دبلوماسية «معابر السلام» بين الهند وباكستان

خطوات متبادلة بين الجارتين النوويتين تعد الأولى لتخفيف حدة التوترات

طابور من السيخ العائدين إلى الهند بعد ممارسة طقوس في باكستان (أ.ف.ب)
طابور من السيخ العائدين إلى الهند بعد ممارسة طقوس في باكستان (أ.ف.ب)
TT

دبلوماسية «معابر السلام» بين الهند وباكستان

طابور من السيخ العائدين إلى الهند بعد ممارسة طقوس في باكستان (أ.ف.ب)
طابور من السيخ العائدين إلى الهند بعد ممارسة طقوس في باكستان (أ.ف.ب)

يعد افتتاح المعبر الذي يتيح للزوار السيخ الوصول إلى ضريح «کرتاربور صاحب» بإقليم البنجاب شرقي باكستان، انتصارا للسلام، رغم الاشتباكات الحدودية الدموية التي تقع بصورة متكررة بين الجارتين النوويتين. وشارك رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) في مراسم وضع حجر أساس المعبر الذي يصل بين جانبي منطقة البنجاب، موطن السيخية، والتي انقسمت بين البلدين بعد استقلالهما عن بريطانيا عام 1947. وكان نائب الرئيس الهندي فينكاياه نايدو وضع حجر أساس المشروع على الجانب الآخر من الحدود. وقد أمضى مؤسس ديانة السيخ جورو نانك آخر 18 عاما من حياته وتوفي في منطقة كارتاربور صاحب، التي تقع الآن في باكستان.
وقال رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إن حزبه والجيش الذي يتمتع بالنفوذ في البلاد يريدان إصلاح العلاقات مع الهند الخصم اللدود لباكستان، فيما يبدو أنها محاولة أخرى لتحسين العلاقات المتدهورة بين البلدين. وأضاف خان، في كلمة خلال افتتاح معبر حدودي جديد مع الهند في إقليم البنجاب «أنا، رئيس الوزراء، وحزبي السياسي وباقي أحزابنا السياسية وجيشنا وجميع مؤسساتنا متفقون. نريد المضي قدما». وقال مخاطبا الهند «إذا اتخذت الهند خطوة واحدة إلى الأمام سنتخذ خطوتين إلى الأمام نحو الصداقة».
افتتاح هذا الممر الحدودي جاء في الوقت الذي تراجعت فيه العلاقات الهندية الباكستانية إلى مستويات متدنية تم فيها تأجيل كافة الاتصالات الثنائية بين الجانبين في أعقاب تنفيذ عدد من الهجمات الإرهابية من قبل مجموعات إرهابية تتخذ من باكستان مقرا لها منذ عام 2016.
وقالت المعلقة الهندية سوهاسيني حيدر «لن يكون الأمر مجرد إعادة افتتاح لطريق مغلق منذ الانفصال، بل سوف يكون بمثابة بداية جديدة لشكل غير مسبوق من أشكال الدبلوماسية بين البلدين. وهي مناسبة فريدة من نوعها لحدوثها في وقت ينعدم فيه الحوار والاتصال تقريبا بين نيودلهي وإسلام آباد».
وقالت سواراج بأنه لا ينبغي التطلع إلى ما هو أبعد من القيم الدينية بشأن إعادة افتتاح الممر الحدودي، وأضافت أن المباحثات الثنائية بين البلدين سوف تغطي هذه المسألة فحسب وأشارت إلى أن المحادثات والإرهاب لا يتوازيان جنبا إلى جنب أبدا.

الأهمية السياسية
ولقد قارن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هذا المشروع بسقوط جدار برلين الأوروبي الذي كان يقسم ألمانيا إلى شطرين غربي وشرقي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكانت حماسة مودي لذلك المشروع من قبيل المفاجأة للجميع. ففي أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، كان قد ألغى اجتماعا مع نظيره الباكستاني في أعقاب مصرع ثلاثة من رجال الشرطة الهنود في إقليم جامو وكشمير، في حادثة قالت وزارة الخارجية الهندية بأنها تمت بتنسيق مباشر من قبل الكيانات التي تتخذ من باكستان مقرا لها.

مودي يدخل في مغامرة بشأن ممر كارتاربور
قد لا يكون من السهل على مودي أن يتابع مثل هذه الأجندة المؤيدة للسلام مع باكستان على اعتبار العلاقات المتوترة للغاية فعليا بين البلدين. في حين أنه لدى أنصار السلام من الجانبين أسباب حقيقية تدعوهم للأمل. ولقد قطع رئيس الوزراء الهندي الأسبق إيتال بيهار فاجبايي الطريق برا في رحلة تاريخية إلى مدينة لاهور الباكستانية عبر معبر واغاه الحدودي باحثا بذلك عن السلام بين الجانبين. وتولى مودي مسؤولية الحكومة الاتحادية الهندية في عام 2014. وفي سابقة لم تتكرر من قبل، دعا رؤساء الدول المجاورة لأن يكونوا حاضرين في مراسم الافتتاح. وكانت إشارة واضحة بأن مودي، ورغم الانتكاسات السابقة، على استعداد التوصل إلى هدنة دائمة مع الجارة اللدودة. ووفقا إلى راجا موهان، المحرر المشارك في صحيفة «إنديان اكسبريس» الذي قال «قد يعتقد مودي أنه لا يملك إلا القليل ليخسره من خلال المحاولة مرة أخرى مع باكستان. وأن الهند قوية بدرجة تكفي لخوض بعض المخاطر السياسية مع باكستان. وإن تمخضت خطوة ممر كارتاربور عن نتائج مُرضية، فربما تُفسح المجال لتوسيع رقعة الدبلوماسية الدينية حتى تشمل أماكن أخرى مقدسة وتنقل الزخم الناشئ عن ذلك إلى مجالات أخرى بين الجانبين. وحتى الآن برغم كل شيء، لا يسعنا سوى الانتظار».

إجبار باكستان
بدأت الخيارات المتاحة أمام باكستان في التضاؤل السريع إثر دخولها غير المسبوق إلى زاوية المواجهة مع البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترمب. ويقول المحلل الهندي شانكر كومار «أمام القيادة السياسية الجديدة في باكستان تحت ولاية رئيس الوزراء الجديد عمران خان الكثير من التحديات لإثبات موقفها على المسرح العالمي. ولا سيما بعد إلغاء الهند للمحادثات الثنائية على مستوى وزراء خارجية البلدين في سبتمبر (أيلول) الماضي، تأمل باكستان في أن تجلب لها خطوتها الأولى في معبر كارتاربور بعضا من نقاط الزخم على الصعيد الدولي».
فهل يمكن لهذه الخطوة أن تسفر عن إذابة الجليد الراهن في العلاقات الهندية الباكستانية، أو سوف تتحول في خاتمة المطاف إلى محاولة لاستعراض العضلات محليا من جانب القادة في كلا البلدين؟
يقول كومار مضيفا «هناك على الجانبين ساسة وزعماء آخرون لديهم دوائر انتخابية كثيرة يسعون لاسترضائها، والحكومة الجديدة في باكستان متلهفة إلى البعث برسائل جديدة إلى المجتمع الدولي، وبالتالي تكون معتقدات آلاف الحجاج الهنود، وغير ذلك من المخاوف الأمنية الرئيسية، على المحك المحفوف بالمخاطر».

المخاوف الأمنية
واجه الممر الحدودي كذلك بعض المعارضة من جانب الجيش الهندي، الذي صرح في أكثر من مناسبة في أغسطس (آب) الماضي أن هناك الكثير من المخاوف يلزم اعتبارها بشأن الممر المقترح.
وهناك مخاوف من أن يُستخدم الممر الحدودي من قبل باكستان في الترويج لأجندة الحركات الانفصالية الهندية لأن الممر سوف يؤدي إلى وصول البنية التحتية الباكستانية إلى الحدود الهندية مباشرة.
ومن المعروف سلفا استغلال باكستان للأضرحة السيخية في أراضيها لاستثارة المتعاطفين مع والمطالبين بانفصال أراضي طائفة السيخ، أي حركة خاليستان السيخية الانفصالية. ولقد شوهدت رايات تلك الحركة ترفرف على الأضرحة السيخية في باكستان مؤخرا، ويستخدمها الانفصاليون السيخ في نشر وترويج الدعاية المناهضة للحكومة الهندية.
وقال الدبلوماسي الهندي المتقاعد كانوال سيبال «كانت باكستان متعاطفة ومتواطئة مع حركة خاليستان السيخية الانفصالية منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. وإن لم تكن قد تجاوزت حدودا معينة فذلك يرجع إلى علم إسلام آباد باحتمالات الرد الانتقامي الهندي في إقليم بلوشستان الباكستاني. وتعتقد باكستان في استغلال خطوط الصدع السياسية والدينية مع الهند بغية إضعافها من الداخل. غير أن باكستان تعاني هي الأخرى من مثل خطوط الصدع الداخلية أيضا، على صعيد الأقاليم، وعلى الصعيد العرقي، والطائفي. الأمر الذي يمكن للهند استغلاله بدورها إن شاءت».
وفي واقع الأمر، وحتى الآن، في الوقت الذي يشهد الترحيب بالجهود الثنائية لتعزيز التواصل بين الجنبين، لا يأخذ المحللون السياسيون في الهند خطوة إسلام آباد إلا على محملها الاسمي فقط.
يقول الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية الهندي فيكرام سوود «لا يمكن للهند التخلي عن حذرها لمجرد صدور إشارة حسن نوايا من جانب باكستان. ويتعين على أجهزة الأمن الهندية أن تراقب عن كثب حشود الجماهير التي تتحرك عبر الممر الحدودي للحيلولة دون وقوع أعمال التسلل الإرهابية. كما يجب عليهم اليقظة والانتباه من أن الكيانات الإرهابية التي تتخذ من باكستان مقرا لها لن تستغل الفرصة السانحة في نشر التطرف الديني بين الحجاج من طائفة السيخ حال تواجدهم في باكستان. والأمر المثيرة للحيرة هنا هو الإعلان المفاجئ وتوقيت افتتاح الممر الحدودي من جانب إسلام آباد، حيث إنه يتعارض مع السياسة الحكومية المعلنة إزاء إسلام آباد».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».