مقتل فلسطيني وجرح عشرات بمواجهات في غزة والضفة

عدد قياسي من الفلسطينيين ضحايا رصاص الاحتلال

متظاهرون فلسطينيون يسيرون وسط الغازات المسيلة للدموع خلال الاشتباكات شرق مدينة غزة أمس (أ. ف. ب)
متظاهرون فلسطينيون يسيرون وسط الغازات المسيلة للدموع خلال الاشتباكات شرق مدينة غزة أمس (أ. ف. ب)
TT

مقتل فلسطيني وجرح عشرات بمواجهات في غزة والضفة

متظاهرون فلسطينيون يسيرون وسط الغازات المسيلة للدموع خلال الاشتباكات شرق مدينة غزة أمس (أ. ف. ب)
متظاهرون فلسطينيون يسيرون وسط الغازات المسيلة للدموع خلال الاشتباكات شرق مدينة غزة أمس (أ. ف. ب)

قتل فلسطيني وأصيب عشرات بجروح واختناقات في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي، في الجمعة الـ40 لاحتجاجات «مسيرات العودة». وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة استشهاد الشاب كرم محمد فياض (26 عاما) إثر إصابته برصاصة قوات الاحتلال الإسرائيلي شرق خان يونس. وذكرت الوزارة أن ثمانية فلسطينيين أصيبوا برصاص الاحتلال، وبينهم مسعفة وصحافي.
كما أصيب عشرات المتظاهرين بالرصاص الحي والمطاط والاختناق لدى اقترابهم من السياج الحدودي شرق قطاع غزة. وبدأ آلاف الفلسطينيين بعد صلاة ظهر أمس، التوافد إلى خيام العودة، المقامة على أطراف شرق قطاع غزة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل، بعدما دعت الهيئة العليا لمسيرات العودة في غزة إلى أوسع مشاركة شعبية في احتجاجات أمس تحت شعار: «لن نساوم على حقنا بالعيش بكرامة». وتطالب الاحتجاجات برفع الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ أواسط العام 2007، وأعلنت إسرائيل عن استئناف إطلاق بالونات حارقة من قطاع غزة إلى جنوب أراضيها لأول مرة منذ أسابيع.
وفي الضفة الغربية، قمعت قوات الاحتلال احتجاجات سلمية، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين بحالات اختناق، ووقعت المواجهات في كفر قدوم وفي بلعين، حيث سار المتظاهرون في اتجاه الجدار الفاصل في منطقة أبو ليمون.
كما اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الجمعة، أيمن رباح غريب من بلدة طمون جنوب طوباس، أثناء مروره على حاجز عناب شرق طولكرم.
وفي القدس، أكد خطيب المسجد الأقصى الدكتور إسماعيل نواهضة، أن عام 2018 كان قاسياً وصعباً على الشعب الفلسطيني عامة، وعلى القدس والمسجد الأقصى بشكل خاص. وقال في خطبة صلاة الجمعة في الأقصى: «لقد شهدت الأراضي الفلسطينية بالعام (2018) أحداثاً جساما، وجراحا دامية؛ إذ تعرّضت المدن الفلسطينية إلى اجتياحات متكررة من قبل الاحتلال، واعتقالات لشبابنا وأبنائنا ونسائنا، وحصار خانق، ومصادرة مساحات شاسعة من الأراضي وتجريفها واقتلاع الأشجار لصالح بناء مستوطنات عليها، كما تعرضت دور العبادة والمؤسسات التعليمية إلى اعتداءات وانتهاكات». وأضاف: «أمّا القدس فقد تعرضت لاعتداءات متكررة طالت قدسية المدينة ومكانتها السياسية والدينية، وتغيير لمعالمها العربية الإسلامية، وهدم لبيوتها، وتسريب بعض عقاراتها من قبل أصحاب النفوس المريضة».
وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، أن الممارسات الإسرائيلية وما تسببت به من إصابات في صفوف الفلسطينيين خلال العام 2018، بلغت رقماً قياسياً لم يعرف له مثيل منذ أيام «الانتفاضة الثانية» التي انتهت في سنة 2005، وذكر التقرير السنوي للمكتب أن 295 فلسطينياً قتلوا وأكثر من 29 ألفا أصيبوا بجروح خلال العام 2018 على يد القوات الإسرائيلية.
وجاء في التقرير أن نحو 61 في المائة من القتلى (180) و79 في المائة من المصابين (أكثر من 23.000) أصيبوا في سياق مظاهرات «مسيرة العودة الكبرى»، التي تنظَّم بمحاذاة السياج الحدودي. وفي أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، كان 57 من القتلى ونحو 7.000 من المصابين الفلسطينيين دون الثامنة عشرة من العمر. وكان 28 من الفلسطينيين الذين قتلوا على يد القوات الإسرائيلية خلال العام 2018، من أفراد الجماعات المسلحة في قطاع غزة، و15 ممن نفّذوا هجمات أو هجمات مزعومة ضد الإسرائيليين في الضفة الغربية. وبالمقابل قُتل ما مجموعه 14 إسرائيلياً على يد فلسطينيين خلال هذا العام وأُصيبَ ما لا يقّل عن 137 آخرون بجروح.
وأشار التقرير إلى أنه سجّل في هذا العام 265 حادثة قَتَل فيها المستوطنون الإسرائيليون فلسطينيين أو أصابوهم بجروح، أو ألحقوا أضراراً بالممتلكات الفلسطينية، مما شكّل زيادة بلغت 69 في المائة بالمقارنة مع العام 2017، ونتيجة لذلك، قُتلت امرأة فلسطينية، وأُصيبَ 115 آخرون بجروح (وقد قُتل مستوطنين إسرائيليين فلسطينيين اثنين مشتبه بهم بتنفيذ هجمات). وتشمل الأضرار التي الحقها مستوطنون بالممتلكات الفلسطينية نحو 7.900 شجرة و540 مركبة.
وكانت هنالك 181 حادثة قُتل فيها مستوطنون وغيرهم من المدنيين الإسرائيليين في الضفة الغربية على يد فلسطينيين أو الحقوا الضرر بالممتلكات الإسرائيلية، بانخفاض بنسبة 28 في المائة بالمقارنة مع العام السابق. ومع ذلك، ارتفع عدد القتلى الإسرائيليين في هذه الهجمات خلال العام 2018 إلى سبعة قتلى بالمقارنة مع العام 2017.
ويؤكد التقرير أنه في العام 2018، هدمت السلطات الإسرائيلية أو صادرت 459 مبنًى يعود للفلسطينيين في الضفة الغربية، ومعظمها في المنطقة (ج) والقدس الشرقية، وأغلبيتها الساحقة بحجة الافتقار إلى رخص البناء التي تصدرها إسرائيل، والتي يستحيل الحصول عليها تقريباً، أكثر قليلا مما كانت عليه في العام 2017، وتسببت هذه الحوادث في تهجير 472 فلسطينياً، بمن فيهم 216 طفلاً و127 امرأة. وفي المنطقة (ج) وحدها، ما يزال أكثر من 13.000 أمر هدم بانتظار تنفيذها، بما فيها 40 أمراً يستهدف المدارس.
وتطرق التقرير إلى تواصل الحصار البري والبحري والجوي الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة بحجة المخاوف الأمنية، ولا يُسمح لسكانه بالخروج منه إلا على أساس استثنائي. وعلى المتوسط الشهري، خلال العام 2018 سجّل خروج 9.200 من حملة التصاريح من غزة عبر معبر إيرز الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، وهو ما يشكّل ارتفاعا قدره 33 في المائة بالمقارنة مع العام 2017، وانخفاضا قدره 35 في المائة عن المتوسط الذي سُجِّل في العامين 2015 و2016، وفُتِح معبر رفح الذي يخضع للسيطرة المصرية بصورة منتظمة منذ شهر مايو (أيار)، حيث سُجِّل خروج نحو 56.800 فلسطيني على مدى العام 2018، وهو عدد يزيد على المتوسط الذي بلغ أقل من 19.000 في الفترة 2015 و2017.
وبلغ معدل الموافقة على طلبات الحصول على تصريح لموظفي الأمم المتحدة المحليين مغادرة غزة 59 في المائة خلال العام 2018، مقارنة بنسبة 47 في المائة في العام 2017، ومع ذلك، انخفض العدد الإجمالي للطلبات المقدمة في العام 2018 بنسبة 24 في المائة، ويرجع ذلك أساسا إلى عدد أكبر من الموظفين الذين تمّ رفضهم لأسباب أمنية وتمّ حظرهم للتقديم لمدة 12 شهراً، حالياً 131 مقارنة بـ41 موظفاً بنهاية عام 2017.
ولا يزال معبر كرم أبو سالم، الذي تسيطر عليه إسرائيل، هو المعبر الذي يكاد يقتصر على نقل البضائع إلى قطاع غزة ومنه، كما سُمح بنقل قدر محدود من الواردات عبر بوابة صلاح الدين على الحدود مع مصر. وفي المتوسط الشهري، دخلت نحو 8.300 شاحنة محملة بالبضائع إلى غزة من المعبريْن في العام 2018، وهي أقل بنسبة 17 في المائة دون المتوسط المعادل في العامين المنصرمين، بينما خرجت 209 شاحنات من غزة في المتوسط، معظمها إلى أسواق الضفة الغربية، وهي نفس النسبة التي كانت عليها في الفترة 2016 - 2017.
ولا تزال القيود مفروضة على الوصول إلى مناطق صيد الأسماك والأراضي الزراعية القريبة من السياج داخل غزة.
وأشار التقرير إلى أن نحو 1.3 مليون من الناس في قطاع غزة (68 في المائة من سكانه)، يعانون من انعدام الأمن الغذائي في العام 2018، ويُعزى ذلك أساساً إلى الفقر، إذ ارتفعت هذه النسبة من 59 في المائة في العام 2014، ووصل معدل البطالة في غزة إلى متوسط يقارب 53 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2018، وهو رقم قياسي لم يسبق له مثيل، وبلغ معدل البطالة في أوساط الشباب 69 في المائة. وفي المقابل، يعاني 12 في المائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية من انعدام الأمن الغذائي، بالمقارنة مع 15 في المائة في العام 2014، بينما بلغ معدل البطالة في المتوسط 18 في المائة. وبينما ازدادت الاحتياجات الإنسانية في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة خلال العام 2018، طرأ تراجع ملموس على مستويات التمويل المطلوب لتنفيذ التدخلات الإنسانية: ولم يَجْرِ تسلم سوى 221 مليون دولار من مبلغ قدره 540 مليون دولار طُلب في خطة الاستجابة الإنسانية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.