أحمد بان: مكتب الإرشاد أقصى معارضي جمال مبارك من التنظيم في 2009

القيادي الإخواني السابق قال لـ «الشرق الأوسط» إن «القطبيين» ضيعوا الجماعة.. و«تركتها لتعذّر جاهزيتها لإدارة دولة»

القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})
القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})
TT

أحمد بان: مكتب الإرشاد أقصى معارضي جمال مبارك من التنظيم في 2009

القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})
القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})

قال القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، أحمد بان، إن مكتب إرشاد الجماعة بدأ منذ انتخاباته الداخلية عام 2009 في إقصاء القيادات الإخوانية التي يشتبه في معارضتها لتولي جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، حكم مصر خلفا لوالده. وأضاف أن قيادات في التنظيم استخدمت «التزوير ما فوق الناعم» لعرقلة صعود أي شخصيات إخوانية إلى مراكز القرار في التنظيم إذا كانت تعارض ترحيب قيادات الجماعة بـ«توريث الحكم» في ذلك الوقت.
ويدير بان في الوقت الحالي مركزا للدراسات في مبنى بوسط القاهرة مجاور لميداني التحرير وطلعت حرب، بعد أن كان أحد مؤسسي حزب «الحرية والعدالة» التابع للإخوان، وعضو المؤتمر العام للجماعة. وتنتشر في محيط المنطقة اللافتات المؤيدة للدستور الجديد، ومعها لافتات منددة بجماعة الإخوان التي جرى تصنيفها من قبل الحكومة الأسبوع الماضي كـ«جماعة إرهابية».
وكشف بان، الذي عاش داخل التنظيم 20 عاما، عن أن سيطرة تيار «القطبيين» داخل الإخوان هي من ضيعت الجماعة. وتابع قائلا في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» إن الجماعة أصدرت أوامر لأعضائها بتجهيز مخيمات التدريب التربوية للموسم الشتوي، بينما كان ملايين المصريين يخرجون للشوارع في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) (كانون الثاني) 2011 التي أطاحت بحكم مبارك.
وانضم بان إلى الإخوان في محافظة القليوبية (شمال القاهرة) ليترأس شعبة هناك، قبل أن يترقى إلى المواقع القيادية بالجماعة، ثم يتركها في استقالة معلنة في مطلع عام 2012 لعدة أسباب متراكمة، منها تردد الإخوان في المشاركة في ثورة يناير، وعدم وجود أي فرص للمناقشة داخل التنظيم، والصدمة التي أصيب بها حين شاهد مستوى نواب الجماعة الذي «لا يمت إلى السياسة بصلة» في أول برلمان بعد ثورة يناير. وإلى أهم ما جاء في الحوار:
* منذ متى انضممت إلى جماعة الإخوان؟
- ارتبطت بالجماعة سنة 1990 في القليوبية. وكان تنظيم الإخوان وقتها شكل هياكله الحركية، الموجودة الآن، وذلك في ما يتعلق بكل المستويات، أي من مكتب الإرشاد إلى المكاتب الإدارية ومجالس المناطق ومجالس الشعب، وذلك كثمرة لجهود بدأت في عام 1982 مع ولاية (المرشد الإخواني الأسبق) محمد حامد أبو النصر رسميا، لكن فعليا كان المرشد وقتها هو مصطفى مشهور.
* يقال إن هذا كان أول بعث جديد للجماعة منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
- الجماعة بدأت تعمل منذ منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي على إعادة إحياء التنظيم. ووصل التنظيم إلى شكله الحالي مع بداية عام 1990. أنا ارتبطت به في ذلك الوقت وكان ما زال تنظيما سريا يعمل تحت الأرض، ولا يحظى بأي وجود قانوني. وحين انضممت إلى الجماعة تصورت أنها يمكن أن تكون رافعة للعمل الوطني الجاد، تنقذ البلاد من حالة الفساد والاستبداد، وحالة التردي القيمي في المجتمع المصري. لكن مع مرور الوقت، وخصوصا منذ عام 2005، بدأت أشعر أن الأمور تحدث فيها خلخلة، ففي هذا العام انتخب 88 نائبا من الإخوان في مجلس الشعب (البرلمان)، وكنت في هذا التوقيت دخلت «اللجنة السياسية» في الجماعة، ثم جرى إعداد لجنة برلمانية لخدمة نواب الجماعة.
* لكن كيف بدأت تشعر أن الأمور فيها «خلخلة»؟
- حين قرأت خطة الجماعة في البرلمان اكتشفت أنها ليست خطة عمل برلماني، وإنما خطة القسم الخاص بنشر دعوة الإخوان والتبشير بأفكار الجماعة من خلال منبر مجلس الشعب، ولا علاقة لها بالعمل السياسي. وأنا كنت ضد هذا، وكان ذلك أول محك بيني وبين التنظيم. كان المطلوب من وجهة نظري أن يقدم نواب الإخوان في برلمان (2005 - 2010) برامج تشتبك مع احتياجات الناس من دون شعارات زاعقة أو رموز تغازل عاطفتهم الدينية. لكن الجماعة كانت تتبع خطا ثابتا، وهو - طوال تاريخها - رفض الاستماع إلا للقيادة. ولا يوجد «أخذ وعطاء (نقاش)» في العلاقة بين الأعضاء والتنظيم. التنظيم كان لا يترك حق الكلام حتى للأفراد إلا في حدود، ولا يؤخذ في الحسبان.
* وكيف تطورت الأمور؟
- من خلال تجربة البرلمان، ومن خلال الكثير من الأحداث الأخرى، اكتشفت أنه لا يوجد عقل داخل هذه الجماعة، التي يمكن أن تصل إلى حكم الدولة، خصوصا أن رياح التغيير كانت بدأت تتحرك في ذلك الوقت، مع الزيارات التي كانت تقوم بها كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية حينذاك. لكن الجماعة أصرت على الاستمرار ببنيتها التقليدية التي تعتمد على أهل الثقة لا أهل الكفاءة. وظلت تعمل في إطار أشكال احتفالية أكثر منها الإعداد لقيادة دولة.
* لكن الجماعة كان لها وجود في الشارع إلى جانب حركات أخرى ظهرت في ذلك الوقت مثل حركة «كفاية».
- حركة «كفاية» هي التي فتحت الأفق السياسي لفكرة التغيير، وليس التعايش مع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. كنا في الإخوان دائما متأخرين خطوة عن حركة «كفاية». طوال الوقت كان لدينا خط أحمر بتجنب المطالبة بإسقاط نظام مبارك. الحديث دائما كان عن إصلاح النظام وليس تغييره. بنية الجماعة نفسها لا ترحب بفكرة الثورة أو التغيير الشامل أو الجذري. ومع حلول عام 2007، وإجراء التعديلات الدستورية آنذاك، بدا أن النظام السياسي حسم خياراته ويجهز لتوريث الحكم (من مبارك لنجله جمال)، وقبلت الجماعة بهذا الأمر وحدث جدل حول الموضوع، وعليه بدأت تحدث تغييرات داخل مكتب الإرشاد من خلال العمل على إبعاد كل العناصر التي تمثل إزعاجا للمجموعة التي لديها اتصالات بالولايات المتحدة وبجهاز أمن الدولة (الأمن الوطني المصري). وعلى هذا جرى تزوير انتخابات مكتب الإرشاد في عام 2009، وإخراج كل العناصر التي تمثل صداعا للقطبيين داخل الجماعة.
* هل كان هناك ما يثبت هذا «التزوير»؟
- يوجد نوعان من التزوير. تزوير خشن وتزوير ناعم. وعند الجماعة يوجد «التزوير فوق الناعم»، بمعنى توجيه الناخبين عن طريق نظام معين من خلال بعض القيادات التي تحظى بكلمة معتبرة داخل التنظيم، مثل القول - في أوساط الإخوان - إن «فلان الفلاني (المطلوب إسقاطه في الانتخابات)، أخ فاضل ربنا يبارك فيه، لكن مشكلته أنه ليس لديه وقت، وأحيانا يتأثر بكلام وسائل الإعلام، وأحيانا يتأثر بالنخب العلمانية ويبدو أن الفكرة (الإخوانية) لم تختمر داخله على نحو كافٍ». وهذا يعني أن فلانا لن يخوض الانتخابات (الداخلية في التنظيم) من الأساس، لأنه أصبحت هناك خشية منه على الدعوة.
* مَن مِن القيادات المعروفة تعرضت لمثل هذا النوع من «التزوير ما فوق الناعم»؟
- جرى صناعة هذا مع الكثير من رموز الجماعة، بدءا من عبد المنعم أبو الفتوح وحتى أصغر إصلاحي. كما أن بعض الرموز الأخرى تركت داخل الجماعة لكي تحسن فقط من مكانة الإخوان إعلاميا لأنها تمتلك القدرة على التفاعل مع النخب العلمانية والنخب السياسية عبر وسائل الإعلام، ولكي تمهد لحالة من حالات القبول وتحسين الصورة الذهنية للجماعة، بينما كان التنظيم ينشط في المحافظات ويقوم بوضع قيادات «قطبية» على كل مفاصل التنظيم بدءا من المكتب الإداري (للمحافظة) حتى مجلس المنطقة، وحتى أصغر وحدة وهي «مجلس الشعبة».
* ما المآخذ على القيادات «القطبية» التي أشرت إلى تمكنها من التنظيم؟
- القيادة القطبية مع حلم الوصول إلى الحكم بأي طريقة، لكنها تستبطن أن هذا المجتمع كافر، أو على الأقل جاهلي. ويرجع تاريخ المجموعة القطبية إلى عام 1965، وحين دخلوا السجون في ذلك الوقت أطلق عليهم «مجموعة تنظيم العشرات» لأنه حكم عليهم بـ10 سنوات في السجن. وخرجوا في عام 1975، وهذه المجموعة هي التي سيطرت على مفاصل المكاتب الإدارية (للإخوان) في مصر، وهي التي سيطرت على أهم لجنة داخل الجماعة وهي «لجنة التربية» لكي تصوغ العقل الجمعي لأفراد الجماعة استنادا إلى أفكار سيد قطب. وسيد قطب لديه فكرة مركزية تدور بين «الحاكمية»، وهي أنه «لا حاكمية إلا لله»، و«الجاهلية» وهي أن «هذا المجتمع ابتعد عن الإسلام»، ومطلوب طليعة (من الإخوان) لتجسيد الإسلام، حتى يقتدي بها المجتمع. ولهذا فإن فكرة التنظيم الحركي، وبدلا من أن تنساب داخل المجتمع، تحولت (بالإخوان) إلى فصيل أو طائفة دينية منعزلة تناصب المجتمع العداء، منذ عام 1965 حتى الآن.
* لكن الجماعة، مع ذلك، ظهرت سياسيا على السطح في عقد السبعينات.
- أجل. هذه المجموعة لجأت منذ ذلك الوقت إلى بعض الأمور الإصلاحية من أجل تسويق صورة ذهنية إيجابية للجماعة، خصوصا منذ ولاية (مرشد الإخوان الأسبق) عمر التلمساني عام 1973، وظهور المجموعة السياسية من الإخوان، خصوصا في الجامعات، في عقد السبعينات، مثل عصام العريان وأبو الفتوح والجزار والدفراوي وغيرهم من القيادات الطلابية في ذلك الوقت. ووضعت الجماعة على قضبان العملية السياسية، لكن مع وفاة التلمساني عام 1986 تعرضت هذه المجموعة لضربة قاصمة وجرى تنحيتها شيئا فشيئا حتى خرجت عن إطار توجيه التنظيم وكانت بعيدة عن تكوين العقل الإخواني، وظلت أقرب إلى «المسهل السياسي» للجماعة.
ومع عام 2010 والتزوير الفج لانتخابات البرلمان، بدا لكل المتابعين أن هناك تحولا خطيرا سيحدث في مصر. وفي هذا التوقيت كمنت الجماعة انتظارا لما سيحدث وترددت في دخول الثورة، وهذا التردد أساء لي وخلف لدي مرارة شديدة. واتصل بي أحد القيادات يوم 24 يناير 2011، وقال لي: نحن لا علاقة لنا بمظاهرات 25 يناير، وإن الجماعة تعد لمعسكرها الشتوي التربوي لأعضاء الإخوان. كان التاريخ يصنع في مصر بينما الجماعة منخرطة في بناء كهوف لأعضائها. وحتى يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011 لم تكن صدرت تعليمات لأعضاء الجماعة بالنزول إلى ميدان التحرير، بينما كان الكثير من شباب الإخوان يتوجهون إلى التحرير دون انتظار لتكليفات الجماعة. وبعد ذلك بدأ الإخوان يرسلون متظاهرين للميدان، لكنهم كانوا في نفس الوقت يتفاوضون مع السلطة.
* إذن متى بدأ النزول الفعلي للميادين؟
- لم يبدأ النزول الفعلي إلى المظاهرات إلا يوم 30 يناير 2011 بتكليفات صريحة. وكان لدى الجماعة استعداد للخروج من الميدان في مقابل السماح لهم بحزب سياسي وبحرية العمل للجماعة. لم نعلم بهذا إلا من الأحزاب وائتلافات شباب الثورة التي كانت تتفاوض وقتها مع عمر سليمان (رئيس المخابرات المصرية)، لأننا كنا معزولين عن قيادة الإخوان. وحين انتدبت إلى العمل في القسم السياسي المركزي في الإخوان، بدأت أسمع من قيادات الصف الأول مثل (محمد) البلتاجي و(عصام) العريان، ففوجئت بأنني أتعامل مع أناس براغماتيين جدا يستخدمون الدين كأداة، حتى إن العريان قال في مؤتمر للقسم السياسي (للإخوان) في 19 فبراير (شباط) 2011، في أعقاب تنحي مبارك، إن 90 في المائة ممن يسيرون معنا من تنظيم الإخوان يسيرون معنا بناء على العاطفة بينما نحن لا نعرف إلى أين نسير. وبهذا تكون لدي اعتقاد أنه توجد مجموعة في مكتب الإرشاد ليس لها علاقة بالسياسة ولا تملك الخيال السياسي وليس لديها إدراك للواقع ولتعقيدات الوضع الإقليمي والدولي. هم فقط كانوا قادرين على الرطانة اللطيفة التي تبين للمستمع أن لديهم رؤية، لكن في حقيقة الأمر لم يكن لديهم أي شيء.
* وربما هذا ما تسبب في فشل تجربتهم في الحكم خلال سنة؟
- نعم. ولأسباب كثيرة أخرى. هم لم يكونوا جادين في الانتصار لفكرة الدولة الوطنية الحديثة، والدولة بالنسبة لهم حلقة في مشروع.
* متى تركت جماعة الإخوان؟
- هذا كان قرارا صعبا جدا. استقلت من الجماعة بعد 20 سنة من الانضمام إليها. استقلت فعليا يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وعمري 42 سنة. ومن يصل داخل الجماعة إلى هذه السن لا يعتقد أن أمامه فسحة من الوقت لاتخاذ أي قرارات أخرى، وبالتالي إما أن يبقى عاطفيا مع الجماعة وغير قادر على اتخاذ أي مواقف ضدها، وإما أن ينزوي في صمت. وكنت أريد أن أنزوي لكنّ بعضا ممن أثق فيهم أشاروا علي بالتحدث، وعليه قمت بإعلان استقالة مسببة من الجماعة بعد ذلك، قلت فيها إن الجماعة غير معنية بمصر. وأرسلت الجماعة وفدا جلس معي مدة أربع ساعات لإثنائي عن إعلان قرار الاستقالة، قائلين لي إنها يمكن أن تؤثر على موقف الإخوان في الاستحقاقات الانتخابية التي كانت وقتها قادمة في الطريق، خصوصا في الدائرة التي كنت فيها في شمال القاهرة. ووعدوني بالجلوس مع من أريد من القيادات الكبيرة بمن فيهم المرشد. ووافقت، وبعد فوز الإخوان في انتخابات البرلمان في شهر يناير 2012، وحصولهم على نسبة 47 في المائة من المقاعد، جلست أشاهد أولى الجلسات في التلفزيون، فرأيت المصير الخطير للجماعة وللدولة.
* ولماذا تولد لديك هذا الإحساس؟
- تركيبة أعضاء البرلمان كانت تركيبة مخيفة. لم يكونوا رجال دولة. نواب كتلتي الإخوان مع حزب النور لم يكونوا يصلحون لإدارة دولة، ولم يكن يوجد بينهم نواب حقيقيون تحصيهم على أصابع اليدين. وحين جاءت انتخابات الرئاسة عام 2012، حاولنا من خلال ما كان يسمى بلجنة المائة (كانت تضم 100 من المثقفين والنخب) أن نقنع الإخوان بعدم الترشح للرئاسة. وحاولنا أن نقول للرئيس السابق محمد مرسي أن يتنازل (للمرشحين السابقين وقتها) حمدين صباحي أو عبد المنعم أبو الفتوح، لكن الجماعة كانت مصرة على السير في هذا الاتجاه، لأنه كان لديها تطمينات من الجانب الأميركي. ومرسي كان موظفا لدى الجماعة يجيد سماع تعليمات الإخوان.
* كثيرا ما يجري التطرق إلى علاقة الإخوان بالأميركيين. هل ترى أن هذا حقيقي؟
- تستطيع أن ترصد اجتماعات جرت بين الجانبين منذ عام 2007. ويوجد رصد لكل الاجتماعات العلنية والسرية التي جرت بين ممثلين للولايات المتحدة وجماعة الإخوان في تركيا وغيرها، وجرى فيها وضع الفكرة الرئيسة للتوظيف المتبادل بين الأميركيين من جانب والإخوان في تركيا ومصر وتونس من الجانب الآخر. ولمن يريد أن يتعامل مع المآلات فإنها تقول بوضوح إن الجماعة كانت تحتفظ بعلاقات جيدة جدا مع الولايات المتحدة. طالع ابتسامة المرشد في لقاءاته مع السفيرة الأميركية لدى مصر في ذلك الوقت، ومستوى الحميمية في العلاقات، مقابل تجهمه في وجوه شباب الإخوان، ستجد الفارق.
* ما علاقة جماعة الإخوان بالجمعيات الخيرية التي قررت الحكومة تجميد أرصدة نحو ألف منها الأسبوع الماضي؟
- قامت جماعة الإخوان بتوظيف شبكة العلاقات الاجتماعية بالاتصال مع المجموعات الدينية الأخرى مثل الجمعية الشرعية وأنصار السنة وغيرهما. وجماعة الإخوان تمكنت من توظيف الكثير من مثل هذه الجمعيات لصالحها. حين تترك الدولة فراغا في الاحتياجات الاجتماعية فلا يجب أن تلوم أحدا على أنه ملأ هذا الفراغ، بل يجب على الدولة أن تلوم نفسها. وقد وظفت جماعة الإخوان هذا الفائض المالي في العمل الخيري لصالحها، ومن بينها جمعيات تعود نشأتها لمائة سنة مضت، أي أنها أقدم من نشأة الإخوان. ومن يظهر في الصورة في تقديم الخدمات للمحتاجين يحصل على أصواتهم في الانتخابات، كما حدث مع الجماعة وباقي التيارات الدينية.
* هل يمكن لتصنيف الإخوان كـ«جماعة إرهابية» أن يقلم أظافرها أو يجبرها على الدخول في تفاهمات مع الدولة؟
- الجماعة تاريخيا راكمت كل الخبرات تحت مظلة غياب المشروعية القانونية. فما الجديد؟ وما الفرق عن كونها جماعة منحلة أو محظورة (كما كان في الماضي)؟ النتيجة واحدة. أنت أمام فصيل لا يقل هيكله الإداري عن 50 ألف شخص، أي أنه يوجد للجماعة 30 مكتبا إداريا على مستوى المحافظات، يتبعها 230 منطقة، وهذه الأخيرة يتبعها 2000 شعبة على مستوى الجمهورية، أي أنك أمام 50 ألفا في الجماعة و5 آلاف في الحزب (الحرية والعدالة). فهل في إمكان الدولة أن تلقي القبض على 55 ألفا وتحاكمهم؟ لذلك أرى أن قرار تصنيف الجماعة كجماعة إرهابية يصعب تطبيقه.
* ما علاقة الإخوان بالتنظيمات المتشددة، حيث إن البعض يذهب إلى أن لها تعاونا مع تنظيم القاعدة، خصوصا في ليبيا؟
- تاريخيا، جماعة الإخوان أول جماعة سلكت طريق العنف، بتأسيسها للنظام الخاص عام 1940 الذي لم تعرف حقيقته إلا عام 1948 عند القبض على سيارة الجيب الشهيرة التي كشفت القضية. وتوالت أحداث العنف والاغتيالات بعد ذلك، لكن الجماعة أيقنت أن هذا المسار مغلق في عام 1966 مع آخر الإعدامات التي طالت سيد قطب ومن معه، لكن خرجت مجموعات أخرى بدأت تنشط منذ عقد السبعينات مع حادثة الفنية العسكرية ثم اغتيال الشيخ الذهبي ثم اغتيال الرئيس محمد أنور السادات، وبعدها الموجة التي ضربت مصر في الثمانينات والتسعينات على يد جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، لكن حتى غالبية قيادات هذه الجماعات قدمت مراجعات حقيقية (بنبذ العنف) منذ عام 1995، أما القيادات الأخرى فلجأت إلى الاتصال بأيمن الظواهري (تنظيم القاعدة)، وهي التي تنشط الآن سواء في سيناء أو في الوادي. والقوى الأكبر الموجودة منها اليوم «أنصار بيت المقدس»، وهي نتاج تزاوج بين مائة عنصر من عناصر ألوية الناصر صلاح الدين، وهو تنظيم فلسطيني في غزة، مع «التوحيد والجهاد» في سيناء. وخرج عنه أيضا خلية أخرى أكثر تدريبا هي «كتائب الفرقان» وهي الأخطر. وفي هذا التوقيت قامت السلطات المصرية بضرب تجارة الأنفاق وتجارة السلاح (بين سيناء وغزة)، فخرج حلف مقدس بين تجار الأنفاق وتجار السلاح والمجموعات التكفيرية، وهؤلاء يسعون لإنهاك الدولة المصرية، حتى تعود تجارتهم لسيرتها الأولى. وهذا يصب في نفس السيناريو الذي تعمل عليه جماعة الإخوان وهو إنهاك الدولة. أنت اليوم أمام حالة تقاطع مصالح. وجهات التحقيق والقضاء هي من تقول إن كان هذا يحدث بتنسيق أو بتعاطف بين تلك المجموعات وجماعة الإخوان، أم لا.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.