الأزمة السورية حولت شبانا «عاديين» إلى صحافيين وقادة كتائب

شبان انخرطوا في الحراك المعادي للنظام
شبان انخرطوا في الحراك المعادي للنظام
TT

الأزمة السورية حولت شبانا «عاديين» إلى صحافيين وقادة كتائب

شبان انخرطوا في الحراك المعادي للنظام
شبان انخرطوا في الحراك المعادي للنظام

لم يغير الصراع في سوريا منذ اندلاعه في 15 مارس (آذار) 2011 الخارطة السياسية للمنطقة فقط، وإنما غير أيضا حياة شبان انخرطوا في الحراك المعادي للنظام رافعين شعارات تطالب بالحرية، فكرسوا إمكاناتهم العلمية والمادية في سبيل إنجاح «ثورة رغبوا فيها في ظل ديكتاتورية نظام فرض عليهم روتينا سياسيا أوضعهم في دائرة ضيقة لا يتعدى الطموح فيها إطار العمل ولو بأجر زهيد من أجل تأمين لقمة العيش»، كما يصف أبو جعفر واقع الشاب السوري قبل تأزم الوضع في سوريا.
لكل شاب وشابة حكاية مع النظام. فنانون ومهندسون وكتاب وأطباء، تطوعوا لتدريب المعارضين على العمل ميدانيا لإسعاف المصابين وتوثيق الوقائع والتعبير عن المعاناة الإنسانية بأسلوب مهني. ومن أبرز الأسماء التي سقطت في سبيل قناعاتها المخرج السوري باسل شحادة الذي استخدم مهاراته الإخراجية بالتعاون مع التنسيقيات السورية للثورة لتصوير انتهاكات نظام الأسد وبثها عبر المواقع الإلكترونية.
هذا الوجه الثقافي لبعض الناشطين المعارضين يقابله وجه آخر لناشطين برزوا واشتهروا منذ بدء الصراع في سوريا. كثير من هؤلاء أميون، لم يتعد مستواهم العلمي الصف الرابع إعدادي على حد قول ناشط بارز يؤكد أن «أكثر من 40 في المائة من المناضلين أميون استخرجوا من سنوات العذاب قوة واجهوا من خلالها ظلم ديكتاتورية لا ترحم».
حسن جزرة، قائد كتيبة «غرباء الشام» الذي أعدمته «دولة الشام والعراق» المولود في الصاخور والمنتمي إلى عشيرة «الكيارة»، حولته الأحداث السورية من بائع بطيخ و«خضرجي» إلى قائد كتيبة مسلحة، حسب قول أحد أصدقائه الناشطين أيضا، كان يبيع الخضار والفاكهة على عربة خشبية مهترئة و ينادي «على السكين البطيخ»، ينتمي إلى عائلة فقيرة، شارك في الحراك السلمي في البدايات عام 2011، ومن ثم شارك في الحراك المسلح ليصبح أحد أبرز المقاتلين في صفوف المعارضة السورية.
أما بدوي عبد الغفار المغربل المعروف بأبو جعفر الحمصي، وهو شاب عشريني أعزب، فقد أصبح ناشطا حقوقيا بارزا وإعلاميا بعد أن كان تاجر إلكترونيات صغيرا يبيع الأدوات المنزلية في دكان متواضع يقع في إحدى زوايا حي باب السباع في حمص. وبلغت عدد مقابلاته التلفزيونية الآلاف. وجد كغيره من السوريين أن «الوقت قد حان لشن انقلاب ديمقراطي على نظام ديكتاتوري»، خدم في صفوف جيشه طوعا في شعبة المخابرات - سرية المداهمات لمدة سنة ونصف السنة، فكان شاهدا على انتهاكات لا إنسانية وتعذيبات أبرزها في سجن فرع فلسطين، حيث إن «الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود»، على حد قوله، وما لبث أن تحول الحراك السلمي إلى حراك مسلح.
من طالب لا يهوى العلم إلى صحافي بارز، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لقد طردت من كل المدارس السورية، فأنا أنتمي إلى عائلة فقيرة وكنت أستبدل بالكتب المدرسية قطعا للبيع كالمفرقعات والعطور فضبطت مرة وصودرت حقيبتي، حينها كنت في الصف السابع ابتدائي، وفي عمر 19 سنة سافرت إلى السعودية بعد أن أقفلت الأبواب في وجهي، حينها كانت الثورة التونسية قد حققت انتصارها ولحقتها الثورة المصرية، فتيقنت وقتها أن الوقت قد حان لثورة سورية، فاشتريت هاتفا وتواصلت من خلاله مع عدد من الأصدقاء أغلبهم استشهد لاحقا، وعدت إلى سوريا وبدأنا المظاهرات وقمنا بتصوير كل تحركاتنا وتوثيقها بالصوت والصورة من أجل المصداقية وكان سلاحنا الأول هو الإنترنت وصفحات (فيس بوك)».
«نريد الحرية والعيش بكرامة».. شعار رفعه أهالي الخالدية وحارة باب السباع والبياضة، حينها استضيف أبو جعفر الناشط في ريف حمص، للمرة الأولى بالصوت فقط عبر قناة «أورينت» وتحدث عن ثورة ستندلع وسماها «ثورة الغضب»، يقول: «إن عبء العمل كصحافي وناشط ثقيل وكبير، أصبحت أعشق الكاميرا، دربت نفسي بنفسي ومن هاتف جوال صغير إلى كاميرات متطورة أصبحت أتقن استخدامها»، ويصف الوضع ساخرا: «الحرب بتعلمك».
استطاع أبو جعفر أن يواجه مخاوف آلاف السوريين من قسوة النظام فقرر أن يتحدث بالصوت والصورة بعد أن كانت المقابلات تجري معه وهو ملثم ليس خوفا من النظام وإنما خوفا من رد فعل والديه اللذين علما بعمله من خلال مقابلة تلفزيونية، حسب قول أبو جعفر الذي يروي الحادثة ضاحكا، ويضيف: «لقد اتهمني وليد المعلم بالكاذب والمنافق لأنني أوثق انتهاكات نظام الأسد بحق أهلي وجيراني في حمص المحاصرة والممنوع عنها السلاح والغذاء وحتى المساعدات الصحية».
ومن حمص إلى حماه حيث يجلس أبو غازي على كرسيه المعتاد أمام شاشة الكومبيوتر ويتابع عن كثب الأحداث ويوثق الاشتباكات. لم يكن يحب العمل الحقوقي ولا السياسي، فهو طالب الهندسة الذي كان يهوى عمل الحواسيب ويمارس عمله في الخارج، عاد إلى سوريا وهو اليوم بات صحافيا، لم يكن يرغب في العمل الميداني إلا أن «الانتهاكات التي مورست بحق المتظاهرين والاعتقالات التعسفية التي طالت شبانا وشابات أبرياء أجبرتهم على الكتابة وتعلم الفنون التحريرية للخبر، فأصبح يشكل مصدرا مهما للأخبار». يقول: «بدأت نشاطي بالمشاركة في المظاهرات ولم أترك تحركا شعبيا إلا وشاركت فيه حتى أصبح اسمي مطلوبا لدى مخابرات النظام فتواريت عن الأنظار لفترة، ومارست عملي عبر شبكات الإنترنت وتعرفت على مجموعة صحافيين عالميين اكتسبت منهم الخبرات العملية، فأصبحت ألعب دور الصحافي البديل، وخصوصا أننا في سوريا وفي ظل ديكتاتورية النظام اعتدنا على روتين صحافي معين وحريات مقموعة، أما اليوم فأصبحت عدسة الكاميرا عين المواطن». وعن الصعوبات التي واجهها أبو غازي يقول: «إن خوف السوري من النظام وطائراته الحربية دفعه إلى الصمت والتستر على المجازر التي تطال عائلته، وطبعا خوفه أيضا من أن يشن النظام غارات جوية على الحي الذي يقطنه في حال تحدث إلى الإعلام، الأمر الذي يعوق عمل الصحافي ميدانيا، بالإضافة إلى قلة الثقة الموجودة لدى بعض الأفراد الذين يعتقدون أنك تستغل حالاتهم الإنسانية وتصورهم لتبيع التقارير لوكالات عالمية مقابل مبالغ ضخمة».
لم يحلم أبو غازي يوما بالكاميرا ولا بالكتابة، ولكن «مشاهد القتل والدم والظلم التي عايشها مكان وجوده في منطقة حماه دفعته إلى خوض معركة وجاهية مع نظام لا يرأف بأبناء شعبه». وهو يرى أن الوقت قد حان لكي يكسر السوريون حاجز الخوف وجدار الصمت الذي استمر طيلة 40 سنة، ويختم قائلا: «ثلاث سنوات والعمل مستمر حتى إسقاط النظام من دون ملل و(يلي إيدو بالمي (يده بالماء) مش مثل يلي إيدو بالنار)».



خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.