بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

تطارد الصحافيين والناشطين.. وحياة الأهالي جحيم

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
TT

بعد النظام.. «داعش» بلاء حلب الجديد

عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)
عناصر «داعش» يثيرون الذعر في حلب (رويترز)

كان آخر الأشياء التي فعلها محمود في سوريا أن ثبّت بابا أماميا جديدا لشقته. كانت تلك علامة أخرى على أن كل شيء في حلب بدأ يسير في الاتجاه الخاطئ. وقبل شهر، استبدل محمود بمسدسه بندقية رشاشة. أما الآن، فهو يضع حواجز معدنية كبيرة عند مدخل شقته ويتفحص الأقفال التي أصدرت دويا عند عودتها لأماكنها، بعد إغلاقه الباب بعنف، ثم ينظر محمود من خلال ثقب الباب إلى الردهة. غير أنه، وبعد ثلاثة أشهر من اتخاذ تلك التدابير، لم يعد الباب الأمامي أو البندقية الرشاشة يوفران الحماية الكافية له.
وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات، كان محمود ناشطا وواحدا من الثوار السوريين الشباب الذين كرسوا سنوات من حياتهم لبلادهم والقضية التي كانوا يؤمنون بها. غير أنه عندما التقى «الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) في بلدة صغيرة جنوب تركيا، بدا، وهو يتحرك على غير هدى، شاعرا بالأمان في شقة صغيرة مريحة كان استأجرها مع صديقه، لكنه لم يستطع أن ينسى المدينة التي أُجبر على الرحيل منها.
يقول محمود: «شاركت في الاحتجاجات منذ البداية، واعتُقلت وسُجنت من قبل النظام. انضممت إلى الجيش السوري الحر، ثم بعد ذلك اتجهت للعمل مع الصحافيين الأجانب». ثم يستطرد قائلا: «عندما اندلع القتال في حلب، كنت أذهب إلى خط المواجهة كل يوم، ولم يتسلل الخوف أبدا إلى قلبي، على الرغم من تعرضي لإطلاق النار في أكثر من مائة مرة. أما الآن، بدأت أخشى على حياتي».
لم يكن النظام السوري هو الذي أجبر محمود على الفرار من حلب، بل كان أحدث اللاعبين المنضمين للحرب الأهلية في سوريا؛ إنهم المقاتلون الأجانب الذين ينتمون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وهي المجموعة التي ترتبط بتنظيم القاعدة، والتي ظهرت للمرة الأولى في سوريا في ربيع عام 2013. وعندما زادت أعدادهم وقويت شوكتهم، بدأ مقاتلو داعش في شن حملة إرهاب ضد الصحافيين الأجانب والنشطاء السوريين ومن يعملون معهم. وتعتقل «داعش» وتسجن وتعذب وتقتل كثيرا من السوريين من أمثال محمود، سواء كانوا رجالا أو نساء، من الذين شاركوا في الثورة منذ اندلاع شرارتها الأولى، وتتهمهم بالعمل كجواسيس، وبأنهم أعداء لـ«الخليفة» الذي تأمل «داعش» في تنصيبه حاكما في سوريا.
وفرّ محمود من حلب قبل القبض عليه، لكن «أنور»، وهو ناشط كان يعمل منسقا ومترجما مع صحافيين ألمان وسويسريين في حلب، لم يكن محظوظا مثل محمود.
كان أنور في منزله في عزاز، وهي بلدة صغيرة بالقرب من المعبر الحدودي «باب السلامة»، عندما سمع طرقا على الباب. كان ذلك في أغسطس (آب)، حيث كان نائما خلال أشد ساعات النهار حرارة في ذلك الصيف القائظ. يقول أنور: «لم يكن هناك أحد بالمنزل غيري، فذهبت وفتحت الباب»، مضيفا: «عندما فتحت الباب، وجدت ثلاثة مسدسات وأربع بندقيات (كلاشنيكوف) مشهرة في وجهي».
ولم يفصح الرجال الذين اقتادوا أنور من منزله، وأجبروه على ركوب سيارة معصوب العينين، عن هويتهم أو إلى أي جهة ينتمون. بيد أن الأسئلة التي طرحوها عليه وهو ملقى في الظلام جعلته لا يشك لحظة في أن مستجوبيه ينتمون لتنظيم داعش. يقول أنور عن تلك التجربة: «سألوني في البداية عن الصحافيين الذين عملت معهم، ثم سألوني عما إذا كنت أعمل لصالح الاستخبارات الأميركية». وأضاف: «أجبتهم بـ(لا)، لكنهم لم يصدقونني».
اقتيد أنور إلى مستشفى الأطفال في حلب، وهي واحدة من خمسة مبان أعلنت منظمة العفو الدولية مؤخرا أنها تُستخدم من قبل «داعش» كمراكز احتجاز. ويشير أنور إلى أنه كان واحدا من نحو مائة سجين محتجزين هناك، غالبيتهم سوريون، كان الكثير منهم نشطاء وأعضاء في الجيش السوري الحر. وبينما كان أنور هناك، ألقى مقاتلو داعش القبض على عائلة سنية بأكملها، بما في ذلك النساء والأطفال، بتهمة أنهم شيعة. كما كان هناك ثلاثة صحافيين أجانب؛ فرنسيان ودنماركي، بين المحتجزين.
يصف أنور ما رآه في مكان الاحتجاز ذلك بقوله: «كان الوضع سيئا للغاية. كان هناك 15 شخصا في الغرفة، التي حبسنا فيها، وكنا نحصل على طعام يكفي فقط لشخصين اثنين. كانوا يسمحون لنا باستخدام المرحاض مرة واحدة في اليوم. وكلما فُتح باب الغرفة، كنت أدير وجهي تلقائيا إلى الحائط، لأنني أعرف أنه إذا لم أفعل ذلك فسأتعرض للضرب المبرح».
بعد أسبوعين في سجن (مستشفى الأطفال)، نقل أنور إلى مركز احتجاز آخر تديره «داعش» في منطقة الحيدرية الواقعة في محافظة حلب، حيث احتجز هناك مع مجموعة تضم مائتي فرد من الأكراد السوريين الذين اعتقلوا بينما كانوا يستقلون حافلة إلى مدينة القامشلي. واتهمتهم «داعش» بالسفر إلى العراق للانضمام إلى واحدة من الميليشيات الكردية، لكن أنور يعتقد أن جريمتهم الوحيدة هي انتماؤهم العرقي، حيث كانوا «جميعهم مدنيين».
وخلال الفترة التي قضاها أنور في الأسر، تعرض للضرب والتعذيب إلى حد فاق ما كان قد تعرض له خلال الأيام الـ20 التي قضاها في سجن النظام في بداية الثورة السورية. يقول أنور: «استخدموا الصدمات الكهربائية لتعذيبي، وعلقوني من السقف من ذراعي. لقد عذبني النظام، لكن لم يكن التعذيب بمثل تلك الوحشية». واضطر أنور أيضا لقراءة بيان ملفق عبر الفيديو، الذي اعترف فيه بالعمل لصالح الاستخبارات البريطانية. ويعلق أنور على ذلك بقوله: «بعد أن أجبروني على تصوير ذلك الفيديو، بدأت حقا أشعر بالخطر، وقررت حينها أنه ينبغي عليّ الفرار».
بعد مشاهدة الإجراءات التي يمارسها الخاطفون والتعرف على مخارج ومداخل ذلك السجن، قرر أنور أن هناك وسيلة للهرب من خلال قضبان نافذة السجن وتسلق الجدار المحيط به. نفذ المحاولة ثلاث مرات، وكان يعرف في كل مرة أنه إذا قُبض عليه، فإنهم سيعدمونه على الفور.
أخيرا، وفي إحدى المرات التي تحول انتباه الحراسة الليلية عن غرفته، تمكن أنور من الفرار. وبعد إقناعه عائلة في قرية مجاورة السماح له بالدخول إلى منزلهم والاتصال بعائلته، غادر أنور سوريا على الفور متجها إلى تركيا. ولم يعد إلى سوريا منذ ذلك الوقت.
ويضم جزء كبير من «داعش» مقاتلين أجانب بعضهم يرتبط بصلات ضعيفة جدا بسوريا، في حين أن البعض الآخر ليس له أدنى علاقة بسوريا. غير أنهم جميعا يؤمنون بأن سوريا هي المكان الذي ينبغي عليهم أن يجاهدوا فيه الآن. ولا تعني الأسس التي قامت عليها الثورة في سوريا لهؤلاء المقاتلين شيئا على الإطلاق، حيث إنهم، كما يقول محمود: «جاءوا إلى سوريا من أجل الموت، وهذه هي المشكلة الحقيقية. ولا يعرف غالبية المقاتلين الأجانب تاريخ أي من الأشخاص الذين يعتقلونهم ويستجوبونهم. فأنا، على سبيل المثال، ناشط، وقد قضيت فترة في سجون النظام، لكنهم لن يصدقوني، فهم يعتقدون فقط أنني جاسوس ويجب قتلي».
وأخبرنا محمود أن حلب قد أصبحت شبه خالية الآن من الناشطين، وأن الصحافيين الأجانب ابتعدوا عن المدينة منذ أواخر الصيف الماضي عندما بدأت موجة من عمليات الخطف التي نفذتها «داعش». يقول محمود إنهم «عندما انتهوا من خطف الصحافيين الأجانب، بدأوا في خطف وقتل الناشطين السوريين».
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعدم مسلحون ملثمون، يُعتقد أنهم أعضاء في «داعش»، محمد سعيد، وهو سوري كان يعمل لصالح قناة «العربية» الإخبارية. وردا على ذلك، قرر نشطاء حلب تشكيل مجموعة إعلامية، «وفي غضون يومين، اختطف مقاتلو (داعش) الذين شكلوا تلك المجموعة الإعلامية»، حسبما أفاد به محمود الذي أضاف: «بعد ذلك، غادر الجميع حلب إلى تركيا. وقد اعتقل مقاتلو (داعش) نحو 15 من نشطاء حلب».
ومع مغادرة الصحافيين والناشطين، بقي عدد قليل من الناس الذين كانوا على استعداد أو قادرين على توثيق محنة المدنيين المتفاقمة. ومع اقتراب أقسى شتاء عرفته المدينة منذ عقود، حُوصر الآلاف من الأسر في شققهم من دون كهرباء أو وسائل تدفئة، في حين بدأت قوات الرئيس السوري بشار الأسد في قصف مناطق حلب التي يسيطر عليها المتمردون بضراوة من جديد.
وفي ضربة ثانية قاسية، عرف محمود أنه في الوقت التي تقوى فيه شوكة «داعش»، بدأ تعاطف العالم الخارجي مع الثورة السورية يضعف يوما بعد يوم. وحينما بدأ الجهاديون الأجانب في لعب دور أكثر قوة ومركزية في الصراع السوري، بدت مزاعم الأسد بأنه يخوض حربا ضد الإرهابيين الأجانب، وهي المزاعم التي افترضها منذ الأيام الأولى للثورة، قابلة للتصديق الآن، وأصبحت فكرة أنه «الديكتاتور المحاصر» غريبة وغير منطقية. وهذا ما ألحق ضررا كارثيا بسمعة النشطاء السوريين.
يقول محمود: «الآن، يعتقد المواطنون العاديون في أوروبا أن الأسد يقاتل الإرهابيين، كما يعتقدون أنه لم يعد هناك ثورة في سوريا». غير أنه، وبدخول الصراع في الشتاء الثالث واستمرار تدفق اللاجئين على المخيمات التي امتلأت عن آخرها، بدأ السوريون أنفسهم يتحدثون عن ثورة عام 2011 كما لو كانت جزءا من حقبة تاريخية مختلفة. يقول عبد الله، وهو شاب من اللاذقية جلس مبتسما وهو يشاهد فيديوهات تصور الاحتجاجات السورية الأولى في مدينته: «لقد كانت أياما عظيمة».
لقد خبر الكثير من التجارب منذ بداية الثورة وحتى الآن؛ فقد شارك في الاحتجاجات، وتهرب من أداء الخدمة العسكرية. وفي أحد الأيام، قُبض عليه، وأُجبر على الانخراط في الجيش السوري لمدة ستة أشهر، قبل أن ينشق ويهرب إلى تركيا للعمل مع منظمة إنسانية. وعندما بدأ الجيش السوري الحر في السيطرة تدريجيا على المناطق الريفية حول اللاذقية، عبر عبد الله الحدود مرات كثيرة خلال رحلات منتظمة مع الصحافيين وموظفي الإغاثة.
غير أنه، وبعد أن بدأ مقاتلو «داعش» في السيطرة على المناطق التي كان يسيطر عليها الجيش السوري الحر، أصبحت رحلات عبد الله أكثر صعوبة وأكثر خطورة. وأصبحت الزيارة إلى مسقط رأسه محفوفة بالمخاطر والخوف؛ ليس من نظام الأسد، بل من الطغاة الجدد.
يقول عبد الله، ملخصا الأسباب التي قضت على الحلم الثوري: «لقد ارتكبنا خطأين قاتلين، أولهما أننا حملنا السلاح، ثانيهما أننا سمحنا للأجانب بالدخول إلى بلادنا. لم يعد هناك ثورة في سوريا، لقد انتهى الأمر».



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.