أميركا وروسيا وفرنسا في 2019 داخلياً وخارجياً... وفي الشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» تنشر توقعات لثلاثة خبراء بارزين

فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو
فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو
TT

أميركا وروسيا وفرنسا في 2019 داخلياً وخارجياً... وفي الشرق الأوسط

فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو
فيتالي نعومكين - روبرت فورد - ميشال دوكلو

كيف كانت سنة 2018 وكيف ستكون السنة الحالية بالنسبة إلى أميركا وروسيا وأوروبيا داخلياً ودولياً وفي منطقة الشرق الأوسط؟
سألت «الشرق الأوسط» ثلاثة خبراء بارزين من أميركا وروسيا وفرنسا هذين السؤالين اللذين سيترك الجواب عليهما أثرا في مستقبل العالم العربي.
كتب السفير الأميركي السابق لدى الجزائر وسوريا روبرت فورد: «إذا كنت تسأل نفسك ما الذي سيحدث لأميركا في 2019، فأفضل إجابة هي أن أميركا ستفكر في 2020 أكثر مما تفكر في 2019»، إذ إنه من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة خلال 22 شهرا، وبحلول منتصف 2019 ستبدأ الحملة الانتخابية الأميركية. يجب أن تبدأ كل التحليلات الخاصة بوضع أميركا في 2019 من تلك النقطة.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن فيتالي نعومكين رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو، يقول إن السنة التي حلت «ستكون بالنسبة إلى روسيا سنة إمكانيات جديدة ومصاعب في آن واحد. وكلاهما يتطلب منها الاستمرار بسياسة خارجية مرنة وناشطة، وبالدرجة الأولى في تلك المناطق من العالم التي تشغل أماكن متقدمة ضمن قائمة الأولويات الروسية بما فيها الشرق الأوسط».
ويرى أن سوريا سبتقى «نقطة استناد مهمة بالنسبة إلى موسكو حيث استطاعت الأخيرة تحقيق جزء كبير من الأهداف التي وضعتها أمامها بما فيها تقدم كبير في بسط سيطرة دمشق على أراضي البلاد والقضاء على العصابات الإرهابية وعودة اللاجئين والنازحين وحتى بدء إعادة بناء الاقتصاد وعملية عودة دمشق إلى البيت العربي». بالتوازي مع استمرارها في مساندة محادثات جنيف، تواصل موسكو تطوير صيغة آستانة، معطية اهتماماً خاصاً لتطوير تعاونها مع «الدول الضامنة» أي تركيا وإيران (وروسيا).
من جهته، يسأل السفير الفرنسي الأسبق في فرنسا ميشال دوكلو: «ما الخطأ الذي ارتكبه الرئيس مانويل ماكرون في عام 2018؟ وإلى أي مدى تؤثر الأحداث الجارية في فرنسا على وضعها الدولي؟ ما المتوقع لفرنسا والمتوقع منها في عام 2019؟». ويجيب أن مظاهرات «السترات الصفراء» دفعت ماكرون للشعور بالضآلة، والأيام القادمة ستوضح ما إذا كان سيركز جهده على الداخل على حساب دور فرنسا الخارجي، أم أن الاضطرابات الداخلية ستزيد من قناعاته بأهمية تعويض ذلك بتعزيز الدور الخارجي لفرنسا.

- فيتالي نعومكين : سنة الفرص والتحديات لروسيا
السنة التي حلت ستكون بالنسبة إلى روسيا سنة إمكانيات جديدة ومصاعب في آن واحد. وكلاهما يتطلب منها الاستمرار بسياسة خارجية مرنة وناشطة. وبالدرجة الأولى في تلك المناطق من العالم التي تشغل أماكن متقدمة ضمن قائمة الأولويات الروسية بما فيها الشرق الأوسط.
عقوبات الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ومحاولات جر موسكو إلى سباق تسلح جديد هدفها إضعاف روسيا وإعاقتها في دفاعها عن مصالحها ومصالح حلفائها في المناطق المختلفة من العالم. الإنجازات الروسية الأخيرة في الصناعات الدفاعية وبالدرجة الأولى صناعة منظومات مختلفة من الأسلحة فوق الصوتية تعطيها القدرة عبر مشاريع فعالة وغير مكلفة على تفادي التهديدات العسكرية الجديدة. ورغم العقوبات المفروضة فلا تزال أنظمة التسليح الروسي مطلوبة في الأسواق العالمية.
مع ذلك ستضطر موسكو في سياستها الخارجية لأخذ وجود القيود بالحسبان. بالنسبة إلى الشرق الأوسط يمكن أن تصبح هذه السنة التي حلت سنة تغييرات جدية، فإن روسيا ستتبع سياسة تحافظ فيها على مبادئ محددة، على سبيل المثال – احترام السيادة ووحدة أراضي الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والتعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف، والحفاظ على الاستقرار... وتتناغم مع البراغماتية والتي من ضمن عناصرها «الانتهازية البناءة». أما الأخيرة، فهي لا تعني «سياسة التهام كل شيء» وعدم التمييز ولكنها تفترض الجاهزية للتعاون مع أطراف مختلفة (بما في ذلك المتصارعة فيما بينها)، في حال تناسب هذا مع مصالحها. بشكل عام يمكن توقع توسع دائرة شركاء روسيا في المنطقة على خلفية تصرفات واشنطن التي لا يمكن التنبؤ بها. في الوقت نفسه، لن تحاول موسكو إزاحة واشنطن أو استبدالها وهي ليس لديها الموارد الكافية لذلك مقارنة بأميركا وتسعى لتجنب الانجرار إلى الصرعات.
تبقى سوريا نقطة استناد مهمة بالنسبة إلى موسكو حيث استطاعت الأخيرة تحقيق جزء كبير من الأهداف التي وضعتها أمامها بما فيها تقدم كبير في بسط سيطرة دمشق على أراضي البلاد والقضاء على العصابات الإرهابية وعودة اللاجئين والنازحين وحتى بدء إعادة بناء الاقتصاد وعملية عودة دمشق إلى «البيت العربي». بالتوازي مع استمرارها في مساندة محادثات جنيف تواصل موسكو تطوير صيغة آستانة معطية اهتماماً خاصاً لتطوير تعاونها مع «الدول الضامنة» أي تركيا وإيران (وروسيا).
سيشكل انسحاب القوات الأميركية من سوريا أحد التحديات الجديدة على المسار السوري في سنة 2019. في موسكو يحللون جميع الاحتمالات لتداعيات هذه «التغيرات في اللعبة» game changer عليها وعلى الوضع في سوريا. لقد لفت انتباههم هنا أقوال بعض المحللين الأميركيين بما فيهم العقيد المتقاعد دوغلاس ماغريغور والذي صرح على الهواء عبر «فوكس نيوز» أن انسحاب القوات الأميركية هو «خطوة ماكرة» تهدف إلى توتير العلاقات بين روسيا وحلفائها أي إيران وتركيا وكذلك بينها وبين المتمردين السوريين ممن تجري معهم حواراً مثمراً. ففي حال سمحت موسكو للقوات التركية بأن تقوم باجتياح واسع في عمق الأراضي السورية لتوجيه ضربة للأكراد فهذا سيوتر علاقاتها مع دمشق. وبكلمات أخرى إن انسحاب الأميركيين موجه كي يضع روسيا أمام خيار صعب.
لا يزال من غير الواضح من الذي سيشغل مكان الأميركيين في سوريا بحسب خطة واشنطن. فهل من المعقول أن الرئيس دونالد ترمب سيسلم الجزء الذي تشغله واشنطن إلى دمشق؟ أم كما يؤكد بعض المحللين أن لديه اتفاقا من خلف الكواليس مع أنقرة؟
إلى هذه اللحظة يبقى هذا فقط موضوعاً للمتاجرة. لكنه بين الحين والآخر يجري تسريب معلومات وكأن هناك خططا تُحضرها الحكومات العربية. وفقاً لهذه المعلومات يجري النظر في خطة تشكيل تحالف لقوى عربية من الدول الموالية للغرب ولكنها مستعدة للتقارب مع دمشق. هذه القوات التي تعد ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف عنصر ستكون جاهزة لشغل مكان القوات الأميركية بشكل مؤقت (خلال فترة إجلائهم التدريجي) لمنع التوسع التركي ومنع نمو النفوذ الإيراني وأيضاً لكي يعطى الوقت لدمشق للاتفاق مع الأكراد. يعدون دمشق بالعودة السريعة إلى جامعة الدول العربية واستئناف العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية الرائدة. ويقترح التوصل إلى اتفاق مع روسيا بحيث يطلب منها تأمين حماية الأجواء. الدور الرئيسي في هذه الخطة سيعطى للإمارات العربية المتحدة ومصر. لا يزال من الصعب القول هل فعلاً هذه الخطة مطروحة أم أن الحديث يدور عن محاولة لاستكشاف المواقف بمساعدة ضخ مقصود للمعلومات المحضرة خصيصاً لهذا الهدف.
على كافة الأحوال من المحتمل أنه سيتوجب على روسيا في الأفق القريب من هذه السنة بذل جهود لمساندة تقارب المنظمات القومية الكردية مع دمشق والذي بدأ على خلفية المعلومات المتعلقة بحقيقة انسحاب القوات الأميركية (حتى ولو كان ببطء) من سوريا. أبعاد التنازلات المحتملة التي يمكن أن يقدمها كل طرف تقريباً معروفة كما هي معروفة الخطوط الحمراء التي لا يستطيع الطرفان تخطيها. كما معروفة أيضاً تلك المهام التي يضعها أمامه كل طرف.
سقف المهمة بالنسبة إلى الأكراد هو الحصول على حكم ذاتي واسع بقدر الإمكان للمقاطعات الشمالية التي يقطنونها، مع أنهم لا يشكلون الأغلبية المطلقة فيها، إذ أن تلك المناطق لا تعتبر متجانسة من حيث السكان (كما هو الحال في كردستان العراق)، لهذا السبب فإن الحكم الذاتي في الشمال، على أي حال، سيتسم بالتعددية الإثنية وعلى الأغلب الدينية أيضاً. من هنا تبرز أهمية السؤال: ما هو شكل الدولة السورية ما بعد الأزمة - علمانية أم أي شكل آخر (إسلامية تعلن الشريعة كأساس للقانون). هذه هي المسألة التي سيترتب على مهندسي الإصلاحات الدستورية السوريين حلها (أؤكد هنا: السوريين).
سكان تلك المناطق ليسوا جاهزين للتخلي عن جميع حقوق الحكم الذاتي التي حصلوا عليها واقعياً. فهل سيوافق الأكراد والمجموعات الأخرى من سكان شمال سوريا المتحالفة معهم على إعطائهم إدارة ذاتية فقط على غرار المناطق الأخرى من البلاد؟
من المستبعد أن تكون دمشق مستعدة لتقديم أكثر من ذلك، وفي الوقت نفسه عليها أن تقدم تنازلات للأكراد في حال كانت ترغب في حل مسألة إعادة بسط سيطرتها على شمال سوريا، وحدودها مع الدول المجاورة وبالدرجة الأولى مع تركيا، بالطرق السلمية. حل هذه المسألة مرتبط بشكل وثيق بمسألة أخرى وهي السيطرة على المناطق المنتجة للنفط على الضفة الشرقية لنهر الفرات.
ليس من الصعب رؤية أن حل المسألة أعلاه، الهامة للغاية لضمان أمن سوريا القومي وتطهير أراضيها بالكامل من العصابات الإرهابية واستقرار الوضع السياسي الداخلي، أيضاً يعتمد على العملية الدستورية، ذلك لأن أي تغييرات حتى غير الجذرية منها في الهيكلية الإدارية السورية يجب أن تحصل على شرعيتها من خلال الدستور الذي بدوره يجب أن يتفق عليه السوريون. في هذه العملية دور روسيا وبالأخص عبر صيغة الدول الثلاث الضامنة وتحت مظلة الأمم المتحدة، سيكون عظيماً، وعلى ما يبدو أن سنة 2019 ستكون حاسمة في هذه العملية الرئيسية بالنسبة إلى سوريا.

- روبرت فورد : الأميركيون مشغولون بانتخابات 2020
إذا كنت تسأل نفسك ما الذي سيحدث لأميركا في 2019، فأفضل إجابة هي أن أميركا ستفكر في 2020 أكثر مما تفكر في 2019. من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة خلال 22 شهرا، وبحلول منتصف 2019 سوف تبدأ الحملة الانتخابية الأميركية. يجب أن تبدأ كل التحليلات الخاصة بوضع أميركا في 2019 من تلك النقطة.
هناك نقطة أخرى مهمة، وهي أنه مع مغادرة جيم ماتيس منصبه وزيرا للدفاع، يتحكم الرئيس دونالد ترمب فعليا في سياسة الأمن القومي الأميركي. ويبقى وزير الخارجية مايك بومبيو الذي تقبل أمرا من ترمب، وأخطر ماتيس بأن على وزير الدفاع الاستقالة من منصبه فورا. كذلك يتحكم ترمب تماما في الحزب الجمهوري؛ لذا ستركز انتخابات 2020 عليه، وفي المقابل ستتمحور أكثر أفكار ترمب حول السياسة الداخلية.
ستكون السياسة الداخلية في واشنطن خلال عام 2019 أشبه بفيلم سياسي، كان المشهد الأول فيه هو مغادرة ماتيس منصبه، والمشهد الثاني هو الصراع على الموازنة الذي أدى إلى إغلاق المكاتب والهيئات الحكومية إلى أجل غير مسمى. سيتضمن الفيلم المزيد من المغامرات والمعارك، وستكون أهم المعارك السياسية التحقيقات التي يجريها مجلس النواب الذي يسيطر عليه حاليا الحزب الديمقراطي. ويمكننا أيضا توقع قصص تتعلق بأعمال ترمب التجارية. إلى جانب ذلك، سينشر المحقق روبرت مولر تقريره النهائي بشأن ترمب وروسيا. إذا فتحت نافذة منزلك في أوروبا والشرق الأوسط أتوقع أن تتمكن من سماع الصراخ القادم من واشنطن.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى العلاقات الأميركية مع الشرق الأوسط والعالم خلال عام 2019؟ أولا لن ينتقد أحد في واشنطن إسرائيل نظرا للتنافس السياسي الداخلي الحاد. لا تنتظر خطة من ترمب بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. كذلك لن يعترض أحد في واشنطن على الممارسات الإسرائيلية ضد إيران و«حزب الله» في لبنان وسوريا، فترمب شخصيا لا يريد حربا مع إيران، ويأمل هو وبومبيو في أن تجبر العقوبات الاقتصادية والضغط الاقتصادي إيران على الامتناع عن التدخل في كل من سوريا واليمن ولبنان والخليج. إذا تحدت إيران القوات الأميركية على سبيل المثال في مياه الخليج العربي، فسيرد الأميركيون ردا عسكريا، لكن لن يبادر ترمب ويشعل شرارة حرب مع إيران، فقاعدته السياسية في أميركا تعارض وترفض تلك الحرب.
وقد أكد ترمب خلال زيارته قاعدة الأسد العسكرية في العراق في 26 ديسمبر (كانون الأول) انسحاب الجيش الأميركي من سوريا، وبقاءه في العراق لمحاربة فلول تنظيم داعش. كذلك قال إن القوات الأميركية قد تشنّ هجمات من القاعدة الأميركية في العراق على فلول «داعش» في شرق سوريا. وقد شهدنا بعض الانتقادات الموجهة من جانب سياسيين عراقيين للقاعدة الأميركية في 26 ديسمبر. إذا طلبت الحكومة العراقية من الجيش الأميركي مغادرة القاعدة العسكرية، فسيوافق ترمب على ذلك فورا، وسيكون سعيدا بإخطار بغداد أن «داعش» الآن ستكون مشكلة العراقيين فحسب. كذلك امتدح ترمب السعودية ودافع بقوة وحماس عن العلاقة مع الرياض رغم تصريحات من سياسيين في الحزب الديمقراطي وجمهوريين. ولاتزال هناك محاولات في الكونغرس لتقييد التعاون.
ربما يتساءل بعض القرّاء ما إذا كان سيصبح لكل من روسيا والصين نفوذ في المنطقة أم لا. أرجو أن يصدقوا أن ترمب وقاعدته السياسية لا تهتم بالأمر، فأكثر ما يثير قلق ترمب بشأن الصين هو الاقتصاد، حيث تؤثر الحرب التجارية محدودة النطاق بين كل من أميركا والصين على المدن الأميركية، كما تؤثر على قطاع الزراعة.
ومع اقتراب عام 2020 ستزداد أهمية الاقتصاد. وفي الوقت نفسه لن يحاول ترمب التنافس مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط. لن يزعج تنامي النفوذ الروسي في كل من سوريا، وليبيا، ومصر، وحتى العراق، بل على العكس سيكون سعيدا وراضيا إذا أصبحت صراعات الشرق الأوسط مشكلة روسيا بدلا من كونها مشكلة أميركا. هل يذكركم ذلك بأوباما في عام 2015؟
كذلك من المهم تذكر أنه خلال الأعوام المقبلة ستواجه واشنطن المزيد من الصعوبات المالية في تمويل برامجها الاجتماعية وكذلك موازنة الدفاع. وقد سأل ترمب في بغداد عن سبب وجود قواعد عسكرية لأميركا في بلدان لا يعرف الشعب الأميركي أسماءها، وقال بوضوح إنه إذا لم تقدم تلك البلاد تعويضا ماليا لأميركا، فربما يغلق تلك القواعد العسكرية. يأتي ترمب من ولايات متحدة منقسمة بشكل كبير على المستويين الاقتصادي والسياسي، ولا تمثل الحروب في الخارج أهمية كبيرة لواشنطن أو المواطنين الأميركيين في الوقت الراهن، فالمعارك في الداخل، وهذا الفيلم السياسي الخلاب هو ما سيكون محور الاهتمام والانتباه في أميركا خلال عام 2019.

- ميشال دوكلو : فرنسا في مرحلة «بعث جديد»... وماكرون يركز على الخارج
ما هو الخطأ الذي ارتكبه الرئيس مانويل ماكرون في عام 2018؟ وإلى أي مدى تؤثر الأحداث الجارية في فرنسا على وضعها الدولي؟ ما هو المتوقع لفرنسا والمتوقع منها في عام 2019؟
استفاد الرجل الذي انتخب في مايو (أيار) 2017 من مزيج الحظ الوافر والحس السياسي السليم. فالغالبية العظمى من الشعب الفرنسي أرادت الخلاص من الطبقة القديمة من السياسيين الذين فشلوا في إيجاد حلول عملية لتحديات العصر. وماكرون كان فطناً بما يكفي ليقدم نفسه بوصفه الوافد الجديد، وصور نفسه على أنه التكنوقراطي المتمكن، وهي الصورة التي تروق كثيراً للناخب الفرنسي.
اللافت أن نقطة ضعف ماكرون المتمثلة في عدم انتمائه إلى حزب سياسي باتت نقطة قوته الأبرز، وكان فطناً أيضاً بما يكفي لأن يدرك أن الناخبين ليسوا مستعدين بعد لمساندة اتجاه راديكالي بحت، خصوصاً تبني فكرة «فريكسيت» على غرار «بريكسيت» عندما أرادت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي. لعب ماكرون دور التكنوقراطي البراغماتي، المناصر لأوروبا والمناصر للعولمة، ذلك على الرغم من إيمانه الراسخ بالتقاليد القومية واحتفائه بأمجاد فرنسا وبفكرة تنصيب رئيس أشبه بـ«ملك منتخب».
أخذ نجمه في البريق لشهود عدة، وعلى العكس من التشخيص الذي أفرزته استطلاعات الرأي، فاز حزبه الجديد «الجمهورية إلى الأمام» بالانتخابات وبأغلبية معقولة في البرلمان على الرغم من حداثة عهد أعضاء حزبه بالسياسة. تمكن ماكرون من إحداث تغيير كبير في سوق العمل من دون معارضة كبيرة بما يتوافق مع ما تضمنه البرنامج الانتخابي للحزب، ونجح في إصلاح أوضاع خطوط السكك الحديدية على عكس التوقعات. نجح ماكرون أيضاً في إعادة رسم صورة فرنسا على المسرح العالمي. وفي لحظة ما بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، برز إيمانويل ماكرون باعتباره صوت أوروبا والأمل الأكبر في حماية النظام الليبرالي العالمي في ظل ضعف المستشارة الألمانية ميركل بسبب مشكلات بلادها الداخلية وانشغال رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي بالانتحار القومي الذي عرف باسم «بريكسيت».
حدث التحول المفاجئ في نهاية الربيع وبداية صيف 2018. ففي الجبهة الداخلية، وإثر حادث بسيط يتكرر أحياناً عندما يقوم أحد أفراد الطاقم المعاون لرئيس الدولة، وأحياناً المساعدون الشخصيون الذين قد يصدر عن أحدهم تصرف غير مسؤول (في تلك الحادثة تحديداً قام حارس ماكرون الشخصي بالاعتداء على متظاهر سلمي، رغم أن ذلك لم يكن من صميم عمله، حيث انتحل صفة ضابط شرطة)، وهو ما تسبب في حرج بالغ للرئيس وأنصاره.
تسبت «قضية بنالا» - نسبة إلى حارس الرئيس أليكساندر بنالا ذي الأصول المغربية - في تغيير المناخ العام كلياً. فبدءاً من هذه الفضيحة (وإن كانت أقل حجماً)، أصبحت كل كلمة ينطق بها الرئيس مثار جدل، وكل إجراء تتخذه حكومته كان يلقى معارضة شعبية. الشيء نفسه حدث في الجانب الاقتصادي، حيث تلاشت أمنيات تحقيق نمو اقتصادي، وعاودت نسب البطالة الارتفاع.
حل الشتاء وتسبب إجراء واحد من قبل الحكومة - رفع الضريبة على الوقود - في اندلاع مظاهرات «السترات الصفراء». لم يلحظ أحدٌ المكان الذي انطلقت منه حركة «السترات الصفراء»، وعلى عكس التوقعات، خرجت هذه الحركة من الريف والمدن الصغرى، لكنها لقيت تأييداً من الأغلبية التي وصلت إلى 80 في المائة من إجمالي السكان، رغم أن مظاهراتهم تسببت في شل الحركة في باريس في الكثير من أيام السبت وفي حالات عنف مرعبة في بعض الأحيان. وجد الرئيس نفسه مجبراً على إعلان التراجع والاعتراف بأخطائه، والوعد بأن يكون أقل ملكية والقبول برفع الحد الأدنى للأجور، وغيرها من الإجراءات الهادفة إلى تحسين القوة الشرائية والارتقاء بمستوى الطبقات الدنيا والمتوسطة.
ما من أخبار سارة على الصعيد الدولي؟ قبل فترة طويلة من احتجاجات «السترات الصفراء»، ولأسباب قد لا تتعلق بفرنسا، بدأت سياسة ماكرون الأوروبية تتكشف. فالألمان، وبلدان الشمال الأوروبي عامة، لم يكونوا مستعدين لمساندة مقترحات ماكرون بشأن تعزيز منطقة اليورو، واتضح أن الانتخابات في النمسا وإيطاليا قد جلبت إلى السلطة تلك النماذج الشعبوية المفترض أن ماكرون قد هزمها في فرنسا. فقد جاءت «بريكسيت» لتزيد من عزلة فرنسا في أوروبا فيما يخص السياسة الدولية، وعجز الموازنة المتزايد لن يكون في صالح مصداقية باريس في بروكسل. ومع ترمب، باتت الأمور أصعب وأصعب، فقد اعتاد ماكرون التباهي بقدرته على تعزيز علاقته الشخصية مع ترمب، وفي الوقت نفسه أن يكون الخصم الأبرز لسياساته. فقد تضايق ترمب من الطريقة التي عُومل بها في باريس خلال احتفالات ذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى، ومنذ ذلك الحين بات ينتهز كل فرصة متاحة للتغريد ضد ماكرون كما يفعل مع الكثير من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين.
بالنسبة لفرنسا، فإن قرار ترمب الانسحاب من شمال شرقي سوريا يمثل ضربة موجعة لمصالحها الأمنية (الكثير من المتطرفين ما زالوا أحراراً في التنقل عبر ضفتي نهر الفرات)، وبالنسبة إلى ماكرون نفسه فإن هذا الانسحاب يمثل ضربة لكرامته الشخصية لأنه كثيراً ما ضغط على ترمب كي يبقي على القوات الأميركية هناك. فهو يرى أن بسط بعض النفوذ على هذا الجزء من سوريا يعكس نفوذ الغرب في دمشق، ونفوذهم في مواجهة الهيمنة الإيرانية على المنطقة. ولذلك فإن تعزيز الموقف الفرنسي تجاه سوريا سيكون ضمن قمة أولويات فرنسا عام 2019، وستعزز الدبلوماسية الفرنسية تواصلها مع الأتراك، وربما تسعى إلى تعزيز أواصر التعاون مع إسرائيل وروسيا، التي تمثل همزة الوصل مع تركيا التي سيخلفها الانسحاب الأميركي وراءه، وكذلك التعاون مع دول الخليج وإيران، وجميعها ستكون ضمن تبعات الانسحاب الأميركي.
ستتضمن الأجندة الفرنسية أولويات تعزيز الدبلوماسية الفرنسية خلال الشهور المقبلة، الأولى هي الانتخابات الفرنسية المقررة في مايو (أيار) المقبل، التي ستكون لحظة فارقة أخرى في الصراع بين الشعوبية والاتجاه العام المناصر لأوروبا. وستحدد نتائج الانتخابات شكل المؤسسات الأوروبية في بروكسل بعد خروج بريطانيا من المنظومة. ثانياً، رئاسة دول مجموعة السبعة الكبار والقمة الاستثنائية نهاية أغسطس (آب) في بيارتيز، وبعدها النسخة الثانية «من منتدى باريس للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني)، وجميعها تمثل أولويات بالنسبة للدبلوماسية الفرنسية في المرحلة المقبلة.
بالتأكيد تسببت الأحداث الجارية في فرنسا في شعور ماكرون بالضآلة، والأيام المقبلة ستوضح ما إذا كان سيركز جهده إلى الداخل على حساب دور فرنسا الخارجي، أم أن الاضطرابات الداخلية ستزيد من قناعاته بأهمية تعويض ذلك بتعزيز الدور الخارجي لفرنسا. لا ينبغي على ماكرون الجزع بشأن صورة فرنسا في الخارج بسبب «السترات الصفراء». صحيح أن تلفزيونات العالم وكذلك تغريدات «تويتر» قد تلاعبتا كثيراً بفكرة أن «باريس تحترق»، لكن يمكن النظر إلى ما يحدث على أن فرنسا في عهد ماكرون تمر بمرحلة بعث جديد، أو في أسوأ الأحوال على أنه مرض انتشر بين دول العالم المتقدم. القادة الآخرون يدركون ذلك جيداً، فهم يعلمون أنه ما من دوله يمكنها أداء الدور الذي تؤديه فرنسا للمساهمة في تعزيز استقرار النظام العالمي.



أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
TT

أمن الطيران بعد 11 سبتمبر: كيف يُفتح باب قمرة الطائرة في الطوارئ؟

صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)
صورة من قمرة طائرة منطادية (ويكيبيديا)

لم تعد قمرة قيادة الطائرات التجارية مجرد مساحة فنية لإدارة المحركات وتوجيه المسارات، بل تحولت على مدار الربع قرن الأخير إلى ما يشبه الحصن العسكري المعزول سيادياً عن بقية أجزاء الطائرة.

وأعادت الواقعة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي» فتح التساؤلات العميقة حول الهندسة الأمنية والقوانين الصارمة التي تحكم الدخول إلى هذا الجيب الاستراتيجي المعلق في السماء.

في عالم ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، تبدلت فلسفة الطيران المدني بالكامل، إذ استُبدلت الأبواب الخشبية الواهية بدروع مصفحة مقاومة للرصاص والانفجارات، وصيغت تشريعات دولية تحظر أي تواصل فيزيائي غير مصرح به بين الركاب وطاقم القيادة.

فما هي القوانين الدولية التي نظمت هذا التحول الجذري، ومن يملك الحق القانوني في تجاوز العتبة المحصنة، وكيف يُدار لغز فتح الباب المغلق من الداخل أو الخارج أثناء الأزمات؟

 

صورة من قمرة طائرة بوينغ 737-400 (ويكيبيديا)

الثورة التشريعية لما بعد سبتمبر وصناعة الدرع الفولاذي

قبل خريف عام 2001، كان نظام الأمان المحيط بقمرة القيادة مرناً إلى حد كبير، إذ كان بإمكان المسافرين، وخاصة الأطفال، زيارة الطيارين وتبادل الحديث معهم في أوقات الطيران المستقر كنوع من الترحيب. لكن اختطاف أربع طائرات تجارية وتحويلها إلى قنابل موجهة صدم العالم ودفع منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) بالتنسيق مع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) ووكالة سلامة الطيران الأوروبية (EASA) إلى صياغة الملحق السادس من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني، والذي فرض تعديلات هيكلية إلزامية على جميع الطائرات التي تزيد سعتها عن ستين راكباً. قضت هذه القوانين الصارمة بإعادة تصميم أبواب قمرات القيادة بالكامل لتصبح مقاومة للمقذوفات النارية والشظايا والانفجارات والقنابل اليدوية الصغيرة، وتتحمل صدمات فيزيائية هائلة تمنع أي محاولة لاقتحامها بالقوة الغاشمة.

ولم يتوقف الأمر عند التدريع المعدني، بل أُلزمت شركات الطيران بنظام إغلاق إلكتروني تلقائي يظل مقفلاً بشكل دائم طوال فترة الرحلة منذ لحظة إغلاق أبواب الطائرة الرئيسية على المدرج وحتى فتحها في وجهة الوصول، مما جعل القمرة بمثابة قلعة مستقلة بذاتها لا يمكن اختراقها من الخارج.

 

جغرافيا الصلاحيات ومن يملك حق العبور العتبة؟

تحدد القوانين الدولية بصرامة بالغة هوية الأشخاص الذين يُسمح لهم بعبور عتبة القمرة المحصنة أثناء الطيران، وتضيق هذه الدائرة إلى حد كبير لمنع أي ثغرة أمنية. يقع الحق الأول والمطلق لقائد الرحلة (Captain) ومساعده (First Officer) المعينين رسمياً لتشغيل الطائرة، بالإضافة إلى أفراد الطاقم الإضافيين في الرحلات الطويلة الذين يتناوبون على القيادة. ولا يملك أي راكب، مهما بلغت درجته في السفر أو نفوذه السياسي أو المالي، الحق في طلب الدخول أو حتى الاقتراب من المنطقة العازلة المحيطة بالباب.

أما الفئة الثانية التي ينظم القانون دخولها فتشمل المفتشين الجويين التابعين لهيئات الطيران الوطنية الذين يحملون بطاقات تفويض رسمية لمراقبة أداء الطاقم، أو مهندسي الطيران التابعين للشركة بشرط وجود حاجة تقنية ماسة يوافق عليها القبطان مسبقاً.

وبالنسبة لأفراد ضيافة الطائرة، فإن دخولهم لا يتم بصفة دائمة بل يخضع لبروتوكول خدمة وتفتيش دقيق ومعقد، حيث يمنع القانون وجود أي شخص في القمرة بخلاف هؤلاء، وتعتبر أي محاولة لتجاوز هذه الحدود جريمة فيدرالية تندرج تحت بند التهديد الإرهابي والتدخل غير المشروع.

صورة من قمرة طائرة إيرباص A320 (ويكيبيديا)

لغز «فلاي دبي» وكيف اخترق الذعر جدار القمرة؟

أثارت الحادثة المرتبطة برحلة «فلاي دبي» جدلاً واسعاً حول كيفية وصول التوتر أو الركاب إلى مسافة قريبة من القمرة دفع الطيارين لتفعيل الرموز التحذيرية المركبة.

تشير الأعراف الملاحية والتحقيقات الأولية في مثل هذه الحالات إلى أن الركاب لا يدخلون القمرة عبر كسر الباب المصفح، فالأبواب الحديثة مصممة هندسياً لمنع ذلك تماماً، ولكن الأزمة تبدأ غالباً في مقصورة الركاب الأمامية الخاصة بدرجة رجال الأعمال (Business Class) أو الممر المؤدي إلى دورة المياه الأمامية المحاذية للمطبخ وقمرة القيادة.

عندما يبدي أحد الركاب سلوكاً عدوانياً غير منضبط، أو يحاول الاندفاع نحو الممر الأمامي في توقيت متزامن مع خروج أحد الطيارين لقضاء حاجة بيولوجية، ينشأ ما يُعرف بـ«التهديد الوشيك».

في هذه اللحظة، تلجأ المضيفات إلى إطلاق صيحات التحذير واستخدام أجسادهن أو عربات الضيافة كحواجز فيزيائية مؤقتة لمنع الراكب من التقدم، بينما يقوم الطيار الموجود في الداخل بإغلاق الباب فوراً وحصاره إلكترونياً، مما يجعل الأزمة تدور خارج جدار القمرة المصفح لكنها تستدعي تفعيل الرموز التحذيرية نظراً لوجود مهدد أمني على بعد سنتيمترات قليلة من قمرة القيادة.

آليات التحكم الرقمي وكيف يُفتح الباب المغلق؟

يرتكز نظام إدارة أبواب الطائرات الحديثة، مثل «بوينغ» و«إيرباص»، على مفتاح تحكم ثلاثي المستويات يقع في المنصة المركزية لقمرة القيادة تحت السيطرة المباشرة للطيارين، ويحتوي على ثلاثة خيارات أساسية وهي: الإغلاق التام (LOCK)، والوضع التلقائي العادي (NORM)، ووضع السماح بالدخول (UNLKD). في الحالة الطبيعية، يكون المفتاح على الوضع التلقائي، مما يعني أن الباب مغلق بإحكام ولا يمكن فتحه بمجرد سحب المقبض الخارجي. إذا أراد أحد أفراد طاقم الضيافة الدخول لأمر روتيني كتقديم الطعام، يقوم باستخدام لوحة مفاتيح رقمية (Keypad) مثبتة خارج الباب، حيث يدخل رمزاً سرياً مخصصاً يطلق نغمة صوتية وإشارة ضوئية داخل القمرة.

ينظر الطيارون إلى الكاميرات الأمنية الخارجية للتحقق من هوية المضيفة، فإذا كان الوضع آمناً، يحركون المفتاح يدوياً إلى وضع السماح بالدخول (UNLKD) لعدة ثوانٍ ليفتح الباب إلكترونياً.

أما إذا استشعر الطيارون أي خطر أو لاحظوا وجود شخص غريب خلف المضيفة، فإنهم يحركون المفتاح فوراً إلى وضع الإغلاق التام (LOCK)، وهو إجراء يلغي فعالية اللوحة الرقمية الخارجية تماماً ويمنع فتح الباب لمدد زمنية متجددة تصل إلى عشرين دقيقة حتى لو أُدخلت الرموز الصحيحة.

الطوارئ القصوى وبروتوكول تجاوز عجز الطاقم

وضعت تشريعات السلامة الدولية سيناريو شديد الندرة والخطورة، وهو تعرض الطيارين معاً لحالة عجز طبي مفاجئ (كفقدان الوعي بسبب نقص الأكسجين أو التسمم الغذائي) مما يجعلهم غير قادرين على الاستجابة للنداءات الأرضية أو نغمات طلب الدخول من طاقم الضيافة. لمواجهة هذا المأزق، يتضمن النظام الرقمي للباب كود طوارئ سري للغاية (Emergency Access Code) لا يعلمه إلا رئيس طاقم الضيافة. عند إدخال هذا الكود الخاص بالطوارئ القصوى في اللوحة الخارجية، يبدأ نظام الطائرة عداً تنازلياً صوتياً وبصرياً داخل القمرة يستمر لمدة تتراوح بين 30 إلى 60 ثانية.

صُمم هذا التأخير الزمني لمنح الطيارين فرصة لرفض الدخول إذا كان هناك خاطف يحاول استخدام الكود بالقوة، فإذا كان الطيارون في وعيهم ورفضوا الأمر بالضغط على (LOCK)، يظل الباب مغلقاً. أما إذا التزم الطيارون الصمت التام ولم يضغطوا على أي زر طوال فترة العد التنازلي بسبب عجزهم الطبي، يفترض النظام الإلكتروني وجود كارثة صحية داخل القمرة، ويقوم بفتح القفل التلقائي لمدة خمس ثوانٍ فقط، مما يسمح للمضيفين بالدخول لإنقاذ الطائرة والركاب وتولي السيطرة.

 

خط الدفاع البشري: بروتوكول التقييد وأدوات السيطرة في المقصورة

لا تتوقف هندسة الأمن الجوي عند التدريع الفولاذي لأبواب قمرة القيادة، بل تمتد لتشمل تدريب طواقم الضيافة بصفتهم «خط الدفاع البشري الأول» المؤهل للتعامل الفوري مع الركاب المشاغبين أو الذين يشكلون تهديداً أمنياً وشيكاً. ووفقاً للوائح المنظمة الدولية للنقل الجوي (IATA)، يخضع أفراد الضيافة لتدريبات مكثفة على تقنيات الدفاع عن النفس وإدارة الأزمات السلوكية الحادة فوق السحاب. وفي حال فشل محاولات التهدئة اللفظية وتصاعد سلوك الراكب إلى مرحلة الخطر الفيزيائي، يُفعل الطاقم بروتوكول السيطرة القسرية باستخدام أدوات تقييد قانونية معتمدة تحتفظ بها الطائرات التجارية في مقصوراتها بانتظام، مثل الأصفاد البلاستيكية المرنة شديدة التحمل (Flex-Cuffs) أو أحزمة التثبيت القماشية المعززة. يُثبت الراكب المشاغب بموجب هذا الإجراء في مقعده بشكل محكم يمنعه من الحركة أو التقدم نحو الممرات الأمامية، ويظل تحت رقابة لصيقة من الطاقم حتى تلامس الطائرة الأرض، حيث يُسلم فوراً إلى السلطات الأمنية وقوات إنفاذ القانون المرابطة على المدرج لمواجهة عقوبات جنائية دولية صارمة.


بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
TT

بريطانيا تتهم الصين باستغلال أكاديميين للتجسس على أبحاث الذكاء الاصطناعي وتقنيات حساسة

العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)
العلمان الصيني والبريطاني يظهران خلال محادثات حول الطاقة في بكين (أ.ب)

في تصعيد جديد للتحذيرات البريطانية بشأن أنشطة التجسُّس الصينية، اتَّهم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) منظمةً صينيةً بتمويل أبحاث أكاديمية في بريطانيا، في مجالات تقنية حساسة، من بينها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، لمصلحة جهاز أمن الدولة الصيني.

وقال الجهاز، في تحذير أصدره يوم الأربعاء، إن المنظمة الصينية المعنية تربطها علاقات وثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية (MSS)، وإن الأبحاث التي موَّلتها يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في تعزيز القدرات التقنية لأجهزة الاستخبارات في بكين، وفقاً لشبكة «سي إن إن».

وفي «تنبيه بشأن التجسُّس»، أفاد جهاز «MI5» بأن أكثر من 100 أكاديمي مقيم في المملكة المتحدة شاركوا في مشاريع موّلتها منظمة «معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا» (CGTRI)، التي قال الجهاز إنها تتمتع بـ«علاقات وثيقة للغاية» مع وزارة أمن الدولة الصينية، وهي جهاز الاستخبارات المدني في بكين.

وجاء في التحذير: «لقد رصد جهاز MI5 أن الغرض الأساسي من معهد (CGTRI) هو تمويل أبحاث أكاديمية تعزِّز بشكل مباشر القدرات التقنية لوزارة أمن الدولة (MSS) في مجال التجسُّس».

وأضاف الجهاز أن أكاديميِّين بريطانيِّين شاركوا في مشروعات موّلتها المنظمة وتناولت موضوعات تشمل «الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الاتصالات السرية، وتقنيات إخفاء المعلومات».

وأشار التحذير إلى أن هذه الأنشطة «تدعم عمليات التجسُّس التي تقوم بها وزارة أمن الدولة الصينية، مما يُشكِّل تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة».

ويقصد بـ«إخفاء المعلومات (Steganography)» تقنية تُستخدَم لإخفاء بيانات داخل رسائل أو ملفات أو وسائل أخرى.

ويُعدُّ هذا التحذير تطوراً لافتاً في تعامل الاستخبارات البريطانية مع ما تصفها بالتهديدات المرتبطة بأنشطة التجسُّس الصينية، إذ قال جهاز «MI5» إنه المرة الأولى التي يصدر فيها، بشكل مستقل، تنبيهاً عاماً من هذا النوع.

ويأتي التحذير في وقت تزداد فيه الاتهامات البريطانية المتعلقة بأنشطة التجسُّس الصينية، كما يسلط الضوء على التوتر القائم بين المخاوف الأمنية في المملكة المتحدة من جهة، ومساعي الحكومة البريطانية إلى الحفاظ على علاقات مع بكين وتعزيز التعاون معها من جهة أخرى.

الصين ترفض الاتهامات

في المقابل، رفضت السفارة الصينية لدى بريطانيا الاتهامات البريطانية، ووصفتها بأنها «خيالية، ومختلقة تماماً».

وقال متحدث باسم السفارة، في بيان، إن بلاده «تعارض بشدة مثل هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة»، مضيفاً أن السفارة قدَّمت «احتجاجاً رسمياً وشديد اللهجة إلى الجانب البريطاني».

وتابع المتحدث: «نحث أجهزة الاستخبارات البريطانية على الكفِّ عن نشر الأكاذيب، والتوقف عن تقويض التبادلات التعليمية والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».

وزير بريطاني يتعهد باتخاذ «إجراءات صارمة»

وفي سياق متصل، ذكر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني أن كثيراً من الأكاديميين والمؤسسات ربما تعاملوا بحُسن نية مع منظمة (CGTRI)، التي تُترجم أحياناً باسم «الأكاديمية الصينية للتكنولوجيا العامة (CAGT)»، من دون أن يكونوا على دراية بصلاتها الوثيقة بوزارة أمن الدولة الصينية.

غير أن الجهاز حذَّر من أنَّ مواصلة التعامل مع المنظمة قد تعرِّض المعنيين لخطر الملاحقة القضائية بموجب «قانون الأمن القومي» البريطاني، الذي أُقرَّ عام 2023 ومنح السلطات صلاحيات أوسع للتصدِّي لأنشطة التجسُّس الأجنبي والأعمال المرتبطة بالدول التي تعدُّها بريطانيا معادية.

وقال وزير الأمن البريطاني، دان غارفيس، إنه وجَّه رسائل إلى جميع رؤساء الجامعات في بريطانيا، لضمان إنهاء الموظفين أي علاقة لهم بالمنظمة الصينية.

وأضاف في بيان: «يكشف هذا التحذير عن محاولات تقوم بها الاستخبارات الصينية للاستفادة سراً من خبرات وأبحاث أكاديميينا، مما يقوض أمننا القومي وأمن حلفائنا».

وتابع: «تُعدُّ الشراكات الدولية أمراً حيوياً لضمان استمرار ازدهار جامعاتنا ومعاهدنا البحثية، لكننا سنتخذ إجراءات صارمة للتصدي للتهديدات التي نواجهها».


ماذا يعني تفعيل رموز الطوارئ 7700 و7600 و7500 في عالم الطيران؟

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)
صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)
TT

ماذا يعني تفعيل رموز الطوارئ 7700 و7600 و7500 في عالم الطيران؟

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)
صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة الحديثة (Glass Cockpits) حيث تنتشر الشاشات الرقمية المتقدمة، وتظهر لوحة التحكم المركزية (Center Pedestal) الواقعة بين مقعدي القبطان والمساعد. في هذه المنطقة تحديداً، يتواجد جهاز الإرسال والاستقبال (Transponder) الذي يستخدمه الطيارون لطباعة رموز الطوارئ الثلاثية (7700، 7600، 7500) لتظهر فوراً على رادارات المراقبين الأرضيين (ويكيبيديا)

في عالم الطيران، تسير الرحلات وفق سيناريوهات مرسومة بدقة بديهية، لكن خلف الهدوء الظاهري لقمرات القيادة، تختبئ لغة رقمية مشفرة كفيلة بقلب موازين الأجواء في ثوانٍ معدودة.

أعادت الحادثة الأخيرة لرحلة «فلاي دبي»، والتي شهدت تفعيل رمزي الطوارئ (7700 ثم 7500)، تسليط الضوء على البروتوكولات الصارمة والمخفية التي تدير بها غرف المراقبة الجوية الأزمات المركبة.

بين وميض طوارئ العطل الفني، والتحول الدراماتيكي الشبيه بأفلام الإثارة إلى رمز التدخل غير المشروع، كيف يُدير «جنود الظل» على الأرض أزمة طائرة معلقة بين السماء والأرض حتى تلامس إطاراتها مدرج الأمان؟

الشفرة الصامتة وجغرافيا الخطر في غرف المراقبة

تعتمد غرف المراقبة الجوية في رصدها للحركة على نبضات لاسلكية مستمرة يرسلها جهاز الاستقبال والإرسال في الطائرة. وعندما يواجه طاقم القيادة مأزقاً هائلاً، فإن الكلمات تصبح عبئاً، ويغدو الضغط على أزرار الجهاز هو الوسيلة الأسرع للاستغاثة.

تظهر هذه الاستغاثات على شاشات الرادار الأرضية كرموز ضوئية وامضة ذات ألوان مميزة تلفت انتباه المراقب فوراً، وتُعرف دولياً بـ«رموز الاستجابة» المحددة من منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO). يمثل الرمز 7700 خط الدفاع الفني والتشغيلي الأول، إذ يعلن عن أزمة تشغيلية عامة كبرى قد تتراوح بين نقص الوقود الحاد أو تعطل المحركات أو الحالات الطبية الحرجة، مما يستدعي استنفاراً فورياً لتأمين مسار الهبوط.

لكن الخطر يتضاعف بنيوياً وسيادياً عندما يتبدل هذا الرمز إلى شفرة التدخل غير المشروع والاختطاف بالرمز 7500، وهي الإشارة المرعبة التي تعني لغرف العمليات الأرضية أن قمرة القيادة قد سقطت في يد طرف خارجي، أو أن هناك تهديداً حتمياً يمس سلامة الطائرة وركابها بقوة السلاح أو الترهيب.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

لغز الصمت اللاسلكي وفك غموض الشفرة 7600

بين هذين الخطرين، يبرز الرمز الثالث الشهير 7600، وهو الكود المخصص للإعلان عن عطل كامل في أنظمة الاتصالات اللاسلكية للطائرة.

يمثل هذا الرمز تحدياً فريداً، فالطائرة تصبح «صماء وبكماء» في الجو، لا تستطيع استقبال توجيهات الأرض ولا إرسال تقاريرها، لكنها تظل مرئية على شاشات الرادار. تتعامل المراقبة الجوية مع الرمز 7600 وفق فرضية واضحة، تفترض الأرض أن الطيار سيتبع خطة الطيران الأصلية بدقة، ويبدأ المراقبون في إخلاء الأجواء أمامه بناءً على المسار المتوقع.

الخطورة الكبرى تكمن في التقاطع العضوي بين هذه الرموز، فقد يكون الكود 7600 ناجماً عن عطل كهربائي بريء، ولكنه في سيناريوهات أخرى قد يكون مناورة متعمدة من خاطفين قاموا بفصل أجهزة الاتصال لعزل الطائرة، ما يضع غرف المراقبة في حالة استنفار قصوى لفك هذا الغموض المريب والتأكد من عدم تحوله إلى الرمز 7500.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

جراحة الأجواء وتأمين الممرات الحرة

بمجرد التقاط الرمز الخاص بالطوارئ الفنية 7700، تبدأ غرف المراقبة الجوية في إجراء ما يشبه الجراحة الدقيقة في الأجواء المحيطة. يتوقف المراقبون فوراً عن إدارة التدفق التجاري المعتاد، ويتركز الاهتمام الشامل على تأمين مسار الطائرة المنكوبة.

تتلقى جميع الطائرات القريبة أوامر حاسمة بتغيير ارتفاعاتها والابتعاد عن الخط الملاحي للطائرة المعنية، لتصبح الأجواء المحيطة بها فارغة تماماً ومحمية من أي اصطدام محتمل. تمنح السلطات الأرضية الطائرة المأزومة أولوية مطلقة لا تتقدمها أي رحلة أخرى، وتُعفى تماماً من الالتزام بالسرعات والارتفاعات القياسية المعمول بها في الملاحة الجوية. وفي غضون دقائق معدودة، تنسق أبراج المراقبة مع الأجهزة الأرضية في المطار المستهدف، لتصطف سيارات الإطفاء والإنقاذ على طول المدرج، في انتظار هبوط قد يتطلب تدخلاً ميكانيكياً عاجلاً.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

بروتوكول التمويه وإدارة التدخل الأمني

ينقلب المشهد رأساً على عقب داخل غرف العمليات إذا ما تحول الإنذار إلى شفرة الاختطاف 7500. في هذه اللحظة، تكف الأزمة عن كونها حدثاً ملاحياً عاماً، وتتحول إلى قضية أمن قومي تقع تحت طائلة القوانين السيادية للدول. تقضي التعليمات الدولية الصارمة بأن يلتزم المراقب الجوي ببروتوكول الصمت والتمويه اللاسلكي، إذ يُحظر عليه تماماً استخدام أي عبارات تشير إلى الاختطاف أو وجود مهدد أمني عبر موجات الراديو المفتوحة، منعاً لإثارة المعتدين داخل المقصورة في حال كانوا يستمعون إلى الاتصالات الجوية. يلجأ المراقب في هذه الحالة إلى توجيه رسائل روتينية مبطنة، يطلب فيها من الطيار إعادة التحقق من رمز الاستجابة الخاص به كإجراء تأكيدي. فإذا أعاد الطيار تثبيت الرمز 7500 أو تعذر عليه الرد مع استمرار الإشارة، تُفعل الخطط الأمنية القصوى، وتنتقل إدارة الأزمة فوراً من الهيئات المدنية إلى قيادات الدفاع الجوي والقوات المسلحة.

الطوق العسكري وفرضية الحلول القاسية

تتحرك المقاتلات الحربية النفاثة في إطار ما يُعرف بالإقلاع الفوري السريع بمجرد تأكيد الرمز الأمني 7500، لتطويق الطائرة المدنية في الجو. يحافظ الطيارون العسكريون على مسافات أمان مدروسة تتيح لهم مراقبة قمرة القيادة بصرياً، والوقوف على طبيعة الوضع الداخلي، والتحقق من هوية الأشخاص الذين يقودون الطائرة في ظل الصمت اللاسلكي المفروض أو الناتج عن استخدام الرمز 7600. تعد هذه المرافقة العسكرية إجراءً احترازياً وسيادياً بالغ الحساسية، إذ تهدف إلى منع الطائرة من الاقتراب من المنشآت الحيوية أو المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية.

وتضع الدول في الحسبان سيناريوهات شديدة القسوة، فحين تتوفر دلائل قطعية على تحول الطائرة إلى قنبلة طائرة موجهة نحو تدمير منشأة استراتيجية، يظل قرار الإسقاط العسكري خياراً أخيراً ومؤلماً تلجأ إليه القيادات العليا لحماية الأمن القومي للبلاد.

صورة توضح البنية الهندسية لقمرات القيادة (ويكيبيديا)

الموقف المعزول ونقل الصلاحيات على الأرض

لا تسلك الطائرة المهددة أمنياً بالرمز 7500 المسارات المعتادة نحو بوابات المطار الرئيسية، بل تقودها المراقبة الجوية عبر ممرات معزولة تماماً نحو مساحة جغرافية نائية داخل المطار تُعرف بالموقف المعزول. تقع هذه المنطقة في أقصى أطراف المهبط، بعيداً عن صالات المسافرين، والمنشآت الحيوية، وخزانات الوقود الكبرى، لتقليل الخسائر في حال حدوث انفجار أو عمل تخريبي. وبمجرد أن تلامس إطارات الطائرة أرض هذا المدرج المعزول وتتوقف تماماً، تنتهي الصلاحية القانونية والتشغيلية لرجال المراقبة الجوية.

يغلق برج المراقبة ملفه الفني، لتتسلم زمام المبادرة على الأرض قوات إنفاذ القانون، ووحدات مكافحة الإرهاب، وفرق التفاوض الأمنية، التي تبدأ في التعامل المباشر مع الخاطفين وفق الخطط التكتيكية الموضوعة لإنقاذ الأرواح والسيطرة على المقصورة.

تتابع الرموز بين حقيقة الخطر والخطأ البشري

يثير تتابع رموز الطوارئ وتداخلها في رحلة واحدة حالة من الاستنفار والتحليل العميق لدى خبراء الطيران والمحققين. يحمل هذا التتابع التلقائي تفسيرين لا ثالث لهما في الأعراف الملاحية، الأول يشير إلى تصعيد حقيقي للحدث، حيث يبدأ الأمر بعطل فني ميكانيكي بالرمز 7700 أو انقطاع اتصالات بالرمز 7600، ثم يستغل طرف ما حالة الفوضى أو الهبوط المفاجئ لفرض السيطرة على قمرة القيادة، ما يجبر الطاقم على ترقية الإنذار إلى الرمز 7500. أما التفسير الثاني فيتعلق بالخطأ البشري الفني أثناء الضغط العالي، إذ إن تقارب الأرقام في لوحة التحكم قد يؤدي بالطيار تحت وطأة الذعر والتوتر العصبي الشديد إلى إدخال رمز الاختطاف بدلاً من الطوارئ العامة أو عطل الاتصالات.

ورغم احتمالية الخطأ، فإن بروتوكولات المراقبة الجوية وسلطات الطيران العالمية تقضي بالتعامل مع التتابع باعتباره خطراً أمنياً حقيقياً بنسبة 100 في المائة، ولا يتم التراجع عن الاستنفار العسكري والأمني إلا بعد استقرار الطائرة على الأرض وتفتيشها بالكامل والتأكد من سلامة ركابها وطاقمها.