البنك الدولي يحذِّر من تفاقم ديون الدول الفقيرة

البنك الدولي يحذِّر من تفاقم ديون الدول الفقيرة
TT

البنك الدولي يحذِّر من تفاقم ديون الدول الفقيرة

البنك الدولي يحذِّر من تفاقم ديون الدول الفقيرة

اعتبر تقرير صادر عن البنك الدولي أن ديون الدول الفقيرة ترتفع بشكل كبير، محذراً من «انحدار المسار على نحو خطر»، لكن التحذير لم يرقَ بعد إلى درجة الإنذار بوجود بأزمة وشيكة الوقوع.
والتقرير يتناول 33 بلداً منها 27 في أفريقيا جنوب الصحراء، ويتقاطع مع تقارير أخرى عن نفس القضية نُشرت خلال الأشهر القليلة الماضية. وتجاوزت ديون تلك الدول إلى ناتجها نسبة 50% في 2018 مقابل 30% في 2013.
ويشير التقرير إلى قفزات مقلقة في نسبة الدين إلى الناتج في عدد من البلدان مثل غامبيا التي ارتفعت فيها تلك النسبة من 60 إلى 88%، وتلتهم كلفة قروض الدولة 42% من إيراداتها.
وفي موزمبيق حدث تعثر في السداد بعدما قفزت نسبة الدين إلى الناتج من 50 إلى 102% بين 2013 و2018.
ووفقاً للبنك الدولي، هناك الآن 11 دولة من أصل 33 تعاني من تراكم ديون فوق طاقتها، ولم يكن العدد إلا 5 في عام 2015، ولهذه الدول خصائص مشتركة أبرزها احتدام الصراع الداخلي والفساد واعتماد اقتصاداتها على إنتاج المواد الأولية فقط. وكانت تلك الدول قد شرعت في التوسع في الاستدانة منذ عام 2000، عندما بدأت تشهد نمواً اقتصادياً بأكثر من 10% في بعض الفترات بعد شطب ديون واسع النطاق استفادت منه بفضل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وكانت آنذاك أسعار المواد الأولية منتعشة جداً، ما دفع الحكومات إلى جذب رساميل أجنبية كثيفة لتمويل الاستثمار والاستهلاك. لكن هبوط أسعار المواد الأولية بشكل كبير بين 2014 و2016 قلب المعادلة رأساً على عقب، فتراجعت قيم الصادرات وانخفضت أسعار العملات المحلية وتعمقت فجوات العجز في الموازنات.
لكنّ تقرير البنك الدولي لا يتناول فقط صعود مستويات ديون الدول منخفضة الدخل بل أيضاً يركز على الدائنين وكيف تغيّروا بين حقبتين، إذ زاد اعتماد الدول الفقيرة على دائنين غير تقليديين. وتراجع اللجوء إلى القروض التنموية متعددة الأطراف ذات التكلفة المنخفضة في مقابل ارتفاع الاستدانة من شركاء تجاريين أو أسواق الدين الدولية بفوائد مرتفعة.
وفي السنوات القليلة الماضية، غامر عدد من الدول الفقيرة بخوض غمار الاستدانة من أسواق المال الدولية، فإثيوبيا، على سبيل المثال، ورواندا والسنغال وتنزانيا، أطلقت إصدارات بالدولار أو اليورو بفوائد باهظة. ووصلت تلك القروض حالياً إلى استحقاقات سدادها، وعلى الدول المدينة البحث عن إعادة تمويل لأن ميزانياتها لا تسمح بالسداد، لكن أسواق الدين الدولية حالياً غير متحمسة لذلك والمستثمرون على جانب كبير من الحذر.
إلى ذلك، يكشف التقرير أن الصين تحولت بالنسبة إلى تلك الدول، سيما الأفريقية منها، إلى دائن كبير، علماً بأن الصين ليست عضواً في نادي باريس الذي يجمع بين أعضائه دولاً غنية تنظر في شطب ديون لدول فقيرة أو تساعدها في إعادة هيكلة قروضها على نحو ميسّر السداد بكلفة فوائد أقل وآجال استحقاقات أطول. ويتوقع التقرير حصول تفاوت في التقدير بين دائني الدول الفقيرة في حالة التعثر. وما يزيد الطين بلة، وفقاً لتقرير البنك الدولي، أن القروض الممنوحة من دائنين غير تقليديين مربوطة بضمانات مثل اتفاقات مقابل بضائع وسلع أولية أو بترول أو رهن بنى تحتية، أو ضمانات أكثر تعقيداً وغير شفافة كفاية.
وإلى جانب نصائحه التقليدية الخاصة بزيادة الإيرادات الضريبية، يدعو البنك الدولي الدائنين والمدينين إلى المزيد من الشفافية في إعلان تلك الديون وكشف المستور منها في عدد من الدول. فقد اكتشف صندوق النقد الدولي العام الماضي ديوناً في موزمبيق غير مدرجة حسب الأصول في الحسابات الوطنية، وعند إدراجها تضاعفت نسبة الدين إلى الناتج، وارتفعت كلفة الدين من 2.6% من الناتج إلى 16%.
ويحذِّر التقرير من تراجع دور صندوق النقد والبنك الدوليين في مساعدة تلك الحكومات خصوصاً مع إحجام الدول الفقيرة عن طلب المساعدة من المؤسستين المذكورتين علماً بأنهما كانتا ضمن المجموعة التي ساهمت بقوة عام 2000 في تخفيف أعباء ديون الدول الفقيرة، وانخفضت نسبة ديون تلك الدول إلى ناتجها من 100% في عام 2000 إلى 30% في 2013.
ويشمل تحذير التقرير تجاوز العجز في 12 دولة فقيرة نسبة 3% من الناتج كما في 2017 و2018.
ويقول البنك: «لا يشكل الدين عبئاً خطراً إذا كانت القروض موجّهة إلى الاستثمار في البنى التحتية أو الاستثمارات عموماً، سيما التي ترفع الإنتاج وتخلق فرص عمل وتدفع النمو الاقتصادي قدماً، وبالتالي تتولد منها إيرادات تسد الدين وكلفته». ويضرب على ذلك عدة أمثلة ناجحة في مدغشقر ومالي وغينيا بيساو ونيبال، في مقابل دول أخرى أخطأت في توجيه الديون ناحية الاستهلاك الجاري غير المولد لفرص العمل ولا يترك أثراً إيجابياً في دينامية النمو. ففي عدد من دول أفريقيا جنوب الصحراء ارتفعت القروض بفعل زيادات رواتب الموظفين، والأسوأ حسب التقرير، استخدام بعض القروض لمراكمة أصول خاصة في الخارج، مثل إقدام مسؤولين حكوميين على شراء قصور خارج بلدانهم.
وإذا كان التقرير لا يدق جرس اندلاع أزمة مالية، فإنه في الوقت نفسه يدعو إلى الإسراع في وضع معالجات فورية قبل فوات الأوان، لأن الفوائد العالمية تتجه إلى مزيد من الارتفاع مقتفية أثر مسار رفع الفائدة الأميركية على الدولار.


مقالات ذات صلة

لجنة سورية لتهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي

المشرق العربي «بانكسي السوري» يشير إلى جدارية رسمها على جدار مبنى قبل فراره من داريا عام 2016 (أ.ف.ب)

لجنة سورية لتهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي

أصدر الرئيس السوري مرسوماً بتشكيل لجنة مهمتها تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي إليها.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يستقبل رئيس مجموعة البنك الدولي (الخارجية المصرية)

مصر تعوّل على مشاركة البنك الدولي في جهود إعمار غزة

تعوّل مصر على مشاركة فعالة للبنك الدولي في جهود إعادة إعمار قطاع غزة، ضمن خطة وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص خلال زيارة رئيس البنك الدولي مصانع «الجيوشي» في مدينة العاشر من رمضان شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة (البنك الدولي)

خاص رئيس البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: لا أحد يمكنه حالياً تقدير تبعات التصعيد في المنطقة

قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم الاستقرار ليس جيداً لأي منطقة»، مؤكداً أن العامل الحاسم في تقدير حجم التداعيات هو مدى استمرار الصراع.

لمياء نبيل (القاهرة)
شمال افريقيا سفينة الغطس «HUA RUI LONG» إحدى أكبر حاملات المثقلات في العالم تعبر المجرى الملاحي الجديد بقناة السويس الأسبوع الماضي (هيئة القناة)

مصر تتحسّب من تداعيات حرب إيرانية طويلة الأمد

تتحسب مصر من تداعيات إطالة أمد الحرب الإيرانية الحالية على أوضاعها الاقتصادية الداخلية وسط توقعات بتأثر عائدات قناة السويس التي لم تتعافَ بعدُ من آثار حرب غزة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الاقتصاد الدكتور ماجد القصبي وآنا بيردي خلال افتتاح مقر مركز المعرفة بالسعودية (الشرق الأوسط)

البنك الدولي يفتتح مقر مركز المعرفة في السعودية

افتتح وزير التجارة رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للتنافسية الدكتور ماجد القصبي، والمدير المنتدب لشؤون العمليات بمجموعة البنك الدولي آنا بيردي، مقر مركز المعرفة

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أوروبا تحت ضغط أسعار الطاقة 2026... لماذا لن تُكرر حزم 2022؟

منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)
منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تحت ضغط أسعار الطاقة 2026... لماذا لن تُكرر حزم 2022؟

منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)
منظر عام لمصنع إعادة الغاز في خليج بيسكايا بمدينة زيربينا الباسكية الإسبانية (أ.ف.ب)

أدى ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران إلى وضع الحكومات الأوروبية تحت ضغط لتقديم الدعم للأسر والشركات، لكن الضغوط المالية في بعض الاقتصادات الكبرى تحد من قدرتها على التحرك.

وهذا يجعل من غير المرجح أن تقدم الحكومات نفس الدعم الشامل الذي تم تقديمه بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا قبل ثلاث سنوات، عندما بلغت الإعانات والمساعدات الأخرى مئات المليارات من اليورو، وفق «رويترز».

وبالنظر إلى أزمة الطاقة في 2022، التي زادت من المخاوف بشأن تكلفة المعيشة وأثارت غضب الناخبين، بدأت الحكومات بالفعل في التحرك، بما في ذلك الإفراج القياسي عن احتياطيات النفط.

عرض أسعار الوقود بمحطة بترول في براغ بجمهورية التشيك (إ.ب.أ)

فقد اتخذت فرنسا واليونان وبولندا تدابير مثل تحديد سقوف لأسعار النفط، وقيود على هوامش الربح، وخصومات – وهي إجراءات لا تكلف المال العام كثيراً – في حين تسعى ألمانيا لتنظيم أسعار الوقود عند المضخات.

مع ذلك، قد تضطر الحكومات إلى القيام بالمزيد إذا استمرت الضغوط.

وقال فرانك جيل، محلل وكالة «ستاندرد آند بورز رايتنغز» لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا: «إذا انقطعت شحنات الغاز القادمة من قطر لأسابيع إضافية وارتفعت الأسعار، فمن المرجح أن تتدخل الحكومات وتعيد تقديم بعض الإعانات».

ولا تزال الحكومات غير قادرة على التنبؤ بمستويات أسعار الطاقة المتقلبة، لكنها واضحة في حذرها تجاه اتخاذ تدابير مالية كبيرة.

وقالت بريطانيا إنه من السابق لأوانه تجميد ضريبة الوقود، في حين رفضت الحكومة الفرنسية دعوات المعارضة لخفض ضريبة القيمة المضافة على البنزين. أما إيطاليا فتدرس استخدام إيرادات ضريبة القيمة المضافة الناتجة عن ارتفاع الأسعار لتمويل خفض ضريبة الوقود.

ناقلات النفط وناقلات الغاز تنتظران بخليج «فوس سور مير» في جنوب فرنسا (إ.ب.أ)

ويختلف الوضع عن 2022؛ إذ تركت جائحة «كوفيد-19» وأزمة الطاقة التي أعقبتها العجز في الموازنات الأوروبية أعلى بنحو ثلاث نقاط مئوية مقارنة بعام 2019، بحسب جيل.

كما أن النمو الاقتصادي أضعف من أربعة أعوام مضت، وتكاليف الفائدة أعلى، في حين أن الحكومات الأوروبية تزيد بالفعل من الإنفاق الدفاعي. وألمانيا تقوم بزيادة الاقتراض لتمويل خطة تحفيز ضخمة.

أسعار النفط قرب ذروتها في 2022 لكن الغاز يختلف

على الرغم من أن أسعار النفط اقتربت هذا الأسبوع من 120 دولاراً للبرميل، قريبة من ذروتها في 2022، فإن وضع الطاقة في أوروبا ليس مماثلاً لذلك العام. فقد ارتفعت أسعار الغاز بأكثر من 50 في المائة منذ بداية الحرب، لكنها لا تزال نحو سدس المستويات التي تجاوزت 300 يورو لكل ميغاواط/ ساعة في 2022. كما أن أوروبا لا تتسرع في استبدال مورد واحد كما فعلت مع روسيا. لكن إذا استمرت الأسعار المرتفعة واضطرت الحكومات لتقديم دعم، فقد يزيد ذلك الضغوط المالية في فرنسا وبريطانيا نظراً لعجز موازنتيهما الكبير، وفقاً لما قاله فيديريكو باريغا-سالازار، رئيس التصنيفات الغربية الأوروبية في وكالة «فيتش».

وفي وسط أوروبا، تواجه المجر مخاطر على تصنيفها الائتماني الاستثماري بسبب الدعم السخي القائم قبل الانتخابات المقررة في أبريل (نيسان).

أما إسبانيا والبرتغال واليونان، فتمتلك أوضاعاً مالية أفضل، لكن زيادة الإنفاق قد تؤثر على تعافيها. أما إيطاليا، التي أحرزت تقدماً في إصلاح أوضاعها المالية، فقد تواجه صعوبة في الحفاظ على الانضباط المالي إذا تباطأ النمو.

أبراج كهرباء وخطوط نقل الطاقة عالية الجهد عند غروب الشمس في «فوس سور مير» بفرنسا (رويترز)

التدابير المستهدفة

نظراً لمحدودية الموارد، سيكون الدعم هذه المرة محدوداً وأكثر استهدافاً مقارنة بعام 2022، بحسب اقتصاديي «باركليز»، وهو ما أكدت عليه بريطانيا وألمانيا.

وقالت «مورغان ستانلي» إن التدابير التي نفذتها حكومات منطقة اليورو لدعم الطاقة في 2022 شكلت نحو 3.6 في المائة من الناتج، عندما تم تعليق قواعد الاتحاد الأوروبي للحد من العجز خلال الجائحة. والآن، تقدر «مورغان ستانلي» أن الدعم الممكن لا يتجاوز 0.3 في المائة من الناتج سنوياً مع الالتزام بالقواعد.

منظر عام لمصنع «أرسيلور ميتال» في جنوب فرنسا (إ.ب.أ)

وأضافت «مورغان ستانلي» أنه إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً لأكثر من شهر وظهرت مؤشرات على ضعف النمو، فقد يسمح الاتحاد الأوروبي لبعض الدول بالانحراف مؤقتاً عن القواعد، متوقعة أن تنفق حتى 0.6 في المائة من الناتج سنوياً لتمويل تدابير مستهدفة.

وقالت إن تعليق قواعد الاتحاد الأوروبي مرة أخرى يتطلب ركوداً شديداً.

وأشارت إلى أن ارتفاع تكاليف الديون يشكل قيداً إضافياً؛ إذ قال غريغوار بيسك، المدير التنفيذي للاستثمارات في إدارة الدخل الثابت لدى «أوموندي»: «لا أرى أي دولة كبيرة على صعيد الإنفاق المالي في الوقت الحالي لأنها تخشى العقوبة».

وأصبح مستثمرو السندات أكثر حساسية تجاه الانحرافات المالية في السنوات الأخيرة، وكانت بريطانيا وفرنسا تحت المراقبة. أما ألمانيا ذات الديون المنخفضة، وإسبانيا ذات النمو المرتفع، فتمتلكان مساحة أكبر للتحرك.

وسيكون مدى قدرة أي تدابير دعم على الاستمرار مرتبطاً بقدرة الحكومات على تعويض التكاليف.

إحدى الاستراتيجيات هي فرض ضرائب استثنائية على شركات الطاقة، التي طبقتها العديد من الدول الأوروبية سابقاً، وأشارت إيطاليا إلى أنها ستطبقها مرة أخرى. لكن جيل أشار إلى أن الإيرادات في المرة السابقة كانت بعيدة عن تغطية تكلفة الإعانات.

وينتقد بعض الخبراء الإعانات وحدود الأسعار، بحجة أنها قد تزيد الطلب على الطاقة، وتضغط صعوداً على الأسعار المرتفعة بالفعل.

وقال جورج زاخمان، زميل أول في مركز البحوث «بروغل»: «على المدى القصير، الخيار الأفضل هو تمكين وتحفيز تخفيض الطلب على الطاقة».


تحقيقات «الفائض الإنتاجي» تفرمل المفاوضات التجارية بين نيودلهي وواشنطن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)
TT

تحقيقات «الفائض الإنتاجي» تفرمل المفاوضات التجارية بين نيودلهي وواشنطن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي أثناء حضورهما مؤتمراً صحافياً مشتركاً في البيت الأبيض - 13 فبراير 2025 (رويترز)

أفادت 4 مصادر هندية بأن الهند ستؤجل توقيع اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة لعدة أشهر، في ظل التحقيقات الجديدة التي تجريها إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن ما وصفته بفائض الطاقة الإنتاجية الصناعية لدى الشركاء التجاريين، ما يضيف مزيداً من التوتر بعد التوصل إلى تفاهم مبدئي الشهر الماضي.

وكانت نيودلهي تتوقع في البداية توقيع اتفاقية مؤقتة في مارس (آذار)، تليها اتفاقية كاملة لاحقاً، بعد أن وافق ترمب في أوائل فبراير (شباط)، على خفض الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة على الواردات الهندية مقابل التزامات تشمل وقف واردات النفط الروسي، وخفض الرسوم على البضائع الأميركية، والتعهد بشراء منتجات أميركية بقيمة 500 مليار دولار، وفق «رويترز».

وقالت المصادر إن هذا الجدول الزمني قد يتأخر الآن لعدة أشهر، على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين يقولون إنهم يتوقعون من الهند الوفاء بالتزاماتها. ورفض المسؤولون الهنود، الذين لديهم جميعاً معرفة مباشرة بالموضوع، الكشف عن أسمائهم لأنهم غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

وفي تصريح منفصل، نفى متحدث باسم وزارة التجارة الهندية أي توقف في المفاوضات الثنائية، مؤكداً: «نؤكد مجدداً أن الجانبين ما زالا يسعيان إلى إبرام اتفاقية تجارية تعود بالنفع على الطرفين»، دون الخوض في تفاصيل توقيع الاتفاقية رسمياً.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تواصل العمل مع الهند لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية. وأفادت المصادر الحكومية الهندية بأن المفاوضات فقدت زخمها بعد أن ألغت المحكمة العليا الأميركية في أواخر فبراير، الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، مضيفةً أنه لم تُجرَ أي محادثات جوهرية منذ ذلك الحين، لا سيما مع انشغال واشنطن بالحرب على إيران. ولم توقف الهند مشترياتها من النفط الروسي؛ بل خففتها فقط، ويحث المسؤولون الأميركيون الآن نيودلهي على زيادة مشترياتها للمساعدة في تخفيف أزمة الطاقة العالمية الناتجة عن النزاع.

ويزيد تعقيد الأمور التحقيق الأميركي الجديد فيما تسميه واشنطن «فائضاً هيكلياً في الطاقة الإنتاجية بقطاعات التصنيع» لدى 16 شريكاً تجارياً، من بينهم الهند.

وقال أحد المصادر: «لسنا في عجلة من أمرنا لتوقيع أي اتفاق. التحقيق الجديد مجرد تكتيك ضغط لإجبار الدول على توقيع الاتفاقيات بعد صدور أمر المحكمة. إنه يعرقل الأمور». وأضاف أن الهند ستتبنى على الأرجح نهج «الترقب والانتظار» مع تطور سياسة التعريفات الجمركية الأميركية، مشيراً إلى أن ترمب ألغى التعريفة الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على الهند بعد أن صرّحت نيودلهي بالحد من واردات النفط الروسي، بينما اكتفت الهند بالقول إنها ستنوع قاعدة إمداداتها. وكانت التعريفة الجمركية الإجمالية المفروضة على الهند سابقاً 50 في المائة، من بين الأعلى عالمياً.

وقد بدأ التحقيق الأخير بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي لعام 1974. وتعتزم الهند عرض قضيتها على مكتب الممثل التجاري الأميركي إذا سُمح لها بذلك، أو انتظار صدور حكم قبل النظر في خيارات أخرى مثل اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، وفق المصدر.

الولايات المتحدة تتوقع من الهند الوفاء بالتزاماتها

قال السفير الأميركي في نيودلهي، سيرجيو غور، إن لدى ترمب أدوات متعددة لفرض الرسوم الجمركية، بما في ذلك المادة 301، مضيفاً: «لذا نتوقع تماماً من الدول التي أبرمنا معها اتفاقيات أن تفي بتلك الاتفاقيات». وتابع: «أعتقد أن الهند ستفعل ذلك لأن الأمر لا يقتصر على الوفاء بالاتفاقيات فحسب؛ بل هو وضع مربح للطرفين».

وعقب قرار المحكمة العليا، فرض ترمب رسوماً جمركية بنسبة 10 في المائة على الواردات من جميع الدول حتى 24 يوليو. وبموجب التفاهم الأولي، الذي وصفه بيان مشترك بين نيودلهي وواشنطن بأنه «إطار لاتفاق مؤقت»، كان من المتوقع أن تخضع الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة لرسوم جمركية بنسبة 18 في المائة.

وأفاد مصدر بأن نيودلهي تسعى الآن لتوضيح ما إذا كانت واشنطن ستعود إلى تلك النسبة أم ستطبق نسبة مختلفة.

وقالت بريانكا كيشور، من شركة «آسيا ديكودد» الاستشارية في سنغافورة: «من المنطقي أن تُبطئ الهند وتيرة المحادثات التجارية، فإذا كانت الرسوم الجمركية عند 10 في المائة والتحقيقات جارية، فمن الأفضل التريث وانتظار النتائج، بدلاً من التسرع في توقيع اتفاقية».


النفور من المخاطرة يربك أسواق اليابان وسط حرب إيران

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط طوكيو (إ.ب.أ)
TT

النفور من المخاطرة يربك أسواق اليابان وسط حرب إيران

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط طوكيو (إ.ب.أ)

أغلق مؤشر نيكي الياباني على انخفاض، الجمعة، مسجلاً تراجعاً أسبوعياً ثانياً على التوالي بنسبة 3.2 في المائة، حيث أدت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى تأجيج المخاوف بشأن التضخم ودفع المستثمرين إلى التخلص من الأصول ذات المخاطر العالية.

وانخفض مؤشر نيكي بنسبة 1.2 في المائة ليغلق عند 53.819.61 نقطة، الجمعة، بعد أن تراجع بنسبة تصل إلى 2.1 في المائة في وقت سابق من الجلسة. وخسر المؤشر 8.5 في المائة منذ إغلاقه في 27 فبراير (شباط)، قبل اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية. وتراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 0.6 في المائة إلى 3.629.03 نقطة.

وقال شوتارو ياسودا، محلل الأسواق في مختبر «توكاي طوكيو للأبحاث»: «على الرغم من تراجع أسعار النفط الخام قليلاً عن ذروتها الأخيرة، فإنها لا تزال أعلى بكثير من المستويات التي كانت عليها قبل بدء النزاع. ومن المرجح أن تستمر مخاطر الاضطرابات في أسواق الأسهم الأسبوع المقبل، تبعاً لتطورات الأخبار». وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت لشهر مايو (أيار) بنسبة 0.04 في المائة لتصل إلى 100.42 دولار للبرميل بحلول الساعة 06:15 بتوقيت غرينتش. كما انخفض سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي لشهر أبريل (نيسان) بنسبة 0.6 في المائة ليصل إلى 95.12 دولار للبرميل.

وقد أثر النزاع سلباً على معنويات الأسواق اليابانية، التي كانت مدفوعة بأرباح الشركات القوية وتوقعات سياسة مالية توسعية بعد فوز رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في الانتخابات المبكرة.

وفي مؤشر نيكي، ارتفعت أسعار 72 سهماً بينما انخفضت أسعار 152 سهماً. وتراجعت أسهم شركات التكنولوجيا أمام المؤشر القياسي، حيث انخفض سهم مجموعة «سوفت بنك» بنسبة 4.5 في المائة، وسهم شركة «أدفانتست»، المتخصصة في تصنيع معدات اختبار الرقائق، بنسبة 3.5 في المائة.

وهبط سهم شركة «هوندا موتور» بنسبة 5.6 في المائة، مسجلاً أكبر انخفاض له منذ فبراير 2025، بعد أن أعلنت ثاني أكبر شركة لصناعة السيارات في اليابان عن تسجيلها أول خسارة سنوية لها منذ ما يقرب من 70 عاماً كشركة مدرجة في البورصة؛ وذلك بسبب تكاليف إعادة هيكلة تصل إلى 15.7 مليار دولار مرتبطة بأعمالها في مجال السيارات الكهربائية.

وخلافاً للاتجاه العام، ارتفعت أسهم شركات الطاقة، حيث سجل مؤشر شركات استكشاف الطاقة في بورصة طوكيو، وهو المؤشر الأعلى ارتفاعاً من بين مؤشراته الفرعية الـ33، ارتفاعاً بنسبة 2.1 في المائة. كما ارتفعت أسهم شركة «إنبكس»، أكبر شركة لاستكشاف النفط والغاز في اليابان، بنسبة 2 في المائة.

• مخاوف التضخم

من جانبها، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية على امتداد منحنى العائد، الجمعة، مدفوعةً بارتفاع أسعار النفط الخام وضعف الين، حيث عززت حرب الشرق الأوسط المخاوف من التضخم. وارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساسية ليصل إلى 2.240 في المائة. كما ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 40 عاماً، وهو أطول أجل استحقاق في اليابان، بمقدار 3 نقاط أساسية ليصل إلى 3.74 في المائة. وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وقال ريوتارو كيمورا، كبير استراتيجيي السندات في شركة «أكسا» لإدارة الاستثمارات: «إنّ ما يلفت الانتباه بشكل خاص في الوقت الراهن هو الارتفاع المتزامن في أسعار النفط الخام وضعف الين». وأضاف: «فيما يتعلق بواردات الطاقة المقومة بالين، فإنّ ذلك يؤثر إيجاباً على معدل التضخم الرئيسي في اليابان؛ ما يخلق ضغطاً تصاعدياً على أسعار الفائدة». وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في نحو 95 في المائة من وارداتها النفطية.

وارتفع عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 20 عاماً بمقدار 5 نقاط أساسية ليصل إلى 3.11 في المائة. كما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 4 نقاط أساسية ليصل إلى 3.51 في المائة.

من المقرر أن يعقد «بنك اليابان» اجتماعه بشأن السياسة النقدية الأسبوع المقبل. ويتوقع جميع المحللين الـ64 الذين شملهم استطلاع «رويترز» الأخير أن يُبقي البنك المركزي على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير.

وارتفع عائد السندات لأجل عامين، وهو الأكثر تأثراً بأسعار الفائدة التي يحددها «بنك اليابان»، بمقدار 2.5 نقطة أساسية ليصل إلى 1.28 في المائة. كما ارتفع عائد السندات لأجل خمس سنوات بمقدار 5.5 نقطة أساسية ليصل إلى 1.680 في المائة. وتراجع الين إلى 159.455 يناً للدولار الأميركي، وهو أدنى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024.

وقال كيمورا: «لا يزال المشاركون في السوق منقسمين حول ما سيركز عليه (بنك اليابان9 الأسبوع المقبل: هل سيركز على الضغط الذي تُشكّله أسعار النفط الخام المرتفعة على المستهلكين والاقتصاد، أم على حقيقة أنها تدفع التضخم الرئيسي إلى الارتفاع؟».