تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد

فتحي إمبابي و«عرسه» الدامي

تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد
TT

تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد

تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد

يشكِّل «صراع الإرادات» محوراً مركزياً في رواية «العرس» للروائي فتحي إمبابي، ويحدد مسارات السرد والشخوص، سواء في تشابكها مع واقعه العائلي الخاص، أو مع السياق الخارجي العام، حيث فضاء الواقع الليبي، بين مطرقة الماضي وسندان الحاضر، المتطلع إلى خُطا أكثر ثباتاً وقوة نحو المستقبل، خصوصاً بعد طفرة للنفط وقيام ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)، ما أحدث ربكة وخلخلة في بنية المجتمع، انقلب على أثرها السلم الطبقي رأساً على عقب، فيما ظهرت طبقة جديدة صعدت بقوة إلى عالم المال والثروة، مستغلَّة وتيرة المتغيرات السريعة المتلاحقة في المجتمع.
يكرس هذا الصراع لفكرة الاستقلال بالقوة عن ما يمكن أن أسميه بـ«القوى الكابحة» أو المعطِّلة، حتى لو أدى ذلك إلى البطش بها، بداية من سلطة الأب والعائلة والمجتمع حتى العلاقات الزوجية، فالأشياء عادية ومستقرة تحت قشرة الإرث والأعراف، طالما تصب في صالح خدمة الإرادة الغاشمة الأقوى، التي يجسدها هنا «عمر» بطل الرواية الابن الأكبر لعائلة مفتاح البوزوي، الذي أصبح مثالاً على هذا الصعود المفاجئ.
خارج المظلَّة الليبية يمتد هذا الصراع سياسياً مجسِّداً أزمة النخبة العربية في صراعها من أجل الحرية بكل أشكاله: الراديكالي والحزبي، العلني والسري، ضد الأنظمة الفاسدة، وفي فترة السبعينات التي حفلت بكثير من الانتكاسات كان في صدارتها هزيمة 1967 وانهيار الحلم القومي، وما أعقبها من صدامات دامية بين القوى الطليعة وتلك الأنظمة، خصوصاً في سوريا ولبنان وفلسطين.
تشكل عائلة مفتاح البوزوي راعي الغنم، صحاب كسارة للحجارة في جبل درنة وشاحنة وحيدة، بسيرتها ومآلاتها وعلاقتها الأسرية المعقدة النواةَ الأساسية أو الرحم الأم لهذه الرواية... زوجتان وأربعة أبناء وفتاتان، أكبرهم عُمَر الشاب النافر، لم يكمل تعليمه بالمرحلة الثانوية، على عكس إخوته، ناصر وونيس وحميدة، حتى عائشة وصديقة.
يتمرد عمر على سلطة العائلة مجرباً مخاطرة اللعب مع الحياة في واقعه الليبي، الذي عاد إليه من لندن خاسراً حلمه في تعلُّم الطيران هناك. ويشكل الواقع الجديد بتحولاته السريعة المتلاحقة حافزاً للتعويض والانتقام من فشله في إكمال تعليمه.
تستعرض الرواية صعود نجم عمر في خطوط سردية شيقة، تلعب فيها تقنية المونتاج دوراً أساسياً في صنع حالة من التوازي والتقاطع والتجاور، والربط السلس بين مرايا الماضي والحاضر معاً، ليصبح ما يطرأ على العائلة من تحولات اجتماعية معادلاً رمزياً موازياً لما يحدث في الواقع الليبي، وخارجه أيضاً.
كخطوة أولى لحلم الثراء يؤسس عُمَر شركة عقارية مشتركة مع أحد معارفه من أصحاب الخبرة، وبحيل الدهاء والنصب، يخدعه ويعرض عليه الزواج من ابنته «ثريا» الشابة الجميلة، متخذاً الزواج قنطرة للبطش به والاستيلاء على الشركة، ويتحقق له ذلك، يتزوج وتؤول الشركة له وحده وسرعان ما تكبر وتتسع، حتى تُعد من أكبر ثلاث شركات للمقاولات في شرق ليبيا.
تحت مظلتها يدير عمر شبكة علاقات جهنمية متشعبة، مع الجيش ورجال السياسة والمال والبنوك، مستغلاً المناخ السائل من مضخة النفط... تجذب الشركة ببريقها خبراتٍ مهنيةً من جنسيات شتى، فيعمل فيها مهندسون ومهندسات، ورجال إدارة، وأرباب حرف، من مصر وسوريا، والسودان ولبنان وفلسطين، وغيرها.
تتحول الشركة إلى بوتقة، تشرئب فيها أحلام أصحاب الإرادات الصغرى، هؤلاء الغرباء الذين يعانون من الغربة عن الوطن، المشغوفين بأطماع الحياة، وفي الوقت نفسه يتحاشون انقلاباتها المباغتة، ولو بقليل من المذلة والمهانة.
تكشف وتيرة العمل بالمؤسسة مساحات مهمشة داخل النفوس، بفعل سطوة القوة، من أبرزها قمع الوعي بالذات، والوعي بالحب والكرامة، وحرية الاختيار... ما يدل على ذلك مشهد المهندسة «مريم» السورية التي تتصدى لصلف عمر صاحب المؤسسة، وترد الصاع صاعين على غروره وإهانته لها، كاشفة جهله وحماقته، مفضلة الاستقالة عن العمل تحت براثن سلطة غاشمة وفاسدة.
على العكس من ذلك تماماً يتسم موقف زوجها المهندس زياد، الذي يقبع في الظل، مبرراً الازدراء والإهانة بأنهما من الأشياء العابرة التي يجب أن يتحملها دون ضجر، حتى يحقق حلمه في الثراء، ويعود لبلاده.
في هذه الأجواء تلخص جملة عابرة، مفتاح شخصية عمر، واضعة إياه في خانة «السارق الأمهر»، حين يقول معلقاً على بعض السرقات الصغيرة التي تم اكتشافها داخل الشركة من بعض العاملين بها: «اللي عايز يسرق ييجي نعلمه كيف يسرق».
يستعرض عمر قوته تحت مظلة الثراء الفاحش، فينقل العائلة من مسكنها البسيط الفقير بالبادية، ويبني لها فيلا فخمة من عدة أدوار بموقع متميز بمدينة بني غازي، ويصبح هو رب العائلة، الذي لا ينازعه أحد، المسؤول عن مقدراتها، وإدارة دفة حياتها، كما يرى ويهوى، ووفقاً لمصالحه في المقام الأول؛ فهو صاحب القرار الأول والأخير، هنا وهناك، حيث يتحكم في مصائر عائلته والعاملين في شركته. يمكن أن نرصد في هذا السياق مشهد «العرس» (زواج شقيقة ناصر)؛ فهو الذي اختار له زوجته، وتكفَّل بكل مستلزمات العرس، جاعلاً منه كرنفالاً لاستعراض القوة والنفوذ.
تكشف اللعبة الروائية عن ذات ساردة (الكاتب نفسه) تتمتع ببصيرة كاشفة محنكة، قادرة على التوغل في أدغال النفس البشرية، وتعرية المتناقضات التي تحفّ بها زمنياً ومكانياً، مُسرِّبة في طوايا السرد أفكاراً تشارف الحكمة أحياناً، لها وقع الفلسفة، وخبرة التأمل في الحياة من زوايا خاصة... تتواتر هذه الخبرة داخل فصول الرواية على شكل كتل نصِّيّة، منبهة ومحفزة بأن خلف ما يجري في الواقع، أشياء أخرى أكثر درامية وتعقيداً تحتاج إلى بصيرة أبعد مما يجري.
فنرى عمر يلحُّ على زوجته بأن تخلع «الجرد» (اللباس الليبي التقليدي)، حتى تأخذ سُنّة المجتمع الجديد. يعلق الراوي على هذا التحول بنبرة تكسوها مسحة صوفية (ص57) قائلاً: «نحن في لحظة قد تدوم ساعة أو عدة سنوات، قد نشعر بالصفاء، إن جاز وجود هذا التعبير عن معنى السعادة، ورغم أن الجميع قد أفنى عمره في حرث حديقة صفائه الخاصة، التي يندر أن تؤتي ثمراً قط، كان الأديم الحقيقي لطبيعة تحولاتنا، النسيج الذي استلبناه من الخارج، الألياف السرطانية التي تشكل عقلنا الداخلي، لنمونا المستحدث، هي غير ذلك على الإطلاق، وإنما باطن صوفي من الاكتئاب النفسي، يحكم الجميع بلا استثناء».
وفي المعمار الفني تبرز آلية الوصف، بوصفها حجر الأساس، للربط بين مفاصل الرواية، وصراعات أبطالها الواضحة والمستترة. فالوصف ينساب في لغة سلسلة مكثفة، كفعل معايشة، متجاوزاً التوثيق العابر التقليدي لنثريات المكان والمشهد وما يعلق بهما من أشياء وعناصر، تدل على شكل الحياة وطريقة ممارستها، في لحظة ما، في زمن ما، كاسراً، في الوقت نفسه، حياد القارئ، وبتلقائية شديدة يشده إلى قلب الحالة والمشهد، وكأنه أصبح جزءاً من مكوناتهما، بل مشاركاً في صنعهما... يشارف هذا الفعل (فعل معايشة الوصف) على تخوم فنون كثيرة من الشعر والموسيقى والفن التشكيلي، كما تبرز خبرة الذات الساردة بجغرافيا المكان، والدمج بين العامية الليبية والفصحى، ما يجعل السرد بمثابة مرآة شفيفة تلتقط أدق التفاصيل من العادات والأعراف، مبرزة انعكاساتها على ذوات الشخوص، وما يعتمل داخلها من مشاعر وعواطف وانفعالات.
يتسم فعل الوصف بالحركة الدائبة، ففي بعض المشاهد يصبح وسيلة للقنص والوصول إلى الهدف بسلاسة مُغوِية خاصة في العلاقة مع الأنثى، بينما يصفو لذاته متحولاً إلى أنشودة شعرية شجية، حين يتعامل مع الطبيعة، خصوصاً في مشاهد رعي الغنم بالجبل الأخضر وألعاب الطفولة.
يتنقل العرس بطقوسه الكرنفالية بين فصول الرواية، صانعاً جسراً شفيفاً بين قوسَي البداية والنهاية، وتخفف مشاهد البحر بأفقه اللامترامي من فداحة العرس الدامي... البحر الذي يلوذ به ناصر، في لحظة أصبحت فيها حياته بمثابة مجهول لا ضفاف له، على أثر رسالة مربكة وقاتلة، تلقاها من عروسة قبل يومين من حفل الزفاف، ترجوه ألا يتزوج بها، قائلة: «أرجوك ارحم مسكينة»، لكن تحت وطأة الأعراف والتقاليد ومحنة الشرف، وأمام تهديد والدها وغضبه الضاري، تنفي علمها بالرسالة، وأن هناك من دَسَّها للوقيعة بين العائلتين.
يشد هذه الزمن الكابي الرواية إلى ذروة الصراع دراميّاً، ويتحول مشهد العرس إلى لحن جنائزي، كاشفاً عن قشرة عفنة بالداخل، تعري «عمر» رمز السطوة الغاشمة، وتجر الطبقة التي صعد إليها إلى الهاوية، لافتةً إلى زيفها، مهما تستَّرت بقشرة التقدم والحداثة، فهي طبقة لا تملك أن تستر عورتها التي صنعتها في نفسها، إلا بالمزيد من البطش والتخلف... فقدت «درية» العروس عذريتها، تحت وطأة زنا المحارم، على يد أخيها المراهق الصغير في لحظة طيش، وتوقَّف تعليمها الجامعي، بعد نمو بذرة طفل في بطنها.
ورغم المهانة التي تعرضت لها في ليلة الزفاف على يد ثلة من أقاربها، تكشف هذه النهاية عن مفارقة إنسانية شديدة الأهمية فناصر العريس المنفتح على الحياة المسلح بالعلم، ونال شهادة علمية من أميركا، يقرر التصالح مع قدره التراجيدي، عازماً على أخذ عروسه فوراً إلى إنجلترا، لتجري عملية إجهاض آمنة من حملها الشائن، بعدها يمنحها حرية الاختيار، إما أن تعيش معه، ويواصلان الحياة معاً في فضاء مغاير، وإما أن يُطلِقَها ويذهب كل طرف إلى سبيله. على عكس عمر صاحب النفوذ المتسلط، الذي دفع أخاه دفعاً إلى هذه الزواج، طمعاً في ثروة أبيها صاحب محال الجواهر، وجره إلى عالم المقاولات حتى يصبح في فلك سيطرته ونفوذه.
في هذه اللحظة السوداء المصيرية، وبينما ناصر مسلماً روحه وجسده لرذاذ البحر، متخذاً قراره بإنقاذ عروسه، مهما كان الثمن، يندفع عمر صاعداً إليها في حجرتها وهو يزمجر ويصرخ، مصمماً على طردها، وإلقائها في حوش والدها، لم تُثنِه رجاءات إخوته وتوسلاتهم، بأنه ليس من حقه ذلك، وأن الذي يقرره هو ناصر، تلمحه العروس، فتهرع إلى الحمام فاتحةً أنبوب الغازل وتشعل النار في جسدها.
إنه الصراع الخفي بين قِيَم الجهل والاستنارة، بين من يهتبل الحياة بالاغتصاب و«الفهلوة»، واللعب على مفارقات الأضداد العقيمة، ومن يحتفي بالروح ويحتمي، حتى بهشاشتها ولحظات ضعفها الإنساني النبيل، كطاقة حية في شرايين الأمل والحب... هكذا تتعفن الطبقة التي لا تملك مقومات أصيلة للحياة والوجود وتتحول أحلامها إلى مسلسل لا ينتهي من التشوه والقذارة.


مقالات ذات صلة

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر
كتب النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.