تطوّرات مذهلة في تصاميم كاميرات الهواتف الذكية

صور تمحو الفواصل بين الفنّ الرقمي المزيف والتصوير الفوتوغرافي الحقيقي

أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»
أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»
TT

تطوّرات مذهلة في تصاميم كاميرات الهواتف الذكية

أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»
أحدث هواتف «آبل» من اليسار: «آيفون 10 إس ماكس» ثم «10 آر» ثم «10 إس»

أصبحت هواتف غوغل الذكية اليوم تضمّ ميزة خاصة في كاميراتها هي «نايت سايت» التي تتيح للجهاز التقاط الصور في أكثر الأوضاع والأماكن ظلاماً. وتتمتّع الكاميرا الصغيرة المتوفرة في هاتف غوغل بيكسل 3 بقوة خارقة، فهي قادرة على رصد أشياء لا تستطيع العين البشرية رؤيتها.
وعندما تمضي الليالي في زيارة الأماكن المظلمة والتقاط الصور مستخدماً ما يعرف بوضع «نايت سايت» في هذا الهاتف الجديد (سعره 800 دولار)، يبدو الأصدقاء الجالسون في مقهى مضاء بالشموع مثلا في الصور الملتقطة وكأنّهم يحملون معهم معدّات للإضاءة، وتبدو الشوارع المعتمة متلألئة بالأحمر والأخضر. أمّا لقطات منتصف الليل، فتبدو وكأنها مأخوذة في وقت النهار، وفقا لخبراء أميركيين. وتوفر هذه الميزة أداء يتجاوز ما تقدّمه فلترات (راشحات) الإنستغرام بأشواط.

صور مزيفة
تعتبر ميزة «نايت سايت» تطوّراً هائلاً في مجال التصوير الفوتوغرافي بالهواتف، ومثالاً على التحوّل الذي تشهده صورنا نحو درجة هائلة من الزيف.
نعم، هذه هي الحقيقة، فالكثيرون لا يحبّون صورهم. صحيح أنّ هدف التصوير الفوتوغرافي لم يكن يوماً التقاط الحقيقة فقط، ولكنّ الهواتف الحديثة تأخذ الصور إلى مستويات جديدة غير مسبوقة.
حتى اليوم «نايت سايت» هي مجرّد وضع يعمل في الصور المظلمة المأخوذة بكاميرا هواتف غوغل بيكسل، وليس أكثر. يتباهى صانعو الهواتف الذكية عامّة بروعة وجمال الصور التي تقدّمها أجهزتهم ولكن ليس بواقعيتها. ومثلا يعمد وضع «بورتريه» في هواتف آيفون إلى تشتيت الخلفية والتركيز على ملامح الوجه وتخفيف احمرار العينين. أمّا صور السيلفي الملتقطة بالهواتف الشعبية في آسيا، فتركز على تصغير حجم الرأس وتفتيح العينين وتجميل البشرة بشكل تلقائي. كما تستخدم معظم الهواتف الحديثة تقنية تعرف باسم «إتش دي آر». (HDR) التي تدمج عدّة لقطات لتقديم نسخة أجمل بكثير من الحقيقة.
يقول الخبير جيفري فاولر أنه التقط صورة لغروب الشمس بواسطة هاتف آيفون 6 في عام 2014 ثمّ بالآيفون 10 آر الصادر هذا العام. وقد أذهلته النتيجة، فقد بدت الصورة الملتقطة بالآيفون الجديد وكنّها لوحة رسمت بالألوان المائية.
ما الذي يحصل؟ تقدّم الهواتف الذكية اليوم نوعاً من ديمقراطية التصوير الفوتوغرافي لـ2.5 مليار شخص، بعد أن كان التقاط صورة رائعة يتطلّب أجهزة خاصّة مع كتيّب إرشادات.

ذكاء صناعي
اليوم، يقدّم الذكاء الصناعي وغيره من التطورات البرمجية فرصة للالتقاط صور جميلة بحريّة تامّة. نعم، جملية، فتعديل الصور لم يعد يتطلّب مهارة في الفوتوشوب. اليوم، عندما نضع كاميرات الهواتف أمام مناظر طبيعية خلّابة أو وجوه ضاحكة، فإنها تسارع إلى استخدام خوارزميات (برمجيات لها نهج محدد) تمّ تدريبها على ما يحبّ البشر رؤيته، لتعطينا أخيراً صوراً تناسب أذواقنا.
يضمّ هاتفكم الذكي اليوم عدسات متقدّمة جداً، لذا يجدر بكم أن تنظروا إلى كاميرتكم على أنها نظام ذكاء صناعي هدفه إسعادكم، عوضاً عن كونها انعكاساً للحقيقة... إنها «زيف رائع».
لقد أصبح اليوم التقاط صورة بواسطة الهاتف أكثر بكثير من مجرّد تمرير ضوء عبر عدسة إلى جهاز استشعار. لا تزال هذه الأدوات مهمّة جداً طبعاً، إلّا أنّها شهدت تقدّماً كبيراً خلال العقد الماضي.
ولكنّ التحسّن الذي تشهده صورنا يعود بشكل متزايد إلى البرامج وليس إلى الأجهزة. يقول مارك ليفوي، أستاذ متقاعد في علوم الكومبيوتر من جامعة ستانفورد «إنها مقارنة مبالغ بها، ولكنّها صحيحة». وتجدر الإشارة إلى أنّ مؤسسي غوغل لاري بايج وسيرغي برين كانا من طلّاب ليفوي، الذي يعمل اليوم لصالحهما في مشاريع صناعة كاميرات الأجهزة ومن ضمنها «نايت سايت».
يركّز عمل ليفوي على ضوابط المقاسات الثابتة التي تحاصر الهاتف الذكي. فالهواتف لا تحتمل عدسات كبيرة (وأجهزة الاستشعار التي تتطلّبها) كما الكاميرات التقليدية، مما يفرض على صناع الهواتف إيجاد وسائل مبتكرة للتعويض. وهنا تدخل التقنيات التي تستبدل البصريات بالبرمجة، كالدمج الرقمي لعدة لقطات في صورة واحدة.
تستخدم الهواتف الحديثة من آبل وسامسونغ وهواوي هذه البرامج أيضاً، ولكن ليفوي يقول: «نحن نراهن بكلّ شيء على البرمجة والذكاء الصناعي»، الأمر الذي منح غوغل حرية تامة لاستكشاف طرق جديدة لصناعة الصور.
يقول نيكولاس تاتشارد، نائب رئيس قسم التسويق في «دي x أو مارك إيمج لابس» (DxOMark Image Labs)، المتخصصة في إجراء تصنيفات مستقلّة للكاميرات: «ارتقت غوغل إلى مستوى جديد في مجال البرمجة». (ولكن يبقى سؤال ما كان هذا الأمر كافيا لمساعدة بيكسل في انتزاع التفوق من آبل وسامسونغ).

اختراق الليل
مع «نايت سايت»، يحقّق برنامج غوغل أقصى أدائه عبر التقاط ما يقارب 15 صورة خافتة الإضاءة ومزجها مع بعضها لتفتيح الوجوه، وتقديم تفاصيل واضحة وإشباع الألوان بطريقة ترضي المستخدم. ودون وميض، تعمل هذه الميزة على تعزيز الضوء الموجود في الصورة صناعياً.
لا شكّ أنّ أي شخص حاول يوماً التقاط صورة خافتة الإضاءة بكاميرا تقليدية أن يعي صعوبة الحصول على لقطة واضحة وغير ضبابية. ولكن ومع «نايت سايت»، وقبل الضغط على زرّ الالتقاط حتى، يقيس الهاتف رعشة يدكم والحركة في المشهد لتحديد عدد اللقطات التي يجب تصويرها والوقت الذي يجب أن يبقى خلاله المصراع مفتوحاً. عندما تضغطون على المصراع، يُصْدِرُ لكم تحذيراً بضرورة التثبيت ويصوّر لفترة تصل إلى 6 ثوان.
في الثانية أو الثانيتين التاليتين، تقسّم «نايت سايت» جميع لقطاتها إلى مجموعة من الشرائح الصغيرة، ثمّ ترصف وتدمج أفضلها لتشكيل صورة مثالية. وأخيراً، يحلّل الذكاء الصناعي وبرنامج آخر الصورة لاختيار الألوان ودرجات الضوء.
ولكن ميزة «نايت سايت» تواجه بعض الصعوبات في التركيز وفي المشاهد التي تفتقر إلى الضوء بشكل شبه تام. لذا، يبقى عليكم أنتم أن تحافظوا على ثبات الجهاز بالوضعية الصحيحة للالتقاط.
ولكنّ الحقيقة هي أنّ معظم الصور التي تلتقطها خلال اختبار لغوغل بيكسل 3 تكون رائعة. فقد عملت الكاميرا في صور البورتريه فيه على تجميل البشرة وزيادة حدّة العينين. أمّا في المشاهد الليلية، فقد أضاءت التفاصيل المخفية ولوّنتها.
ولكنّ المشكلة هي: كيف يمكن لكومبيوتر أن يختار درجات الضوء وألوان الأشياء التي نصادفها في الظلام؟ هل يجب أن يحوّل السماء المضاءة بالنجوم إلى غسق؟
يقول ليفوي إن «لم نستطع رؤيتها، لن نعرف كيف تبدو. هناك الكثير من القرارات الجمالية التي نطبّقها بشكل ما، ويمكن تطبيقها بشكل آخر. لعلّ هذه الهواتف ستحتاج أخيراً إلى زرّ (ما أراه) يقابله زرّ (ما هو موجود فعلاً)».

«زيف رائع»
إذن، ما دامت هواتفنا تصدر الألوان والأضواء لترضينا، هل يعدّ هذا الأمر تصويراً فوتوغرافياً حقاً؟ أم هو عمل فنّي يديره جهاز كومبيوتر؟
يوافق بعض أنصار المذهب الصفائي (أي الأصوليين من اتباع النقاء في مجالهم الاحترافي) على الاحتمال الثاني، ويرى ليفوي أنّ هذا ما يحصل دائماً مع التقنيات التعديلية. ما هو معنى كلمة «مزيف»؟ يسأل الأخير. استخدم المصورون الفوتوغرافيون المحترفون لزمن طويل تقنيات الفوتوشوب أو غرف التظهير المظلمة لإجراء التعديلات على الصور. وقبل ذلك، تلاعب صناع الأفلام بالألوان للحصول على نتيجة معيّنة. إنّ أي كلام يصدر في هذا الإطار يمكن أن يكون ناتجاً عن حبّ ممارسة التصوير، أو عن مخاوف أكاديمية، أو حتى عن أهمية ذكريات ثلث البشرية.
إلى أي مدى ستبعد الهواتف الذكية صورنا عن الحقيقة؟ ما هو الشيء الذي ستدرّبنا البرامج الرقمية على رؤيته طبيعياً؟ وما هي أجزاء الصورة التي نسمح للكومبيوتر بتعديلها؟ في صورة التقطت للبيت الأبيض (دون استخدام ميزة «نايت سايت»)، لوحظ أن خوارزميات هاتف بيكسل 3 المدرّبة لتجميل العيوب، أزالت التفاصيل الهندسية الحقيقية التي كانت ظاهرة في صورة التقطها جهاز آيفون 10.
إن السؤال الذي تطرحه شركة تصنيف الكاميرات «دي x أو مارك» هو: كيف يمكننا حتى أن نحكم على الصور التي يتمّ تحليلها من قبل برامج رقمية لأجل معالم كجمال الوجه؟
يقول تاتشيارد: «يبالغ المصنعون أحياناً في التمادي. فنقول عادة إنّه لا بأس إن لم يدمّروا معلوماتنا. وإن أردنا أن نكون موضوعيين، يجب أن ننظر إلى الكاميرا على أنّها جهاز للالتقاط معلومات».
ولنسمع رأيا آخر من كنان أكتولون، مؤسس «جائزة التصوير الفوتوغرافي بواسطة هاتف الآيفون» السنوية، فقد عمل أكتولون خلال العقد الماضي على فحص نحو مليون صورة التقطت بهاتف الآيفون ولم تشهد تعديلات كبيرة.
اعتبر أكتولون أنّ الخط الفاصل بين الفنّ الرقمي والتصوير الفوتوغرافي «يصبح شديد الضبابية في مرحلة معينة». ولكنّه رحّب عامّة بالتحسينات التقنية التي تسهّل عملية صناعة الصورة والأدوات المرئية. إن العامل الجاذب في التصوير الفوتوغرافي بواسطة الهاتف الذكي هو أنّه متاح للجميع، أي أنّ المستخدم يصبح مصوراً بالضغط على زرّ واحد، والذكاء الصناعي هو تطوّر مستمرّ لهذه الحالة.
يقول أكتولون: «مع تحسّن النوعية التقنية للصور، يبقى الاتصال العاطفي هو ما نبحث عنه. فالصور التي تحصل على الاهتمام الأكبر ليست المثالية على الصعيد التقني، بل هي الصور التي تقدّم لمحة عن حياة الشخص أو تجربته».



«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.