اعتراف حوثي بتجنيد 18 ألف طفل في اليمن

يخضعون لدورات ثقافية بعد خطفهم واقتيادهم بالقوة ثم الدفع بهم إلى جبهات القتال

تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)
تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)
TT

اعتراف حوثي بتجنيد 18 ألف طفل في اليمن

تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)
تجمع حوثي في صنعاء أمس للاستعراض ويبدو الأطفال والصبيان يمسكون بالأسلحة (رويترز)

نجح الحوثيون في تجنيد نحو 18 ألفاً من الأطفال في صفوفهم منذ بداية الحرب الأهلية في اليمن عام 2014. الأمر الذي اعترف به أحد كبار المسؤولين العسكريين الحوثيين في تحقيق نشرته وكالة «أسوشيتد برس» أمس، لدى تحدثه شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية المعلومات التي يدلي بها للإعلام.
غير أن الرقم المذكور على لسان المسؤول الحوثي الكبير هو أعلى من أي رقم آخر تم الإبلاغ عنه سابقاً من قبل أي جهة كانت. وتمكنت منظمة الأمم المتحدة من التحقق من تجنيد 2721 طفلاً مقاتلاً لدى جميع أطراف النزاع القائم هناك، مع أن السواد الأعظم يميل لجانب الحوثيين، غير أن المسؤولين يقولون إن الرقم يقل عن ذلك، فكثير من الأسر اليمنية لا تجرؤ على الحديث عن الأمر خشية تعرضها للانتقام من قبل رجال الميليشيات الحوثية المسلحة.
محمد، طفل مجند يبلغ من العمر 13 عاماً، يرتدي حول معصمه سواراً برقم محفور، يمنح الطفل مسحة من الراحة (حسب ما لقّنه الحوثيون) كلما استمع لأزيز صواريخ الطائرات المعادية التي تدك الأرض تحت قدميه دكاً رهيباً موجعاً!
حارب الطفل المجند محمد لعامين متتاليين رفقة المتمردين الحوثيين في اليمن ضد قوات الحكومة اليمنية المسنودة بتحالف دعم الشرعية في اليمن الذي تقوده السعودية، ويقول إنه عذّب وقتل أناساً كثراً ولم يعد يعبأ إن عاش أو مات، فالأمر لديه سواء. ولكنه إن لقي حتفه، كما يقول، فإن سوار المعصم سوف يضمن عودة جثمانه إلى موطنه.
يقول الطفل المجند محمد: «عندما أصير شهيداً، سوف يلقمون رقمي إلى الحاسوب لاستعادة صورتي وهويتي ثم يطبعونها بلقب (شهيد) في أسفلها، وسوف ينتهي بها الأمر ملصقة على نعشي الخاص لإعادتها إلى أسرتي».
كان محمد واحداً ضمن 18 طفلاً آخرين من الجنود السابقين في حرب اليمن، أجرت وكالة «أسوشيتد برس» حواراً مطولاً معهم تحدثوا فيه عن دهاء وكفاءة الحوثيين ومثابرتهم عندما يتعلق الأمر باستمالتهم وتجنيدهم وتوزيعهم، حتى عن موت الصبيان المقاتلين من أعمار لا تتجاوز العاشرة.
ويُعتقد أن الحوثيين بذلوا جهوداً أكبر وأحرزوا نجاحات أوسع في تجنيد الأطفال للقتال، وربما بالقوة والترهيب في كثير من الأحيان.
وفي العاصمة صنعاء التي سيطر عليها الحوثيون بالقوة، ينتقل مسؤولو التجنيد بالحركة من منزل إلى آخر لإخبار الآباء والأمهات أنه يتعين عليهم إما تسليم أبنائهم للقتال في صفوف الحركة وإما دفع مقابل مالي للمجهود الحربي للحركة، وفقاً لإفادات السكان.
وقال كثيرون من سكان العاصمة صنعاء للوكالة الإخبارية إن الحوثيين يقسمون العاصمة إلى كتل أمنية، تخضع كل كتلة منها إلى مشرف يتعين عليه الالتزام بحصة مقررة من جلب المجندين الجدد لصفوف القتال. ويعمل المشرف على جمع المعلومات حول الأسر التي تعيش ضمن الكتلة التي يشرف عليها، وذلك من خلال الطرق على الأبواب بكل منزل والسؤال على عدد أفراد الأسرة من الذكور، وأسمائهم، وأعمارهم.
وتقابلت الوكالة الإخبارية مع 18 طفلاً من المجندين السابقين في أحد مخيمات النازحين والمركز الاستشاري في مدينة مأرب، الذي أنشأه مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. ولقد فروا إلى مأرب بعد هروبهم بعيداً عن قوات المتمردين الحوثيين أو وقعوا في أسر قوات التحالف أثناء القتال.
ونظراً لحداثة أعمارهم، ونظراً لأن بعضهم قد اعترف بارتكاب أعمال وحشية، فإن وكالة «أسوشيتد برس» تستخدم أسماءهم الأولى فقط. وبعض هؤلاء الأطفال اتخذ لنفسه اسماً حركياً بعد انضمامه للقتال. على سبيل المثال، أطلق طفل مجند يبلغ من العمر 10 سنوات على نفسه اسم «أبو النصر»، تيمناً بالانتصار في القتال.
وهناك صبي آخر يبلغ من العمر 13 عاماً يدعى صالح، قال للوكالة الإخبارية إن رجال الميليشيات الحوثية اقتحموا منزل أسرته في منطقة بني مطر الشمالية في صباح يوم سبت، وطالبوا بقدومه رفقة والده للقتال في الصفوف الأمامية. وقال إن والده قال لهم: «ليس أنا أو ولدي»، وحاول سحب سلاحه في وجوههم، فما كان منهم إلا أن دفعوا والده بعيداً وفتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة عليه فأردَوا الوالد قتيلاً أمام نظر ولده.
وقال صالح إن رجال الميليشيات اقتادوه معهم وأجبروه على أداء خدمة الحراسة في إحدى نقاط التفتيش لمدة 12 ساعة يومياً.
لا يُسمح لوكالات الإغاثة الدولية العاملة في برامج حماية الأطفال في شمال اليمن بمناقشة استغلال الأطفال المجندين خشية حظر عمل الوكالات ومنعها من إيصال المساعدات إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون هناك، وذلك وفقاً إلى إفادة 4 من عمال الإغاثة الإنسانية الذين رفضوا الكشف عن هويتهم، وقال أحدهم عن الأمر: «إنه من المحرمات هنا».
ويزعم الحوثيون بصفة رسمية أنهم لا يجندون الأطفال للقتال ويستبعدون أولئك الذين يحاولون الانضمام إلى صفوف المقاتلين من دون بلوغ سن القتال المعهود.
وقال بعض الأطفال إنهم انضموا لصفوف المتمردين الحوثيين عن طيب خاطر من جانبهم، وذلك بسبب الوعود المغرية بالمال، أو بإتاحة الفرصة لحمل السلاح. ولكن هناك أطفالاً آخرين قالوا إنهم أجبروا على الخدمة في صفوف المتمردين، وهم أولئك الذين تم اختطافهم من المدارس أو المنازل أو أجبروا على الانضمام للقتال في مقابل إطلاق سراح أحد أفراد الأسرة من المحتجزين رهائن لدى الحركة.
ويمكن رؤية كثير من هؤلاء الأطفال منتشرين عبر نقاط التفتيش على طول الطرق الرئيسية يحملون البنادق الروسية الهجومية التي تتدلى من على أكتفاهم، في حين يجري إرسال الأطفال الآخرين للقتال في الصفوف الأمامية جنوداً في قوات المشاة التابعة للحركة.
وقال طفل مجند آخر يبلغ من العمر 13 عاماً ويدعى رياض، إن نصف المقاتلين الذين خدم بجانبهم في الخطوط الأمامية في منطقة سيروة الجبلية اليمنية كانوا من الأطفال المجندين. وقال إن ضباط المتمردين الحوثيين أمروهم بالمضي قدماً إلى الأمام أثناء المعارك حتى مع ظهور طائرات قوات التحالف في سماء المعركة. وأردف رياض قائلا إنه توسل لقائده أن يترك الأطفال الصغار يحتمون بعيداً عن الغارات الجوية: «سيدي، إن الطائرات تواصل القصف»، وكان الرد دائماً من جانب القائد: «لا بد من الهجوم يا أنصار الله».
وعادت جثث عدد غير معروف من الأطفال المجندين إلى منازل ذويهم في توابيت مغلقة.
ولقي أكثر من 6 آلاف طفل مصرعه أو تعرضوا للتشويه المريع في اليمن منذ بداية الحرب هناك، بحسب إفادة منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول). ولكن الوكالة التابعة للمنظمة الدولية لم تتمكن من الوقوف على العدد الحقيقي للمقاتلين من هؤلاء الأطفال القصّر، كما أن وزارة الدفاع الخاضعة للحركة الحوثية لا تفصح أبداً عن سجلاتها الخاصة بالقتلى أو المصابين.
وقال معلم سابق من مدينة ذمار إن ما لا يقل عن 14 تلميذاً من مدرسته قد جندوا ثم لقوا حتفهم في المعارك. ولقد علقت صورهم على مقاعد الفصل الدراسي الخاوية في عام 2016 أثناء ما يسمى «أسبوع الشهيد» الذي تحتفل به الحركة الحوثية في فبراير (شباط) من كل عام. وكان أغلب هؤلاء التلامذة من طلاب الصفين الخامس والسادس الابتدائي. وأكد أحد المسؤولين التعليميين من مدينة ذمار تلك المعلومات، وتحدث الرجلان شريطة عدم الكشف عن هويتهما خشية التعرض للعقاب من جانب رجال الحركة «الحوثية».
وقال المعلم إن بعضاً من آباء الأطفال القتلى هم من قادة الحركة الحوثية الذين دفعوا بأبنائهم طواعية إلى خطوط القتال الأمامية. وأضاف قائلاً: «إنه لأمر مؤلم؛ لأنهم ليسوا إلا أطفالاً، وكلهم مثل أولادي لأنني معلمهم. لقد ذهبوا من المدارس على أقدامهم وعادوا إليها على ظهورهم في نعوش قاتمة وباردة».
يقول نجيب السعدي، الناشط الحقوقي اليمني في مجال حقوق الإنسان، والذي أنشأ مركزاً استشارياً تموله السعودية في مأرب لصالح إعادة تأهيل المجندين من الأطفال: «لن تظهر المشكلة الحقيقية من وراء تجنيد الأطفال الحوثيين في القتال إلا بعد مرور 10 سنوات من الآن، عندما يبلغ الجيل الذي تعرض لغسيل المخ بالكراهية والعداوة تجاه الغرب سن الرشد والشباب».

حطب الحرب
بدأت الحرب بعدما انسل المتمردون الحوثيون من المرتفعات اليمنية الشمالية في أواخر عام 2014 للاستيلاء على العاصمة صنعاء ثم واصلوا الزحف في اتجاه الجنوب. وسعت الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً للحصول على مساعدة المملكة العربية السعودية، التي شكلت تحالفاً عسكرياً معارضاً للحركة الحوثية المعتدية.
ويستمر المتمردون الحوثيون في تجنيد المقاتلين الجدد، وذلك لأن صفوفهم أقل وأصغر عدداً بسبب الخسائر الفادحة التي تنالهم في ساحات القتال. وقال مسؤول عسكري حوثي كبير لوكالة «أسوشيتد برس» إن قوات الحركة الحوثية لا يتجاوز عددها 60 ألف مقاتل على الخطوط الأمامية. ويقدر الخبراء الخارجيون القوة العسكرية الحوثية ما بين 15 إلى 50 ألف مقاتل إجمالاً.
ويثني كبار قادة الحركة الحوثية على الجنود الشبان الذي لقوا حتفهم في الصراع، فيما يصفونها بالحرب المقدسة ضد أميركا وإسرائيل وغيرها من القوى الخارجية التي يعتقدون محاولتها السيطرة على البلاد.
وفي ظل وزارة الدفاع الخاضعة للحركة الحوثية المتمردة، نفّذ المتمردون ما أطلقوا عليه «حملة التجنيد الطوعي الوطنية».
وصرح العميد يحيى ساري، المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة الحوثية، لوكالة «أسوشيتد برس» الإخبارية قائلاً: «ليست هناك سياسة عامة بشأن استخدام الأطفال في المعارك». غير أنه أقرّ بأن بعض الشبان وصغار السن يتطوعون للانضمام إلى القتال.
وقال العميد ساري: «إنها مبادرات فردية. ويندفع بعض الأطفال إثر الرغبة في الانتقام، معتقدين أنه من الأفضل الانخراط في القتال ونيل شرف الجهاد بدلاً من الموت صغاراً داخل المنازل والبيوت. وعندما يحاولون الانضمام للقتال يقوم زعماء الحوثيين بإعادتهم إلى ديارهم».
ووصف الأطفال، والآباء، والمعلمون، وإخصائيّو الرعاية الاجتماعية، وغيرهم من المواطنين اليمنيين من الذين تقابلت الوكالة الإخبارية معهم، تلك الحملة بالعدوانية والشرسة، التي تستهدف الأطفال، وهي ليست طوعية على الدوام كما يُشاع. إذ يستعين المسؤولون الحوثيون بإمكانية الوصول إلى السجلات المدنية والسجلات الحكومية الأخرى في جمع البيانات التي تتيح لهم تضييق نطاق القائمة المستهدفة لديهم للأسر الأكثر عوزاً واحتياجاً في القرى ومخيمات النازحين، أي الأفراد الأكثر احتمالاً لقبول العروض النقدية السخية مقابل المجندين.
وقال عبد الله الحمادي، نائب وزير التعليم الأسبق الذي انشق في وقت سابق من هذا العام عن الحكومة التي يسيطر عليها الحوثيون في الشمال: «إنهم لا يثيرون هذه القضية أبداً».
وقال الحمادي إن الأطفال المستهدفين للتجنيد للقتال ليسوا أنجال كبار العائلات الحوثية المهمة أو أبناء كبار زعماء الحركة. بدلاً من ذلك، عادة ما يكونون أبناء القبائل والعشائر الفقيرة الذين يستخدمون كحطب لزيادة اشتعال هذه الحرب المزرية.
وفي القرى والبلدات الصغيرة، تضم عناصر التجنيد بعض المراهقين الذين يعمل أشقاؤهم أو آباؤهم بالفعل لدى الحركة الحوثية في الشمال. ويمكن رؤيتهم يتسكعون حول المدارس، ويوزعون القات، ويحاولون إقناع الأطفال بأن يصيروا مقاتلين.
صحافي يمني يعمل داخل المنطقة الخاضعة للحركة الحوثية، رفض الكشف عن هويته بسبب مخاطر الحديث عن المتمردين، يقول: «يبدو الأمر عشوائياً من الظاهر، ولكنه بخلاف ذلك في حقيقته. فهناك فرق مكلفة بمهام محددة وهياكل عمل واضحة»، ولقد فرّ هذا الصحافي رفقة أسرته إلى مدينة مأرب، الخاضعة لقوات التحالف، إثر خشيته محاولة التعرض للتجنيد هو وأطفاله على أيدي الحوثيين.
وتؤكد عناصر التجنيد الحوثية للأسر أنه لن يتم إرسال أطفالهم إلى ساحات القتال، ولكن سوف يتم إرسالهم للعمل خلف الخطوط في نقاط التفتيش الأمنية على الطرق. وبمجرد حصول رجال الميليشيات على الأطفال من ذويهم، فإنهم يرسلونهم إلى معسكرات التلقين العقائدي ثم التدريب العسكري، وبعد ذلك فوراً إلى الخطوط الأمامية، وذلك وفقاً لإفادة طفلين مجندين قابلتهم الوكالة الإخبارية مع مسؤولين من جماعات حماية الأطفال. وتحدث المسؤولون شريطة عدم الكشف عن هوياتهم خشية انتقام الحوثيين منهم بحظر جماعاتهم من العمل في اليمن.
وذكر الأطفال في المقابلات أنهم تعرضوا للتجنيد من قبل العناصر الحوثية في ملاعب كرة القدم، والمزارع، وخصوصاً المدارس. وقال طفل يبلغ من العمر 12 عاماً يدعى كحلان إن الحوثيين اقتادوه مع 10 من زملاء الدراسة خارج مبنى المدرسة إلى إحدى سيارات النقل الخفيفة، وأخبروهم أنهم سوف يذهبون إلى مكان يحصلون فيه على حقائب مدرسية جديدة، وكانت كذبة من كذباتهم المعتادة.
بدلاً من ذلك، وجدوا أنفسهم، بملابس المدرسة، داخل أحد معسكرات التدريب على القتال، يتلقون التعليمات حول كيفية الاختباء من الغارات الجوية لطائرات التحالف.

مفتاح الجنة
عادة ما يجري نقل المجندين الجدد أولاً إلى المراكز الثقافية لتلقي الدورات الدينية الأساسية التي تستمر لمدة شهر، وفيها يقرأ المعلمون بصوت عالٍ مسموع على الأطفال محاضرات حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس الحركة الحوثية، والشقيق الراحل لزعيم الحركة الحالي عبد الملك الحوثي.
وتلك المحاضرات، التي تعود بتاريخها إلى عام 2002، يجري تعميمها عبر الصوت والصورة ثم نسخها كتابة في كتيبات دراسية تُعرف باسم «الملازم» (وهي مماثلة للملازم الخمينية الإيرانية). ولقد قيل لهم إنهم يشاركون في الحرب المقدسة (الجهاد) ضد اليهود والصليبيين والدول العربية التي استسلمت للقوى الغربية، وإنه إذا مات الأطفال في القتال، فسوف يذهبون فوراً إلى الجنة. ويثير المعلمون سخط الأطفال المجندين بروايات هجمات قوات التحالف.
وقال محمد، أحد الصبيان الذين خدموا في صفوف الحوثيين بين 13 و15 عاماً من عمره: «عند التخرج من المركز الثقافي، لن تريد العودة إلى المنزل مرة أخرى، بل تريد الذهاب إلى الجهاد».
ثم يتم إرسال الأطفال المجندين إلى معسكرات التدريب القتالي في الجبال، وفقاً لكثير من الأطفال الذين تمكنوا من الفرار من الحوثيين. وبحلول المساء، ينامون في خيام أو أكواخ مصنوعة من أغصان الأشجار في العراء. وبعد يوم واحد، يتعلمون كيفية إطلاق النار من الأسلحة، وزراعة العبوات الناسفة، وتفادي الصواريخ التي تطلقها طائرات التحالف.
ومن الظهيرة حتى غروب الشمس، يحصل الأطفال المجندون على حصتهم اليومية من نبات القات المخدر، الذي يعمل على تحفيز جهازهم العصبي ويستهلكه السواد الأعظم من الشعب اليمني كل يوم. والحصول على القات يعتبر من المميزات الكبيرة بالنسبة للأطفال المنحدرين من الأسر الفقيرة، الذين لا يملكون المقدرة المالية على شرائه في منازل ذويهم.
وبعد مرور أكثر من شهر في معسكر التدريب الجبلي، يتم إرسالهم إلى الحرب، «ويرتدون أساور المعاصم التي من المفترض أن تضمن عودتهم إلى أسرهم في حالة وفاتهم وتشريفهم بلقب الشهادة». ويصف الأطفال المجندون النقوش الرقمية على تلك الأساور بأنها «الرقم الجهادي». ويسخر نقاد الحركة الحوثية واصفين تلك الأرقام السخيفة الممنوحة للأطفال بأنها «مفتاح الجنة». وبمجرد الوصول إلى ساحات القتال، كما قال بعض الأطفال، فإن أسلحتهم ومعتقداتهم تمنحهم قدراً من القوة، في حين أن البعض الآخر يشعرون بهلع عظيم.
قاتَل الصبي محمد في مدينة تعز وما حولها، التي دارت بها أطول معركة في الحرب حتى الآن.
وذات يوم من الأيام، أسر رفاقه مقاتلاً من قوات التحالف ونقلوه إلى أحد المطاعم المهدمة لاستجوابه. وقال محمد، الذي بلغ من العمر 14 عاماً وقتذاك، إنه جلب مولداً كهربائياً وأوصله بجسد الأسير، ثم أدار المولد ليبعث بشحنات كهربائية صادمة جعلته يصرخ صراخاً مفزعاً، وذلك أثناء استجواب قائده للأسير حول مواقع قوات التحالف في المدينة.
ومع انتهاء جلسة الاستجواب المريعة، قال القائد الحوثي: «تخلصوا منه»، فما كان من محمد إلا أن أمسك بقضيب معدني ثقيل، ثم أحماه في لهب شديد، ثم دفعه في مؤخرة رأس الأسير ليلقى حتفه في الحال. وقال محمد: «كان قائدي إذا أمر بالقتل فإنني أقتل من دون تردد أو تفكير، وكنت لأفجر نفسي تفجيراً إن أمرني بذلك».
وقال رياض، الصبي البالغ 13 عاماً من عمره وقاتل في جبال سيروة، إنه كان وشقيقه البالغ من العمر 11 عاماً يطلقان النار على جنديين كانا قد رفضا إلقاء أسلحتهما، وكان في أغلب الأحيان يغلق عينيه أثناء إطلاق النار من بندقيته.
وقال رياض: «بمنتهى الصراحة، عندما يعتريني الخوف، لا أعرف أين أطلق النار بالتحديد، ربما في الهواء، أو ربما عشوائياً من دون هدف». وكانت اللحظة الأكثر إثارة للهلع لديه عندما اختفى شقيقه تماماً أثناء اشتباك لإطلاق النار. وقال: «كنت أبكي بكاء مريراً، وأخبرت القائد الحوثي أن شقيقي قد استشهد». وشرع في تحريك الجثث في ساحة المعركة، باحثاً بين الوجوه المخضبة بالدماء عن شقيقه المفقود عندما تعرض رفقة مقاتلين آخرين لإطلاق النار بكثافة، فردّوا النيران بالنيران، ثم بعد برهة من الصياح بين الجانبين، أدركوا أن مطلق النار لم يكن العدو، وإنما شقيقه الذين فقده في غيوم المعركة.
وبعد بضعة أسابيع، تمكن رياض وشقيقه من الفرار، ودفعوا بعض المال لسائق شاحنة لقاء تهريبهم بعيداً عن القوات الحوثية.
أما كحلان، تلميذ المدرسة الذي أغراه الحوثيون بحقيبة مدرسية جديدة، كانت أولى مهامه هي نقل صناديق الطعام والذخائر إلى الجنود. ثم تمّ توزيعه إلى إحدى ساحات القتال. ولم يكل لديه ولا لدى الصبيان الآخرين أي ملابس سوى الزي المدرسي.
انسل كحلان هارباً من معسكر الحوثيين في ساعة مبكرة من صباح أحد الأيام، وانتقل فارّاً من قرية إلى أخرى، وقال: «كنت أخشى النظر إلى الخلف، رأيت الأحجار والأشجار، وصرّت أكثر خوفاً من اكتشاف أمري، لأنهم كثيراً ما كانوا يفضلون الاختباء خلف الأشجار».

جلسات الاستماع
انتهى المطاف بالثلاثة، محمد ورياض وكحلان، في مدينة مأرب، لدى مركز إعادة تأهيل الأطفال المجندين الذين خدموا في صفوف الحركة الحوثية المتمردة. ومنذ سبتمبر (أيلول) لعام 2017، وصل ما يقرب من 200 طفل وصبي إلى المركز، الذي أنشأته مؤسسة «واثق» ذات التوجهات المدنية، وتموله المملكة العربية السعودية.
وأوضح مهيوب المخلافي، الطبيب النفسي في المركز، أن الأعراض الشائعة بين جميع الأطفال المجندين السابقين هي «العداء المتطرف». وهم يعانون من القلق الشديد ونوبات الذعر والهلع، والتشتت أو العجز عن الانتباه والتركيز. وقال بعضهم إنهم تعرضوا للضرب المبرح الشديد على أيدي قادتهم في الحركة، كما قالت إحدى موظفات المركز. ويقوم المركز بجمع الأطفال معاً في «جلسات الاستماع» التي تساعدهم على تذكر حياتهم السابقة قبل إرسالهم إلى الحرب.
وفي يومه الأول في المركز، قال محمد إنه كان يشعر بالرعب. ولم يكن يعرف ما الذي سوف يفعلونه معه هناك، ثم قال: «رأيت المعلمين، وأعطوني غرفة أمكث فيها. وشعرت براحة منذ ذلك الحين».
تعيش والدة محمد في مدينة تعز، في منطقة خاضعة لسيطرة الحوثيين، ولذلك فهو لا يمكنه العيش معها. ولديه أقارب آخرون، وهو ينتقل من منزل إلى آخر بين أقاربه، وينام في الشارع في بعض الأحيان. ولم يعد محمد يرتدي ذلك السوار المعصمي بالرقم التسلسلي الذي منحه الحوثيون إياه كجزء من وعدهم له بالحصول على «جنازة الشهيد». وعندما فرّ من القتال لديهم، أرسله شقيقه الأكبر للاستجواب من قبل سلطات قوات التحالف. وأثناء الاستجواب، أخذ ضابط الأمن مقصاً وقطع السوار من معصم محمد.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.