البشير يتوعد «المخربين»... وأم درمان تشهد أكبر مسيرة منذ انطلاق الاحتجاجات

خاطب تجمعاً لمؤيديه في وسط الخرطوم... والأمن واجه المعارضين بالغازات المسيلة للدموع

البشير يتحدث لأنصاره بالساحة الخضراء في الخرطوم أمس (رويترز)
البشير يتحدث لأنصاره بالساحة الخضراء في الخرطوم أمس (رويترز)
TT

البشير يتوعد «المخربين»... وأم درمان تشهد أكبر مسيرة منذ انطلاق الاحتجاجات

البشير يتحدث لأنصاره بالساحة الخضراء في الخرطوم أمس (رويترز)
البشير يتحدث لأنصاره بالساحة الخضراء في الخرطوم أمس (رويترز)

شهدت مدينة أم درمان إحدى أكبر المظاهرات المطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير، منذ اندلاع المظاهرات في السودان قبل أربعة أسابيع، وشارك فيها آلاف المواطنين، معظمهم من الشباب، فيما شهدت الخرطوم حشداً لأنصار الحزب الحاكم وحلفائه، رددوا خلاله شعارات «تقعد بس» مقابل الشعار الذي رفعه المتظاهرون وهو «تسقط بس».
وقال الرئيس البشير لحشد من أنصاره يقدر عددهم بالآلاف، إن «من يرغب في تسلم السلطة ليس أمامه سوى طريق واحد هو انتخابات 2020... وعبر صناديق الاقتراع وبقرار الشعب السوداني» وفقاً لعبارته، وإنه على استعداد للتخلي عن الحكم للفائز.
وأكد البشير في كلمته لحشد مؤيديه، أن من يريد حكم السودان «عليه الرجوع للشعب السوداني، لأن القرار قراره، من خلال انتخابات حرة نزيهة»، وتابع: «حينها سنقف ونحيّي الذي يختاره الشعب السوداني»، وتعهد بتسليم السلطة للشباب الذين دعاهم لإعداد أنفسهم وتوحيد صفوفهم، وتقوية عزيمتهم، وذلك بعد يوم واحد من تلميحه بإمكانيه تسليمه السلطة للجيش في خطاب أثناء تدريب عسكري.
وجدد البشير تهديداته السابقة بحسم من أطلق عليهم العملاء والمخربين، وقال: «من يخرب ويحرق ويدمر ويكسر ممتلكات الشعب السوداني فسنحسمه»، كما جدد اتهاماته لجهات خارجية بالتآمر على السودان ومحاولة تركيعه وإقعاده، بدعم التمرد، وقصف الخرطوم وفرض الحصار الاقتصادي عليها، وشكر من سماهم أصدقاء السودان وداعميه، وخص منهم دول «الصين، وروسيا، والإمارات العربية المتحدة، والكويت... وقطر».
وقطع البشير في خطاب موجه لحركات التمرد المسلحة، بعدم وجود سبب لحمل السلاح بقوله: «لا يوجد بعد اتفاقية السلام ووثيقة الحوار الوطني، سبب لحمل السلاح والبندقية»، بيد أنه تابع: «بعض الذين لديهم أجندة خارجية (مدورين) من الخارج من أعداء السودان، ولكن ليس لديهم طريقة للنيل منه».
وقالت اللجنة التنسيقية لأحزاب الحوار الوطني الموالية للرئيس البشير التي نظمت الحشد، إن المشاركة في ميدان الساحة الخضراء أمس «فاقت التوقعات»، وتجاوزت وفقاً لتقديرات أولية «مليون مواطن»، وهو رقم قللت منه تقديرات صحافية كثيراً، وقصرته في حدود «سبعة آلاف» يقل أو يزيد قليلاً.
ونقل البيان عن الفاتح عز الدين، نائب رئيس اللجنة، أن الحشد الذي تضافرت فيه «كل القوى السياسية»، يؤكد «عزم أهل السودان على المضي قدماً صفاً واحداً من أجل الإنتاج والبذل والعطاء»، وأن مواطني الخرطوم «كانوا على قدر التحدي»، وتابع: «هذه رسالة للسلام والوحدة والعمل ونبذاً للفتن والخراب والدمار».
وفي العاصمة القومية أم درمان، خرج آلاف المتظاهرين المطالبين برحيل الرئيس البشير وحكومته، في موكب أطلقوا عليه «موكب 9 يناير}، ويهدف لتسليم مذكرة للبرلمان تطالب بتنحي البشير وحكومته فوراً.
ودعا «تجمع المهنيين السودانيين» المواطنين إلى تنظيم الموكب في ساحة الشهداء بأم درمان، امتداداً للمواكب التي نظمها من قبل، ومواصلة للاحتجاجات والمظاهرات التي نظمت في السودان منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأيدته في ذلك أحزاب المعارضة ونشطاء المجتمع المدني والشباب.
وفيما وفرت قوات الأمن والسلطات الحماية والماء ووسائط النقل لحشد المؤيدين، واجهت موكب المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع والعصي، فيما سمعت أصوات لإطلاق الرصاص في الهواء، بيد أنها لم تفلح في تفريق آلاف المحتجين الذين انتشروا في مساحات واسعة من أم درمان، غطت ساحة الشهداء، وأحياء «بيت المال، والهاشماب، ودنوباوي، والموردة، والعباسية، والعرضة، وبانت، والفتيحاب».
وقال المتحدث باسم «تجمع المهنيين السودانيين» محمد الأسباط لـ«الشرق الأوسط» إن «حشد الساحة الخضراء، لن يؤثر سلباً على حراك الشارع المناهض للنظام، بل يؤكد انتصار حركة المواطنين، لأنه جاء ردة فعل للمظاهرات والاحتجاجات المستمرة للأسبوع الرابع على التوالي».
وأشار الأسباط إلى ما أطلق عليه «المفارقة» المتمثلة في أن {المتظاهرين من جماهير الشعب جاؤوا على نفقتهم الخاصة وإرادتهم الحرة، وباستعداد لتلقي الرصاص والغاز المسيل للدموع، والاعتقال وحتى فقدان الحياة، في الوقت الذي جاء الحشد الحكومي ردة فعل على هذه البسالة والجسارة، ومدفوعاً من أموال الشعب وخزانة الحكومة الفارغة، وتحت ترسانة من الترغيب والترهيب وحشد أطفال المدارس وخلاوى تعليم القرآن الكريم بالقوة».
وسد الشباب المحتجون الطرقات الداخلية في الأحياء بالمتاريس والحجارة وإطارات السيارات المحروقة، كما سدوا طريق «الأربعين» أحد أشهر شوارع مدينة أم درمان، و«شارع الهجرة» أمام حركة سيارات الشرطة والأمن لساعات، ما عرقل حركة آليات الأمن والشرطة فاضطروا للتوقف لإزالة الحواجز لفتح الطريق أمام آلياتهم، في الوقت الذي يواصل فيه المتظاهرون هتافات من قبيل «ما بنخاف ما بنخاف أي كوز ندوسو دوس، والشعب يريد إسقاط النظام، ثوار أحرار هنكمل المشوار، وسلمية سلمية ضد الحرامية، حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب».
وبحسب شهود عيان، فإن المتظاهرين استخدموا تكتيك المظاهرات التي تنفض حال مهاجمتها من رجال الأمن، ثم تتجمع وتشتعل مرة أخرى من مكان آخر، وذكر الشاهد أن كل مظاهرة كانت في حدود الألف متظاهر على الأقل، في كل من هذه الأحياء والطرقات.
وتواصلت الاحتجاجات والمظاهرات في أم درمان لساعات طويلة وينظر أن تستمر ليلاً، دون أن تفلح ترسانة الأسلحة والحشود الأمنية في تفريقها والقضاء عليها. وسيطر المتظاهرون على أحياء بكاملها، وشوارع رئيسية ومنعوا رجال الأمن والشرطة من الوصول إليها، ما اضطرهم لرمي مقذوفات الغاز المسيل للدموع من مسافات بعيدة، في داخل البيوت والأحياء والشوارع الجانبية، المكتظة بالرجال النساء، الذين فتحوا بيوتهم لاستقبال وحماية المتظاهرين، وقدموا لهم الماء والطعام والمواد التي تزيل آثار الغاز المسيل للدموع لهم، وحمستهم النساء والشابات بالزغاريد والأهازيج وترديد هتافات «ما بنخاف ما بنخاف».
وبحسب شهود، تحولت المساحات أمام البرلمان والطرق المؤدية إليه إلى «ترسانة عسكرية متكاملة»، تقف فيها مئات العربات المسلحة والمدرعة، ومضادات الطيران، إضافة إلى شاحنات صغيرة من دون لوحات وعليها ملثمون، إضافة إلى شاحنات عليها جنود بزي «قوات الدعم السريع» المثيرة للجدل.
ومنذ 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يشهد السودان احتجاجات ومظاهرات مستمرة، بدأت تلقائية ومطلبية في مدينتي عطبرة وبورتسودان بسبب ندرة وغلاء الخبز، وارتفاع أسعار السلع الرئيسة، وشح الوقود والنقود، ثم تطورت للمطالبة بإسقاط نظام الحكم، واتسعت مساحتها لتشترك فيها أكثر من 25 مدينة ومنطقة، بما في ذلك العاصمة الخرطوم.
ويعاني السودان من أزمة اقتصادية طاحنة، ومعدل تضخم في حدود 70 في المائة، وشح كبير في رصيد العملات الأجنبية، أدى إلى تراجع سعر صرف الجنيه السوداني بمعدلات غير مسبوقة، وشح كبير في الوقود والمحروقات، وعجز المصارف والبنوك عن توفير النقد لعملائها.
واعترفت الحكومة بالأزمة وقدمت وعوداً بحلها، لكنها واجهت المتظاهرين والمحتجين بترسانتها الأمنية واتهمjهم بتبني «أجندة عميلة»، وشنت حملة اعتقالات واسعة بين النشطاء وقادة المعارضة شملت أكثر من ثمانمائة شخص، بحسب حصيلة رسمية، فيما قدرتهم المعارضة بالآلاف.



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».