البابا تواضروس: لقاءات محمد بن سلمان مفيدة للأمة... وزيارتي للرياض قريباً

قال إنه يتذكر بإعجاب رسالة بعث بها إليه نيل آرمسترونغ بعد عودته من القمر

البابا تواضروس (غيتي)
البابا تواضروس (غيتي)
TT

البابا تواضروس: لقاءات محمد بن سلمان مفيدة للأمة... وزيارتي للرياض قريباً

البابا تواضروس (غيتي)
البابا تواضروس (غيتي)

في عام 1969 لفت خبر هبوط الإنسان لأول مرة على سطح القمر، شابا مصرياً كان يبلغ من العمر 16 عاما، ويدعى وجيه صبحي باقي سليمان. فكتب وجيه رسالة إلى رائد الفضاء الأميركي نيل أرمسترونغ وطلب منه توقيعه.
بالطبع، لم يتوقع الشاب المصري أبدا أن يلبي أرمسترونغ طلبه، ومع ذلك كان لديه أمل في أن يرد عليه رائد الفضاء الأميركي الراحل. بعد بضعة أسابيع، وصل ظرف يحتوي على صورة الهبوط على سطح القمر، ملوّنة وموقّعة. بالنسبة لمراهق في منطقة نائية في بلدٍ نامٍ مثل مصر، ما حصل كان معجزة.
اليوم، ينتشر كثير من الشيب في شعر وجيه وهو يتحدث كثيرا عن «معجزات» لكنها من نوع آخر. نادرا ما يشار إليه الآن باسم ميلاده، فهو الآن بالنسبة لما يزيد على 100 مليون مصري وإلى العالم أجمع، بات يعرف بـ«قداسة البابا تواضروس الثاني»، البابا الثامن عشر بعد المائة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الإسكندرية.
وفي مقره الكائن في كاتدرائية القديس مرقس القبطية الأرثوذكسية في منطقة العباسية في القاهرة، جرت هذه المقابلة لصحيفة «عرب نيوز» (تنشرها «الشرق الأوسط» بالتزامن).
يقول الأنبا تواضرس، إنه لا يزال مغرما بتلك التجربة، بعدما يقارب الخمسين عاما على تلقيه تلك الرسالة، من أرمسترونغ، رغم أسفه الشديد، على ضياع الصورة منه. وبصوت ضعيف وابتسامة لطيفة، يتذكر، كيف حصل على عنوان، رائد الفضاء الراحل، من برنامج إذاعي كان يشجع أصدقاء المراسلة على الكتابة إليه عبر راديو (صوت أميركا).
«بعثت له برسالة أخبرته فيها بأنني أتمنى أن أرى صورة ملوّنة له على القمر، لأن الصحف كانت تنشر صوره بالأبيض والأسود... لقد فوجئت عندما تلقيت ظرفًا (بعد أسابيع)... صورة ملونة جميلة له على القمر مع توقيعه عليها».
ويتذكر قائلا: «كان يشدني اسمه (نيل) (مثل نهر النيل). في الغرب، اعتادوا على تسمية نيل. ولكن هنا في مصر، لا أحد يسمي ابنه (نيل، على الرغم من أنه اسم جميل»، مفترضاً أن الراحل أرمسترونغ سمي على اسم النهر المصري الشهير.
تواضروس اليوم، الزعيم الروحي لنحو 15 مليون قبطي في مصر، بالإضافة إلى مليونين آخرين في الخارج. (وفقًا لسجل الكنيسة، مع التنويه بعدم وجود رقم رسمي من الدولة). يعتنق الأقباط المسيحية التي بشرهم بها القديس مرقس في القرن الأول الميلادي. ومثل معظم المسيحيين - والأقليات - في المنطقة، عاش الأقباط فترات مختلفة من الاضطهاد.
تولى تواضروس الثاني منصب البابا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012. وقد جاء اختياره، الذي يستغرق حسب الطقوس القبطية أشهرا ويعتمد في النهاية على الصدفة، في وقتٍ عسيرٍ للأقباط المصريين والبلد بشكل عام. فجاء اختياره في نوفمبر 2012 بعد فترة وجيزة من انهيار نظام مبارك وبالتزامن مع فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين التي لم تدم طويلاً ومع ظهور «داعش».
ومع ذلك، لم تقتصر المعاناة في السنوات القليلة الماضية على الأقباط وحسب، بل شملت أيضا المسيحيين في جميع أنحاء المنطقة بشكلٍ عامٍ. في الواقع، لقد كان الوضع ينذر بالخطر لدرجة أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعا خلال مؤتمر حوارات البحر الأبيض المتوسط الأخير في روما، إلى بذل جهد لحماية المسيحيين في الشرق الأوسط. يتفق البابا تواضروس على أن الوضع ينذر بالخطر، ويحذر من أن «إفراغ الشرق الأوسط من المسيحيين يشكل خطرا كبيرا على الاستقرار والسلام».
ويقول البابا تواضروس إن «المسيحية متجذرة في الشرق الأوسط»، مضيفاً أنه «عندما تم تأسيس بلداننا، كان المسيحيون والمسلمون هناك، وكذلك اليهود في التاريخ القديم». ويصف ما حدث في سوريا والعراق (مع ظهور «داعش») بأنه «مؤلم للغاية»، ويعترف بأن المسيحيين (الذين اضطروا إلى الفرار وطلب اللجوء في الخارج) كانوا الأكثر تضرراً في هذين البلدين.
لكن مخاوف البابا تواضروس تتجاوز وضع المسيحيين، فهو يعتبر أن «إضعاف الدول العربية» يعني «إضعاف العرب كلهم... المسيحيين والمسلمين على حد سواء».
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بموطنه مصر، يبدو البابا تواضروس أكثر تفاؤلاً بقليل. «إذا قرأت التاريخ، فستجد أن اللبنانيين بدأوا يهاجرون منذ ثلاثة قرون. ومع ذلك، فإن المسيحيين في مصر بدأوا بالهجرة منذ خمسين سنة فقط، وكان ذلك بسبب الظروف التي كانت قائمة في ذلك الوقت... وعندما حكم الإخوان المسلمون مصر (2012 - 2013)، خشي المسيحيون على حياتهم وهربوا من البلد. وعندما استعاد البلد استقراره، عاد كثير منهم إلى مصر. وقد انخفضت معدلات الهجرة المسيحية بشكل ملحوظ».
مع ذلك، وعلى الرغم من تطمينات البابا، يشعر كثير من الأقباط بالقلق على نحو متزايد. ما يغذي هذا الإحساس هو تزايد الهجمات التي استهدفتهم واستهدفت أماكن عبادتهم. في الواقع، تم تسليط الضوء على مصر، على وجه التحديد، كدولة مثيرة للقلق في تقرير صدر في وقت سابق من هذا العام من قبل مؤسسة «الأبواب المفتوحة» الخيرية ومقرها بريطانيا، وهي مكرّسة لخدمة المسيحيين المضطهدين في جميع أنحاء العالم.
ويعترف البابا تواضروس بأن هذه الهجمات مؤلمة، لكنه يؤكد أنه يجب أن ندرك أن هدفهم ليس الأقباط أنفسهم أو كنائسهم، بل «الوحدة المصرية».
«لكي نكون منصفين، استهدفت هذه الهجمات أيضا القوات المسلحة والشرطة وإخواننا وأخواتنا في المساجد. قبل عام، كان أحد المساجد في منطقة العريش (في شمال سيناء) هدفاً لهجوم إرهابي حيث مات كثير من المصريين».
ومع ذلك، شهد الأقباط هجوما ذا طبيعة غير مسبوقة في الأشهر الأخيرة. ففي وقت سابق من هذا العام، تم العثور على أسقف ميت وقد سحقت جمجمته في صومعته في دير الأنبا مكاريوس (شمال غربي القاهرة). كان المهاجمون المتهمون من تلاميذه، وهم ينتظرون محاكمتهم حالياً ويبدو أن الجريمة موجهة ضدّ خط الإصلاح والانفتاح الذي ينتهجه البابا تواضروس.
ينفي الباب تواضروس وجود انشقاق داخل الكنيسة، ويقول إنها كانت قضية حدثت لمرة واحدة، مضيفاً أن الحياة تمضي كالمعتاد في جميع الأديرة... «هذا قد يحدث في كل زمان ومكان. فحتى بين تلاميذ المسيح، كان هناك تلميذ يدعى يهوذا باع روحه إلى الشر. وتحقق السلطات الآن في هذه الجريمة ونحن في انتظار النتائج».

- الشؤون الإقليمية
في البداية، يقاوم البابا تواضروس محاولات جعله يكشف عن آرائه السياسية... «يجب ألا يتدخل الدين في السياسة»... ومع ذلك، قلنا له في محاولة لإقناعه بأننا نعيش في الشرق الأوسط وحتى لو لم يكن الدين يريد التدخل في السياسة، فإن السياسة ستتداخل مع الدين. عند ذلك رد وهو يتنهد «إن سبب الأزمات في العالم هو هذا التدخل».
قبل عام، ألغى اجتماعا مع نائب الرئيس الأميركي مايك بينس احتجاجا على قرار واشنطن نقل سفارتها إلى القدس. وفي بيان لها، قالت الكنيسة إن القرار (أي نقل السفارة) لم يأخذ بعين الاعتبار مشاعر ملايين العرب.
يرى البابا تواضروس أن فلسطين «دولة محتلة». وقال إنه يأمل في أن تسود «روح التفاهم بين الطرفين (الإسرائيليين والفلسطينيين) للوصول إلى حل نهائي وأن تكون القدس عاصمة لكلتا الدولتين وأن يسود السلام في المنطقة».
وتتجه الأنظار الآن إلى الزيارة المرتقبة التي تعهد بابا الأقباط القيام بها إلى السعودية.
ففي وقت سابق من هذا العام، تلقى البابا تواضروس دعوة لزيارة المملكة بعد اجتماع مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال زيارة رسمية له إلى مصر.
«كانت زيارة جيدة ومفاجئة... وجدنا فيه شخصا منفتح الذهن لديه رؤية حديثة للحياة، وهذا يسعدنا كثيرا. أنا شخصيا أتابع كل التطورات الإيجابية التي حدثت بتوجيهات من الملك سلمان وولي عهده وجميع المسؤولين السعوديين، خاصة أن السعودية هي الركيزة الأساسية للعالم العربي والإسلامي وعلى المستوى الدولي أيضا».
يقول البابا تواضروس إن ولي العهد عقد لقاءات معه ومع رئيس أساقفة كانتربري ومع عدد من الشخصيات الدينية الأخرى داخل المملكة وخارجها... «إن الاجتماعات التي يعقدها ولي العهد والمسؤولون السعوديون على جميع المستويات، سواء كانت دينية أو سياسية أو ثقافية، مفيدة جداً للأمة والمملكة وتساهم في التنمية البشرية. ونحن نحيي ونقدر هذه الجهود التي تحمل كثيرا من الأمل لأشقائنا في السعودية».
أما عن زيارته المرتقبة إلى المملكة.... فإن البابا تواضروس الثاني يؤكد أنها ستتم... ولكن ليس لديه وقت محدد. «ستتم عندما يشاء الله».



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».