ترجمات النص القرآني وانتشاره في أوروبا منذ العصر الوسيط

المفوضية الأوروبية تخصص 10 ملايين يورو لتمويل المشروع

المؤرخة الإسبانية مرسيديس غارسيّا
المؤرخة الإسبانية مرسيديس غارسيّا
TT

ترجمات النص القرآني وانتشاره في أوروبا منذ العصر الوسيط

المؤرخة الإسبانية مرسيديس غارسيّا
المؤرخة الإسبانية مرسيديس غارسيّا

تعتبر المؤرخة الإسبانية المعروفة مرسيديس غارسيّا، أن معاملة الأقليّات في أي مجتمع هي المقياس الأساسي الدّال على رقي هذا المجتمع ومستوى أخلاقيّاته، وهي تنكبّ منذ سنوات على دراسة العلاقة بين المسيحيين والمسلمين واليهود، خصوصاً في الأماكن والفترات السابقة التي كانت إحدى هذه المجموعات أقليّة خلالها بالنسبة للأخرى. ونظراً لأهميّة الدراسات التي أجرتها غارسيّا حتى الآن، قرّرت المفوضية الأوروبية تخصيص 10 ملايين يورو لتمويل مشروع كبير للبحث تشرف عليه هذه المؤرخة المرموقة ويدور حول النص القرآني المقدّس.
«القرآن الأوروبي» هو عنوان المشروع الذي ستسعى غارسيّا من خلاله، في معيّة فريق من المؤرخين والأخصائيين، إلى دراسة مختلف الحركات الدينية، والمناهضة للدين، التي قامت في كنف الأديان السماويّة الثلاث، وكيف تفاعلت مع بعضها إبّان الألف الماضي في القارة الأوروبية. يدوم هذا المشروع 6 أعوام يتناول الباحثون خلالها انتشار القرآن وتفاسيره وترجماته واستخداماته في أوروبا منذ العصر الوسيط حتى عصر التنوير. ويركّز على مدى تأثير النص القرآني، من حيث كونه نصّاً مقدّساً ورمزاً «لناس غرباء» في التاريخ الفكري والثقافي للغرب الأوروبي. عن هذا التأثير تقول غارسيّا إنه «أكبر بكثير، وأعمق، مما نعرف ونعتقد».
وتستغرب كيف أن الانطباع العام السائد اليوم هو أن الإسلام موجود في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد انهيار الأنظمة الاستعمارية وما تلاها من هجرات. وتؤكد أن هذا الانطباع لم تهتمّ المؤسسات الثقافية والفكرية بتصويبه، لا بل ساهم بعضها في ترسيخه، بجانب الحقائق والبديهيّات والوقائع التاريخية الموّثقة التي تبيّن أن «التلاقح بين الإسلام وأوروبا يعود لقرون بعيدة وما زالت آثاره فاعلة بقوة في جوانب شتّى من الحياة الاجتماعية والثقافية الأوروبية». وتعتبر غارسيّا أن هذا المشروع، إضافة إلى أهميته العلمية، من شأنه أن يساعد على تصويب الأفكار الخاطئة وتبديد الشكوك المزروعة «لأن المعرفة سلاح قوي في وجه المعتقدات الهدّامة».
تجدر الإشارة إلى أن مجلس البحوث الأوروبي الذي يقرّر هذه المساعدات، يخصصها عادة للعلوم الطبية والطبيعية، ويشترط أن يكون فريق البحث متعدد الجنسيات والاختصاصات، وأن تعود نتائج أعماله بالمنفعة المباشرة على مشروع الوحدة الأوروبية. وتعمل غارسيّا منذ سنوات في مركز العلوم الإنسانية والاجتماعية التابع للمجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا، ويعاونها في هذا المشروع الذي وصفه المجلس الأوروبي بالمِقدام، باحثون من جامعات إيطالية وبريطانية وفرنسية. وسيعمد الفريق في المرحلة التمهيدية إلى وضع قاعدة بيانات جغرافية لكل المخطوطات والترجمات والنصوص التي لها صلة بالقرآن والموجودة في أوروبا. وستكون هذه القاعدة الإلكترونية في الصيغة المعروفة باسم «Open Access»، أي متاحة بشكل مجاني للجميع، وأساساً لكل البحوث اللاحقة.
لكن الباحثين سينطلقون من معلومات وافرة ومتراكمة طوال سنوات كثيرة من الدراسات، إذ يعرفون مثلاً أن الترجمات الأولى لنصوص القرآن إلى اللاتينية قامت بها مجموعات من الرهبان في القرن الثاني عشر «لمجادلة المسلمين ومحاولة إقناعهم بالارتداد واعتناق الديانة المسيحية» كما تقول غارسيّا. ومع انهيار الدولة الإسلامية نهائياً في الأندلس أواخر القرن الخامس عشر تراجع حضور النصوص القرآنية في النقاش الفكري والديني في أوروبا، إلى أن عادت للظهور في الجدل بين المذاهب المسيحية أولاً ثم بين الكنيسة والتيّارات العلمانية التي كانت تستند إلى بعض هذه النصوص لدعم مواقفها الرافضة لبعض المعتقدات المسيحية. وتشير غارسيّا إلى الدور الذي لعبته حركة الإصلاح البروتستانتية على الصعيدين الفقهي واللغوي عندما استندت إلى بعض النصوص القرآنية لدعم موقفها الرافض لسلطة الكنيسة.
ومن المنتظر أن يسلّط مشروع «القرآن الأوروبي» الضوء على مراحل التاريخ الأوروبي التي نشطت فيها حركة تعلّم لغة القرآن وترجمتها وطباعتها «إذ يهمّنا أن نعرف من كان يموّل تلك الترجمات، ويحمّل النصوص القرآنية المعاني والمقاصد التي تخدم غايات معيّنة». كما سيقوم فريق الباحثين بتحليل مئات النسخ القرآنية الأوروبية، المخطوطة والمصوّرة والمترجمة، أو المكتوبة بالإسبانية، لكن بأبجدية لغة الضاد (Aljamiado)، على أن يُعرض جزء من هذه المجموعة النفيسة لاحقاً ضمن تظاهرات ثقافية تأكدت تواريخها في المتحف البريطاني بلندن ومكتبة الفاتيكان بروما والمكتبة الوطنية الإسبانية في مدريد.
وتضيف المؤرخة غارسيّا: «يهمّنا كثيراً أيضاً أن نتشاطر هذه المعلومات مع أساتذة المدارس الثانوية وطلابها. مثل هذا النشاط موجود منذ سنوات في بلدان مجاورة مثل فرنسا وبريطانيا، لكن في إسبانيا تحديداً لا تتطابق المناهج التعليمية مع طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه والنشوء التاريخي لهويته الثقافية. لقد سلّمنا طوال قرون بأن الهوية الإسبانية هي مرادف للهوية الكاثوليكية، لكن ذلك لم يعد صحيحاً اليوم. لا شك أن لإسبانيا موقعها الخاص في تاريخ أوروبا الديني، وشبه الجزيرة الإيبرية كانت المنطقة الأوروبية الوحيدة التي احتضنت، إلى جانب أقليّات يهودية كبيرة، أقليّات مسلمة معترف بها رسمياً حتى أواخر القرن الخامس عشر».
وتشكو غارسيّا من أن إدراك مفهوم الإسلام في إسبانيا ينطلق من تعبئة آيديولوجية مكثّفة ما زالت تصرّ على أن الأندلس ليس من العناصر المكّونة للتاريخ الإسباني «... كما لو أن الهويّة الإسبانية تشكّلت بفعل طرد المسلمين من إسبانيا». لكنها تشير أيضاً إلى أن ثمّة رؤية أخرى أسطورية، وبالتالي آيديولوجية، تشيد بالتمازج الخصب مع الإسلام، وبالتسامح الذي ساد العلاقات بين الثقافات الثلاث خلال العصور الوسطى في إسبانيا.
لا تؤمن غارسيّا بالنقاء العرقي، خصوصاً من حيث المفهوم الثقافي للعرق، وتعتبر أن كل الهويّات «ملوّثة» بنسبة أو بأخرى «لأن المرء لا بد أن يتأثر حتى بالعدو الذي يحارب ضده». وتحذّر من الاستحضار الساذج والمزيّف لمراحل تاريخية كان يسود مجتمعاتها الوئام التام والانسجام «لأن في ذلك مغالطة وتزويراً للواقع يستغلّه أصحاب المآرب والمشروعات المشبوهة».



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».