الهند: استقالات المسؤولين الماليين تؤثر سلباً على الاقتصاد

منصب محافظ البنك المركزي يهز الأوساط المالية في البلاد

استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)
استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)
TT

الهند: استقالات المسؤولين الماليين تؤثر سلباً على الاقتصاد

استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)
استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل من منصبه تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد (رويترز)

فيما يمكن أن يعد إشارة سيئة لدى واحد من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، شهدت الهند، في تعاقب سريع، رحيل اثنين من كبار رجال الاقتصاد عن المشهد الرسمي العام في البلاد.
أولاً، جاءت استقالة محافظ بنك الاحتياطي الهندي أورجيت باتيل، من منصبه التي تسببت في هزة شديدة داخل الأوساط المالية في البلاد، معللاً ذلك بأسباب شخصية دفعته إلى الرحيل المفاجئ قبل تسعة أشهر كاملة من انتهاء فترة ولايته رسمياً. وتبع ذلك استقالة أخرى من قبل أحد كبار خبراء الاقتصاد، سورجيت بهالا، مستشار الشؤون الاقتصادية في حكومة رئيس الوزراء الهندي.
وتلك هي المرة الرابعة (خلال أقل من أربع سنوات) التي يتنحى فيها خبير اقتصادي من المستوى الرفيع ويغادر منصباً مهماً وحاسماً ينطوي في بعض أدواره على وظيفة استشارية لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. وهذا، بطبيعة الحال، مع استبعاد عدد من الموظفين البيروقراطيين الآخرين من المستوى المتوسط، الذين استقالوا أو أُقيلوا من مناصبهم كذلك. وكان من بين أبرز الخبراء الذين استقالوا مؤخراً أرفيند سوبرامانيان، كبير مستشاري الاقتصاد للحكومة الذي تنحى عن منصبه في يونيو (حزيران) الماضي، وأيضاً أرفيند باناغاريا، نائب رئيس مجلس الإدارة السابق لمركز «نيتي آيوغ» البحثي المرموق، والذي غادر منصبه طواعية العام الماضي. وغادر راغورام راجان، المحافظ الأسبق على أورجيت باتيل في قيادة البنك المركزي الهندي، منصبه في عام 2016 في أعقاب الاحتكاك مع حكومة مودي بشأن عدد من القضايا ذات الأهمية، ليصبح بذلك أول محافظ للبنك المركزي الهندي الذي لم يُمنح فترة ممتدة في منصبه لمدة 3 سنوات خلال العقدين الماضيين.
وعرض كل مسؤول منهم أسباباً مختلفة لتبرير قرار الاستقالة؛ إذ أشار السيد أورجيت باتيل إلى أسباب شخصية، في حين قال أرفيند سوبرامانيان إن الأسباب عائلية، وأفاد كل من راجان وباناغاريا بأنهما قررا الرجوع إلى الأوساط الأكاديمية.
ومن المرجح أن تثير تداعيات الاستقالات المشتركة، خصوصاً في ما يتعلق بالسيد باتيل، جملة من التساؤلات الملحة وسط الأسواق المالية.
والأهم من ذلك أن باتيل كان الشخصية المختارة من قبل الحكومة الحالية لشغل هذا المنصب المهم بعد مغادرة راجان في يونيو لعام 2016، وكان قد دُفع إلى الاستقالة دفعاً في محاولة لإنقاذ الحوكمة الذاتية التقليدية العريقة للبنك المركزي الهندي والممتدة منذ 83 عاماً، وكرسالة احتجاج قوية في وجه التدخلات الحكومية المستمرة في شؤون تلك المؤسسة.

نكسة للمصداقية الدولية

ويقول المحللون إن هذه التطورات الأخيرة تعد نكسة كبيرة في المصداقية الدولية للمؤسسة المالية الهندية العليا في البلاد مما يزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية الهندية. وفي الأثناء ذاتها، فإن هذا القرار الاحتجاجي من جانب باتيل يُخلف وراءه صورة مشوشة ومهتزة عن مشهد الاقتصاد الكلي الهندي، وقطاع المصارف الوطنية المضطرب، والروبية شديدة التقلب وقليلة الاستقرار، إلى جانب العجز المالي المتزايد في البلاد.
ولقد سجلت الأسواق الهندية هبوطاً عميقاً إلى الأسفل، في حين تشهد الروبية الهندية انخفاضاً كبيراً في قيمتها مقابل الدولار الأميركي بسبب استقالة محافظ البنك المركزي، وخسارة الحزب الحاكم «بهاراتيا جاناتا» الانتخابات في ثلاث ولايات.
وقال جهانجير عزيز، رئيس وحدة البحوث الاقتصادية الآسيوية الناشئة في «جيه بي مورغان إنديا»: «إن رحيل الشخصيات البارزة في أي دولة من شأنه أن يثير المخاطر الكبيرة بالنسبة إلى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء»، مضيفاً أن «سلسلة استقالات الشخصيات رفيعة المستوى على مدى السنوات الأخيرة تؤكد حقيقة واحدة ألا وهي تدهور الأوضاع في هذه المؤسسات».
ومن شأن أي إشارة على تراجع شعبية ناريندرا مودي في خضم الأزمة الزراعية الكبيرة الراهنة سوف تثير توتر المستثمرين قبل دخول موسم الانتخابات العامة في العام القادم. ومن شأن فترة انعدام اليقين السياسي، مثل تعرض مصداقية البنك المركزي للاهتزاز، أن تزيد من وتيرة رحيل رؤوس المال الأجنبية البالغة 2.9 مليار دولار من أسواق الأسهم الهندية خلال الربع الحالي من العام.
ويقول الصحافي الاقتصادي أناند كوشوكدي معلقاً: «تعد استقالة باتيل سيئة التوقيت من قبيل النكسات الهائلة لمحاولات الحكومة رسم صورة وردية للأوضاع الاقتصادية في البلاد. ومن الواضح أن باتيل كان ضحية المواجهات الفوضوية بين البنك المركزي والحكومة في الآونة الأخيرة، وانخرط مضطراً في خضم الصراع المرير لأسابيع طويلة، حيث مارست الحكومة ضغوطها الكبيرة لتخفيف قبضة السياسة النقدية في البلاد، وتسليم مئات الملايين من الدولارات من الفائض الاحتياطي، وتهدئة القواعد الصارمة التي تحظر الإقراض على مصارف القطاع العام التي تعاني من سجلات قروض سيئة للغاية».
وفي الوقت الحالي، هناك نقص حقيقي في السيولة النقدية لدى العديد من المنتجين والمستهلكين، كما أن التدفقات الائتمانية بدأت في الاختفاء مع صراع المصارف لإدارة المحافظ المتنامية من الديون المعدومة. ولم يتعافَ العديد من الأنشطة الاقتصادية (بما في ذلك المناطق الريفية التي يشعر المزارعون والعمال فيها بمشاعر الغضب والسخط الشديد) بعدُ من الصدمة التي تعرضت لها إثر قرار وقف التعامل بالفئات النقدية الكبيرة، ولا تزال تعاني من آثار ضريبة السلع والخدمات المصممة بشكل سيئ للغاية والمنفَّذة بأسلوب مزرٍ.
والدكتور أورجيت باتيل هو خبير الاقتصاد المتخرج في جامعة أوكسفورد البريطانية، ومن ذوي الكفاءات الرفيعة والفهم العميق الثابت لقضايا الاقتصاد الكلي. وقد عمل على قيادة النظام المصرفي الهندي وخرج به من الفوضى إلى التنظيم والانضباط. وحقق البنك المركزي الهندي تحت قيادته الاستقرار المالي في البلاد.
وفي حديثه إلى مختلف وسائل الإعلام عن الدكتور باتيل، قال سلفه راغورام راجان: «أي استقالة من قبل موظف في الحكومة هي بمثابة رسالة احتجاج»، ووصف استقالة الدكتور باتيل بأنها «بيان للمعارضة»، مضيفاً أنها تعد مسألة ذات أهمية بالغة للشعب الهندي بأسره.
وقالت وكالة «موديز» لخدمات الاستثمار، في بيانها: «إن استقلالية البنك المركزي من الدعائم المهمة للغاية في تقييمنا لقوة المؤسسة السيادية. وإننا نأخذ الإشارات التي تفيد بمحاولات الحكومة الحد من استقلالية البنك المركزي بعين الاعتبار وهي عندنا من الإشارات السلبية. ووفقاً لذلك، فإن تقييمنا للقوة المؤسسية يركز في خاتمة المطاف على الجودة، والنتائج السياسية للمؤسسات ذاتها، ولا ينبني قط على الشخصيات التي تترأس هذه المؤسسات».

قطاع الشركات الهندي يتصرف على نحو مفاجئ

وقال هارش غوينكا، رئيس مجموعة «آر بي جي» الهندية: «بعثتْ استقالة محافظ البنك المركزي بمشاعر متباينة في الأجواء. لا بد من وجود قدرٍ من التوتر الصحي والبنّاء بين البنك المركزي والحكومة، ولكن عندما يتحول الأمر إلى صراع مدمّر، فإن أحد الأطراف سوف يتلاشى».
وقالت سوجان هاجرا، كبيرة خبراء الاقتصاد لدى شركة «أناند راثي» للوساطة المالية: «لم يكن هذا متوقعاً بحال، وهو يبعث بإشارات خاطئة إلى المستثمرين الأجانب».
وقال باغوان تشودري، أستاذ العلوم المالية لدى كلية أندرسون للإدارة التابعة لجامعة كاليفورنيا فرع لوس أنجليس: «قد يؤدي هذا القرار إلى تفاقم الأوضاع في الأسواق والتسبب في تقلب الأسعار على المدى القصير. يجب على الحكومة الابتعاد عن سياسات البنك المركزي والسماح له بمتابعة أعماله بصورة جيدة، والعمل على استقرار الأسعار، والإشراف المصرفي القوي، والرقابة الصارمة، وإنشاء المؤسسات المالية القوية والمتنافسة الذي يعد من ضرورات دعم النمو الاقتصادي في البلاد».
في هذه الأثناء، أحيا شاكتيكانتا داس، المحافظ الجديد للبنك المركزي الهندي، الآمال في الصناعة المصرفية بأنه يمكن أن يكون هناك بعض التراخي في تطبيق القواعد المصرفية الأكثر صرامة. وفي الوقت نفسه، قد تتطلع المصارف الهندية محدّقة صوب مكاسب الخزانة في خضمّ التوقعات بانخفاض عوائد السندات.
ومن المرجح لارتباطه القديم مع الحكومة أن يكون بمثابة عنصر من عناصر التحفيز، الأمر الذي ربما يبشر بالخير ضمن إطار السياسات المشتركة.
وقال أشيش فيديا، رئيس الأسواق الهندية لدى بنك «دي بي إس» في سنغافورة: «ينبغي أن ترتفع السندات مع توقعات بنظام أدنى لأسعار الفائدة في العام المقبل». ومن شأن ارتباط المحافظ الجديد بالحكومة أن ينعش مشاعر المستثمرين على المدى القريب في وسط ارتفاع الطلب على السندات السيادية الهندية. وأضاف السيد فيديا قائلاً: «قد يتوسع مجال الائتمان المصرفي خلال الفصول المقبلة أيضاً».
ووفقاً لديبانشو موهان، أستاذ الاقتصاد المساعد في كلية جيندال للشؤون الدولية: «في ظل العملة المتقلبة وتوقعات التضخم الكبيرة، إنْ استمر الاتساع في العجز على جانب الحكومة والجانب التجاري مع أخذ العوامل الخارجية الأخرى مثل تخفيض أسعار النفط والعلاقات الاقتصادية الهندية مع الولايات المتحدة ومع الصين في الاعتبار، فمن شأن الأشهر القليلة المقبلة أن تكون حاسمة في تحديد الأداء الاقتصادي الهندي بشكل عام».
والجانب الرئيسي الآخر الجدير بالمراقبة (خلال الشهور القادمة) هو المدى الذي تحاول الحكومة من خلاله تخفيف التدابير الرادعة بموجب أهداف قانون الإفلاس الهندي، ولا سيما حيال الشركات العاجزة عن سداد القروض.
ومع استقالة الدكتور باتيل، من المثير للاهتمام ملاحظة مقدار الجهود التي تبذلها القيادة الجديدة للبنك المركزي في الدفع باتجاه التدابير الخاصة بقانون الإفلاس الهندي في الوقت الذي تعيد فيه هيكلة وتعديل مصارف القطاع العام المثقلة بالديون. ويعد إنفاذ التعاقدات وضمان تسوية مسائل إفلاس الشركات (من خلال قانون الإفلاس)، من التحديات الكبيرة المؤثرة على تسهيل ممارسة الأعمال التجارية عبر الولايات.



الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
TT

ترمب يلغي رسوماً جمركية فرضها على الهند بسبب النفط الروسي

صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)
صهريج لتخزين النفط الخام في حقل نفطي تابع لمؤسسة النفط الهندية (إكس)

قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقع أمراً تنفيذياً يلغي الرسوم العقابية البالغة 25 في المائة التي ​فرضها على الواردات من الهند بسبب شرائها النفط الروسي، وذلك بسبب التزام نيودلهي «بوقف استيراده بشكل مباشر أو غير مباشر».

وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط، التي تغطي نحو 90 في المائة من احتياجاتها، وساعدها استيراد النفط الروسي الأرخص في خفض تكاليف الواردات منذ الحرب الروسية - الأوكرانية في عام 2022.

وأوضح الأمر ‌التنفيذي أن المسؤولين ‌الأميركيين سيراقبون الوضع، وسيوصون بإعادة ‌فرض ⁠الرسوم ​الجمركية إذا ‌استأنفت نيودلهي شراء النفط من روسيا.

وكانت الولايات المتحدة والهند قد اقتربتا يوم الجمعة من التوصل إلى اتفاق تجاري، إذ أعلنتا عن إطار عمل مؤقت من شأنه خفض الرسوم الجمركية، وإعادة تشكيل العلاقات في مجال الطاقة وتعزيز التعاون الاقتصادي.

وذكرت الحكومتان في بيان مشترك، أن الإطار يعيد ⁠تأكيد الالتزام بالتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي أوسع ‌نطاقاً، مشيرتين إلى أن هناك حاجة لإجراء مزيد من المفاوضات لإتمام الاتفاق.

ولم يذكر البيان المشترك مشتريات نيودلهي من النفط الروسي. وكان ترمب قد أعلن يوم الاثنين، عن اتفاق مع نيودلهي لخفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية من 50 في المائة إلى 18 في المائة، مقابل التوقف عن شراء النفط الروسي وخفض ​الحواجز التجارية.

وفرض ترمب نصف النسبة البالغة 50 في المائة بشكل منفصل عقاباً للهند على مشتريات النفط ⁠الروسي، التي قال إنها تمول المجهود الحربي لموسكو في أوكرانيا.

ويقدم البيان المشترك الصادر مساء الجمعة، تفاصيل إضافية مقارنة بالاتفاق الأولي الذي كشف عنه ترمب يوم الاثنين، إذ أكد أن الهند ستشتري سلعاً أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى 5 سنوات، من بينها النفط والغاز وفحم الكوك والطائرات وقطع غيارها والمعادن النفيسة ومنتجات تكنولوجية.

وذكر البيان أن الهند ستلغي أو تخفض الرسوم الجمركية على جميع السلع الصناعية ومجموعة ‌واسعة من المنتجات الغذائية والزراعية الأميركية. لكن الاتفاق سيطبق رسوماً جمركية 18 في المائة على معظم واردات الولايات المتحدة من الهند.


العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.