صحيفة «ميادين» الليبية.. عين على الثورة وأخرى على الثقافة

رئيس تحريرها أحمد الفيتوري: سنقاوم التخلف والعنف بقوة الأمل والحلم

أحمد الفيتوري  و غلاف العدد الأخير من {الميادين}
أحمد الفيتوري و غلاف العدد الأخير من {الميادين}
TT

صحيفة «ميادين» الليبية.. عين على الثورة وأخرى على الثقافة

أحمد الفيتوري  و غلاف العدد الأخير من {الميادين}
أحمد الفيتوري و غلاف العدد الأخير من {الميادين}

كانت لحظات فارقة في تاريخ الثقافة في ليبيا، فالبلد الذي لا يزال التناحر السياسي يقطع في أوصاله منذ سقوط نظام معمر القذافي، هو في مسيس الحاجة اليوم إلى جرعات مكثفة من الثقافة، تلم تحت مظلتها هذا التشتت والانقسام الذي أصبح يأكل الأخضر واليابس يوميا.
ويؤمل الروائي والناقد الصحافي الليبي أحمد الفيتوري رئيس تحرير صحيفة «ميادين» الثقافية أن تتسع مساحة الوعي بالثقافة لدى قطاعات كبيرة من المواطنين الليبيين، ليدركوا حقيقة ما يحيق بهم من مؤامرات وظلمات، تستهدف تفكيك الدولة، وتقسيمها إلى كيانات صغيرة، من شأنها أن تدمر في النهاية الهوية الليبية، وتطمس معالمها وما يرتبط بها من مخزون ثقافي وحضاري ممتد في التاريخ.
تصدر «ميادين» من بنغازي، مفجرة الثورة في 17 فبراير (شباط) 2011، وهي المدينة التي عانت من كراهية القذافي نفسه، وظلت في سلة الإهمال طيلة 40 سنة من حكمه، وتدافع حاليا عن ثورتها ضد أعداء جدد للوطن والحياة، يلبسون أقنعة الداخل والخارج معا.
يستصرخني الفيتوري الذي قضى نحو عشر سنوات من عمره في سجون القذافي عقب تخرجه في الجامعة، وهو يتواصل معي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قائلا: «أنا في خط النار بمعنى الكلمة، هناك حرب شوارع لا تنتهي في بنغازي التي هي خارج التغطية، لكن المعنويات في المدينة جيدة، حتى إن المقاهي كانت مزدحمة بمتابعة كأس العالم رغم أن الناس هناك عندها في بيوتها التلفزيونات والاشتراكات متوافرة، لكنهم كانوا يصرون على الحضور في المقاهي التي تزداد، إضافة إلى المولات المزدحمة بالنساء صباح مساء».
ويتابع: «هناك حالة مقاومة عالية تحتاج إلى رصد، ويمكنك من خلال أعداد (ميادين) التي أرسلتها لك أن تعد تقريرا مطولا عن درنة وبنغازي وكأنك فيهما».
تأسست «ميادين» في القاهرة بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة ضد القذافي.. كان الفيتوري ورفاقه أحمد بلو، وسالم العوكلي، والمصور الصحافي خليل العريبي، وكاتب هذه السطور، والفنان الليبي المقيم في القاهرة عمر جهان، يسابقون الزمن في إصدارها، لتحمل راية الثورة التي اندلعت في ليبيا، لتحلق بركب ثورات أخرى انطلقت في محيطها الجغرافي، في تونس ومصر.
لم تكن المهمة سهلة في ظروف الحرب، لكن مع الإصرار والإرادة ولدت «ميادين» بقوة، متخذة اسمها من أيقونة «الميدان» الذي شكل مسرحا للثورة في هذه الدول، وصدرت الأعداد الثلاثة الأولى في القاهرة، واخترقت «ميادين» حصار الحدود، ووصلت إلى القارئ الليبي، لتشهد بعد ذلك نجاح الثورة وموت الطاغية القذافي، لكنها سرعان ما دخلت في النفق المر بعدما تحولت الثورة إلى كعكة سياسية هشة، تتسابق على التهامها موجات متلاطمة من العنف تضرب البلاد في مقتل.
في افتتاحية العدد 160 من «ميادين»، ينقل الفيتوري صورة مشهدية حية من الأوضاع في البلاد بعنوان «كعكة فبراير كعكة سم» قائلا: «بتنا نخاف الغد ونترحم على الأمس وسُدّت في وجوهنا السبل، العالم يهج من وجهنا بعد أن كان الشريك. نعم، ما يحدث الساعة نتيجة لما قمنا به بشراكة العالم في هدم نظام فاشي، لكنها نتيجة فاجعة، فالكل يهرب عنا ويهرب منا لأن الموت الملك الذي استبد بحياتنا، في مطار الأبرق - بعد إغلاق مطار بنينا - تكدس الهاجون من شرق البلاد كما حدث ساعة انتفاضتنا في فبراير 2011، الهاجون هم بناة من الصينيين وعمال نظافة من بنغلاديش وأصحاب وظائف أخرى من مصر وتركيا وغيرهما من البلاد، أي كل مقتدر هج عنا».
وحتى لا يظل هذا المشهد مجرد صورة معلقة في جدار الزمن يتابع الفيتوري صاحب «سيرة بني غازي»، تفاصيل أخرى في ما وراء تداعياته، وما يحدث على أرض الواقع. يقول في الافتتاحية نفسها: «في مطار طرابلس تكدس الأفريقيون يهربون من الموت، ملك ليبيا الذي هيمن على الحياة. وما زال طرف منا يحاجج في شرعيته، بل يمنح الشرعية لهذا ويسحبها عن غيره، ولا يريد أن يلتفت إلى ليبيا التي بفضل سلطته وشرعيته تحولت إلى مهج وازدهر الخراب فيها، وهذا يحصل وآل الشرعية يستميتون في شرعيتهم، مما يجعل الميت يفطس من الضحك في قبره، هؤلاء الشرعيون جعلوا الشرعي الوحيد في البلاد الموت وبفضل شرعيتهم عم الخراب، وبفضلهم بتنا نخاف الغد ونترحم على الأمس».
وتدق الافتتاحية أجراس الخطر، في صرخة أشبه بالمرثية الإنسانية، قائلة: «نحن في بلاد يدفع فيها أشخاص ثمنا غاليا لجريمة ارتكبها غيرهم، وهم صغار في عالم الكبار، هم ليسوا قادة، هم ليسوا فاعلين، هم من بسطاء القوم ومن أفقرهم، وحتى إن شاغبوا فشغبهم حده كلام تأخذه الريح.. السؤال الكبير لماذا يقتل هؤلاء؟ وما الذي يجنيه القاتل؟ أيها الليبيون أفيقوا.. مصابكم عظيم!».
ورغم صعوبات جمة يفرضها الوضع المأساوي في البلاد تنتظم «ميادين» في إصدارها بشكل أسبوعي، وتتابع كل الوقائع على الأرض، وتفتح أبوابا وتقترح حلولا للخروج من الأزمة. وفي أعقاب الثورة نظمت «ميادين» ندوة على مدار ثلاثة أيام، حول كتابة الدستور الجديد للبلاد، دعت إليها كوكبة من أشهر الفقهاء الدستوريين من مصر وبعض الدول العربية.
يعلق الفيتوري على هذه الندوة قائلا: «كنا نريد أن نضع من خلالها أيدينا بشكل علمي على الطريق الصحيح، استعنا بهؤلاء الخبراء للإفادة من خبرتهم في كتابة الدساتير في بلادهم، وفي بلدان أخرى. كان حرصنا على أن نرسي دعائم دولة جديدة تنهض على احترام الدستور والقانون، والمواطنة كحق طبيعي لجميع الشعب دون استثناء أو امتيازات، لكن قوى الظلام جرت البلاد إلى هذه الفوضى، التي تعود بنا إلى عصور الاستبداد والتخلف».
نحو مائة وسبعين عددا صدرت من «ميادين» حتى الآن، تنوعت على صفحاتها كل ألوان الطيف السياسي الليبي والعربي، برحابة أفق وسعة صدر، وتنوعت أيضا تجارب أخرى في مجالات الأدب والفن والشعر، والعمل الاجتماعي والرياضي.. كان همها أن تصل إلى القارئ ببساطة وشفافية، أن تعينه على أن يعرف نفسه وحقيقة ما يجري حوله والدور المطلوب منه في هذه الأوقات الصعبة والمصيرية في تاريخ ليبيا.
يقول الفيتوري: «الحمد لله، استطعنا بفضل جهود العاملين في الصحيفة وتحري المهنية والموضوعية أن نصل إلى القارئ، وأن تصبح (ميادين) أحد شواغله الأساسية لمتابعة ما يجري في الواقع الليبي والعربي والدولي، ووسعنا هذا الأفق بطبعة إلكترونية من كل عدد، متاحة أمام القارئ في أي مكان من العالم.. كل ما نريده أن يعرف القارئ خارج ليبيا حقيقة ما يجري هنا. فمع اشتداد وتعقد الوضع المأساوي أصبحت ليبيا خارج التغطية الصحافية والإعلامية من قبل الصحف ووكالات الأنباء العالمية والمحلية، وما ينشر في هذه الفضاءات الإعلامية غالبا ما يكون مشوبا بالأخطاء، ولا علاقة له بحقيقة ما يجري على أرض الواقع.. تصحيح هذه الصورة أصبح من أولويات مهمتنا الصحافية والثقافية».
يضيف الفيتوري: «أيضا على رأس أولوياتنا الدفاع عن ليبيا ككيان موحد، ورفض كل ما يحاك لها على صعيد المسرح السياسي العالمي، فقد وقفنا ضد تصريحات لمفوضة الأمن الداخلي الأوروبي سيسيليا مالمستروم، اعتبرت فيها ليبيا دولة فاشلة. ووجهت (ميادين) في عددها 166 رسالة مفتوحة إلى كاثرين أشتون مفوضة خارجية الاتحاد الأوروبي، ذكرتها فيها بتصريحاتها أثناء زيارتها لبنغازي بعد أشهر قليلة من الثورة، والتي أكدت فيها على أن الاتحاد الأوروبي سيقوم بمساعدة ليبيا في المجالات الأمنية والاقتصاد والصحة والتربية والمجتمع المدني».
ويسخر الفيتوري، في هذه الرسالة التي وجهها إلى أشتون في افتتاحية ذلك العدد قائلا: «ليبيا فاشلة بفضل الاتحاد الأوروبي أيضا».
وينهي الفيتوري حديثه معي مؤكدا أن «ميادين» أصبحت سجلا للثقافة الليبية، منذ قيام الثورة وحتى الآن، وعلى حد قوله: «نحن لا نواجه أزمة سياسية فقط، بل نواجه ثقافة عليها أن تنهض وتجدد نفسها كل يوم، وتقاوم أنياب هذه المأساة الشرسة التي تعيشها ليبيا، بقوة الأمل والحلم».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.