«همس النجوم» لنجيب محفوظ تعيدنا إلى الحارة والرمزية

تُجمع للمرة الأولى في كتاب وملحق بها مخطوطات بخط يده

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

«همس النجوم» لنجيب محفوظ تعيدنا إلى الحارة والرمزية

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

مجموعة الأديب الراحل نجيب محفوظ القصصية «همس النجوم» التي صدرت عن «دار الساقي» يوم السبت الماضي، بالتزامن بين كل من القاهرة وبيروت، ليست أجمل ولا ما يمكن أن تقرأ لحامل جائزة نوبل؛ لكن لهذه المجموعة التي أريد لها أن تبصر النور في ذكرى ميلاد الكاتب الكبير، ومرور 30 سنة على فوزه بنوبل، قيمة معنوية؛ لأنها تجمع للمرة الأولى في كتاب.
وكانت هذه القصص قد نشرت في تسعينات القرن الماضي في مجلة «نصف الدنيا»، باستثناء قصة واحدة، لم تنشر أبداً في أي وقت من الأوقات، بحسب الكاتب المصري محمد شعير، الذي له الفضل في البحث والجمع وكتابة المقدمة، وهي قصة «نبقة في الحصن القديم»، التي لا تختلف عن بقية قصص المجموعة، لا في روحها، ولا طبيعة شخصياتها، ولا المكان الذي تدور فيه الأحداث.
وهي تروي حكاية الابن الأخير لآدم السقا، الذي فقد أبناءه التسعة بسبب وباء، ولم يبق له منهم إلا نبقة. لذا نذر الأب ابنه الناجي، وهو لا يزال في السابعة من العمر، وسلمه لإمام الزاوية. ومضت سيرة الولد كالمسك، إلى أن توفي والداه وهو في العاشرة، وحارت في نفسه الأسئلة: متى يفتح باب الحصن الموجود داخل القبو؟ ويبدو أن الصبي استعجل الأمر، وذهب يستكشف الأمر بنفسه، وغاب ثلاثة أيام ليعود وقد تغيرت أحواله. فقد كان بحسب ما قال في ضيافة الراحلين الذين شحنوه بالمعرفة والقدرة، وما عاد يستطيع أن يعمل خادماً عند الإمام.
ويصور محفوظ ما يشبه معركة بين الصبي المتمرد والإمام المصرّ على استرجاعه إلى الخدمة، ويشارك شيخ الحارة في المعركة، فينهال على الصبي بالضرب لتطويعه. انقسمت الحارة، وسادت الفتنة، وكُبل الصبي وديس بالأقدام عقاباً له، فهل قضى الصبي فعلاً، كما يعتقد الإمام والشيخ؟ ربما! لكن سكان القبور يقولون إنه لم يمت؛ بل لا يزال يتجول في القبو ويقيم في الحصن القديم، وإنه يكبر ويتعملق ويمتد، ويتطاول رأسه باتجاه الفضاء.
ثماني عشرة قصة في الكتاب، تدور جميعها في مكان واحد هو الحارة، التي كرس لها محفوظ جلّ كتاباته. وفي القصص التي تتفاوت طولاً وقصراً، سنجد شيخ الحارة ومشايخ آخرين، والأولياء الصالحين، وأناساً كثراً باعوا أنفسهم للخرافة، وآخرين يحاولون التمرد على الموجود، فينتهون إما إلى الموت وإما إلى الاتهام بالجنون، وقليلاً ما ينتصرون على السائد الذي لا مكان فيه للعقل أو مراجعة الذات. وهناك بطبيعة الحال كثير من الأهواء المتعارضة والإرادات المتصارعة التي تنتهي إلى إشعال فتنة، سرعان ما تنخرط فيها جموع الناس. وثمة دائماً في الحارة التي تدور فيها القصص المكان الذي لا يغيب أبداً، وهو القبو، حيث يعيش من لا مأوى لهم، وفوقه الحصن القديم الذي تسكنه الأشباح والعفاريت؛ لا بل يمكننا القول إن هذين المكانين القائمين في موقع واحد، هما ركن أساسي في الحكايات، بما لهما من رمزية، بإمكان محفوظ أن ينسج حولها ما تجود به قريحته من معتقدات شعبية مشوبة بالخرافة والغيبيات التي تصبح جزءاً من أقدار أهل الحارة.
من أصغر القصص في المجموعة «نبوءة نملة»، ونملة هذا هو رجل يتنبأ لمتسول بأنه «ستحيط به الأنام ويقبل عليه الحكام»، بما يوحي بالجاه، فإذا بنا نكتشف أن الصورة ذاتها قد تتشكل بمناسبة شديدة المأساوية للمتسول. وقصة صغيرة بالحجم نفسه، أشبه بومضة عنوانها «سرّ آخر الليل»، لا تستغرق أكثر من صفحة وبضعة أسطر، تحكي قصة ذاك الرجل الذي اشتم وهو يدخل الحارة عطراً فواحاً، شعر بأنه «بقية أنثى تركته خلفها». عطر يجعل أفكار الرجل تفتح على احتمالات كثيرة، بعضها سيئ الظن، حول ما كانت تفعله المرأة قبل مروره بلحظات، لينتهي النص بالعبارة التالية: «وكلما مرت امرأة صباحاً أو مساء، تذكّر أو تشمم وتنهد، ثم جعل مرة أخرى يتشمم».
هكذا تعودنا على محفوظ، أن يرسم لوحات غير مكتملة، ويرمي ببعض الكلمات والجمل ذات الإيحاءات، ليترك قارئه يكمل الحكاية، بعد أن يكون قد غزل له خيوطاً تقوده إلى ما يريده أن يتصور ويستنتج.
وهو ما ينطبق على «همس النجوم» التي يحمل الكتاب اسمها، فهي عن المشايخ الذين يقرأون المستقبل، وينذرون بالأخطار تلميحاً لا تصريحاً؛ لكن الناس نادراً ما يتنبهون إلى عباراتهم التي تحمل نذير شؤم كبير، كما حصل مع المعلم قدري، التاجر الثري الذي تركته زوجته مع طفل في عامه الأول، هاربة مع مغني العشق.
أمتع نصوص المجموعة هي القصة الأولى، التي تحمل اسم «مطاردة». ويحكي فيها عن نموذج رهيب لما يمكن أن يكون عليه كيد النساء وانتقامهن؛ حين يقررن أن ينتزعن حقهن رغم سطوة المجتمع والأعراف وسلطة الرجال. ومع محفوظ تبقى الرمزية التي عُرف بها واحدة من أهم ميزات أسلوبه، مع حبه لإعطاء أسماء لشخصياته ذات دلالات نكتشفها ونحن ننتهي من القصة، وعشقه لرسم الأجواء الشعبية، وتأمل الذهنيات عبر شخوص من أمزجة مختلفة. من «توحيدة» التي خلقها الله في أحسن صورة، وتفرنجت واختفت لتعود لتظهر عجوزاً، إلى «ابن الحارة» الذي تحول من متسول إلى ولي مطاع في نظر الناس بفعل صدفة؛ لكنهم سرعان ما انقسموا حوله بعد أن كبرت سلطته، وباتت تتضارب مع سلطات آخرين لا يستطيعون احتماله.
وفي مقدمة مختصرة وشيقة للكاتب محمد شعير، تبدأ بعبارة لنجيب محفوظ، يقول فيها: «أنا ملك التمزيق»، نعرف أن الأديب لم يترك خلفه كثيراً من المسودات التي كان يتخلص منها أولاً بأول؛ لكن زوجته هي التي حرصت على الاحتفاظ بما كان يرتبه وينظمه في فئتين: ما نشر، وما لم ينشر. وهو ما انتقل إلى ابنتيه بعد وفاة الوالدين؛ حيث عملت ابنة محفوظ، أم كلثوم، على تسليم محمد شعير صندوقاً كان بالنسبة له كـ«اكتشاف مقبرة فرعونية»؛ حيث احتوى على مخطوطات، وروايات، ودفاتر ملاحظات، ومراسلات، ومفاجآت لا يخبرنا شعير بمكنونها، وأشياء أخرى. وفي الصندوق أيضاً ملف كتب عليه «تحت التجربة»، يضم نحو 40 قصة، نشرت بين عامي 1993 – 1994، وهي التي نشرت في الصحافة، وصدرت بعد ذلك في كتابين هما «القرار الأخير» و«صدى النسيان»، وتبقى 18 قصة، هي التي صدرت حالياً تحت عنوان «همس النجوم».
لكن من جميل ما فعله شعير، أنه حرص على تضمين نهاية الكتاب، صفحات لمخطوطات غالبية قصص الكتاب بخط نجيب محفوظ. هكذا يتعرف القارئ على النسخة الأصل بيد الأديب، وبخطه الصغير المنمنم، ودقته في التنظيم والترتيب والتحبير. وقليلاً ما نرى صفحات فيها تشطيب أو تعديل، كما حال مخطوطة قصة «همس النجوم». ونكتشف أن نجيب محفوظ كان يكتب اسم القصة في منتصف صفحة بيضاء، وتحته اسمه، ثم ينتقل إلى ورقة جديدة ليبدأ في قص حكايته، منتبهاً جيداً إلى اللحظة التي يجب أن ينهي فيها جملته ويعود إلى أول السطر، حريصاً على وضع علامات الترقيم في مكانها الصحيح من نقاط وفواصل، وعلامات تعجب، وكذلك علامات الاستفهام التي يكتبها، للغرابة مقلوبة، كما تكتب عادة بالإنجليزية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.