الرئيس ماكرون يلزم الصمت والحكومة لم تعثر بعد على «مخرج» للأزمة

اجتماع استثنائي في الإليزيه مساءً وانقسامات في صفوف «السترات الصفراء»

أصحاب سيارات الإسعاف وسائقوها أقفلوا صباح أمس ساحة الكونكورد الشهيرة أسفل الشانزليزيه احتجاجاً على مشروع إعادة تنظيم مهنتهم (إ.ب.أ)
أصحاب سيارات الإسعاف وسائقوها أقفلوا صباح أمس ساحة الكونكورد الشهيرة أسفل الشانزليزيه احتجاجاً على مشروع إعادة تنظيم مهنتهم (إ.ب.أ)
TT

الرئيس ماكرون يلزم الصمت والحكومة لم تعثر بعد على «مخرج» للأزمة

أصحاب سيارات الإسعاف وسائقوها أقفلوا صباح أمس ساحة الكونكورد الشهيرة أسفل الشانزليزيه احتجاجاً على مشروع إعادة تنظيم مهنتهم (إ.ب.أ)
أصحاب سيارات الإسعاف وسائقوها أقفلوا صباح أمس ساحة الكونكورد الشهيرة أسفل الشانزليزيه احتجاجاً على مشروع إعادة تنظيم مهنتهم (إ.ب.أ)

الأرقام وحدها تتحدث عن عنف «السبت الأسود» الأخير الذي عاشته باريس والعديد من المدن الفرنسية في إطار الحركة الاحتجاجية التي أطلقها «السترات الصفراء» في 17 الشهر الماضي، وتنذر بأن تتطور وتمتد في غياب دلائل تؤشر إلى وجود كوّة في الحائط المسدود الذي وصل إليه الجميع، حكومةً ومعارضةً ومحتجين.
فيوم السبت وحده ألقت القوى الأمنية القبض على 630 شخصاً بينهم 412 في باريس وحدها. وأوقع العنف، الذي لم تعرفه باريس منذ عقود، 263 جريحاً نصفهم في العاصمة. ولم يوفر العنف القوى الأمنية التي أصيب منها 81 فرداً، فيما السيارات المحروقة في باريس زاد عددها على المائة.
ونشطت المحاكم، منذ صباح أمس (الإثنين)، في العاصمة والمناطق، لإنزال القصاص بالذين دمّروا ونهبوا وأحرقوا واستهدفوا القوى الأمنية.
وطالبت وزيرة العدل وقبلها الرئيس إيمانويل ماكرون بـ«التشدد» في معاقبة «المشاغبين» أكانوا من اليمين أو اليسار المتطرف أم من الذين لجأوا إلى العنف بفعل انسداد أبواب الحوار مع الدولة. وتوازى عمل المحاكم الذي يشكل «الرد القانوني» على أعمال الشغب مع «الرد الأمني» الذي تسعى وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس إلى بلورته بعد بروز «الثغرات الفاضحة» يوم السبت الماضي. وكلف ماكرون وزير الداخلية كريستوف كاستانير، بالتعاون مع الأجهزة الأمنية ببلورة خطط أكثر نجاعة في التعامل مع المحتجين والمشاغبين الذين قدّر كاستانير عددهم بما يتراوح بين 2000 و3000 شخص. ورأى خبراء أمنيون أن الرقم «مبالَغ» فيه، وربما قصد الوزير تبرير عجز خططه السابقة عن احتواء ومواجهة أعمال العنف بجميع أشكالها.
وأمس، ورغم العمل المتواصل الذي تقوم به دوائر بلدية باريس لمحو «آثار العدوان»، فإنها لا تزال بادية على واجهات المحلات والمطاعم والمقاهي التي هُشم الكثير من زجاجها وحُطمت كراسيّها وطاولاتها. وقدرت بلدية باريس الخسائر بين 3 و4 ملايين يورو ليوم السبت وحده، بينما قدر سائقو الشاحنات خسائرهم بنحو 400 مليون يورو بسبب قطع الطرقات وإعاقة السير منذ انطلاق الحركة.
إزاء هذا الوضع الذي يزداد تفجراً يوماً بعد يوم، وبحثاً عن مخرج سياسي، طلب رئيس الجمهورية من إدوار فيليب رئيس الحكومة، أن يلتقي رؤساء الأحزاب الممثَّلة في البرلمان وممثلين عن «السترات الصفراء». وهذا ما فعله الأخير بدءاً من الثامنة صباح أمس. وما تم استبعاده على مستوى الرئاسة والحكومة أمران: الأول، حل المجلس النيابي، وهو ما طالب به جان لوك ميلونشون، رئيس حركة «فرنسا المتمردة» اليسارية المتشددة، ومارين لو بن، رئيسة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف. والثاني، إعادة فرض حالة الطوارئ التي أشار إليها وزير الداخلية، أول من أمس.
إلا أن القصر الرئاسي ووزيرة العدل بيلوبيه رفضا السير بها، لما يمكن أن تحمله من رسائل «سلبية» لجهة فقدان السلطات السيطرة على الوضع والخوف من التطورات والحاجة إلى إنزال الجيش. وتجدر الإشارة إلى أن حالة الطوارئ رُفعت في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعد أن عُمل بها طيلة ثلاث سنوات. يضاف إلى ذلك أن الكثير مما تجيزه حالة الطوارئ أُدخل العام الماضي في إطار قانون حول المحافظة على الأمن مثل فرض الإقامة الجبرية أو منع التظاهر في أماكن محددة.
حتى اليوم، يبدو بوضوح أنه لا أحد يملك «الصيغة» التي من شأنها تبريد الأجواء. لكن ثمة قناعة لدى كل الأطراف، باستثناء الحكومة حتى الآن، أن الحد الأدنى الذي يمكن أن تقوم به السلطات لهذا الغرض هو «تجميد» زيادات الرسوم على الوقود والمحروقات المفترض أن تحل في الأول من العام القادم.
وقال رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، الذي ينتمي إلى اليمين المعتدل، إن على الحكومة أن تفتح عينيها وتبدأ بهذا التدبير إذا أرادت تلافي التصعيد الذي ينتظرها السبت القادم. أما الأمر الثاني المتفق عليه فهو حاجة الرئيس ماكرون والحكومة إلى تغيير «منهجه» في الحكم والكفّ عن فلسفة «ممارسة السلطة عمودياً»، أي أن تُتخذ القرارات من أعلى وما على الحكومة والبرلمان والأكثرية الطيعة إلا أن تسير بها من غير اعتراض، وهو ما ظهر في الأشهر الـ18 المنصرمة من عهد ماكرون. وفي الأيام الأخيرة برزت «تشققات» داخل الحزب الحاكم، وأخذت تُسمع أصوات تنتقد «أسلوب» الرئيس في الحكم وسياسة «الإنكار» التي تتبعها الحكومة.
حتى ليل أمس، لم يتوجه الرئيس الفرنسي بالحديث إلى مواطنيه. وأثار صمته حفيظة الكثيرين الذين يرون أن عليه أن يبين للرأي العام مباشرةً وليس عبر الواسطة أو من خلال رئيس الحكومة، ما ينوي القيام به لإخراج باريس من أسوأ أزمة يمر بها عهد ماكرون، ومن أعمال عنف تذكِّر الفرنسيين بما عرفته العاصمة في ربيع عام 1968 أو ما عُرف بـ«ثورة الطلاب».
لا أحد من داخل الطبقة السياسية يجهل صعوبة التفاوض اليوم مع الحركة الاحتجاجية التي لا تمتلك بنية تنظيمية كالنقابات أو الأحزاب، الأمر الذي يسهّل اندساس المشاغبين في صفوفها. ومنذ أن كلفه رئيس الجمهورية، يسعى إدوار فيليب لإيجاد محاورين من «السترات الصفراء» ووجد ضالته في مجموعة منهم حرّرت بياناً نشرته صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» يوم الأحد الماضي، وكان من المقرر أن يلتقي رئيس الحكومة عشرة منهم، اليوم (الثلاثاء). وكشف أعضاء في المجموعة المذكورة أنهم يتعرضون لضغوط، لا بل لتهديدات لمنعهم من الاستجابة لدعوة رئيس الحكومة، الأمر الذي يشي بوجود انقسامات بين أجنحة الحركة الاحتجاجية. وثمة اتهامات توجَّه إلى اليسار المتطرف الذي يظن أن يدفع «السترات الصفراء» إلى التشدد والراديكالية بينما أجنحة أخرى تريد الخروج من المأزق عبر الحوار مع الحكومة. أما البعض الآخر فإنه يفرض شرط تراجع الحكومة عن زيادات الرسوم أولاً قبل البدء بالمفاوضات. ومساء أمس أُعلن أن الوفد لن يلتقي رئيس الحكومة لأسباب «أمنية». وحتى تكتمل الصورة تتعين الإشارة إلى أن آلافاً من التلاميذ والطلاب مضربون ونجحوا في إغلاق المئات من المدارس احتجاجاً على قانون جديد ينظم الدراسات الجامعية ويزيد الرسوم على الطلاب من غير بلدان الاتحاد الأوروبي. كذلك فإن أصحاب وسائقي سيارات الإسعاف أقفلوا صباح أمس، ساحة الكونكورد الشهيرة الواقعة أسفل الشانزليزيه، احتجاجاً أيضاً على مشروع إعادة تنظيم مهنتهم. وبدأ بعض المناطق الفرنسية تشكو من فقدان المحروقات بسبب محاصرة مستودعات المشتقات النفطية ومنع الوصول إليها.
في ظل هذه التحركات، ترنو الأنظار إلى ما يمكن أن يعلن عنه رئيس الحكومة في البرلمان هذا الأسبوع. ومساء أمس، عُقد اجتماع استثنائي في الإليزيه برئاسة ماكرون وحضور فيليب ووزراء الداخلية والاقتصاد والمالية، وسبق الاجتماع مثول رئيس الحكومة أمام البرلمان بمجلسيه «النواب والشيوخ». وكان القصر الحكومي قد أصدر بياناً أشار إلى «إجراءات» سيعلن عنها فيليب والتي سيكون لها تأثير كبير على مستقبل الحركة الاحتجاجية.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».