جدل يمني في ذكرى انتفاضة صالح ضد الميليشيات الحوثية

جدل يمني في ذكرى انتفاضة صالح ضد الميليشيات الحوثية
TT

جدل يمني في ذكرى انتفاضة صالح ضد الميليشيات الحوثية

جدل يمني في ذكرى انتفاضة صالح ضد الميليشيات الحوثية

أعاد مضي عام على انتفاضة الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح في وجه حلفائه الحوثيين وانتهائها بمقتله، الجدل في الأوساط اليمنية حول مدى تأثير تلك الانتفاضة في كسر شوكة الميليشيات الحوثية والتأسيس لمرحلة تالية من مراحل المواجهة مع الجماعة الموالية لإيران عبر تعضيد الصف الوطني بأتباع صالح، وفي مقدمهم آلاف المقاتلين الذين باتوا اليوم بقيادة نجل شقيقه طارق صالح على مرمى حجر من ميناء الحديدة.
واعتبر محللون أن أهداف الانتفاضة لم تكتمل، رغم أنها كشفت الحوثيين. وفي المقابل يرى كثير من خصوم صالح أنه أدخل اليمن في ورطة كبيرة لا تزال تداعياتها مستمرة إلى اليوم لجهة تحالفه مع الميليشيات الحوثية في مواجهة الشرعية وتمكين الجماعة - ولو عبر غض الطرف - من التغلغل في مفاصل المؤسسات والسيطرة على المعسكرات والأسلحة، بينما يرى المتشيعون له أنه استطاع التكفير عن كل ذلك بالانتفاض ضد الجماعة حتى سقوطه قتيلا داخل منزله بعد أن خانه كثير من قادة حزبه وشيوخ القبائل الذين كان يراهن عليهم لنجدته.
ومن زاوية أخرى، يعتقد كثير من المراقبين للشأن اليمني أن مقتل صالح بقدر ما تسبب في شرخ التحالف بين حزبه وبين الجماعة الانقلابية وساعد في تقوية جبهة الشرعية والتحالف الداعم لها، فإنه في المقابل أتاح للميليشيات السيطرة المطلقة على كل مفاصل الحكم في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لها، كما أتاح لها إطلاق يدها في «حوثنة» المجتمع ومحاولة السطو على إرث صالح السياسي والعسكري والحزبي.
وفي هذا السياق، يرى وكيل وزارة الإعلام اليمنية نجيب غلاب ورئيس مركز الجزيرة للدراسات في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن انتفاضة صالح في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) «نقلة فارقة في الصراع، إذ تمكن صالح من تفجير التحالف الحوثي مع المؤتمر، ورغم أن تركيبة القوة أصبحت في الظاهر في كفة الحوثيين فإن مآلات الانتفاضة - على حد قوله - وضعت الحوثية أمام مخاطر لا يمكن تجاوزها مستقبلاً». وفي اعتقاد غلاب، أن الانتفاضة شكلت أهم «متحول جذري في مواجهة الحوثية لأنها انطلقت من أعماق سيطرتها وكسرت سياسات الاحتواء التي اتبعتها لتمرير مشروعها ووضعت أمامها موجات الغضب الشعبي في مناطق سيطرتها، وأرسلت رسالة واضحة لكل المواطنين بأن الحوثية هي العدوان وأنها استعمار داخلي ملعون».
ولم تهتم انتفاضة صالح - كما يقول غلاب - بالتضحيات، إذ «قدمت شهداء في مقدمتهم الرئيس صالح وأمين حزب المؤتمر عارف الزوكا، وكانت الرسالة أيضا واضحة، فقائدها قدّم ماله ونفسه وأهله من أجل أهدافها ولم يتوارَ، وقال للشعب بوضوح إنه القدوة فلا تخافوا من شيء وكل شيء بقضاء وقدر».
وبحسب تقدير الباحث السياسي غلاب، «فإن اليمنيين اليوم باتوا أكثر تحفزاً ورغبة، والمقاومة تتنامى يومياً في مناطق سيطرة الحوثي وبتلقائية ترعب الحوثية». ويضيف بالقول: «بعد الثاني من ديسمبر وجدنا إنجازات مهمة على مستوى الميدان، فقد تشكلت قوى جديدة. منها مَن التحق في جبهات الشرعية في مأرب وغيرها، ومنها من شكّل جبهة مستقلة ملتزمة بالشرعية في الساحل الغربي، وما أنجز هناك شكّل تحولاً استراتيجياً».
ويرى غلاب أن «جبهة الانقسام تفجرت من داخلها وأصبح الحوثي وحيداً أمام أطراف الحركة الوطنية كما أن الفشل الحوثي بات يتراكم يومياً بعد أن خسر أهم حليف»، مشيراً إلى أن الإعلام الذي تشكّل من رحم هذه الانتفاضة «أصبح نقطة ارتكاز احتراق مناطق سيطرة الحوثية وقوة غاضبة لا تلين ولا تهجع في مواجهة الحوثية»
وأهم التحولات - من وجهة نظر غلاب - هي «أن الكتلة الشعبية التي كانت موالية لصالح أصبحت بركاناً من غضب ينتظر الانفجار، وسيكون عاصفة من جحيم في مطاردة الحوثية، إذ إن المسألة مسألة وقت». ويضيف: «ومن يتابع مناطق سيطرة الحوثية فسيجد أن المقاومة لم تعد مرتبطة بنخبة، وإنما هي حراك تلقائي متحد لقهر الحوثية وقمعها ويواجه بصرامة». وعلى رغم أن هذه المقاومة غير منظمة - كما يؤكد غلاب - فإن هذا برأيه هو مصدر قوتها الذي ترى فيه الحوثية أخطر ما يهدد وجودها، كون المتحركين في مواجهتها أناساً عاديين تخلقوا من روح المعاناة، لديهم قناعة بأهمية التضحية لإنهاء مشروع الكهنوت وقهره للشعب.
من جهته، يرى القيادي والناشط البارز في حزب «المؤتمر الشعبي» كامل الخوداني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الحوثي وإن انفرد بالسلطة والحكم الانقلابي في صنعاء، لكنه «لم يستطع ولن يستطع الانفراد بجعل سكانها أتباعاً له، إذ إن كل يوم يمر تزداد حالة الرفض الشعبي لسلطته، ما جعله يحول صنعاء إلى سجن، وفق شهادات المقبلين منها وما يكتبه الناشطون والصحافيون المحاصرون فيها والذين لم تطلهم حتى الآن أيادي الجماعة للزج بهم في السجون».
ويؤكد الخوداني ذات الفكرة السابقة، بقوله: «الحوثي ورث المباني الحكومية، بقوة السلاح والترهيب، لكنه لم يستطع أن يرث الشارع والمواطن اليمني وتأييده أو تقبله، والذي يعاني أشد المعاناة من سلطة الحوثي، التي حرمته الحياة الكريمة وسلبته حقوقه وحريته».
ويتابع الخوداني بالقول: «ربما فشلت انتفاضة ديسمبر في تحقيق كامل أهدافها، لكنها استطاعت سلخ الحوثي من المجتمع؛ ليصبح جماعة منبوذة يترقب الجميع لحظة سقوطها بفارغ الصبر». وهذا الانتظار - بحسب قوله - «لن يدوم طويلاً، فها هو الحوثي يخسر كل يوم منطقة وكل منطقة يخسرها يستحيل عليه استعادتها، حتى الحصول فيها على أي وجود شعبي، فما إن تسقط منطقة حتى يتسابق الجميع للتبرؤ منه، ومن ناصره يتقدم الصفوف لإعلان ندمه».
ويرجح الخوداني أن صنعاء «على موعد قريب بانتفاضة مكملة لانتفاضة ديسمبر الماضي، وهذه المرة دون أخطاء، وما إن تنطلق شرارتها لن يستطيع الحوثي إطفاءها أو السيطرة عليها، بعد أن بلغت جرائمه منذ تفرده بالسلطة مبلغاً لا يستطيع المواطن اليمني احتماله أكثر».
أما القيادي في حزب «المؤتمر الشعبي» الدكتور عادل الشجاع فيرى أن هذه الانتفاضة امتداد لثورة ٢٦ سبتمبر (أيلول) التي قامت ضد الحكم الإمامي في 1962، لذلك فهي - وفق تعبيره - مستمرة ولن تنطفئ».
ويجزم الشجاع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «أن ما يقوم به الحوثي هو الضعف بذاته، وليس القوة، إذ إنه عبر التاريخ كان الضعفاء وغير القادرين على المحاججة هم الذين لجأوا للقتل والتصفية، كما كان حال فرعون مع موسى حينما اتهمه بأنه يفسد في الأرض ويريد تغيير دين قومه».
ويؤكد «أن الحوثي ورث كراهية الناس والشعور بالغربة عنهم، وهو يحاول تعويض ذلك باستخدام القوة المفرطة»، مشيراً إلى أن انتفاضة ديسمبر التي قادها صالح ما زالت «تتفاعل لتكنس الحوثية إلى مزبلة التاريخ»، بحسب تعبيره.
وعلى نفس المنوال، يرى الباحث والكاتب اليمني ثابت الأحمدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنه «مهما كان إخفاق 2 ديسمبر فإنها ستظل حدثاً يمانياً كبيراً، لن ينساه اليمنيون، خاصة إذا ما وجد هذا اليوم الحامل الرئيس له، الذي يجعل منه يوماً وطنياً ضد طغيان الكيان الإمامي الغاصب». ويعترف الأحمدي، أنه «حصلت حالة التفاف عاجلة وقوية من قبل الحوثيين، هي إلى الافتراس أقرب منه إلى الاحتراب؛ لأنه لو طال بهم المدى أسبوعاً واحداً بعد آخر خطاب لصالح لما بقي منهم أحد، وربما تمت ملاحقتهم إلى عقر دارهم»، بحسب قوله.
ويجزم الأحمدي أن الحوثي «استطاع ترويض أتباع صالح وطيهم تحت إبطه، عدا القليل الذين استطاعوا مغادرة الوطن وإعلان موقف، أما من تبقى في الداخل، وخاصة من قيادات الصف الأول، فلم يجرؤوا - كما يقول الأحمدي - على اتخاذ أي موقف، ولن يستطيعوا». ويستشهد الأحمدي على صحة ما ذهب إليه بأن «أغلب المحتفين بذكرى انتفاضة صالح هم جميعاً من النازحين خارج الوطن في العواصم العربية وغير العربية» قبل أن يعود للتأكيد بأن هذه الانتفاضة، وإن كانت في الوقت الضائع فإنها - بحسب رأيه - «تعد تكفيراً عن أكبر ذنب وجناية اقترفها صالح بحق الوطن وهي تحالفه مع الحوثي، فكان أن دفع رأسه ثمناً لهذا التحالف الخاطئ. وهو ذات الموقف الذي ستتخذه هذه الجماعة تجاه كل مناوئ أو معارض لها».
وكانت الجماعة الحوثية تعرضت لهزة كبيرة أوشكت أن تسقطها بعد انتفاضة صالح وخطابه الأخير الذي دعا فيه إلى فض التحالف مع الجماعة وحمل السلاح لمواجهتها، غير أنها استعادت توازنها واستفاقت من الصدمة سريعاً قبل أن تتمكن في 4 ديسمبر الماضي من تصفيته مع عدد من قيادات حزبه وحراسه ثم التنكيل بأقاربه وأتباعه والسيطرة على ممتلكاته وممتلكات حزبه.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.