وفاة الرئيس الأميركي الحادي والأربعين جورج بوش الأب عن 94 عاماً

أدار انتهاء الحرب الباردة وحرر الكويت... رأى التدخل في الشرق الأوسط ينذر بفوضى مقبلة

الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الأميركي الحادي والأربعين جورج بوش الأب عن 94 عاماً

الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)

توفي الجمعة، جورج هربرت ووكر بوش، الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة الذي أدار انتهاء الحرب الباردة وحرر الكويت من قبضة الرئيس العراقي صدام حسين، عن عمر ناهز 94 عاماً. ومع تراجع نفوذ الشيوعية السوفياتية، جعلت تحركات بوش العسكرية والدبلوماسية الولايات المتحدة أكبر قوة عظمى في العالم. تزامنت ولايته الرئاسية التي استمرت من 1989 إلى 1993 مع انتهاء الحرب مع المعسكر الشيوعي. وفي عام 1990، أعلن «النظام العالمي الجديد» وقاد حملة إخراج القوات العراقية من الكويت على رأس تحالف ضم 32 بلداً، لكنه رأى أن التدخل في الشرق الأوسط ينذر بفوضى مقبلة. وفاته جاءت بعد أشهر فقط على وفاة زوجته بربارا، التي تزوجها عام 1945 ورزق منها بـ6 أولاد وعاش معها ما يقارب 73 عاماً. وأعلن وفاة جورج بوش ابنه الرئيس الأسبق جورج ووكر بوش في وقت متأخر من يوم أول من أمس (الجمعة). وقال في بيان نشره الناطق باسم العائلة على موقع «تويتر»: «يحزننا أنا وجيب ونيل ومارفن ودورو أن نعلن وفاة والدنا العزيز بعد 94 عاماً مميزة». وأضاف جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة من 2001 إلى 2009، أن والده «كان من أرفع الشخصيات وأفضل أب يتمناه أي ابن أو ابنة».
لم ينتخب بوش لولاية رئاسية ثانية وهزم في انتخابات 1992 أمام خصمه الديمقراطي بيل كلينتون، الذي أصبح صديقاً مقرباً له. وقال كلينتون في رسالة وجهها باسمه وباسم زوجته، إن «قلة من الأميركيين يمكنهم أو سيتمكنون من منافسة الرئيس بوش في الطريقة التي خدم فيها الولايات المتحدة». أما الرئيس السابق باراك أوباما فقال إن «أميركا خسرت رجلاً وطنياً وخادماً متواضعاً»، مشيداً بعمله الذي سمح «بخفض آفة الأسلحة النووية وتشكيل تحالف دولي واسع لطرد ديكتاتور من الكويت». ورأى أن دبلوماسية جورج بوش الأب أسهمت في «إنهاء الحرب الباردة دون إطلاق رصاصة واحدة».
وأشاد ميخائيل غورباتشوف، آخر زعماء الاتحاد السوفياتي أمس (السبت)، بدور الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش في إنهاء الحرب الباردة وسباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وأجرى بوش الأب محادثات مع غورباتشوف قبل انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991 ووقع معه اتفاقاً تاريخياً للحد من التسلح، ما أدى لخفض ملحوظ في الترسانة النووية للبلدين.
ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن غورباتشوف قوله: «كثير من ذكرياتي مرتبط به. قدر لنا أن نعمل معاً في سنوات تغييرات كبرى. كانت أوقاتاً مفعمة بالأحداث تتطلب مسؤولية ضخمة من الجميع. النتيجة كانت نهاية الحرب الباردة وسباق التسلح النووي». وتابع: «أقدم التحية لمساهمة جورج بوش في ذلك الإنجاز التاريخي. كان شريكاً حقيقياً».

وبعد أن قال بوش إن عدوان صدام «لن يستمر»، تغلبت قوات بقيادة الولايات المتحدة على الجيش العراقي في حرب الخليج وأخرجته من الكويت، لكن الأمر لم يصل إلى حد السيطرة على العاصمة العراقية بغداد. لكنه تفاعل بحزم مع غزو الكويت ما أدى إلى شن أوسع هجوم بري منذ عام 1945. وبعد هزيمة العراق، لامست شعبيته نسبة 90 في المائة.
ونعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب جورج بوش الأب مشيداً بـ«التزامه الثابت». وقال في بيان من بوينس آيرس حيث يحضر قمة مجموعة العشرين: «بتميزه وروحه والتزامه الثابت بالإيمان والعائلة وبلده، شكل الرئيس بوش مصدر إلهام لأجيال من المواطنين الأميركيين».
بقي بوش الأب 12 عاماً في البيت الأبيض؛ 8 منها نائباً للرئيس رونالد ريغان قبل انتخابه رئيساً لمدة 4 سنوات. وتزامنت ولايته الرئاسية مع انتهاء الحرب الباردة، وهذا ملف أداره بحذر شديد. كما أمر بوش بتدخل عسكري لإقالة رئيس بنما مانويل نورييغا. لكن هذه النجاحات في الخارج لم تسعفه أواخر عام 1992 في التغلب على بيل كلينتون الذي يصغره بـ22 عاماً. هزيمته تم تلخيصها من خلال تعبير أحد مستشاري كلينتون: «إنه الاقتصاد يا غبي».
لقد وعد بوش إبان حملته الانتخابية عام 1988 بعدم زيادة الضرائب، إلا أنه وافق عليها بموجب ضغوط من الكونغرس. كما شهدت الولايات المتحدة حالة من الركود عامي 1991 - 1992 أدت إلى ارتفاع حاد في معدلات البطالة.
جورج بوش كان جمهورياً معتدلاً معروفاً بدبلوماسيته وقدرته على التواؤم مع الديمقراطيين. كان رمزاً لفترة توحد نسبي في واشنطن، لكنها مهدت الساحة رغم ذلك أمام انقسام حزبي تعاني منه واشنطن الآن. فعندما قبل ترشيح الحزب الجمهوري عام 1988 كان بوش، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب الرئيس الأسبق رونالد ريغان، يحاول خطب ود المحافظين الذين كانوا أكثر تحمساً لريغان. وفي معرض رده على أسئلة عما إذا كان محافظاً، قال بشكل قاطع أمام المؤتمر العام للحزب الجمهوري: «اقرأوا شفتيَّ... لا ضرائب جديدة». إلا أنه بعد أن أصبح رئيساً وافق على زيادة الضرائب للمساعدة في خفض العجز الحكومي. وأغضب تراجعه هذا المحافظين، ما أدى إلى مواجهة غير معتادة في الانتخابات التمهيدية للحزب بينه وبين جمهوري آخر هو المحافظ بات بوكانان. وتغلب بوش بسهولة على بوكانان ليفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة، ولكن موقفه من الضرائب وديون البلاد وتراجع الاقتصاد أدى إلى خوض ملياردير من تكساس، هو روس بيرو، حملة انتخابية مستقلة. وفاز كلينتون في السباق الرئاسي بحصوله على 43 في المائة من التصويت الشعبي ليطيح ببوش من البيت الأبيض بعد فترة ولاية واحدة. وهزيمة بوش في انتخابات 1992 أعطت تحذيراً لجيل من الجمهوريين ودرساً في مواجهات اليوم بشأن الميزانية الاتحادية والإنفاق. وبعد ذلك بأعوام، كرمت مؤسسة جون كيندي في عام 2014 بوش بتقليده وسام الشجاعة، مشيدة «بقراره وضع البلاد فوق أي مصالح حزبية وسياسية».
وجورج بوش الأب هو ابن سيناتور وأصبح عضواً في الكونغرس ومديراً لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ثم نائباً لرئيس الولايات المتحدة قبل أن يتولى الرئاسة من 1989 إلى 1993. وهو والد حاكمي ولاية أصبح أحدهما وهو ابنه الأكبر جورج دبليو بوش رئيساً. وابنه الثاني جيب يعمل في السياسة أيضاً وترشح للانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الجمهوري في 2016، لكنه هزم أمام دونالد ترمب.
عاش جورج بوش الأب حياة الأرستقراطي في الساحل الشرقي في ضواحي بوسطن، ولاية ماساتشوستس، رغم أن جذوره تعود إلى تكساس. والده بريسكوت كان رجل أعمال أصبح مصرفياً في وول ستريت وممثلاً عن ولاية كونيتيكت في مجلس الشيوخ إبان الخمسينات والستينات. بعد التحاقه بجامعة ييل المرموقة، انضم بوش بعد غارة بيرل هاربور مباشرة إلى الجيش ليصبح في سن الـ18 أصغر طيار في البحرية الأميركية. ونجا من إسقاط طائرته بنيران يابانية عام 1944 فوق المحيط الهادي وتم تسريحه برتبة قائد سفينة.
بعد الحرب، صنع بوش ثروة من النفط في تكساس، وبدأ ممارسة نشاطه في الحزب الجمهوري. في عام 1967، بدأ أولى ولايتيه في مجلس النواب قبل أن يعينه الرئيس ريتشارد نيكسون سفيراً لدى الأمم المتحدة عام 1971. وبعد أن تولى قيادة الحزب في خضم فضيحة ووترغيت، عينه الرئيس جيرالد فورد رئيساً للبعثة الدبلوماسية لدى الصين، ثم في رئاسة وكالة الاستخبارات، قبل أن تتم الإطاحة به إثر وصول جيمي كارتر إلى السلطة. وقد خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في انتخابات عام 1980 الرئاسية، لكن رونالد ريغان هزمه، قبل أن يختاره لمنصب نائب الرئيس.
تقاعد بعد هزيمته في ضواحي هيوستن، حيث يحمل المطار الدولي اسمه. وأصبح عام 2001 ثاني رئيس أميركي بعد جون آدامز يرى نجله جورج دبليو بوش رئيساً بين عامي 2001 - 2009 بعد أن كان حاكماً لولاية تكساس مدة 5 سنوات. والأب رياضي برع في القفز بالمظلات (كان آخرها بمناسبة بلوغه 90 عاماً) وملقب «بوش 41» لتمييزه عن ابنه.
وكان الأكبر سناً بين الرؤساء السابقين إلى جانب جيمي كارتر الذي يصغره بـ3 أشهر.
في سنواته الأخيرة، كان يتنقل على كرسي متحرك بسبب مرض باركنسون. ومع ذلك شارك في أبريل (نيسان) 2018 في جنازة زوجته باربرا التي أمضى معها 73 عاماً، وكانت تقول عنه إنه أول صبي أعطته قبلة.
وبعد مغادرته البيت الأبيض، كرس جورج بوش الأب وقته للأعمال الخيرية، خصوصاً عندما تعرضت الولايات المتحدة أو دول مجاورة لكوارث. ومع بيل كلينتون، أسهم في جمع تبرعات لضحايا تسونامي 2004 في آسيا ولمنكوبي الزلزال الذي ضرب هايتي في 2010. وقد ظهر في الآونة الأخيرة إلى جانب بيل كلينتون وجيمي كارتر وباراك أوباما وابنه جورج ووكر بوش، لجمع أموال ومساعدة ضحايا إعصار في تكساس في 2017.
توفي جورج بوش في هيوستن بولاية تكساس محاطاً بأفراد عائلته. وقالت عائلته إن الترتيبات المتعلقة بجنازته ستعلن في الوقت المناسب. لكن جثمان الرئيس الحادي والأربعين للولايات المتحدة يفترض أن ينقل إلى واشنطن من أجل تكريم وطني. وأقام طلاب تجمعاً تكريماً له السبت، في الساعات الأولى أمام المكتبة التي تحمل اسمه في هيوستن.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.