فلوبير... العُصاب الجنوني والإبداع العبقري

غيّر مجرى مسيرة الرواية الفرنسية

فلوبير  -  تمثال فلوبير في مدينته
فلوبير - تمثال فلوبير في مدينته
TT

فلوبير... العُصاب الجنوني والإبداع العبقري

فلوبير  -  تمثال فلوبير في مدينته
فلوبير - تمثال فلوبير في مدينته

أولا: من هو فلوبير؟ من هو هذا الشخص الذي غير مجرى مسيرة الرواية الفرنسية فانتقل بها من الرومانطيقية إلى الواقعية القحة باعتراف معظم النقاد؟ وهو على أي حال أكبر روائي فرنسي في القرن التاسع عشر بعد بلزاك إذا ما استثنينا ستندال بالطبع. هؤلاء هم الثلاثة الكبار: ستندال، بلزاك، فلوبير. ولكن هناك شخصيات أخرى حفل بها ذلك القرن العظيم، ليس أقلها إميل زولا وغي دوموباسان وآخرون كثيرون. من المعلوم أن فلوبير كان يردد دائما هذه العبارة: لا أحب أن يهتم القارئ بشخصي المتواضع الذي لا أهمية له. الشيء المهم فقط هو أعمالي الأدبية وكفى. هذا ما قاله في رسالة إلى الكاتب الروسي الكبير تورغنييف. والواقع أن فلوبير كان يعتقد أن على الكاتب أن يختفي كليا وراء مؤلفاته. فهو عابر وزائل كشخص ولكن أعماله هي وحدها التي تبقى بعد رحيله. وهذا يعني أن فلوبير كان يقسم نفسه إلى شخصين: الشخص الواقعي الحقيقي كما هو معروف في الحياة اليومية من قبل الناس وأقرب المقربين منه، والشخص الحميمي الداخلي الذي لا يتوهج إلا عندما يختلي بنفسه في غرفته الصغيرة لمصارعة الإبداع الخلاق.
هل يعني ذلك أنه كان منفصم الشخصية؟ حتما، ككل أديب كبير. فحقيقة الأديب لا تتجلى فعلا إلا في إنتاجه: أي عندما ينقطع عن الناس ويتفرغ للإبداع. عندئذ يصبح شخصا آخر لا علاقة له بالشخص الواقعي المحسوس الذي نعرفه. ولكن هل يمكن الفصل الكامل بين الشخص الذي يعيش والشخص الذي يكتب ويبدع؟ بالطبع لا. في الواقع أن المسألة أكثر تعقيدا مما نظن. على أي حال فالشيء المؤكد هو أن فلوبير كشخص مات ولكن «مدام بوفاري» لا تموت. فلا تزال تقرأ حتى اليوم بل وتدرس في أرقى الجامعات العالمية. بل سنذهب إلى أبعد من ذلك ونقول: ألسنا نقرأ الإلياذة والأوديسة حتى الآن على الرغم أن هوميروس قد مات قبل نحو ثلاثة آلاف سنة؟ ألا تسحرنا مسرحيات شكسبير حتى بعد مرور أربعة قرون على وفاته؟ أليست خالدة أبد الدهر؟ من يستطيع أن يقتل شكسبير؟ والكوميديا الإلهية لدانتي أليست مقروءة الآن حتى بعد مرور سبعة قرون على كتابتها أو أكثر؟ وماذا عن شعر المتنبي؟ أو رسالة الغفران للمعري؟ الخ...الروائع الأدبية لا تموت...
لكن لنعد إلى نقطة البداية ولنطرح هذا السؤال: من هو صاحب مدام بوفاري؟ لقد ولد غوستاف فلوبير في مدينة «روان» الفرنسية عام 1821، أي في نفس العام الذي ولد فيه بودلير ومات فيه نابليون! وهو نفس العام الذي نشر فيه هيغل كتابه الشهير: قواعد فلسفة القانون. وقد أسس فيه للقانون الوضعي الحديث قاطعا بذلك مع القانون اللاهوتي أو الكنسي القديم. وقد زرت المدينة بعد وصولي إلى فرنسا بفترة قصيرة. ويقع بيت فلوبير في ضواحي المدينة، ومعلوم أنه تحول إلى متحف الآن. وهو مطل على نهر السين من فوق هضبة ومحاط بالطبيعة والأشجار والغابات. ومن نافذته كان فلوبير يستمتع برؤية القوارب الشراعية والسفن وهي تتهادى تحت البيت على سطح الماء. منظر ولا أروع! لكأني أراه الآن بعد كل تلك السنوات.
الشيء الذي لفت انتباهي في بيت فلوبير هو منظر مخطوطاته المعروضة من وراء الزجاج. يا إلهي كم هي مليئة بالتشطيبات والتصحيحات التي تجعل الصفحة عصية على الفهم تقريبا! ومعلوم أنه كان من عبيد الكتابة أو من «عبيد الشعر» كما تقول العرب. وكان ينتظر أحيانا عدة أيام لكي يصل إلى العبارة أو حتى الكلمة المناسبة وهو يئن ويتوجع. وعندما يصل إليها كان يصرخ بأعلى صوته: وجدتها! وجدتها! ولهذا السبب فلم يكتب كثيرا. في عام 1869 نشر فلوبير روايته الكبرى: التربية العاطفية. وهي رواية تصور حياة فرنسا السياسية والاجتماعية والأخلاقية في منتصف القرن التاسع عشر وقبل ثورة 1948 وما بعدها. إنها تصور الحياة الفرنسية من خلال شخصية البطل فريديريك مورو الذي يشعر بأنه محبط وعاجز عن فعل أي شيء. إنه إنسان مليء بالتناقضات والترددات أمام المصير والمجهول. ولذلك فإنه يترك الأحداث تتقاذفه من كل جانب وتفعل به ما تشاء. أنه كالقارب السكران الذي تحدث عنه رامبو في قصيدته العصماء... وهو الذي يجسد شخصية فلوبير كل التجسيد وليس مدام بوفاري على عكس ما يظن الناس وعلى عكس ما قال هو شخصيا: مدام بوفاري هي أنا! ولكن مدام بوفاري امرأة وليست رجلا لكي تمثله. كان ينبغي أن يقول: فريدريك مورو هو أنا! فهي روايته الوحيدة التي تشبه السيرة الذاتية المقنعة. والواقع أنه أمضى حياته كلها تقريبا في كتابتها. هل نعلم بأن تدبيجها استغرق منه ثلاثين سنة متواصلة مع بعض الانقطاعات؟ لكي نفهم السبب ينبغي العلم بأن فلوبير وقع وهو في الخامسة عشرة في حب امرأة بورجوازية متزوجة تجاوزت الثلاثين. وكان ذلك على شواطئ مدينة دوفيل أو تروفيل الساحرة. وهي أكبر قصة حب في حياته رغم أنه لم يلمسها. إنه حب أفلاطوني عذري على طريقة مجنون ليلى أو جميل بثينة أو ذي الرمة ومعبودته مي. وقد أسقط كل عواطفه المتأججة على بطل الرواية فريديرك مورو وجعله يقع أيضا في حب امرأة بورجوازية متزوجة بتاجر غني. بمعنى آخر فقد صفى حساباته على ظهر هذا الشخص، بطل روايته. والأدب كما تعلمون هو عبارة عن تصفية حسابات تاريخية مع نفسك أو مع العالم. في عام 1838 دبج فلوبير أول نص له بعنوان: مذكرات مجنون. وقد صفى فيها حساباته مع حبه المغدور أو المستحيل لتلك المرأة المتزوجة التي رآها على الشاطئ يوما ما وأصبحت حبه الأول والأخير إلى الأبد... وهي تحتوي على بذور روايته الكبرى التي لن تصدر إلا بعد ثلاثين سنة. وقد كتبها ثلاث أو أربع مرات قبل أن تنضج أخيرا ويرضى عنها. هذا هو الأدب: إنه تعب وجهد وصبر ومشقة. وفي النهاية قد يعطيك شيئا أو لا يعطيك. الأمور ليست مضمونة سلفا إلا للموهوبين العباقرة من أمثال فلوبير. ولكن حتى هو، فإنه لم يكن يخرج من كتابة روايته إلا منهكا، مستنزفا، مريضا! هل يعني ذلك أن النجاح في الأدب ناتج عن 90 في المائة جهد وتعب، و10 في المائة فقط موهبة وعبقرية؟
لقد عكست كتابات فلوبير روح العصر بكل قلقه وآماله ومخاوفه. ومن يريد أن يفهم الحياة الفرنسية في القرن التاسع عشر فما عليه إلا أن يعود إلى رواياته. وبهذا الصدد يرى النقاد أن رواية «التربية العاطفية» أهم من رواية «مدام بوفاري» رغم أن الشهرة العارمة كانت لهذه الأخيرة. ويرى عالم الاجتماع الشهير بيير بورديو أن رواية فلوبير تقدم لنا مادة ثمينة للتحليل السوسيولوجي أو الاجتماعي لتلك الفترة من تاريخ فرنسا. لكن لنعد إلى سيرته الذاتية. في نهايات عام 1849، أي وهو ما دون الثلاثين، قام فلوبير بأكبر سفرة له إلى الشرق لكي يتعرف عليه ويستلهمه في أعماله الأدبية المقبلة. وكان برفقة صديقه مكسيم دوكامب. وهناك تعرف على القاهرة والحياة المصرية في عهد المماليك. ثم غادر مصر في شهر يوليو (تموز) من عام 1850 إلى فلسطين أولا قبل أن ينتقل إلى سوريا، فلبنان، فتركيا، ثم أخيرا أثينا عاصمة اليونان. وهكذا دامت رحلته سنة كاملة أو أكثر قليلا. وبعدئذ عاد إلى فرنسا من اليونان عبر إيطاليا. وفور عودته تقريبا ابتدأ كتابة روايته الخالدة: مدام بوفاري. وقد أنهاها عام1857: أي إنها استغرقت منه سبع سنوات بالتمام والكمال.
وهذه هي الكتابة الحقيقية: أي الكتابة التي تستغرق وقتها الكافي ولا تستعجل الأمور أو تحرق الطبخة قبل أن تنضج. ولهذا السبب فإن فلوبير لم يكتب إلا خمس أو ست روايات طيلة حياته كلها. ولكن كل رواية كانت تشكل حدثا في تاريخ الأدب الفرنسي، كانت تشكل عالما بأسره. ولا يزال النقاد منشغلين بدراستها وتحليلها حتى الآن. وبالتالي فالعبرة ليست بالكمّية وإنما بالنوعية. وما ينطبق على الرواية ينطبق على الشعر أيضا. ولكن هناك استثناء واحدا هو: بلزاك. فقد كتب أكثر من ثمانين رواية معظمها من الروائع الأدبية. ولكن بلزاك هو بلزاك ولا يتكرر كل قرن ولا حتى كل عشرة قرون. بلزاك هو «وحش» الرواية الفرنسية، وربما العالمية!
أخيرا دعونا نقُل كلمة عن رأي جان بول سارتر بفلوبير. فسارتر لم يكن فيلسوفا فقط وإنما كان أيضا ناقدا أدبيا من أعلى طراز. والدليل على ذلك كتابه عن بودلير الصادر عام 1947، وكتابه ما هو الأدب؟ الصادر عام 1948، ثم كتابه الضخم عن جان جنيه: قديس وشهيد، الصادر عام 1952، ولكن كتابه عن فلوبير تجاوز كل ما سبق من حيث الأهمية والضخامة. فقد صدر في ثلاثة أجزاء تقارب الثلاثة آلاف صفحة! وأكل من عمر سارتر عشر سنوات بالتمام والكمال، ومع ذلك فلم يستطع إكماله... وقد انطلق في كتابه من الفضيحة المتمثلة بالسؤال التالي: كيف استطاع شخص أبله أن يتحول إلى عبقري؟ ففي رأيه أن فلوبير كان أغبى شخص في عائلته في البداية ولكن العُصاب النفسي الذي أصيب به هو الذي جعل منه عبقريا. ولذلك يدعى الكتاب: «أبله العائلة». وهذا يعني أن سارتر اتبع في تحليله نظريات علم النفس ولكن مطعمة بفلسفته الشخصية الوجودية. ومعلوم أنه دشن تيارا في النقد الأدبي الفرنسي يدعى بالتحليل النفسي الوجودي. وطبق هذه المنهجية على فلوبير لكي يكتشف سر عبقريته الأدبية أو كيف تحول من شخص عادي إلى شخص عبقري. وهذا يعني أنه لا إبداع من دون عُصاب نفسي. وكلما كان العصاب قويا كان الإبداع جارفا. ولا ننسى النواقص والعيوب: المعري كان أعمى وكذلك طه حسين. وبيتهوفين كان أطرش... كل ذي عاهة جبار! أما الأشخاص الطبيعيون السعداء المتصالحون مع أنفسهم ومجتمعهم وحياتهم فليسوا بحاجة لأن يصبحوا مبدعين أو عباقرة. وبالتالي فشكرا للعقد الشخصية، شكرا للعذابات النفسية، شكرا للدهاليز الداخلية! فلولاها لحرمنا من شخصيات كبرى ليس أقلها: بودلير، ودوستيوفسكي، ونيتشه، وهولدرلين، وجيرار دونيرفال، وعشرات الآخرين.



نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.