غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تصادق على «ميثاق مراكش»

غوتيريش ينتقد «الأكاذيب الكثيرة» التي أحاطت بنصه

TT

غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تصادق على «ميثاق مراكش»

اعتمدت غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أمس بمراكش جنوب المغرب، الميثاق العالمي للهجرة. وقال وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة إن غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أيّدت ميثاقاً عالمياً غير ملزم يتعامل بشكل أفضل مع تدفق المهاجرين، رغم أن عدد الحكومات التي انضمت لتأييد الميثاق كان أقل من عدد الدول التي عملت على صياغته.
وأوضح بوريطة، الذي كان يتحدث في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الحكومي الدولي لاعتماد الاتفاق العالمي للهجرة، أن الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة «يعد عملاً سيادياً». وزاد قائلاً: «إذا كان البعض يعتقدون أن تعدد الأطراف ينافس السيادة، فإننا نظهر اليوم أن هذا الميثاق يعد في جوهره عملا سيادياً، إذ يشكل أداتها ودليلا على متانتها».
وسجّل أن تعدد الأطراف يظل الأداة الوحيدة للحوار والتعاون في مواجهة التحديات العالمية التي تفرضها الهجرة، إذ لا يتعلق الأمر بشأن بلد أو منطقة أو قارة، بل يعد ظاهرة تطال أفريقيا وأوروبا وأميركا على حد سواء، ويسائل الجميع بطريقة مختلفة، مشددا على أن هذا الاختلاف لا يعني تجاهل قضية الهجرة.
وأكد بوريطة أن المسؤولية اليوم تعد مشتركة، مجددا التأكيد على ضرورة العمل المشترك، معتبراً أن اختيار الإطار متعدد الأطراف الكوني لتجسيد هذا الوعي يعد دليلا على المرونة في التعامل مع قضايا الهجرة، وذلك من خلال المصادقة على الميثاق العالمي من أجل هجرات آمنة ومنظمة ومنتظمة.
وأشار بوريطة إلى أن المؤتمر التاريخي يعد تتويجا لمسار طويل من المفاوضات انطلق سنة 2016 من خلال تبني الأمم المتحدة لإعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين، مضيفاً أن المؤتمر يجسد انخراط المجتمع الدولي في مواجهة تحديات الهجرة.
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فوصف في كلمة بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر اللحظة بالمؤثرة، كونها «ثمرة جهود جبارة»، داعيا إلى عدم «الخضوع للمخاوف والسرديات الخاطئة» حول الهجرة. وانتقد غوتيريش «الأكاذيب الكثيرة» التي أحاطت بنص الميثاق الذي يسعى إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل «هجرة آمنة منظمة ومنتظمة. وقال غوتيريش إن «الهجرة ستظل دائما موجودة، ويجب أن يتم تدبيرها على نحو أفضل»، معتبراً الميثاق بمثابة «خارطة طريق من أجل تفادي المعاناة والفوضى ومن أجل تعزيز تعاون يكون مثمرا للجميع».
من جهتها، أشادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بميثاق الأمم المتحدة للهجرة، معتبرة إياه نقلة نوعية في السياسة الدولية للتعامل مع هذه القضية. وقالت ميركل أمس الاثنين عقب إقرار الميثاق بمراكش، إن هذا الأخير يعلن بوضوح الحرب على الهجرة غير الشرعية، ويكافح جرائم تهريب البشر. وذكرت ميركل أن الهجرة حركة طبيعية «وعندما تكون شرعية تكون أمرا جيدا»، مضيفة أن العمالة المهاجرة إلى ألمانيا تحقق أيضا الرخاء لبلدها.
وأشارت المستشارة الألمانية إلى أن تصرفات الدول منفردة لن تحل المشكلة، مؤكدة في ذلك على أهمية التعاون على المستوى الدولي، مضيفة أنه يمكن صياغة العولمة على نحو إنساني عندما يكون لجميع الدول في العالم إمكانيات عادلة للتنمية.
من جهتها، قالت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ماريا فرناندا إسبينوسا غارسيس، إن الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، يشكل «ردا عالميا على واقع لا يمكن مواجهته إلا بشكل جماعي بالنظر إلى كون الهجرة، تعد ظاهرة عابرة للحدود الدولية».
وأضافت غارسيس أن هذه الوثيقة «المرنة التي يمكن ملاءمتها مع حاجيات وأولويات ورؤية كل بلد»، تعتبر مناسبة للعمل بشكل فعال ومنسجم حول إحدى أكبر الظواهر التي يشهدها هذا القرن والمتعلقة بالاتجار في البشر، مضيفة أن الميثاق يمثل أيضا رؤية جماعية لمواجهة «الخطابات الداعية للكراهية والتمييز التي قد تترتب عنها استراتيجيات لا نرغب فيها».
وقالت المسؤولة الأممية: «إننا نعيش اليوم لحظة تاريخية لأننا نقدم صيغة ذات طابع إنساني للهجرة»، مؤكدة أن هذا المؤتمر يعكس بجلاء التعددية باعتبارها آلية ناجعة لرفع أحد التحديات الأكثر أهمية في العالم المعاصر، وهي الهجرة الدولية. وأشارت إلى أن المفاوضات كانت طويلة ومتعبة وشاقة، بيد أن الجهود المبذولة مكنت من التوصل إلى هذا الميثاق، معربة عن امتنانها للبلدان التي شاركت في هذه المفاوضات بروح بناءة ومنفتحة.
وأوضحت أنه ليس هناك مكان أكثر ملاءمة في العالم كالقارة الأفريقية وبالأخص المغرب، للانخراط في هذا الميثاق الذي أخذ من الآن اسم «ميثاق مراكش»، معربة عن امتنانها للحكومة المغربية لكرم استضافة هذا المؤتمر الذي يبصم لمرحلة بارزة في تاريخ الأمم المتحدة.
ولم يشهد مؤتمر مراكش تصويتا رسميا على ميثاق الهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة. وسيخضع الميثاق لتصويت نهائي من أجل إقراره في 19 ديسمبر (كانون الأول) الجاري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
يذكر أن جميع الدول الأعضاء، وعددها 193 دولة، ما عدا الولايات المتحدة، وضعت في يوليو (تموز) اللمسات النهائية على الاتفاق من أجل تعامل أفضل مع ملف الهجرة.
ومنذ ذلك الحين، تعرض نص الاتفاق لانتقادات حادة من سياسيين أوروبيين ينتمي أغلبهم لليمين قالوا إنه قد يتسبب في زيادة الهجرة من أفريقيا ودول عربية.
ورفضت الميثاق 6 دول في الاتحاد الأوروبي على الأقل، أغلبها دول شيوعية سابقة من شرق أوروبا.
وكانت شيلي من أحدث الدول التي انسحبت من تأييد الميثاق الأحد، فيما انسحب أكبر حزب في الائتلاف الحاكم في بلجيكا من الحكومة بسبب خلاف بشأن الميثاق.
ونظم حزب التحالف الفلمنكي المعادي للهجرة السبت في بروكسل تجمعا للتنديد بالميثاق بحضور زعيمة اليمين الفرنسي المتشدد مارين لوبن، وستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب. وبات ملف الهجرة ورقة انتخابية يرفعها الشعبويون في بلدان الاتحاد الأوروبي، مع اقتراب انتخابات برلمان التكتل المقررة في مايو (أيار) المقبل.
وجددت واشنطن الجمعة الماضي التعبير عن «رفض الميثاق وأي شكل من أشكال الحوكمة العالمية»، بعدما انسحبت من محادثات إعداده في ديسمبر (كانون الأول)2017، مؤكدة أن سياسة أهدافه «لا تنسجم مع القانون الأميركي وسياسة الشعب الأميركي ومصالحه».
وقال بيان حاد اللهجة للبعثة الدبلوماسية الأميركية لدى الأمم المتحدة إن «القرارات حول أمن الحدود في شأن من يتم السماح له بالإقامة قانونا أو الحصول على الجنسية، هي بين القرارات السيادية الأكثر أهمية التي يمكن أن تتخذها دولة ما».
وكثفت واشنطن تحركاتها في الأشهر الأخيرة للترويج لرؤيتها حول الميثاق لدى دول عدة خصوصا في أوروبا، بحسب دبلوماسيين من الأمم المتحدة.
وفي الشهر الماضي، قالت حكومة النمسا اليمينية التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، إنها لن تؤيد الميثاق نظراً لكونه يطمس الخط الفاصل بين الهجرة المشروعة وغير المشروعة. وقالت أستراليا أيضا الشهر الماضي إنها لن تؤيد الاتفاق بسبب تناقضه مع سياستها المتشددة حيال الهجرة وتشكيله تهديدا لأمنها.
وقدرت الأمم المتحدة عدد الحكومات التي سجلت مشاركتها في مؤتمر مراكش حتى مساء الأحد بأنه يفوق 150 دولة.
ويشكل الميثاق إطار عمل للتعاون بين الدول ويهدف إلى تقليل أعداد المهاجرين غير الشرعيين والمساعدة في دمج المهاجرين أو إعادتهم لبلادهم.
ويوجد نحو 258 مليون شخص مهاجر حول العالم، ما يمثل 3.4 في المائة من مجموع سكان العالم، وتمثل تحويلاتهم المالية نحو 450 مليار دولار، أي نحو 9 في المائة من الناتج الخام العالمي، بحسب أرقام الأمم المتحدة. ويعد مؤتمر مراكش محطة شكلية في هذا المسار.
ويتضمن نص الميثاق غير الملزم الواقع في 25 صفحة، مبادئ تتعلق بالدفاع عن حقوق الإنسان والأطفال والاعتراف بالسيادة الوطنية للدول. ويقترح إجراءات لمساعدة البلدان التي تواجه موجات هجرة من قبيل تبادل المعلومات والخبرات ودمج المهاجرين، كما ينص على منع الاعتقالات العشوائية في صفوف المهاجرين وعدم اللجوء إلى إيقافهم سوى كخيار أخير.
ويرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن مضمون النص يبقى غير كاف، مسجلين أنه لا يضمن حصول المهاجرين على المساعدة الإنسانية والخدمات الأساسية، كما لا يضمن حقوق العاملين من بينهم. وأعربت منظمة العفو الدولية عن أسفها لكون «تطبيق مقتضيات الميثاق يبقى رهن حسن نوايا الدول التي تدعمه ما دام غير ملزم».
في المقابل، يعتبر منتقدو الميثاق أنه يفتح الباب أمام موجات هجرة كثيفة لا يمكن التحكم فيها.
من جهتها، استغربت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المكلفة بشؤون الهجرة العالمية لويز أربور «الحجم الهائل من التضليل الذي يحيط بالميثاق وما يتضمنه، مع أنه لا يجعل الهجرة حقا ولا يحمل الدول أي التزامات». وقالت أربور خلال مؤتمر صحافي عقدته مساء الأحد بمراكش: «هذه الوثيقة ليست سرا ولغتها واضحة».
وشهدت العاصمة الكندية الأحد مواجهة أمام مقر البرلمان بين مدافعين عن المهاجرين ومتظاهرين يمينيين يعارضون الميثاق. وأكد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو عزمه التوقيع على الميثاق، مذكرا بأن «الترحيب بالناس من جميع أنحاء العالم من خلال نظام هجرة صارم هو ما جعل كندا قوية، وفي الحقيقة هذا شيء يحتاجه العالم أكثر».
في غضون ذلك، تعذر على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تمثيل بلاده في المؤتمر، وكلف وزير دولة لدى وزير الخارجية بذلك، وسط معارضة للميثاق من اليمين واليمين المتشدد وبعض أعضاء حركة «السترات الصفراء» الذين تظاهروا للأسبوع الرابع على التوالي احتجاجا على السياسة الضريبية والاجتماعية في فرنسا.
وقال جان باتيست لوموان، كاتب الدولة (وزير دولة) لدى وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، أمس بمراكش، إنه لم يسبق لبلاده قط أن فكرت في عدم حضور أشغال المؤتمر الدولي الحكومي حول الهجرة المنعقد حاليا بمراكش.
وقال لوموان، في تصريح صحافي، إن فرنسا بوصفها دولة تؤمن بتعدد الأقطاب على الساحة الدولية، «يتعين أن تكون هنا في هذه اللحظة المهمة وفي هذا الحدث الوازن». وأضاف أنه «رغم المغالطات التي تروج لها مارين لوبن وآخرون بشأن الميثاق العالمي حول الهجرة، فإن فرنسا لم تكن لتتخلف عن الحضور للمشاركة في هذا الحدث الكوني». وأشار إلى أن بلاده «تريد التحرك في إطار متعدد الأطراف لكون القرارات المنفردة لا تقدم حلولا»، مبرزا أن الميثاق العالمي لهجرة آمنة ومنتظمة ومنظمة، يشكل «آلية حقيقية تساعدنا على العمل سويا من أجل تفعيل عدد من الحلول والأجوبة الصائبة والناجعة والملموسة».
وعبر المسؤول الفرنسي عن الأسف لغياب دول ذات وزن على المستوى العالمي من قبيل الولايات المتحدة، وبعض القادة الذين قبلوا في البداية بمضامين الميثاق قبل أن يتراجعوا عن ذلك. وقال إن «الأهم أن نرى في هذا المؤتمر كثيرا من مسؤولي بلدان تحذوهم إرادة حسنة جاءوا لوضع إطار للعمل لإرساء حلول أفضل». وخلص بالقول: «لدي أمل في قدرة الدول على تفعيل هذا الميثاق بالنظر لحضور 95 في المائة منها هذا الحدث».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.