ألمانيا: راديكاليو اليسار يلوحون بالمواجهة المسلحة في وجه صعود اليمين المتطرف

بينما تنتظر أوروبا بقلق أداءه في انتخابات مايو

(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
TT

ألمانيا: راديكاليو اليسار يلوحون بالمواجهة المسلحة في وجه صعود اليمين المتطرف

(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان
(في الإطار) رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان

كانت الساعة قد قاربت الخامسة والنصف مساء، عندما خرج فرانك ماغنيس، رئيس مكتب حزب «البديل لألمانيا» في مدينة بريمن (وهي أيضاً ولاية)، من تجمّع للاحتفال برأس السنة الجديدة، نظمته صحيفة «فيزر كوريير» المحلية. وأخذ ماغنيس طريقاً مختصرة للوصول إلى سيارته، التي كان قد ركنها في مرأب قريب، فمرّ بالقرب من مسرح «غوتيه بلاتز»، ودخل فناء المسرح، ثم عبر في طريق جانبي صغير. وهناك في ذلك الزقاق سقط أرضاً بعدما تلقى ضربة على رأسه من الخلف. في اليوم التالي انتشرت صور له مستلقياً في سرير مستشفى. وجهه مضرج بالدماء، والكدمات أغلقت إحدى عينيه. وبينما بادر حزبه إلى الكلام عن «محاولة اغتيال» نفذها اليسار المتطرف، أدان الساسة من كل الأطياف، يسارية ويمينية ووسطية: «الاعتداء». وكتبت وسائل الإعلام الألمانية افتتاحيات ومقالات ترفض فيه العنف السياسي، حتى ولو كان موجهاً ضد مسؤولين في حزب متطرف، يُتهم هو نفسه بالتحريض على الكراهية والعنف ضد الأجانب. ومن سريره في المستشفى، كان ماغنيس يلتقي الصحافيين واحداً تلو الآخر، ويردّد روايته بصوت متكسر منخفض، زاعماً أنه لا يتذكر كثيراً من الاعتداء؛ لأنه أغمي عليه بعد تلقيه الضربة؛ لكنه يدّعي أن العامل الذي وجده في الزقاق، أخبره أن 3 رجال كانوا يلحقون به، وعندما اقتربوا منه رفعوا قبعاتهم على رؤوسهم، ووجه أحدهم له ضربة بعصا كانت بيده، ثم انهال الثلاثة عليه ركلاً وضرباً بعد سقوطه أرضاً. بالنسبة للقيادي المتطرف، كانت هذه «محاولة اغتيال» عليها «بصمات» اليسار المتطرف، حسب زعمه؛ غير أن الشرطة خالفته بعدما شاهدت شريطاً للحادث. إذ قالت إنه سقط أرضاً بعد تلقيه ضربة وجهها له أحد الرجال بمرفقه من الخلف، قبل أن يلوذ بالفرار مع رفيقيه. والكدمات، وفق الشرطة، تلقاها على الأرجح من ارتطام وجهه عندما سقط أرضاً.
حتى اللحظة، الدوافع مجهولة، ويُرجَّح ألا تُعرف قبل القبض على الجناة. علماً بأن المتحدث باسم الادعاء في بريمن، أشار لإمكانية أن يكون منفذو الاعتداء «مجرد أغبياء»؛ لكن هذا الرأي لم يُرضِ ماغنيس ولا حزبه. وبالتالي، رغم استمرار الغموض، أعادت الحادثة إلى الواجهة الجدل حول عنف التطرف اليميني واليساري في ألمانيا ووسط أوروبا.

قبل مائة سنة، أي في يناير (كانون الثاني) 1919، كانت ألمانيا تعيش انتفاضة مسلحة يقودها اليسار المتطرف، بقيادة المناضلة الشيوعية روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبكنخت. تُعرف هذه الانتفاضة باسم «ثورة يناير»، أو «ثورة سبارتاكوس». وكان هدف هذه الثورة الشيوعية التخلص من «جمهورية فايمار» - التي أسست بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا وعمَّرت حتى 1933، عندما وصل أدولف هتلر إلى السلطة - وتأسيس دولة شيوعية أسوة بالاتحاد السوفياتي آنذاك.
يومذاك، فشلت الثورة في تحقيق أهدافها، وقُمعت، واعتقل قائداها وجرى إعدامهما يوم 15 يناير. ورغم غياب كثير من التشابه في الأحداث والتطورات السياسية التي رافقت «جمهورية فايمار» وما يحدث في ألمانيا اليوم، فإن المقارنة عادت تحديداً إلى ما يتعلق بعنف اليسار ومستقبل اليمين. وكان المعلِّقون من المنتمين لحزب «البديل لألمانيا» أو المتعاطفون مع اليمين المتطرف، هم الذين بدأوا يشيرون إلى عودة عنف أيام «جمهورية فايمار» في تعليقات على «تويتر»، في حين كتبت صحيفة «تزايت»، في تعليق على الأمر: «المقارنة لا تجوز؛ لأن التشابه التاريخي غير موجود». وأضافت: «خسارة الحرب وجمهورية تضم حفنة من الديمقراطيين والمؤسسات المهتزة، كل هذا يحمل القليل جداً من التشابه مع الفيدرالية الألمانية الحالية». ولكن المقالة أشارت إلى سهولة الحديث عن التشابه، ربما لأن هذا العام يصادف الذكرى المئوية لنهاية روزا لوكسمبورغ.
مع هذا، فعودة الحديث عن عنف اليسار ليس من دون سبب. فالاعتداءات على رموز اليمين المتطرف في ألمانيا تزداد، مع أن الاعتداء على ماغنيس كان الأعنف. ففي العادة تستهدف الاعتداءات مكاتب الحزب أو منازل ساسته، ولا تتخطى بشكل عام التخريب، من تكسير ورشِّ الطلاء على مقرات الحزب أو منازل قادته.
ولعل ما يزيد من التوتر والقلق من ازدياد هذه الأعمال وتفاقمها، اقتراب الانتخابات المحلية في 3 ولايات ألمانية بنهاية الصيف المقبل. إحدى هذه الولايات ولاية بريمن؛ حيث وقع الاعتداء على ماغنيس. أما الولايتان الأخريان فهما براندنبرغ وساكسونيا، بشمال شرقي البلاد. وفي الولايتين تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب «البديل» على الأحزاب الأخرى، ما يعني أن حظوظ الحزب المتطرف في دخول البرلمانات المحلية لهذه الولايات، كبيرة جداً.

- المواجهة المسلحة
في المقابل، مع اقتراب هذه الانتخابات، ظهرت دعوة على موقع لليسار المتطرف، تدعو إلى «قتال البديل لألمانيا». وبثت الدعوة على موقع «إنديميديا» تحت عنوان: «ابدأوا - قاتلوا البديل لألمانيا». وتشير في نصها إلى اقتراب الانتخابات في ساكسونيا، التي يمكن أن توصل «البديل لألمانيا» إلى البرلمان المحلي. وتضيف: «الرسائل والحوارات والمظاهرات لم تعد تنفع. علينا أن نكون أكثر عملية وفعالية. لنحوِّل (المعركة) إلى أسوأ ما يمكن للبديل لألمانيا، ولداعميه والمتعاطفين معه، في الأشهر القليلة التي ستسبق انتخابات ساكسونيا...»؛ مشيرة إلى ضرورة التحوُّل إلى «القتال المسلح».
ومن هنا، يتوقع محللون أن تزداد أعمال العنف ضد «البديل لألمانيا» خلال الأشهر المقبلة. ويرى المحلل السياسي ناصر جبارة، من معهد «برلين إنسايدرز للدراسات السياسية والإعلامية»، أن «المد الذي أطلقه اليمين الشعبوي بات مادة خصبة لازدياد أعمال العنف»، ويتوقع أن تتكاثر «المشاحنات الاجتماعية في أوروبا، وفي ألمانيا خصوصاً، خلال الأشهر والسنوات القليلة المقبلة». واللافت أن اليمين المتطرف يتكلم الآن عن «خطاب سياسي تحريضي» هو الذي دفع إلى الاعتداء على رئيس مكتبه في بريمن، داعياً إلى وقف هذا الخطاب. لكن كثيرين أشاروا إلى أن الحزب نفسه يعتمد خطاباً شبيهاً يؤدي إلى اعتداءات متكررة على اللاجئين، كما حصل أخيراً في مدينة كيمنيتس، بعد قتل لاجئ سوري شاباً ألمانياً من أصول مهاجرة في المدينة. من ناحية أخرى، يحذر البعض من أن العنف ضد قادة اليمين المتطرف قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويدفع بالناخبين إلى التصويت له «من باب التعاطف» مع أعضائه، الذين يبدون بصورة الضحية بعد تعرضهم للاعتداء. دعوة اليسار المتطرف هذه لشن هجمات مسلحة على «البديل لألمانيا» تبدو مدفوعة بنوع من الإحباط من استمرار تقدم هذا الحزب في استطلاعات الرأي، وعجز الأحزاب المعتدلة الوسطية عن وقف زحفه. فالحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي)، الشريك في الائتلاف الحاكم، يبدو متجهاً نحو هزائم كبيرة، قد تؤدي إلى تحوّله للحزب الرابع في البلاد. في حين يستمر نزف أصوات حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي (المحافظ) الذي يقود الحكومة، كما أثبتت انتخابات محلية العام الماضي. وهنا يقول جبارة إنه من المتوقع أن يحقق «البديل لألمانيا» نجاحات «كبيرة» في الولايات الثلاث التي ستشهد انتخابات في الخريف، وأن تتحقق هذه الانتصارات على حساب الأحزاب الرئيسة الأخرى، وعلى رأسها الاشتراكيون والديمقراطيون المسيحيون. ويضيف: «أعتقد على خلفية الانتخابات في هذه الولايات، لن تبقى الأمور على حالها».
وحقاً، يعتقد محللون أن على الحزبين الرئيسين إدخال إصلاحات جذرية على أنظمتهما، إذا أرادا استعادة ثقة الناخبين. فالاشتراكيون الذين انتخبوا أندريا ناهليس زعيمة جديدة لهم، بعد الخسائر الكبيرة التي مُنوا بها خلال انتخابات سبتمبر (أيلول) 2017 العامة، لم يتمكنوا من استعادة الشعبية التي فقدوها؛ بل على العكس، يستمر نزيف أصوات الاشتراكيين، ويخسرون أكثر داخل معسكر اليسار لمصلحة حزب «الخضر»، الذي بات متقدماً عليهم في كثير من الولايات. ومع ذلك، فإن ناهليس باقية، والحزب ما زال شريكاً في الحكومة، رغم إدراكه أن مشاركته بها تسرِّع القضاء عليه. الديمقراطيون المسيحيون أيضاً اختاروا انتخاب زعيمة جديدة لهم، خلفاً للمستشارة أنجيلا ميركل، التي تقودهم منذ 18 سنة، في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين. ولكن «خليفة» ميركل، ما كانت سوى أنيغريت كرامب كارنباور، التي اختارتها ميركل بنفسها لتكون أمينة عامة للحزب في مارس (آذار) الماضي، وهي لا تختلف كثيراً عنها في السياسات والاستراتيجيات. وما حصل أن الحزب المحافظ الحاكم لم يختَر رجل الأعمال والسياسي العائد بعد عقد من الغياب، مريدريش ميرز، رغم الحديث عن أن حزب «البديل لألمانيا» كان يتخوَّف من وصوله للزعامة؛ لأنه سيكون قادراً على سحب كثير من الأصوات منه.
وفي هذا الشأن، يرى ناصر جبارة أنه رغم إدراك الحزب أن عليه الابتعاد عن ميركل، ووعي أعضائه ضرورة التغيير «ما كان حزب ميركل قادراً على الخروج من عباءتها، فالإصلاحات الجذرية داخل الأحزاب الرئيسة ليست سهلة».

- التجربة النمساوية
يعتبر البعض أن النمسا كانت «أنجح» من ألمانيا في وقف مدِّ اليمين المتطرف. ومع أن حزب الحرية اليميني الشعبوي المتطرف يشارك في الحكومة الحالية، فإن تأييده يتراجع بشكل مستمر منذ دخوله الائتلاف. والسبب المستشار النمساوي وزعيم حزب الشعب سيباستيان كورتز.
كورتز، الشاب الذي لا يتجاوز عمره 32 سنة، يقود عملياً حزباً محافظاً؛ لكن اللغة التي يستخدمها أقرب إلى لغة اليمين المتطرف، لدرجة أن هاينز كريستيان شتراخا، زعيم حزب الحرية، اتهمه خلال الانتخابات الأخيرة، بأنه «يسرق أفكار حزبه، فيما يتعلق بالهجرة واللجوء». ومعلوم أن كورتز، الذي كان أحد أبرز منتقدي فتح ميركل أبواب ألمانيا أمام اللاجئين عام 2015، لم يتردد في عقد اتفاق مع حزب الحرية، يدخلهم الحكومة ويحوِّل زعيمهم إلى نائبه.
وأما الفارق الأساسي بين كورتز واليمين المتطرف، فهو تأييد الأول الكامل والمطلق لفكرة الاتحاد الأوروبي. ولقد كان شرطه الوحيد لإدخال اليمين المتطرف إلى حكومته، كف الأخير عن مهاجمة الاتحاد الأوروبي، والتشكيك بجدوى انتماء النمسا للاتحاد.
اليوم يعتقد كثيرون أن على الساسة الألمان الاقتداء بالنمسا، لردع «البديل لألمانيا». إذ يقول الصحافي النمساوي إيفالد كونيغ - الذي يعمل أيضاً محللاً سياسياً في «برلين إنسايدرز» - إن «على ألمانيا أن تحذو حذو النمسا»، مضيفاً أن «الأحزاب الألمانية الوسطية عادة ما تتعاطى مع اليمين المتطرف بردة فعل متعنتة». ويحث على «ضرورة أن تكون لديهم أفكارهم الخاصة، ولا تكون أفكارهم مقتصرة فقط على الرد».
وإزاء قلق الأوروبيين من تقارب كورتز الكبير من اليمين المتطرف، واتهام بعضهم له بأنه سمح بتحويل خطاب اليمين المتطرف العنصري إلى أن يصبح خطاباً مقبولاً في أوروبا، يرد كونيغ: «لكن حزب الحرية النمساوي ليس حزباً متطرفاً بمستوى البديل لألمانيا». ويتابع: «لقد تعلم من الماضي وغيَّر نفسه، كي يتمكن من المشاركة في الحكم». أيضاً يعتبر كونيغ كورتز «محافظاً وليس متطرفاً». ويستطرد: «إنه يأخذ الأصوات من أمام حزب الحرية، ولو لم يكن هو زعيم حزب الشعب لكان حزب الحرية في الطليعة الآن». ثم يقارن كونيغ بين حزب الشعب النمساوي والحزبين الكبيرين في ألمانيا، فيقول: «الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي لا يعرفان ماذا يريدان، لذا فإن القاعدة الشعبية تتركهما وتفضل البديل لألمانيا وأحزاباً أخرى؛ لأن لديها استراتيجيات عملية». ويرى أن كورتز متقدم خطوة على الحزبين الألمانيين.

- اختبار الانتخابات الأوروبية
في أي حال، لعل الاختبار الأول لقوى اليمين المتطرف في ألمانيا والنمسا وباقي دول الاتحاد، قد تكون الانتخابات الأوروبية المقررة في مايو (أيار) المقبل. وتراهن هذه القوى على توسيع كتلتها في البرلمان، علماً بأنها منقسمة في البرلمان الحالي بين كتلتين: الأولى بقيادة حزب الاستقلال البريطاني الذي قاد البلاد إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، والثانية بقيادة الجبهة الوطنية الفرنسية بزعامة مارين لوبان، مجموعهما 84 مقعداً من أصل 751 مقعداً في البرلمان الأوروبي.
ولقد بدأت هذه القوى المتطرفة تحضيراتها لمحاولة التوحُّد في الانتخابات المقبلة. ومن بين «المستشارين» الذي يحاولون توحيدها، المنظِّر الأميركي ستيف بانون، الذي عمل مستشاراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب لفترة، آتياً من الموقع الإخباري «برايبارت» اليميني المتطرف. يعمل بانون اليوم مستشاراً لفيكتور أوروبان، رئيس وزراء المجر، تحضيراً للانتخابات الأوروبية. ويُعد أوروبان، الذي أعيد انتخابه لولاية ثالثة في أبريل (نيسان) الماضي، من أشد الزعماء السياسيين الأوروبيين شعبوية وأكثرهم تطرفاً يمينياً. ورغم تلقي بلاده كثيراً من المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي، فهو دائماً يتهجَّم على الاتحاد، ويرفض تطبيق القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة.
إزاء فرصة نجاح قيام حلف لليمين المتطرف، يلحظ ناصر جبارة «انقسامات كبيرة» بين الأحزاب اليمينية المتطرفة في مختلف الدول الأوروبية، قد تشكل عائقاً أمام تشكيل حلف كهذا. ويضيف: «إنهم يعانون انقساماً؛ لأنهم يتنافسون فيما بينهم على مَن يتطرَّف أكثر... هم أيضاً يعانون من قلة التنظيم، ما يعني أنهم قد لا يتمكنون من خوض الانتخابات بكتلة نيابية موحَّدة». لكنه، مع ذلك، يتحدث عن «ظروف مؤاتية» قد تفسح المجال أمام تقدم اليمين المتطرف بشكل كبير في تلك الانتخابات. ويشير إلى استطلاع للرأي أجراه الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي، يعطي أحزاب اليمين المتطرف 20 في المائة من مقاعد البرلمان الأوروبي. وهي نسبة – كما يقول جبارة - إذا تحققت «فستكون كبيرة جداً، وستعطي هذه الأحزاب الفرصة لتعطيل قرارات، وهذا خطير للغاية».
في مثل هذه الظروف، فإن عنف اليسار المتطرف ضد رموز اليمين المتطرف - مع أنه ما زال بعيداً في الشكل عن عنف «ثورة سبارتاكوس» قبل 100 سنة - وعن الحركات اليسارية التي شهدتها ألمانيا في الماضي الأقرب، مثل منظمة «بادر ماينهوف»، قد يجد حافزاً جديداً، إذا ما حقق اليمينيون المتطرفون فعلاً كل هذه الانتصارات المتتالية، في الأشهر المقبلة.

- نظرية أوروبان عن «حضارتين أوروبيتين»
قبل يومين، أعلن رئيس وزراء المجر فيكتور أوروبان، دعمه الكامل لمبادرة إيطالية – بولندية، لتشكيل تحالف يضم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، تحضيراً لانتخابات مايو (أيار) المقبل. وقال الزعيم المجري اليميني تعليقاً على هذا التحالف، إن «هدف المجر كسب غالبية معادية للهجرة في البرلمان الأوروبي». وتحدث أوروبان عن اتجاه أوروبا نحو «حضارتين»، الأولى قال إنها ستكون خليطاً بين المسلمين والمسيحيين في دول مثل ألمانيا، والثانية ستكون فقط للمسيحيين في دول وسط أوروبا. ووصف أوروبان وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، الذي اقترح فكرة الحلف على بولندا أثناء زيارته لوارسو قبل يومين، بأنه «بطل»، لمنعه المهاجرين غير الشرعيين من دخول إيطاليا عبر البحر، إلا أن بولندا بدت متحفِّظة على تشكيل حلف مع سالفيني، الذي تعتبره مقرباً من روسيا.
ونقلت صحف عن سياسيين بولنديين من حزب القانون والعدالة الحاكم، نفيهم أن أي اتفاق قد تم التوصل إليه حول حلف أوروبي خلال لقاء سالفيني وياروسلاف كاجينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة الحاكم، الذي يعد الرجل الأقوى في بولندا، رغم عدم تبوئه أي منصب رسمي.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.