تزال في نظر البعض هزيلة، في ظل انتشار الجماعات الإرهابية التي يزداد نفوذها يوماً بعد يوم، مع تأخر كبير في إطلاق مشاريع تنموية تحسن من أوضاع السكان المحليين.
ولكن قادة دول المجموعة، التي تضم كلاً من موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، أكدوا أن حصيلتهم كانت «إيجابية».
وقال الرئيس الدوري للمجموعة، محمدو يوسفو، رئيس النيجر، إنهم خلال أربع سنوات حققوا «تقدماً معتبراً يدعو للفخر».
وأضاف يوسفو، في خطاب بمناسبة مرور أربع سنوات على تأسيس المجموعة، أن العمل الذي قاموا به «يأتي وفق استراتيجية أمنية وتنموية» صادقت عليها الدول الخمس عام 2016. وهي الاستراتيجية التي قال إنها «تُشكل الإطار المرجعي للحكم والتسيير في مجالنا الإقليمي». إلا أن هذه الاستراتيجية ما تزال تواجه تحديات كبيرة أولها العجز عن توفير التمويل، رغم الوعود الكبيرة التي تعطيها المجموعة الدولية.

أسست «مجموعة دول الساحل الأفريقي» الخمس خلال قمة استضافتها العاصمة الموريتانية نواكشوط، في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014. وهي عبارة عن تحالف إقليمي يسعى لتحقيق أهداف أمنية وتنموية. ويخوض هذا التحالف في سبيل ذلك حرباً شرسة ضد الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب الناشطة في منطقة الساحل الأفريقي، كما يخوض حرباً أخرى أكثر شراسة ضد الفقر والجهل والمرض في واحدة من أفقر بقاع العالم.
يقول رئيس النيجر محمدو يوسفو، في حديثه عن الفكرة التي كانت وراء تأسيس المجموعة: «بلداننا بدأت قبل أربع سنوات عملاً شجاعاً لتبادل جهودها من أجل تحقيق التنمية والأمن، وذلك لتشجيع خلق نهضة تنموية شاملة، وازدهار مشترك في منطقة الساحل».
ويضيف يوسفو أنه فيما يتعلق بتحقيق الأمن شكلت دول الساحل قوة عسكرية مشتركة «تعزز قوتها بشكل تدريجي»، مشيراً إلى أنه رغم وجود هذه القوة التي ما تزال في طور التشكيل والنمو «تخوض جيوش دول الساحل (منفردة) حرباً للقضاء على المجموعات الإرهابية والناشطين في مجال الجريمة العابرة للحدود». ويؤكد رئيس النيجر أنهم، كقادة، راضون تماماً عن حصيلة عمل المجموعة، وخاصة ما حققوه العام الماضي (2018) الذي قال إنه «كان عاماً محورياً بالنسبة لمجموعتنا، لقد نجحنا خلاله في إضفاء المصداقية على العمل الذي نقوم، من خلال الحصول على ثقة المجموعة الدولية».
غير أن يوسفو، الذي هو المتحدث باسم مجلس قادة دول الساحل الخمس، ينظر إلى المستقبل بتفاؤل مشوب بقدر كبير من الحذر. وهذا، فيما يتعلق خاصة بالمحور التنموي والتعهدات الدولية بتمويلات كبيرة وصلت إلى أكثر من ملياري يورو، لتمويل أربعين مشروعاً تنموياً في منطقة الساحل، من المنتظر تنفيذها بداية من 2019. وهنا يقول يوسفو: «يجب علينا تحويل هذه الالتزامات المالية إلى شيء ملموس». ويتابع مشيراً إلى أن هيئات مجموعة دول الساحل الخمس تعمل على ذلك من خلال ما سماه «آليات خاصة». إلا أن رئيس النيجر يعتبر أن الأهم في البداية هو «تعزيز وتقوية الأمانة الدائمة لمجموعة دول الساحل الخمس لتكون أكثر فاعلية». والأمانة العامة هي العمود الفقري لعمل المجموعة، ومقرها في العاصمة الموريتانية نواكشوط، لكنها ما تزال تعاني من قصور كبير.
هنا، لا يخفي قادة دول الساحل قلقهم حيال حجم التحديات التي تواجه مشروعهم، وهذا ما يؤكده يوسفو حين يقول مخاطبا شعوب دول الساحل الخمس «أمام التحديات الكثيرة التي تواجه دولنا، نحن الرؤساء في حالة استنفار دائمة وندرك الحاجة الملحة والعاجلة للتحرك السريع نحو تحويل هذه الوعود إلى إنجازات ملموسة».

وعود وتحديات
التحديات التي تواجه منطقة الساحل الأفريقي كبيرة وخطيرة، بإجماع المراقبين والمهتمين بهذه المنطقة. ولكن في المقابل تبدو الوعود التي أطلقها قادة هذه الدول الخمس كبيرة جداً هي الأخرى، وهو ما أثار الشكوك حول جدية المشروع الذي يتحدثون عنه، خاصة حين تكون بعض هذه الدول مهددة في كيانها ووجودها، على غرار دولة مالي التي كادت تحتلها الجماعات الإرهابية قبل ست سنوات فقط، لولا التدخل العسكري الفرنسي، الذي أنقذ العاصمة باماكو من الوقوع في قبضة تنظيم «القاعدة». ولا تزال هذه الجماعات الإرهابية متغلغلة في شمال ووسط البلاد، وهي تملك قواعد شعبية وحاضنة اجتماعية قوية، ما يشكل خطراً حقيقياً على هذه الدولة الهشة.
تشير التقارير إلى أن منطقة الساحل الأفريقي تواجه تحديات مناخية وبيئية خطيرة، في ظل الظروف المناخية الصعبة التي تزداد صعوبة بسبب تسارع التغير المناخي وهشاشة البنية التحتية الأولية والعزلة التي تعاني منها المناطق الحدودية. وهي مناطق تعتمد في أغلبها على الزراعة والرعي، وبالتالي، فأي تغيير مناخي يضربها في الصميم ويؤثر على حياة السكان، ويزيد من احتمال تصاعد التوتر العرقي في هذه البلدان الهشة.
كل هذه التحديات الأمنية والبيئية والاجتماعية الخطيرة تجعل طموحات دول الساحل على المحك، خاصة تلك الطموحات التنموية. مع ذلك يقول رئيس النيجر بلهجة واثقة إن «السنوات المقبلة ستكون سنوات الإنجازات الملموسة من أجل تحقيق تحول إيجابي على وجه منطقة الساحل، ومنح غد أحسن لشعوبنا جميعاً من دون استثناء».
وتزداد قائمة الوعود التي يطلقها قادة دول الساحل كل عام. وفي العام الجديد (2019) أطلقوا برنامجاً تنموياً وصفوه بـ«العاجل»، تم وضعه بالتعاون مع «تحالف الساحل». وهو تحالف دولي يسعى لمساعدة دول الساحل على تحقيق التنمية والاستقرار، ويضم ألمانيا والدنمارك وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ولوكسمبرغ وهولندا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
البرنامج التنموي العاجل، الذي أعلن عنه قبل أسابيع فقط، يستهدف المناطق الحدودية الأكثر هشاشة في دول الساحل الخمس، ويقوم على أربعة محاور رئيسية هي: الأمن، والحكامة، والبنية التحتية، والصمود والتنمية البشرية. وهو جزء من «برنامج الاستثمارات ذات الأولوية»، الذي أعلن عنه في مؤتمر نواكشوط خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الذي يتطلب تنفيذه 2.4 مليار يورو، ما تزال تعهدات من المموّلين والشركاء، ما يثير إشكالية كبيرة تتعلق بمصادر التمويل.

وعود التمويل
تعتمد «مجموعة دول الساحل» في تنفيذ خططها مشاريعها على المنح والتبرعات التي تحصل عليها من المجموعة الدولية ويعد الاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية أكبر مموّلين لمشاريع وخطط المجموعة، في إطار دعمهما للحرب على الإرهاب في هذه المنطقة من العالم.
وكانت فرنسا قد رمت بثقلها عندما حاولت أن تدفع مجلس الأمن الدولي إلى وضع القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل تحت البند السابع للأمم المتحدة، وأن تكون مموّلة من طرف المنظمة الأممية، إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا وقفتا في وجه المشروع الفرنسي ورفضتاه بقوة بحجة أن الأمم المتحدة تعاني من «أزمة تمويل»، في ظل تزايد مصاريفها.
ومنذ ذلك الوقت تفاقمت أزمة التمويل التي تعاني منها المجموعة، التي عاشت تجربة صعبة العام الماضي. وهي تلاحق تعهدات بتمويل قوتها العسكرية المشتركة بقيمة 420 مليون يورو، ما يوحي بأن مهمتها ستكون صعبة، مع الإشارة إلى أن الممولين تعهدوا بمبلغ 2.4 مليار يورو خلال مؤتمر نواكشوط. ومن ثم، يتساءل العديد من المراقبين حيال الآلية التي ستعتمدها دول الساحل من أجل الحصول على هذه التمويلات وتحويلها إلى مشاريع ملموسة.
مسؤول رفيع في الأمانة الدائمة لدول الساحل الخمس، قال في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن قادة دول الساحل حاولوا استغلال العامل الزمني للضغط على الممولين، وذلك من خلال وضع استراتيجية يجري تنفيذ المرحلة الأولى منها على مدى ثلاث سنوات فقط. وهي تبدأ عام 2019 وتنتهي 2021. وبالتالي «لا وقت يمكن تضييعه في مطاردة الوعود»، كما يقول المسؤول الأفريقي.
ويضيف المسؤول أن الأمانة الدائمة لمجموعة دول الساحل «حاولت في خطتها المستقبلية الرفع من مستوى متابعة التمويلات عبر لجان مشتركة بين المجموعة وحكومات دول الساحل الخمس. وبدل أن تسعى كل حكومة منفردة للبحث عن تمويلات، فإن الدول الخمس ستتحرك ككتلة واحدة للضغط على أصحاب التعهدات حتى الوفاء بها». ويوضح المسؤول قائلاً إن دول الساحل «قدمت مشاريع واضحة ومبسطة ومدروسة للممولين، وهم تعهدوا بتمويل هذه المشاريع الجاهزة، وبالتالي فإن توجيه التمويلات لم يعد مشكلة مطروحة»، وفق تعبيره.
من جهة أخرى، يرى الخبير الاقتصادي الفرنسي ألين فوجاس أن دول الساحل قد تنجح هذه المرة في حشد التعهدات التي حصلت عليها، وذلك لأن «المشاريع التي قدمت للممولين كانت منطقية جداً، وأكثر واقعية من مشاريعها السابقة، التي كانت تتطلب حشد 15 مليار يورو. وهذا رقم فلكي بالمقارنة مع ميزانية المشاريع الحالية، التي هي 2 مليار يورو ستخصص لتمويل 40 مشروعاً من ضمنها تشييد سكة حديد تربط عواصم دول الساحل الخمس، وإنشاء شركة طيران موحدة، بالإضافة إلى مشاريع تستهدف سكان المناطق الحدودية كالطرق والتعليم والزراعة ومحاربة الفقر والتطرف والغلو».
ويضيف الخبير الاقتصادي الفرنسي أن دول الساحل حين طلبت هذه التمويلات أعلنت أنها ستساهم فيها بنسبة 13 في المائة، كما أن جزءاً كبيراً من التمويلات التي تعهد بها «تحالف الساحل»، تم رصدها بالفعل، وهذا يثير الحماس لدى بقية الممولين للوفاء بالتزاماتهم، وفق تعبير فوجاس.
ثم إن الأمانة الدائمة للمجموعة أكدت أن المشاريع التي تعمل عليها هي مشاريع «صغيرة الحجم»، أي أنها «قابلة للإنجاز» في الحيز الزمني المعلن عنه، وذلك تماشيا مع الدروس التي استخلصوها من مشاريعهم السابقة التي كانت كبيرة الحجم وصعبة التنفيذ. وبالتالي، دوماً تجد صعوبات في تمويلها وتنفيذها على أرض الواقع. كذلك تقول الأمانة الدائمة للمجموعة إن المشاريع التي سيصار إلى تنفيذها خلال العام الجاري مشاريع «سريعة التأثير». أي أنها في ظرف سنوات قليلة ستغير من حياة السكان المحليين، على غرار توفير المياه وتشييد شبكات طرق والتغطية بالهاتف والإنترنت وخلق فرص العمل، بالإضافة إلى توفير الأمن والاستقرار.

خطر الفساد
في المقابل، رغم الصورة الوردية التي يرسمها المسؤولون عن المستقبل الواعد لمنطقة الساحل الأفريقي، فإن خلف الألوان الزاهية الكثير من العيوب. ويشير الخبراء إلى أن أكبر عيب يمكن أن يفسد جميع الخطط التي وضعتها مجموعة الساحل للمستقبل هو الفساد، الذي تشير التقارير الدولية إلى أنه منتشر بقوة داخل دول الساحل الأفريقي، ويعيق عمل حكوماتها. وهذا يعني أنه سيشكل «خطراً حقيقياً» على جميع المشاريع والخطط التي أعلنت عنها المجموعة.
وعلى سبيل المثال، في موريتانيا – التي تعد البلد الأكثر تطوراً في مجال محاربة الفساد بالمقارنة مع بقية دول الساحل - أعلن الرئيس محمد ولد عبد العزيز منذ وصوله إلى السلطة عام 2008 حرباً على الفساد. ولكن رغم مرور أكثر من عشر سنوات على هذه الحرب، ما تزال التقارير تتحدث عن انتشار الفساد في البلاد. ولا تمر أشهر من دون اعتقال مسؤول أو رجل أعمال بتهمة الفساد.
ولكن، رغم انتشار المخاوف من أن تذهب هذه التمويلات إلى جيوب المفسدين، يشير مسؤول في الأمانة الدائمة لمجموعة دول الساحل إلى أن هناك «آليات» تم اعتمادها من أجل الحد من الفساد، وضمان توجيه هذه التمويلات إلى المشاريع المخصصة لها، وتنفيذها وفق المعايير والنظم المعتمدة دولياً. ويقول الخبير في البنية التحتية في مجموعة دول الساحل الخمس، ميكايلو سيديبي، إن المشاريع «سيشارك في تنفيذها مختلف الفاعلين على المستوى المحلي والإقليمي والوطني، وذلك من أجل ضمان التنفيذ الجيد والجودة العالية للمشاريع التي ستقام لصالح السكان».

الخطة الأمنية
الخطة الأمنية لدول الساحل الخمس خلال الفترة المقبلة تبدو واضحة الأهداف، ولكن تغيب وسائل محددة وخطط محكمة لتحقيق هذه الأهداف. ويقول في هذا السياق مسؤول أمني في «مجموعة دول الساحل» إن الأهداف الأمنية هي «ضرب المجموعات الإرهابية في الصميم، وتفكيك مسالك الإمداد التي تستفيد منها، وهي مسالك تنتشر عبر الحدود وتستغل غياب الدولة في مناطق واسعة من الساحل». ويضيف هذا المسؤول الأمني أن الهدف الأهم هو «طمأنة السكان المحليين في المناطق المتضررة. إنه عمل شاق وصعب، لكنه ضروري وسنستمر فيه من دون تردد ولا تقاعس».
وحقاً، السكان المحليون فقدوا الثقة في «مجموعة دول الساحل» وفي دولهم. ويقول العديد منهم إن المجموعة الدولية وهيئات التمويل الدولية ضخّت أموالاً طائلة في المنطقة ولكن هذه الأموال لم تنعكس على الأمن والاستقرار والتنمية، يقولون إنها ذهبت إلى جيوب المسؤولين الفاسدين، وبالتالي لا جدوى من حشد تمويلات جديدة.
ثم إن السكان المحليين باتوا يخافون جنود القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل، وبقية القوات المنتشرة في شمال مالي، لأنها في نظرهم أهداف للمجموعات الإرهابية، وبالتالي، فإنها تعرِّضهم لخطر الإرهاب بدل أن تحميهم منه. وهذا تناقض أفرزته الأوضاع الأمنية الصعبة في المنطقة.
ومن جهة أخرى، تثير العديد من المجتمعات المحلية الشكوك حول مدى التزام هذه القوات بالقانون وانضباطها، خاصة فيما يتعلق بتعاملها مع السكان المحليين من عرقيات الفلان والطوارق والعرب. إذ يتعامل أغلب هؤلاء الجنود معهم على أنهم «إرهابيون محتملون»، ويضعونهم دوماً محل شبهة، وربما يطلقون عليهم النار في أول لحظة شك. ولكن، مع وجود هذه التحديات، تحاول القوة العسكرية المشتركة أن تضع خططاً عسكرية بقيادة الجنرال الموريتاني حننا ولد سيدي، الذي تولى قيادتها منتصف العام الماضي، وما تزال تحاصره المشاكل الفنية واللوجيستية، في ظل تأخر تمويل هذه القوة العسكرية المشتركة التي يراهن عليها لخوض الحرب الأهم لتحقيق الرفاه في الساحل، الحرب ضد الإرهاب.

محطات مهمة في مسيرة «المجموعة»

- أسست «مجموعة دول الساحل الأفريقي» في شهر فبراير (شباط) 2014. ولكن التوقيع على اتفاقية تشكيلها بشكل رسمي لم يتحقق سوى في 19 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه في العاصمة الموريتانية نواكشوط.
- أطلقت «مجموعة دول الساحل» الخمس «قوة عسكرية مشتركة» في شهر يوليو (تموز) 2017. وجرى تشكيلها من أجل ثلاثة أهداف، هي: محاربة الإرهاب، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومكافحة تهريب البشر.
- «القوة العسكرية المشتركة» تتكون من 5 آلاف جندي، يتوزعون على 7 فرق عسكرية. وهي تنتشر في ثلاث مناطق رئيسية (الشرق، والوسط، والغرب).
- أول عملية ميدانية نفذتها هذه «القوة العسكرية» كانت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، بالتنسيق مع جيوش مالي والنيجر وبوركينا فاسو، على الحدود بين البلدان الثلاث.
- خلال مؤتمر انعقد في العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل، خلال شهر فبراير 2018. تعهد المموّلون والشركاء برصد 414 مليون يورو لصالح هذه القوة كي تكون فعالة.
- خلال مؤتمر انعقد بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018، تعهد الممولون والشركاء برصد 2.4 مليار يورو لصالح مشاريع تنموية ستنفذ خلال ثلاث سنوات في منطقة الساحل الأفريقي.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.