بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران

54 عاماً على رحيله المأساوي

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة
TT

بدر شاكر السياب... شاعر المكابدات القصوى واللغة المأهولة بالنيران

تمثال السياب في البصرة
تمثال السياب في البصرة

قبل 54 عاماً، وفي مثل هذه الأيام خصوصاً، خسرت الحداثة الشعرية العربية واحداً من أبرز روادها المؤسسين، وأحد أكثر الرموز المجسدة لروح الشعر وجوهره ومعناه، أعني الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. لا أتحدث هنا عن شعرية التقويض والهدم العدميين، ولا عن شعرية تفجير اللغة والخروج الجذري على القواعد المألوفة، ولا عن شعرية التقنيات العالية أو النمنمة الجمالية الباذخة، بل عن شعرية العصب الجامح والنقاء الغرائزي والتوالد التلقائي لورود الأعماق. ومع ذلك فقد كان موت السياب مأساوياً بالقدر نفسه الذي كانته حياته القصيرة، التي قصمتها الأمراض المختلفة قبل الوصول إلى الأربعين. فلقد قضى أحد أكبر شعراء العربية في العصر الحديث فقيراً وغريباً ومشلولاً في أحد مستشفيات الكويت، من دون أن يجد من يواسيه أو يسير وراء نعشه سوى حفنة من الأوفياء لا يبلغ عددهم عدد أصابع اليد الواحدة. ولعل قدره المأساوي ذاك، كان ولا يزال يرمز في كثير من وجوهه إلى غربة المبدعين العرب الكبار وعزلتهم العميقة، في مجتمع لا تكفّ قيمه وتقاليده الثقافية عن التقهقر والنكوص، ولا يكف اليأس والقنوط عن إحلال الغثاثة والاهتراء محل الأحلام الشاغرة والرجاء المجهض. ومع ذلك يحق لأي منا أن يتساءل، بعد هذه السنين الكثيرة التي مرت على غياب السياب، عن الأسباب الفعلية لرسوخ اسمه وتجربته الرائدة في ذاكرتنا الجمعية، فيما باتت أسماء كثيرة في عهدة النسيان. فهل كان الأمر يتعلق بأسبقيته الريادية، أم بتفرد تجربته وأسلوبه، أم بمسيرة حياته الشاقة والمثخنة بالآلام؟
إن هذه العناصر مجتمعة، على الأرجح، هي التي أعطت للسياب المكانة المرموقة التي ميزته عن أقرانه، وآلفت بين اسمه الشاعري وحضوره الراسخ على أرض القصيدة العربية. وإذا كان السجال النقدي حول الأسبقية الزمنية لريادة الشعر الحر، بين قصيدة «الكوليرا» لنازك الملائكة، وقصيدة السياب «هل كان حباً» لم يتوقف فصولاً حتى اليوم، فإن معظم النقاد العرب يُجمعون على أن مكانة السياب وتميزه ليسا متأتيين من السبق الزمني البحت، بل من فرادة تجربته وقوة مخيلته وأسلوبه، كما من سطوة لغته البالغة على الأجيال الشعرية اللاحقة. فالريادة بمفهومها العميق لا تخضع لمنطق المصادفة المجردة أو الحدث العرضي، بل هي مجازفةٌ جمالية ورؤيوية، وتبدّل دراماتيكي في الحساسية والنظرة إلى العالم، وإضافة بنيوية إلى المنجز السابق. وهو ما يتمثل بشكل جلي في كثير من أعمال السياب وقصائده ومقطوعاته. واعتقادي أن موهبة الشاعر المتوقدة ومعرفته العميقة بمفاتيح القصيدة العربية وأسرارها، والتصاق لغته بالشرايين، هي من أبرز العوامل التي أعطت لتجربته ما تستحقه من تقدير، ووفرت لها سبل الرسوخ في أذهان القراء، بحيث بدت هذه التجربة نابعة من حاجة الشعرية العربية إلى الخروج من شرنقتها المغلقة، وليست مجرد حرث متكلف في تربة الآخرين.
لا يمكن لنا بالطبع أن نضع أعمال السياب وقصائده في خانة واحدة على الصعيدين الرؤيوي والأسلوبي. فللسياب، كأي شاعر آخر، ذراه ومنخفضاته، كثافاته المدهشة وشروحه الفضفاضة، غوصه الرؤيوي ونصوصه السياسية المفعمة بالحماسة. ولم يكن الكاتب الفلسطيني ناجي علوش مجافياً للحقيقة حين أشار إلى المراحل الأربع التي مرت بها تجربة صاحب «شناشيل ابنة الجلبي»، وهي الرومانسية، والواقعية، والرمزية التموزية، ومن ثم مرحلة الانكفاء إلى الذات في فترة اشتداد المرض. على أن هذا التقسيم، الذي تبناه كمال بلاطة في دراسته المستفيضة عن الشاعر، لا ينعكس بشكل ميكانيكي على مستوى النصوص، بحيث تبدو بعض قصائد المرحلة الواقعية أكثر دينامية وتمثلاً لروح الشعر من بعض نصوص المراحل اللاحقة. وحتى في القصائد الرومانسية المبكرة التي تضمها مجموعة «أزهار وأساطير»، استطاع السياب أن يوائم بنجاح بين الترجيعات الغنائية الشجية والأسئلة المتصلة بالحب والموت والزوال السريع لظواهر الوجود وأحواله: «يا موت يا رب المخاوف والدياميس الصغيرة\ الآن تأتي، من دعاك؟ ومن أرادك أن تزوره\ أنا ما دعوتك أيها القاسي فتحرمني هواها\ دعني أعيش على ابتسامتها وإن كانت قصيرة». وكغيره من الشعراء المنتمين إلى مشروع حزبي عقائدي، بذل السياب جهوداً مضنية للتوفيق بين موجبات الالتزام السياسي والآيديولوجي، والالتزام بتحرير قصيدته من التنميط الأسلوبي واللغة الجاهزة. وإذا كان الشاعر قد بدّل مراراً مواقفه وولاءاته العقائدية، فإن ما لم يتبدل عنده هو ولاؤه للشرط الإبداعي الذي يخترق، بوعي أو دون وعي منه، كل سقوف العقائد والولاءات الأخرى. لهذا السبب، فإن شاعرية السياب الحقة لا تتجلى في نماذج من مثل «يوم الطغاة الأخير»، أو «بورسعيد»، أو «ربيع الجزائر»، بل في «النهر والموت»، و«شباك وفيقة»، و«من رؤى فوكاي»، وصولاً إلى «أنشودة المطر» التي عدها الكثيرون أيقونة الحداثة الشعرية العربية، والتي تخترق حدود العراق لتتحول إلى صرخة كونية ضد الفقر والعقم والتصحر الروحي: «في كل قطرة من المطرْ\ حمراء أو صفراء من أجنّة الزهَرْ\ وكل دمعة من الجياع والعراة\ وكل قطرةٍ تراق من دم العبيدْ\ فهْي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديدْ\ أو حلْمة توردتْ على فم الوليدْ\ في عالم الغد الفتي واهب الحياةْ». وهو قد حشد في سبيل تطوير تجربته وإثرائها كل ما تستلزمه الكتابة من وعي بالتراث، واطلاع على التجارب الحداثية الأجنبية، وتوظيف متباين الدلالات لرموز التاريخ، كما للأساطير المحلية والعالمية.
يصعب من جهة ثانية أن نغفل في الحديث عن السياب علاقته الوثيقة بالأماكن التي سكنها، طفلاً ويافعاً، والتي طاردته أطيافها أينما ذهب، أو أن نغفل إفادته الواسعة من الفولكلور واللهجات المحكية والذاكرة الشعبية الجمعية التي جعلت منه، وفق دراسة مستفيضة لناصر الحجاج، الممثل الأبرز لهوية الشعر العراقي. ففي معظم ما كتبه الشاعر، وبصرف النظر عن الفكرة أو الموضوع، تبدو اللغة مقتطعة من نسيج المكان المحلي، والجنوبي بوجه خاص، وتشيع في ثنايا التعبير روائح وأصوات وأطياف وظلال مختلفة لنخيل أبي الخصيب، وشناشيل البصرة، وسقسقة بويب الذي حوّله الشاعر في غير قصيدة ومقطوعة إلى نهر كوني أسطوري، فيما هو في حقيقة الأمر مجرد ساقية نحيلة وشحيحة المياه لا تكاد تلحظها العيون إلا عن مسافة قريبة. أما جيكور، قرية الشاعر، فهي المهد واللحد والينبوع والمصب. وهي الكنف الأمومي والتلفت المشوب بالحسرة إلى جنة البدايات. وهي صورة الحياة، وصنو الموت والانبعاث التموزيين: «حين تمتد جيكور حتى حدود الخيال\ حين تخضرّ عشباً يغنّي شذاها\ والشموس التي أرضعتها سناها\ حين يخضرّ حتى دجاها\ يلمس الدفء قلبي فيجري دمي في ثراها\ متّ كي يؤكل الخبز باسمي، وكي يزرعوني مع الموسمِ\ كم حياة سأحيا: ففي كل حفرة\ صرتُ مستقبلاً، صرتُ بذرة\ صرتُ جيلاً من الناس: في كل قلبٍ دمي». ويصعب أيضاً أن نغفل علاقة السياب الصعبة وغير المتكافئة بالمرأة التي تبدلت وجوهها وأسماؤها بين حقبة من حياته وأخرى. ورغم أنه رأى فيها ينبوع الحياة والشغف والتجدد، فهو لم يحظَ من اللاتي أحبهن، بسبب ظروف حياته الصعبة وافتقاره إلى الوسامة، إلا بقليل من الاهتمام. وليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن يغبط قصائده ومجموعاته التي تنام هانئة على وسائد قارئاته الكثيرات، فيما أن كاتبها ينام وحيداً على سرير العزلة والتجاهل والوحشة الباردة، فيهتف قائلاً: «يا ليتني أصبحتُ ديواني\ لأفر من صدر إلى ثانِ». ولا بالمستغرب أيضاً أن يتعلق، وقد أنهكه المرض، بأهداب إحدى الممرضات الجميلات، فيخاطبها بحرقة جارحة: «وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا\ ولكنْ... كلّ من أحببتُ قبلك ما أحبوني».
ثمة في شعر السياب ما يشي بصفاء السليقة وجاهزيتها الدائمة لالتقاط كل ما يحرك القلب من مشاهد ومشاعر واختبارات عاطفية بالغة الاحتدام. كأن الشعر هنا ملازم للذات في تكوّنها الأصلي، أو كأنه طريقة الشاعر الوحيدة للرد على كل ما ينبثق كالجمر من داخله، أو ما يفد إليه من إشارات الخارج. صحيح أن الذين أخذوا عليه استمراءه للإفاضة والإسهاب، وعدم مقاومته لإغواء التداعي التعبيري، في مطولات معروفة مثل «المومس العمياء» و«الأسلحة والأطفال» و«المعبد الغريق» وغيرها، لم يبتعدوا كثيراً عن الحقيقة، ولكن الصحيح أيضاً أن الشاعر الذي وجد في «الأرض الخراب» وغيرها من مطولات ت. س. إليوت ما يعبر عن طبيعة العصر وتعقيداته الشائكة، لم يأسر نفسه داخل نمط واحد من الكتابة، بل عمد إلى تنويع أساليبه وإيقاعاته وأشكاله التعبيرية. وهو إذ أفاد أبعد الإفادة من المساحات الصوتية والملحمية المفتوحة لبحري «الكامل» و«الوافر»، أفاد في الوقت ذاته من المساحات المكثفة والمشحونة بالتوتر لبحري «المتقارب» و«الرجز». وفي جميع الحالات، كان شعره يمور بكل ما حملته أصوات العراقيين عبر العصور من لواحق المرارة والقهر والشجن العاطفي الذي بلغ ذراه في أعماله الأخيرة، حين أنهكه المرض وسدت أمامه سبل النجاة. وقد تكون قصيدته المؤثرة «غريب على الخليج»، واحدةً من أكثر النماذج الإبداعية تمثيلاً لروح العلاقة الوثيقة بين الشعراء وأوطانهم. وليس بالمستغرب تبعاً لذلك أن تُنقش على قاعدة تمثال السياب المرفوع فوق شط العرب، هذه الأبيات المؤثرة: «الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلامْ\ حتى الظلامُ هناك أجمل، فهو يحتضن العراق\ وا حسرتاه متى أنامْ\ فأُحسّ أن على الوسادة\ من ليلك الصيفي طلاً فيه عطرك يا عراق\ بين القرى المتهيّبات خطاي والمدن الغريبة\ غنّيت تربتك الحبيبة».



ما قصة ارتداء الأميرة ديانا «فستان الانتقام»؟

الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)
الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)
TT

ما قصة ارتداء الأميرة ديانا «فستان الانتقام»؟

الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)
الأميرة ديانا ترتدي الفستان الشهير (أرشيفية-غيتي)

تعتزم دار «سوذبيز» أن تَعرض للبيع في مزاد في نيويورك، خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، «فستان الانتقام» للأميرة الراحلة ديانا، الذي ارتدته بعد ساعات من اعتراف الأمير تشارلز حينذاك، بخيانته الزوجية لها.

ومن المتوقع أن يراوح سعر الفستان الذي صممته اليونانية كريستينا ستامبوليان من 150 إلى 300 ألف دولار، على أن يخصَّص جزء من العائدات للأعمال الخيرية.

وكان الفستان قد عُرض سابقاً في مزاد لصالح جمعيات خيرية تُعنى بمرضى السرطان والإيدز عام 1997 قبل فترة وجيزة من وفاة ديانا في حادث سير بباريس عن عمر ناهز 36 عاماً.

فما قصة ارتداء الأميرة للفستان؟

ارتدت الأميرة ديانا الفستان الحريري الجريء والمكشوف الكتفين، في حفل عشاء أقيم في لندن، في 29 يونيو (حزيران) من عام 1994، في اليوم نفسه الذي اعترف فيه زوجها الذي أصبح ملكاً لبريطانيا حالياً، بخيانته لها، خلال مقابلة تلفزيونية بعد سنوات من الشائعات والتقارير الإعلامية.

ووفق هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، كانت تفاصيل المقابلة قد سُرِّبت قبل بضعة أيام، مما جعل ظهور ديانا العلني الأول بعد المقابلة يُفسَّر، على نطاق واسع، بوصفه رداً منها على ما ورد فيها.

ونُقل عن آنا هارفي، منسقة أزيائها آنذاك، قولها إن أميرة ويلز سابقاً «أرادت أن تبدو في غاية الأناقة والروعة». وقد أجرت الأميرة تغييراً في اللحظة الأخيرة على ملابسها قبل التوجه إلى الحفل؛ إذ استبعدت فستاناً من تصميم «فالنتينو» كان أقل لفتاً للأنظار، واختارت بدلاً منه فستان اليونانية ستامبوليان الذي لُقب بـ«فستان الانتقام».

وصرّحت ديانا قبلها، لصحيفة «الإندبندنت»، بأنها اشترت الفستان لا لترتديه، بل لأن العائدات كانت ستذهب لصالح مؤسسة خيرية. وقالت: «لا يمكنني ارتداؤه».

ديانا حولت الموضة إلى لغة

ومن المقرر أن يجوب «فستان الانتقام» العالم قبل طرحه للبيع؛ حيث سيُعرض في صالة «سوذبيز» بلندن، في الفترة من 18 إلى 24 سبتمبر (آب) الحالي، ثم ينتقل إلى هونغ كونغ، في مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، وإلى جنيف في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل أن يصل إلى نيويورك حيث سيجري بيعه.

وقالت مورغان حليمي، من دار «سوذبيز» للمزادات التي أعلنت، الخميس، عملية البيع المرتقبة: «حوّلت الأميرة ديانا الفستان إلى واحدة من أقوى الرسائل التي وجهتها على الإطلاق، في مرحلة من حياتها هي الأكثر تعرضاً للتدقيق والشحن العاطفي».

وأوضحت أن الأميرة ديانا «أدركت بفطرتها» أن الموضة يمكن أن تكون لغة بحد ذاتها. وأضافت أن الفستان «سمح للجميع، وخاصة النساء، باستخدام الأزياء لأغراض تتجاوز مجرد الزينة، وبشكل أكثر تعمداً ومعنى: كدرع وسلاح، أو كليهما معاً».

بدورها، قالت مجلة «بيبول» إن الأميرة ديانا كانت أيقونةً للأناقة، لكن لم تحظَ أي إطلالةٍ لها بالقدر نفسه من الضجة التي أحدثها «فستان الانتقام»، بوصفه زياً جريئاً غير معتاد لأحد أفراد العائلة المالكة المحافظة عادةً.


«القاهرة السينمائي» يستعيد زمن «أفلام الروايات»

ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)
ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة السينمائي» يستعيد زمن «أفلام الروايات»

ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)
ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» ينطلق في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إدارة المهرجان)

بين حين وآخر، تتذكَّر السينما المصرية عصرها الذهبي، الذي كان من أبرز سماته التفاعل بين السينما والأدب، من خلال أدباء كبار أثروا السينما برواياتهم وقصصهم، وتركوا بصمة خالدة في تاريخ السينما العربية، وعُدّت الأفلام المأخوذة عن أعمالهم من كلاسيكيات السينما المصرية والعربية. وفي مقدمتهم نجيب محفوظ، وطه حسين، وإحسان عبد القدوس، ويوسف إدريس، وتوفيق الحكيم، ويوسف السباعي، وغيرهم.

لكن مع مرور الزمن، تراجعت هذه الظاهرة، ولم تعد تمثّل حالة لافتة في صناعة السينما، وإن ظهرت بين حين وآخر أفلام تستند إلى روايات لأدباء شباب، مثل أفلام المخرج مروان حامد المأخوذة عن روايات أحمد مراد.

ملصق الملتقى (مهرجان القاهرة السينمائي)

من هنا، أطلق مهرجان القاهرة السينمائي مبادرة جديدة بعنوان «من الكتاب إلى الشاشة»، تستهدف إعادة بناء الجسر بين صناعتي النشر والسينما والمحتوى السمعي البصري، وفتح آفاق أوسع أمام تحويل الملكية الفكرية للأعمال الأدبية المصرية والعربية إلى أعمال تصل إلى الشاشة. ويأتي ذلك خلال الدورة الـ47 للمهرجان، التي تُقام من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، وضمن فعاليات «أيام القاهرة لصناعة السينما»، بمشاركة 10 من كبرى دور النشر المصرية التي تتولى نشر أعمال لكبار الأدباء والروائيين المصريين، وتحقق إصداراتها نجاحاً ومبيعات واسعة في سوقَي القراءة والنشر. كما تضم هذه الإصدارات أعمالاً تمتلك بنية سردية قوية تؤهلها لنقل نجاحها الجماهيري من صفحات الكتب إلى سوقَي الدراما والسينما.

وأثار البيان الذي أصدره المهرجان، الخميس، تساؤلات حول آلية تحقيق هذه الأهداف، وما إذا كانت منصات ستتولى دعم إنتاج هذه الأفلام، أم أن دور المهرجان سيتوقف عند إتاحة الروايات وعرضها على جهات الإنتاج والتوزيع.

شادية ونجيب محفوظ في كواليس تصوير «زقاق المدق» (فيسبوك)

وكشف الناقد زين خيري، مدير الملتقى، أن إدارة المهرجان درست سوق النشر جيداً، واختارت 10 من كبرى دور النشر في مصر للمشاركة في الدورة الأولى من الملتقى، على أن ترشّح كل دار منها عملاً ترى أنه الأنسب للتحويل إلى فيلم أو مسلسل، بناءً على معايير محددة جرى الاتفاق عليها وإدراجها في استمارة التقديم. ومن بين هذه المعايير قيمة الرواية وأهميتها، والعناصر التي قد تجذب منتجاً أو منصة إلى تحويلها إلى فيلم أو مسلسل.

وأضاف خيري لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان سيتيح الفرصة لممثلي دور النشر للقاء أهل الصناعة، ويوفر لهم جلسات لعرض مشروعاتهم على صنّاعها، كما يضمن الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية من خلال عقود قانونية وافية بين المنتجين ودور النشر والمؤلفين». وأكد أنه سيُعلَن لاحقاً عن الروايات المختارة، بالتزامن مع انطلاق «أيام القاهرة لصناعة السينما»، التي يرأسها الناقد محمد سيد عبد الرحيم، صاحب فكرة المبادرة أيضاً.

ونفى خيري أن يحصل المهرجان على حقوق حصرية لعرض الأعمال الناتجة عن المبادرة، لكنه سيكون مشرفاً على الاتفاقات الأولية التي تُبرم بين الطرفين، بما يضمن حقوق المؤلفين ودور النشر التي تمتلك حقوق الملكية الفكرية بموافقة المؤلفين.

ووفقاً للناقدة الفنية المصرية ناهد صلاح، فإن مبادرة «من الكتاب إلى الشاشة» تُعدّ خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المبادرة تلتفت إلى أحد أهم المصادر التي صنعت تاريخ السينما المصرية، وهو الأدب، من خلال أفلام شكّلت علامات فارقة في ذاكرتنا السينمائية. وتنبع أهمية المبادرة اليوم من أن العلاقة بين الأدب والسينما لم تعد مجرد بحث عن رواية تصلح لتكون فيلماً، بل باتت جزءاً من اقتصاد صناعة المحتوى».

وأكدت أن «القيمة الحقيقية للملتقى، ونقطة القوة في هذه المبادرة، تَظهران حين تتحول الكتب التي ستُقدَّم إلى مشروعات سينمائية فعلية؛ فليست كل رواية ناجحة تصلح لأن تكون مشروعاً سينمائياً، كما أن القضية لا تتعلق بالروايات الأكثر مبيعاً؛ لأن السينما تحتاج إلى اكتشاف أصوات جديدة وعوالم مختلفة». وأعربت عن أملها في أن «تتجاوز المبادرة فكرة سوق للحقوق، لتصبح مختبراً حقيقياً لتطوير الأعمال الأدبية وتحويلها إلى محتوى بصري، ومنصة مؤثرة في صناعة السينما والمحتوى العربي».

لقطة من فيلم «رد قلبي» عن رواية ليوسف السباعي (يوتيوب)

وكان الفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، قد ذكر، عبر بيان المهرجان، أن الأدب كان دائماً أحد أهم روافد السينما المصرية، وأن ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» يأتي في إطار اهتمام المهرجان بتطوير الصناعة وخلق مساحات جديدة للتعاون بين مختلف عناصرها. ولفت إلى أن الملتقى يستهدف تقديم حقوق الملكية الفكرية للأعمال الأدبية (IP)، وإتاحة الفرصة أمام المنتجين وصنّاع المحتوى لاكتشاف أعمال مصرية وعربية تمتلك مقومات التحول إلى أفلام ومسلسلات.

وأبدى الناقد أشرف غريب حماسه لهذه المبادرة، مؤكداً أنه «في حال نجاحها، يمكن أن تعيد البريق إلى السينما المصرية، كما كانت الحال حين اقتربت بقوة من الأدب وقدّمت مجموعة من كلاسيكياتها، ولا سيما حقبتي الخمسينات والستينات، استناداً إلى نصوص روائية جيدة لأدباء كبار تحولت إلى أفلام كان لها تأثير كبير في المتلقي المصري والعربي».

وأكد غريب لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح الملتقى مرهون بقدرته على خلق تيار متكامل من الأفلام المستندة إلى نصوص أدبية، وأنه لن يترك التأثير المطلوب إذا أسفر عن إنتاج فيلمين فقط خلال عامين أو 3 أعوام، في ظل سيطرة أفلام الكوميديا والحركة على الذوق العام». وأشار إلى أنه «لا بد من آلية يعتمدها المهرجان، من خلال تنظيم مسابقة موازية للسيناريو، يحصل الفائزون فيها على دعم منه، أو عبر الدفع بهذه الأفلام وترشيحها وتيسير مشاركتها في المهرجانات الكبرى».


مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تعوّل على المعارض الأثرية بالخارج في جذب السائحين

جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)
جانب من معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في جولاته حول العالم (وزارة السياحة والآثار)

تعوِّل مصر على المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج لجذب السائحين، بوصفها سفيرةً للحضارة المصرية في العالم ووسيلةً من وسائل القوة الناعمة، وفق وصف مراقبين وتصريحات رسمية لمسؤولي وزارة السياحة والآثار.

وخلال الاجتماع الأحدث للمجلس الأعلى للآثار، برئاسة وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، استُعرضت نتائج معارض الآثار المصرية المؤقتة المقامة في الخارج؛ إذ استقبل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة»، المقام في العاصمة البريطانية لندن، نحو 140 ألف زائر منذ افتتاحه في فبراير (شباط) الماضي، في حين استقبل معرض «كنوز الفراعنة»، منذ افتتاحه في أغسطس (آب) الماضي في متحف دي يونغ بمدينة سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة الأميركية، نحو 42 ألف زائر.

وأشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى النجاح الكبير الذي شهده معرض «مصر القديمة تكشف عن نفسها: كنوز من المتاحف المصرية» خلال رحلته في متحف قصر هونغ كونغ؛ إذ تخطى عدد زواره 600 ألف زائر خلال مدة عرضه، وجرى الاحتفاء بالنجاح الباهر الذي حققه، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

وحقَّقت معارض مصر الخارجية أرقاماً قياسية في دول عدَّة، من بينها معرض «قمة الهرم: حضارة مصر القديمة»، الذي اجتذب نحو 2.77 مليون زائر خلال عرضه على مدى 13 شهراً في شنغهاي بالصين العام الماضي، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الصينية، ومعرض «توت عنخ آمون»، الذي أُقيم في باريس عام 2019 وزاره 1.3 مليون زائر.

معرض «قمة الهرم» شهد حضوراً لافتاً في شنغهاي (شينخوا)

وفي السنوات الأخيرة، استقبل معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» نحو 420 ألف زائر في مدينة طوكيو، كما استقبل المعرض نفسه 500 ألف زائر في أستراليا.

وخلال الاجتماع، وافق المجلس الأعلى للآثار على تمديد مدة إقامة معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» بقاعة «Neon Battersea Power Station» في لندن 4 أشهر إضافية، لينتهي في 3 يناير (كانون الثاني) 2027، بدلاً من الموعد الذي كان مقرراً له في 30 أغسطس 2026، وكذلك على إقامة معرض «كنوز الفراعنة» في متحف غرب أستراليا بولا بارديب، بالمركز الثقافي الأسترالي في مدينة بيرث، وذلك عقب انتهاء مدة عرضه في متحف كيمبل للفنون بمدينة فورت وورث في الولايات المتحدة.

وتمثل المعارض الأثرية المصرية، التي تجوب عواصم العالم ومدنه، إحدى أهم أدوات الترويج الحضاري والسياحي لمصر، خصوصاً مع الأرقام القياسية التي باتت تحققها من حيث أعداد الزائرين، وفق تصريحات المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح معرض (كنوز الفراعنة) في روما، والإقبال الكبير على المعارض المصرية في آسيا، يؤكدان أن الحضارة المصرية القديمة ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على جذب الجمهور العالمي».

وأشارت إلى أن «القيمة الحقيقية لهذه المعارض تتجاوز عرض القطع الأثرية؛ فهي تقدم للزائر صورة حية عن مصر، وتعيد تشكيل رغبته في الانتقال من مشاهدة الحضارة في الخارج إلى اكتشافها في موطنها الأصلي. وهذا ما يجعل المعارض الخارجية أداة فاعلة في التسويق السياحي، وليست مجرد نشاط ثقافي مؤقت».

وأضافت أن انتقال «كنوز الفراعنة» إلى أستراليا يفتح مجالاً مهماً للوصول إلى جمهور بعيد جغرافياً عن مصر، ولا سيما أن التجارب السابقة للمعارض المصرية في أستراليا أثبتت وجود اهتمام جماهيري واضح بالحضارة المصرية.

جانب من معرض «كنوز الفراعنة» (وزارة السياحة والآثار)

وأكدت أن «تعظيم العائد السياحي من هذه المعارض يتطلب ربطها بحملات ترويجية متكاملة تقدم للسائح المحتمل رحلة تبدأ بالمعرض وتنتهي في مصر؛ لزيارة المتاحف والمواقع الأثرية واكتشاف الحضارة في سياقها الأصلي. وهنا تتحول الآثار إلى قوة ناعمة ودبلوماسية ثقافية، وإلى جسر مباشر بين التعريف بمصر وزيارتها».

وتنظّم مصر معارضها الأثرية المؤقتة في الخارج، التي تضم مقتنيات من المتاحف والمواقع الأثرية وقطعاً من الاكتشافات الحديثة؛ لتقديم صورة بانورامية عن الحضارة المصرية القديمة، بما تتضمنه من فنون وعادات وتقاليد وصور شخصية وتماثيل وتوابيت وغيرها من القطع الأثرية.

ويرى الخبير السياحي المصري محمد كارم أن «المعارض الأثرية المصرية المؤقتة في الخارج جزء من القوة الناعمة لمصر، وتسهم في جذب السائحين إليها؛ لأنها تفتح نافذة مباشرة أمام الجمهور العالمي للتعرف على الحضارة المصرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المعارض قادرة على تقديم صورة جاذبة عن الحضارة المصرية وما تمثله من عناصر فريدة على مختلف المستويات».

ولفت كارم إلى أن «هذه المعارض تقدم لمحة عن الحضارة المصرية إلى جمهور الدول المختلفة في أوروبا وأستراليا وآسيا وأميركا، انطلاقاً من التقدير العلمي للحضارة المصرية، وفي الوقت نفسه تثير فضول أفراد الجمهور والسائحين الذين يتطلعون إلى معرفة المزيد عن هذه الحضارة بزيارتها في موطنها الأصلي».

ويرى أن «أثر هذه المعارض يجب ألا ينتهي بانتهائها، وإنما ينبغي أن يمتد من خلال حملة سياحية متكاملة للترويج لمصر، ويمكن الاستفادة من كل معرض في تقديم تجارب سياحية متكاملة عبر التسويق السياحي من خلال هذه المعارض».