2013.. سنة الإجماع على شح دور البرلمان المغربي

سبع قضايا هيمنت على عام تشريعي متواضع

عبد الاله ابن كيران يطلب الحديث في إطار {نقطة نظام} في مجلس المستشارين المغربي في إحدى جلساته (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الاله ابن كيران يطلب الحديث في إطار {نقطة نظام} في مجلس المستشارين المغربي في إحدى جلساته (تصوير: مصطفى حبيس)
TT

2013.. سنة الإجماع على شح دور البرلمان المغربي

عبد الاله ابن كيران يطلب الحديث في إطار {نقطة نظام} في مجلس المستشارين المغربي في إحدى جلساته (تصوير: مصطفى حبيس)
عبد الاله ابن كيران يطلب الحديث في إطار {نقطة نظام} في مجلس المستشارين المغربي في إحدى جلساته (تصوير: مصطفى حبيس)

رغم وجود تفاوت في تقييم أداء المؤسسة التشريعية بين أحزاب المعارضة والأغلبية، فإن هناك إجماعا بين الطرفين على شح دور البرلمان في تنزيل الوثيقة الدستورية الجديدة.
وفسر النائب عبد العزيز أفتاتي من حزب العدالة والتنمية ذلك بالقول إن السنة الماضية تأثرت كثيرا بالمناورات المضرة بمسار البلد، التي قادتها المعارضة. وحمل أفتاتي حزب الاستقلال مسؤولية تعطيل سنة من الإصلاحات التي كان منتظرا أن يخرجها البرلمان على شكل قوانين.
ورفض المستشار محمد دعيديعة رئيس فريق نقابة الفيدرالية الديمقراطية للشغل ومنسق المعارضة في مجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان) اتهام المعارضة بإرباك الحياة التشريعية، محمّلا مسؤولية التسبب في الفتور والتراجع والانتظارية للحكومة، عادّا أن غياب الانسجام الحكومي أثر بشكل كبير على الوضع السياسي والدينامية التشريعة. وبغض النظر عن التفسيرات المتضاربة حول حقيقة تواضع السنة التشريعية، وباستقراء التطورات التي عرفها البرلمان في علاقته بالحكومة طيلة سنة 2013، يمكن الوقوف عند الآتي:

* المعارضة تسقط الموازنة
* أفلت سنة 2013 على وقع سابقة برلمانية شهدتها الحياة السياسية والنيابية المغربية لأول مرة منذ نصف قرن على انتخاب أول برلمان مغربي في سنة 1963، تمثلت في إسقاط المعارضة بمجلس المستشارين (الغرفة الثانية في البرلمان) لموازنة 2014، وعلى الرغم من أن الحكومة تداركت الأمر بمجلس النواب (الغرفة الأولى) ونجحت في المصادقة النهائية على موازنة السنة المقبلة، فإن هذا الحدث خيّم على المشهد السياسي والإعلامي للسنة المنتهية. وبينما رأى منسق المعارضة المستشار دعيديعة في سلوك فرق المعارضة ممارسة لاختصاصات دستورية، عدت الحكومة، على لسان رئيسها عبد الإله ابن كيران، إسقاط الموازنة عبثا سياسيا، في حين وصفها عبد الله بوانو رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية متزعم الائتلاف الحكومي بـ«الكارثة السياسية»، مشككا في الشرعية الدستورية لمجلس المستشارين برمته.
* تواضع الإنتاج التشريعي
* تميزت السنة التي نودعها بتواضع الإنتاج التشريعي، إذ لم تتجاوز النصوص التشريعية التي صادق عليها البرلمان بمجلسيه 65 نصا قانونيا، وهو ما عدّ، بحسب العارفين بخبايا التشريع، بعيدا عن المعدلات المتوسطة التي تتراوح بين 80 و120 نصا خلال السنة التشريعية الواحدة. وفسر النائب محمد حنين، الرئيس السابق للجنة العدل والتشريع بمجلس النواب (الغرفة الأولى) ضعف السلة التشريعية بتصدع التحالف الأغلبي الذي كان يدعم حكومة ابن كيران الأولى، معلنا أنه «كان من الصعب الاتفاق على برمجة مشروع أو مقترح قانون واستكمال جميع المساطر التشريعية، في غياب انسجام أحزاب التحالف».
كما انتهت السنة التشريعية وسط شح كبير في إنتاج القوانين التي يكون مصدرها البرلمان على الرغم من الهوامش الكبيرة التي فتحها دستور 2011 أمام البرلمان، كسلطة حصرية في مجال التشريع. وعرفت سنة تشريعية كاملة المصادقة فقط على ستة قوانين من أصل 81 مقترح قانون تقدمت بها الفرق البرلمانية في الغرفتين. وأظهرت الإحصاءات الرسمية التي أصدرتها الوزارة المكلفة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني تفوق حزب العدالة والتنمية في اقتراح القوانين، حيث تقدم بـ23 مقترحا.
وعدّ محمد بوز أستاذ القانون الدستوري، محدودية الفرق البرلمانية في إنتاج القوانين، بأنه راجع لرقابة ذاتية للبرلمان جعله يتحول من منتج إلى مستهلك، مضيفا أن «العجز الذاتي وضعف الإمكانيات المتاحة أمام الكتل البرلمانية تساهم في جعل البرلمان على هامش وظيفة التشريع».
وحاولت الحكومة، على الرغم من تواضع مبادراتها التشريعية، حرمان البرلمان من بعض حقوقه المكرسة دستوريا، وحاولت تطويع مقتضيات من الدستور في الاتجاه الذي يجعل المبادرة في مجال القوانين التنظيمية اختصاصا حكوميا خالصا، كما حدث مع مقترح القانون التنظيمي للجان تقصي الحقائق، ولجأت الحكومة إلى تقديم مشاريع قوانين في قضايا كان البرلمان قد قطع أشواطا كبرى في مناقشة مقترحات قوانين تتناولها (قضية التفعيل التشريعي لمقتضيات الفصل 27 من الدستور المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات).
بيد أن ضعف إنتاج القوانين قابله غزارة في استعمال البرلمانيين لاختصاصاتهم الرقابية اتجاه الحكومة، واضطرت الحكومة للإجابة خلال 61 جلسة أسبوعية على 2437 سؤالا شفهيا، بينما أجابت الحكومة عن 3868 سؤالا كتابيا.
وإذا كانت كثير من نقط الضعف تُسجّل على أداء البرلمان في السنة الثانية من الولاية التشريعية، فإن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى نقط مضيئة في عمل المؤسسة التشريعية، من أبرزها التحول الجذري الذي حدث في مهام اللجان البرلمانية، إذ تمكنت خلال هذه الدورة من مساءلة عدد من مسؤولي المؤسسات العمومية وشبه العمومية، وإرغامهم على الحضور إلى البرلمان. وكان لافتا خلال ممارسة البرلمان لوظيفته الرقابية تزايد معدل اللجان الاستطلاعية لتشمل عددا من المؤسسات، في مقابل تجميد واضح لعمل لجان تقصي الحقائق المنصوص عليها في الفصل 67 من دستور 2011.

* أزمة الحكومة وتعطيل البرلمان
* عزا كثير من متتبعي العمل البرلماني ضعف السلة التشريعية لسنة 2013 لقرار حزب الاستقلال الانسحاب من الحكومة في 11 مايو (أيار) 2013، وهو قرار أربك، في نظرهم، إلى حد كبير وتيرة التشريع خصوصا فيما يتعلق بالمشاريع الحكومية، حيث تراجع تدفق النصوص الصادرة عن الوزارات التي يشرف عليها خمسة وزراء استقلاليون.
ودامت الأزمة الحكومية عشرة أشهر، قبل أن يتوصل ابن كيران إلى ترميم تحالفه الأغلبي وتشكيل حكومته الثانية في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، جراء التحاق حزب التجمع الوطني للأحرار بها بعد خمسة أشهر من المفاوضات الشاقة. على الرغم من أن تيارا كبيرا في حزب العدالة والتنمية كان يرفض التحالف مع التجمع الوطني للأحرار، بيد أن ابن كيران استطاع امتصاص غضب قادة حزبه، وعقد صفقة سياسية مكلفة لضمان استمرار حكومته والخروج من حالة العطالة التشريعية والسياسية التي دخلتها البلاد طيلة السنة الماضية.

* مقاطعة المعارضة لرئيس الحكومة
* تميزت سنة 2013 باستدعاء البرلمان لرئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران، في إطار جلسات الاستماع الشهرية المخصصة لمناقشة السياسات العمومية. واضطر رئيس الحكومة إلى حضور ثلاث من الجلسات الشهرية أمام مقاعد فارغة من نواب فرق المعارضة التي رفضت حضور جلسات الاستماع الشهرية قبل الاستجابة لمطالبها، التي تدور حول إعمال المساواة بين الحكومة والمعارضة بشأن المدة الزمنية لمداخلاتهما. بيد أن الحكومة لم تستجب لشروط المعارضة وانتظرت قرار المجلس الدستوري الذي قضى بعدم دستورية كثير من مطالب المعارضة في الحصول على أي تمييز إيجابي. واتسمت جلسات الاستماع الشهرية لرئيس الحكومة بتحولها في غالب الأحيان إلى حرب كلامية مفتوحة بين ابن كيران ومعارضيه، خصوصا في مجلس المستشارين الذي تسيطر عليه المعارضة.

* مدونة سلوك البرلمانيين
* بعد مرور أكثر من سنة على إقرار النسخة الأولى من النظام الداخلي لمجلس النواب التي اقتصرت على الملاءمة الدستورية، نجح مجلس النواب خلال سنة 2013 في إخراج القانون المنظم له مرفوقا بمدونة السلوك البرلماني والأخلاقيات البرلمانية، التي طالب باعتمادها العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب افتتاح السنة التشريعية لسنة 2012.
ويراهن كثير من المتابعين على بنود المدونة الواردة في الجزء السادس من النظام الداخلي للغرفة الأولى للجم بعض السلوكات المسيئة للمؤسسة الدستورية الثانية في المغرب، بعد المؤسسة الملكية، وهي الاختلالات التي ساهمت في تشكيل صورة نمطية سلبية حول البرلمان والبرلمانيين. وتتضمن أربعة مبادئ أخلاقية تؤطر ممارسة البرلمانيين ومهامهم النيابية داخل الغرفة الأولى، أولها إيثار الصالح العام على كل مصلحة فئوية أو خاصة وتجنب تضارب المصالح مع المهام النيابية، وثانيهما الاستقلالية، التي تهدف إلى الابتعاد عن شبهة تبعية النائب البرلماني لأي شخص ذاتي أو اعتباري، أو أي التزام مالي لأفراد أو منظمات قد تؤثر على أداء واجباتهم النيابية، أما ثالث المبادئ فهي المسؤولية والالتزام، التي تعني تحمل البرلمانيين لمسؤولياتهم كاملة عن قراراتهم اتجاه المواطنات والمواطنين، وأخيرا الأمانة والاستقامة التي تدل وفق مدونة السلوك على صيانة ممثلي الأمة لثقة ممثليهم بما في ذلك تجنب النائبات والنواب استعمال ألفاظ أو عبارات تنطوي على التهديد أو الترهيب أو الاستفزاز أو الشتم.
ولم يفلح تنزيل المدونة من الحد من غياب البرلمانيين الذي تحول إلى ظاهرة مألوفة وشديدة التعقيد. ويقول محمد البوز، أستاذ القانون الدستوري، إن هذه الظاهرة لم تحل دون المزيد من تعميقها، لا خطابات الاستنكار والاستهجان التي تواجه بها، إن في وسائل الإعلام أو لدى شرائح مهمة من الرأي العام، ولا الإجراءات التحفيزية التي اتخذت من أجل تشجيع البرلمانيين على الحضور، ولا التهديدات المستمرة باللجوء إلى اتخاذ التدابير التأديبية التي ينص عليها القانون الداخلي لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين، ولا الإقدام على نشر أسماء المتغيبين في محاولة لإحراجهم.

* هشاشة الثقة البرلمانية في الحكومة

* عاش البرلمان على إيقاع معركة دستورية حاسمة بين الحكومة والمعارضة، بعد أن رفعت أربعة أحزاب معارضة فيتو ضرورة حصول الحكومة على الثقة البرلمانية قبل مواصلتها لأداء مهامها، واستندت المعارضة المغربية للفصل 88 من الدستور، الذي يقضي بضرورة توجه رئيس الحكومة الجديدة للبرلمان، لعرض الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي الجديد، بعد التعديل الذي طرأ على الأغلبية، وهو ما عدّه حزب العدالة والتنمية مجانبا للصواب الدستوري، مشيرا إلى أن مفعول الثقة الذي حصل عليه البرنامج الحكومي يوم 26 يناير (كانون الثاني) 2012 ما زال قائما، ولم يحدث ما يفيد بأن هذه الحكومة لم تعد تحظى بالثقة البرلمانية. وأكد الحزب أن خروج حزب معين من الحكومة لا يفيد بشكل تلقائي خروجه من الأغلبية البرلمانية، ولا يعني أيضا بأن أعضاءه في مجلس النواب أصبحوا ضد البرنامج الحكومي بصفة تلقائية.
وقال «العدالة والتنمية» إن الآلية الوحيدة لإثبات ذلك هي طرح ملتمس الرقابة انطلاقا من الفصل 105 من الدستور، وهو الأمر الذي كان بإمكان المعارضة أن تجمع له النصاب القانوني المطلوب، وهو خمس أعضاء مجلس النواب.

* قانون ينظم أشغال الحكومة
* شهدت 2013 إفراج الحكومة المغربية على القانون المنظم لها كما ينص على ذلك الدستور، ويتضمن المشروع القواعد المتعلقة بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، والوضع القانوني لأعضائها، وحالات التنافي مع الوظيفة الحكومية، وقواعد الحد من الجمع بين المناصب.
وأبرز ما جاء به هذا القانون هو أنه أجاز، للمرة الأولى، لرئيس الحكومة، حق رئاسة المجلس الوزاري، بتفويض من الملك، إذ ينص مشروع القانون على أنه «طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 48 من الدستور، للملك أن يفوض لرئيس الحكومة بموجب ظهير (مرسوم ملكي) رئاسة مجلس وزاري بناء على جدول أعمال محدد، وعند انتهاء أشغال المجلس يرفع رئيس الحكومة تقريرا إلى الملك يتضمن نتائج مداولات المجلس».
ومنح هذا القانون التنظيمي أيضا العاهل المغربي حق تعيين نائب لرئيس الحكومة، من بين الوزراء، باقتراح من هذا الأخير لمدة معينة ولممارسة مهام محددة، ويجري لجوء الملك لهذه الرخصة الاستثنائية في حالة تغيب رئيس الحكومة أو اقتضت الضرورة ذلك لأي سبب من الأسباب، على أن تنتهي النيابة تلقائيا فور استئناف رئيس الحكومة لمهامه. ونص القانون على إلزامية حضور الوزراء جلسات الاستماع البرلمانية، كما فرض على الوزراء الحضور مرة كل شهر على الأقل اجتماعا برلمانيا لدراسة مقترحات القوانين التي يتقدم بها نواب البرلمان. ولتفعيل مبدأ الحد من الجمع بين المناصب، حرم القانون الجمع بين منصب وزير والعضوية في أحد مجلسي البرلمان أو منصب مسؤول عن مؤسسة أو مقاولة عمومية. كما نص القانون على توقيف كل نشاط مهني أو تجاري في القطاع الخاص، وبصفة عامة كل نشاط قد يؤدي إلى تنازع المصالح طوال مدة مزاولة الوزراء لمهامهم.



أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)
صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)
صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وذلك بعد الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما ردّ على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».