معرض بيروت للكتاب... اندفاع باتجاه التجديد واحتفاء بالحرية

كاتب يوقع افتراضياً وآخر يصدر رواية من سجون الاحتلال

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

معرض بيروت للكتاب... اندفاع باتجاه التجديد واحتفاء بالحرية

جانب من المعرض
جانب من المعرض

كانت الحصيلة مشجعة في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب. لعلها من الأخبار الجميلة القليلة التي تسمع من لبنان. فوسط التردي الاقتصادي، وجمود التشكيل الحكومي وأجواء التشاؤم، لم يكن من المنتظر أن يقبل الناس على المعرض، وأن تشهد حفلات التوقيع وبعض الأنشطة من ندوات وجلسات فكرية إقبالاً وحماسة. لكن الأحد عشر يوماً للمعرض التي تنتهي يوم الاثنين، كانت أفضل بكثير مما توقع الناشرون. ربما الأمور نسبية. كما نفهم من مسؤول دار «جروس برس» وهو يتحدث عن تأثير كبير للأوضاع الاقتصادية المتراجعة على حركة معارض الكتب العربية، زادها سوءاً تدخل الرقابة، ورفع سقف الممنوعات، ما جعل معرض الكتاب في بيروت فسحة تضيق بها الكثير من المعارض الأخرى التي رافق كتبه إليها.
كان الناشرون اللبنانيون ينتظرون معارض بعينها لرفع أرباحهم، لكنهم هذه المرة يرون أن الوضع ليس كما سبق. ثمة احتفاء كبير في المعرض اللبناني بالحرية التي يتمتع بها الناشرون لعرض كل ما في جعبتهم. «لا ممنوعات هنا، وبالتالي نعرض من (جمهورية كأن) إلى (اسمه الغرام)» تقول رنا إدريس مسؤولة «دار الآداب»، بينما كانت صاحبة الرواية الأخيرة علوية صبح توقّع كتبها الثلاث في جناح الدار، ويجوب الشراة المكان بحثاً عن زوادة جديدة. لا تتردد إدريس في القول بأن «هذا أهم المعارض العربية. نحن من الدور التي تعاني كثيراً من الرقابة على محتوى الكتب، لأننا ننشر روايات بشكل خاص، لهذا نقدّر جيداً فسحة بيروت، ونسعد بها، وهذا ليس بالأمر القليل بالنسبة لنا. كما أننا سعداء بإقبال الجيل الجديد على القراءة بالعربية الذي يتزايد بشكل واضح. وهناك جرأة لدى القراء لتجريب نصوص كتاب لا يعرفونهم، أو اكتشاف روائيين لم يسمعوا بهم من قبل، ونحن نجاري هذا الاهتمام».
لا يزال الأدب، والروايات بشكل خاص، لها الجاذبية الأولى عند القراء. هناك أيضاً إقبال خاص على الكتب المترجمة وثمة رغبة في قراءة إيزابيل الليندي وأيليف شافاك وإيلينا فيرانتي. كما أن الكتب الكلاسيكية من سارتر وكامو و«زوربا» والروايات القديمة المترجمة هي أيضاً لا تزال تُطلب. والإقبال على المترجم ظاهرة تعلو وتيرتها ولا تنخفض، رغم أن الدور تشكو من صعوبة إيجاد المترجمين الموهوبين، وأن كتباً تُعاد ترجمتها أكثر من مرة بسبب ضعف لغوي عند بعض المترجمين. وهذه مشكلة أخرى.
وإن كانت إدريس تعزو الحيوية التي اتسم بها المعرض هذه السنة إلى رغبة الناس في التنفيس عن أزماتهم بالمتعة الأقل كلفة بعد التلفزيون، فإن الروائية ومسؤولة «دار النهضة» لينة كريدية ترى في حفلات التوقيع اليومية التي تقيمها الدور ونشاط الناشرين وترويجهم لمؤلفاتهم عبر وسائل التواصل وعلى مواقعهم، سبباً رئيسياً في إحياء سوق الكتاب. «فالجلوس على الطريقة القديمة وانتظار القارئ الذي يبحث عن الكتاب بمفرده لم يعد ينفع».
ومن دون شك، فإن الناشرين باتوا مدركين أكثر من ذي قبل أهمية استخدام الوسائل الحديثة لإيصال رسالتهم إلى القراء وإعلامهم بالنتاجات التي يعرضونها، كما أن محاولات النشر لأسماء غير معروفة أو أخرى شابة بعضها ينشر للمرة الأولى، هو مما تحاوله الدور، على ما يحمل من مجازفة. هذا ما تفعله «أنطوان - هاشيت»، وهذه السنة إلى جانب أحلام مستغانمي التي باعت ما يقارب 500 نسخة من كتابها الجديد «شهياً كفراق» خلال التوقيع فقط، سجلت جومانة حداد رقماً يقاربه من مبيع كتابها «بنت الخياطة». لكن الدار كانت قد أصدرت «أعياد الشتاء» أيضاً، وهي الرواية الأولى للطبيبة السورية نغم حيدر، وخلال المعرض صدرت رواية جريئة لشاب آخر هو صهيب أيوب حملت اسم «رجل من ساتان». وكون أيوب مقيم في فرنسا ولم يتمكن من القدوم إلى لبنان، فقد أقام توقيعاً افتراضياً عبر «سكايب»، حيث كان يملي شفهياً الإهداء الذي يريده لكل قارئ كي يتمكن هذا الأخير من وضعه على الكتاب. وليس هذا التوقيع الوحيد المبتكر في المعرض. فلقد قام الكاتب طلال شتوي بمبادرة لافتة حين قرر أن يوقع نيابة عن الأسير الفلسطيني باسم خندقجي القابع في السجون الإسرائيلية منذ 14 عاماً. فقد اشترى شتوي من «دار الآداب» 100 نسخة من رواية خندقجي «خسوف بدر الدين»، وقعها وأهداها مجاناً لكل من اشترى أحد كتبه في يوم توقيعه لها في «دار الفارابي». وهي مبادرة تشجيعية فريدة اجتمع لها مثقفون وكتاب تحية للأسير المحكوم بثلاثة مؤبدات، ومسجون منذ كان عمره 21 عاماً، وها هو يبلغ الواحدة والثلاثين وفي جعبته ديوانان وهذه الرواية الأولى، التي كتبها في سجون الاحتلال.
يتقدم المعرض لا شك، إن لجهة العناوين التي بات العشرات منها يرصد الظواهر الجديدة، من تأثير المعلوماتية على الحياة اليومية، أو الإعلام وتربية الأطفال، أو العملية التعليمية. ربما هذه الكتب التي ترصد المتغيرات الحديثة بسبب دخول التكنولوجيا حياة الناس، هي من بين الأكثر نمواً، حيث يزداد عددها، وتتنوع حقولها سنة بعد أخرى، إضافة إلى نمو الأدوات التعليمية للأطفال التي تعتمد التكنولوجيا الحديثة وسيلة، مثل القلم الذكي واللوح الذكي أيضاً. وجناح المستقبل الرقمي يعرض نماذج لهذه المبتكرات التي اعتمدت العربية لغة، وهو ما كان مفقوداً، ويؤشر إلى جهد يبذل ويبعث على الفرح.
ثمة إحساس بأن الناشرين صاروا أكثر عصرية، إن في طرح العناوين، أو الحرص على تقديم أغلفة أنيقة، ولو كانت مكلفة كما «أنطوان - هاشيت» التي لا تبخل بأثمان عالية لدفع حق شراء لوحة جميلة تزين بها أحد أغلفتها. وعدد الكتاب أيضاً الذين هم أكثر اقتراباً من روح العصر، يبدو إلى تزايد، في محاولتهم لاختراق مواضيع جديدة. وربما النشاط الأكبر ملحوظ في أدب الأطفال، في ابتكارات أشكال الكتب، والجهد المبذول في الرسوم والنصوص.
أمر ما يحدث في عالم الكتاب في بيروت. شيء من الجرأة، واندفاع باتجاه التجديد. لعل «دار قنبز» واحدة من أكثر الدور اجتهاداً وثورية لابتكار عالم خيالي مجنح للأطفال، وقد أفاد كتاب إملي نصر الله «المكان» الذي كتبته قبيل وفاتها، تحكي فيه سيرتها، من تجربة «قنبز» الإخراجية، ليصدر عن هذه الدار في حلة ليست أنيقة فقط بل لافتة في فنيتها أيضاً.
التفات أكبر إلى جمالية الكتب، طريقة عرضها، الاستعانة بفنانين أحياناً لتصميم ديكورات للأجنحة، لتبدو أكثر جذباً للقراء، كلها أمور لم تكن في حسبان الناشرين، وهي لا تزال بعيدة عن ذهنية دور تواصل صف الكتب ورصها، دون أدنى عناية بإبرازها أو التركيز على عناوين بعينها. لكن أصواتاً بدأت تنتقد الإهمال في العرض، وعدم الانتباه إلى ضرورة ممارسة الكتاب فن الغواية على القارئ. بعض الدور استعانت بعازفين موسيقيين لشد الانتباه. مخطئ من يظن أن الأزمات الاقتصادية لا تقدح الذهن، وتفتق الأفكار. لقد ولّى عهد وضع الكتب على الأرفف وانتظار القراء. فكل دار تحاول أن تمارس شطارتها في التسويق على طريقتها. لكن الانتقادات لا تزال كثيرة للنادي الثقافي العربي الذي ينظم المعرض مع اتحاد الناشرين اللبنانيين، ولا تزال المطالبة كبيرة، بجعل المعرض يليق باسمه وبصفة «دولي» التي تلازمه، فلا وجود فاعل لدور أجنبية، باستثناء الحضور الصيني الذي كان وازناً هذه المرة. لكن الزميلة رنا نجار تسأل لماذا لم يسوق من قبل النادي لهذا الوجود الصيني المستجد بالقدر الكافي؟ ولماذا لا يستدعى كتاب كبار للمشاركة في الأنشطة التي يدعى إليها كتاب نقابلهم باستمرار في بيروت، حيث لم نر من كتاب جاءوا من خارج لبنان سوى أدونيس وإبراهيم نصر الله؟ ولماذا على القارئ العادي الذي يدخل ليشتري كتاباً بعشرة آلاف ليرة أن يضطر لدفع ما يقارب ثمنه، ليوقف سيارته، في مرآب يعجز عن استيعاب حاجة الزوار؟
نعم الانتقادات لا تزال كثيرة ومحقة، لكن ثمة ما يتزحزح؟ هناك من لا يريد أن يبقى في مكانه لأنه يعرف أن الزمن يسبقه، وأن عقارب الساعة صارت أسرع كثيراً من ذي قبل. لذلك فمن الظواهر التي تلاحظها، في محاولة لتخطي المشكلات بدل انتظار الحكومات، أن ناشرين دولتين عربيتين أو أكثر صارا يتشاركان في نشر كتاب واحد، مثل «منشورات ضفاف» في بيروت التي تتعاون مع «دار الاختلاف» في الجزائر لنشر الكتاب في البلدين بشكل متزامن.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.