الإعلانات... ازدهرت مع نشوء المطبوعات وتأقلمت مع التطور التكنولوجي

ظهر منها الطريف والمبالغ فيه وسرعان ما وظفت أساليب التأثير النفسي على المستهلك

TT

الإعلانات... ازدهرت مع نشوء المطبوعات وتأقلمت مع التطور التكنولوجي

من أطرف ما تناولته وسائل الإعلام الأسترالية في السنوات الأخيرة، إعلان كاد أن يودي بصاحبه إلى السجن بسبب سوء تفاهم. فقد أعلن صاحب عقار عن تأجيره وأملاه على الهاتف لصحيفة محلية. وفور ظهور الصحيفة في اليوم التالي فوجئ بعدد كبير من وسائل الإعلام تتجمهر أمام العقار وتسأل صاحب الإعلان «لماذا لا تريد آسيويين في العقار؟ ألا تعرف أن ذلك غير قانوني لأنه يعد تفرقة عنصرية؟». وحاول الرجل أن يستفهم عن مغذى هذا الانطباع لدى وسائل الإعلام فقرأ له أحدهم الإعلان الذي يقول في آخره «لا للآسيويين» أو (No Asians) ولكن الرجل أوضح أنه كان يقصد «لا للوسطاء» (No Agents). ولكن النطق المتشابه على الهاتف كاد أن يدخله في أزمة قانونية قد تنتهي به إلى السجن.
على الصعيد العربي، لم تكن الإعلانات، في بداية عصرها في الصحف، تخضع لأي معايير أو رقابة فظهر منها الطريف والمبالغ فيه. مثل إعلان ظهر في صحيفة مصرية عام 1948 يعلن عن «راديو سيرا» الذي «تعرفه من صوته»، أو «شفرات جيليت الزرقاء» التي يظهر فيها رسم لرجل يقطع بالشفرة «وابور زلط» لرصف الشوارع. وفي الأربعينات من القرن الماضي أيضا ظهرت إعلانات «الاختراع المصري الحديث - آلة كاتبة ماركة الأهرام - مستعملة في المصالح الحكومية ومعترف بأفضليتها من فطاحل الفنيين في القطر المصري».
وفي الفترة نفسها ظهر إعلان أحمر الشفاه «بيزيه» المكتوب تحت عنوان «هيئي شفاهك للقبل» وإعلان آخر عن «القطرة العجيبة» التي توصف بأنها «أفضل قطرة في العالم من دون منازع، نالت الميدالية الذهبية في أهم المعارض العالمية». ومن لائحة مزايا «القطرة العجيبة»: أنها تعالج «ضعف النظر الناتج عن كثرة العمل» وتشفي من «الحبيبات والالتهابات واحتقان الجفون واحمرار العيون والغشاوة».
ولجأ بعض المعلنين إلى استخدام المشاهير لتسويق بضائعهم، أحيانا من دون إذن منهم، فظهر إعلان يؤكد أن «أم كلثوم تقول استعملوا نابلسي فاروق لأنه صابون مصنوع من زيت الزيتون». ويبدو أن الإعلان لم يؤثر كثيرا في المبيعات فظهر بعده «نابلسي سعد زغلول» مع صورة الزعيم المصري (بعد وفاته بسنين). وظهر ممثلون مشهورون يعلنون للسجائر وكريم الوجه وللمشروبات الغازية منهم إسماعيل ياسين يتناول الكوكاكولا، وثريا حلمي تفضل مشروب «كوثر». وعن بسكويت «إيكا» يقول الإعلان «نهارك سعيد إذا تناولت كل صباح باكو من البسكويت الفاخر: مفيد ولذيذ ومغذي ومقوي ومنشط».
ولأن العلم في خدمة المستهلك قدمت شركة «مستحضرات الغدد في لندن» علاجا أكيدا وناجحا ومجربا للشيخوخة قبل الأوان - أقراص ه بـللرجال. كما نشر إعلان لتعليم الطيران «بجنيه مصري واحد بكلية الطيران المدني». كما كان يمكن شراء سيارة ستروين بثمن محدد هو 595 جنيها مصريا.
لا يرتبط تاريخ الإعلان بالصحف الحديثة بل يعود إلى الحضارات القديمة حيث استخدم قدماء المصريين أوراق البردي في إعلانات بيع سلع ومعلقات على الحوائط كما ظهرت الإعلانات في الحضارة الإغريقية وبعدها في الحضارة الرومانية وفي الهند وكانت تتم بالرسم على الجدران أو باستخدام الجلود. كما ظهر الإعلان في الصين القديمة وهناك ألواح طباعة برونزية لإعلانات صينية عن محل ترزي في مقاطعة جينان يعود تاريخه إلى سلالة سونغ في عام 960 ميلادية.
وفي أوروبا خلال القرون الوسطى لم تكن القراءة قد انتشرت بين العامة ولذلك كان الإعلان عن السلع والخدمات يتم بالصور والرسوم أو عبر «المنادي» الذي يعلن بصوت جهوري عن موقع السلع المعلنة وأسعارها.
وبدأت إعلانات الصحف في إنجلترا في القرن الثامن عشر عن الكتب والأدوية في بداية المطاف. ثم دخلت بعض الإعلانات الخادعة لأدوية تشفي كل الأمراض مما استدعى تنظيم الإعلانات والإشراف عليها.
وتطورت الصناعة في القرن التاسع عشر، وينسب إلى توماس بارات أنه كان أبا الإعلان الحديث بعد نجاح حملته في إنجلترا لتسويق صابون بيرز تحت عنوان «صباح الخير، هل استعملت صابون بيرز اليوم؟» كما قال حينذاك قولته الشهيرة إن «الأذواق تتغير والموضة تتغير وعلى الإعلان أن يتغير أيضا».
وكانت أول مجلة تحمل إعلانات مدفوعة ضمن صفحاتها هي «لا بريس» الفرنسية في عام 1836 مما أضاف إلى دخل المطبوعة وأتاح لها التوسع. ونشأت أول وكالة إعلان في أميركا في عام 1842 في فيلادلفيا. وأسس فولني بالمر فكرة شراء مساحات إعلانية بأسعار مخفضة وبيعها بربح إلى المعلنين. وكان على الشركات المعلنة أن ترسل نسخة الإعلان الجاهز للطباعة.
وبعد ذلك ظهرت أيضا في فيلادلفيا وكالة إعلان «إن دبليو أيار آند صن» في عام 1869 توفر للمعلن خدمة كاملة بما في ذلك تصميم الإعلان والإشراف على طباعته في الصحف المختارة.
وفي القرن العشرين تطورت صناعة الإعلان مع انتشار التصنيع وتعددت السلع المعلن عنها وبلغت قيمة الإعلانات المدفوعة 2.5 في المائة من إجمالي الدخل القومي الأميركي.
ودخلت بعد ذلك أساليب التأثير النفسي من أجل زيادة الإنفاق الاستهلاكي بإقناع المشتري أنه يحتاج السلع أو الخدمات المعلن عنها. وشجعت الحكومة الأميركية صناعة الإعلان كوسيلة لتحقيق الرخاء للمجتمع.
ودخلت صناعة التبغ مجال الإعلان بقوة خلال منتصف القرن الماضي واستخدمت وكالات الإعلان لكي تركز على الجوانب «الإيجابية» للتدخين كأسلوب حياة عصري. كما توجهت صناعة الإعلان بقوة إلى النساء باعتبارهن العنصر الفعال في العائلة في مجال المشتريات. وتعتبر صناعة العطور والتجميل من أكبر الصناعات المستخدمة الآن للإعلان الموجه إلى النساء.
ودخل الراديو مجال الإعلان منذ عشرينات القرن الماضي وأضاف الصوت والموسيقى للإعلان، ثم تبعه التلفزيون في الخمسينات وأضاف الفيديو بالصوت والصورة. وأخيرا انضمت الإنترنت أيضا إلى مجال الإعلان الإلكتروني بداية من تسعينات القرن الماضي.
وأدى التهافت على الإنترنت إلى فقاعة عام 2000 التي انتهت بسقوط البورصات خصوصا في مجال شركات الإنترنت.
لكن شركات مثل غوغل ابتكرت أسلوبا جديدا للإعلان الشخصي الموجه لمتصفحي الشبكة بناء على تاريخ تصفحهم ونوعية المواقع التي يرتادونها.
وتبدو صورة صناعة الإعلان الآن أكثر تعقيدا من حيث اختيار الأسلوب ونخبة القراء المستهدفين والنطاق الجغرافي وأهداف الإعلان نفسه التي قد تكون رفع درجة الوعي بالمنتج أو زيادة المبيعات. وتستخدم وكالات الإعلان مزيجا من وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والإنترنت بالإضافة إلى نشاطات أخرى تختص بمناسبات إعلامية أو اجتماعية للتعريف بنشاط أو منتجات الشركات المعنية.
بالإضافة إلى وسائل الإعلام المعروفة وأهمها الصحف والراديو والتلفزيون والإنترنت، هناك أيضا صناعة إعلانية لها وسائل أخرى مثل إعلانات الطرق وإعلانات السينما وإعلانات على شاشات ركاب الطائرات وعلى جوانب الباصات وسيارات الأجرة. ويمكن أيضا الاتفاق على ظهور علامات تجارية معينة في الأفلام مثل السيارات والهواتف الجوالة والساعات والمشروبات ليكون الإعلان بذلك غير مباشر ولكنه يغري المشاهد.
وأغرب وسائل الإعلان على الإطلاق هي أن يحمل الإنسان الإعلان المكتوب على لوحة كبيرة ويتجول بها في الشوارع لقاء أجر. وهناك أيضا طائرات تطوف بالشواطئ في موسم الصيف حاملة لافتات الإعلان الطائر كما تحمل بعض الزوارق الشراعية إعلانات على أشرعتها.
ولم تعرف الصحف في الماضي شكاوى من الإعلانات فيها إلا فيما يخص أحيانا الأخطاء المطبعية، ولكن مشاهد التلفزيون ومتصفح الإنترنت لا يتردد في التعبير عن ضجره من الإعلانات التي تقتحم عليه ما يشاهده وتهدر وقته الثمين في عرض سلع وخدمات قد لا يريدها أصلا. ويظهر هذا بوضوح أثناء بث مسلسلات رمضان تلفزيونيا أو عند تصفح مواقع تواصل أو معلومات تغطيها بالكامل إعلانات لا يستطيع المتصفح التحكم فيها لفترات تصل إلى عشر ثوان، وهذا إهدار واضح للوقت وتكرار لا معنى له ولا يصب في صالح المعلن.
من سلبيات الإعلان التلفزيوني مثلا أن المعلن لا يستطيع التحكم في المحتوى العام لمواد البث أثناء ظهور الإعلان على الشاشة. فقد تتراوح هذه المحتويات بين أخبار كوارث طبيعية أو حوادث إرهاب وبينهما إعلان سياحي عن التمتع بالسفر إلى بلدان العالم.
كما أن البث التلفزيوني لا يضمن أن يكون المشاهد منتبها إلى الشاشة. وتقول الإحصاءات إن الإعلان التلفزيوني أيضا شهد تراجعا في السنوات الأخيرة، إلى جانب الإعلان المطبوع.

- نماذج من إعلانات عربية طريفة
ظهرت هذه الإعلانات فعلياً على لوحات إعلان أو منشورة في الصحف:
- سيارات يملكها رجل الأعمال... للبيع بالأقساط تجلب الحظ ويقال إنها تجعلك بمزاج حسن يؤثر على علاقاتك العاطفية والمهنية.
لدينا ثلج بارد
- تنبيه من المطعم: المطعم غير مفتوح لأنه مغلق
- كبابجي الغشيم لأشهى المأكولات: اسم له تاريخ
- أسعار الدخول في الأيام العادية: خمسة جنيهات - أيام الأعياد والإجازات الرسمية: خمسة جنيهات
- أ- عبد المجيد عبده - جراحة تجريبية قسم فيسيولوجي - تعليم سواقة
- (ملصق حائط): على الطلاب المكفوفين التوجه إلى الإدارة العامة بجوار المدينة الجامعية للأهمية
- الرجاء من سارق السيارة نيسان باترول الخضراء التواصل مع صاحبها على رقم... من أجل إعادتها لقاء مبلغ ضخم
- أنت أيضا يمكن أن تكوني أكثر جمالاً باستعمال صابون لوكس


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.