وفاة الرئيس الأميركي الحادي والأربعين جورج بوش الأب عن 94 عاماً

أدار انتهاء الحرب الباردة وحرر الكويت... رأى التدخل في الشرق الأوسط ينذر بفوضى مقبلة

الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الأميركي الحادي والأربعين جورج بوش الأب عن 94 عاماً

الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)

توفي الجمعة، جورج هربرت ووكر بوش، الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة الذي أدار انتهاء الحرب الباردة وحرر الكويت من قبضة الرئيس العراقي صدام حسين، عن عمر ناهز 94 عاماً. ومع تراجع نفوذ الشيوعية السوفياتية، جعلت تحركات بوش العسكرية والدبلوماسية الولايات المتحدة أكبر قوة عظمى في العالم. تزامنت ولايته الرئاسية التي استمرت من 1989 إلى 1993 مع انتهاء الحرب مع المعسكر الشيوعي. وفي عام 1990، أعلن «النظام العالمي الجديد» وقاد حملة إخراج القوات العراقية من الكويت على رأس تحالف ضم 32 بلداً، لكنه رأى أن التدخل في الشرق الأوسط ينذر بفوضى مقبلة. وفاته جاءت بعد أشهر فقط على وفاة زوجته بربارا، التي تزوجها عام 1945 ورزق منها بـ6 أولاد وعاش معها ما يقارب 73 عاماً. وأعلن وفاة جورج بوش ابنه الرئيس الأسبق جورج ووكر بوش في وقت متأخر من يوم أول من أمس (الجمعة). وقال في بيان نشره الناطق باسم العائلة على موقع «تويتر»: «يحزننا أنا وجيب ونيل ومارفن ودورو أن نعلن وفاة والدنا العزيز بعد 94 عاماً مميزة». وأضاف جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة من 2001 إلى 2009، أن والده «كان من أرفع الشخصيات وأفضل أب يتمناه أي ابن أو ابنة».
لم ينتخب بوش لولاية رئاسية ثانية وهزم في انتخابات 1992 أمام خصمه الديمقراطي بيل كلينتون، الذي أصبح صديقاً مقرباً له. وقال كلينتون في رسالة وجهها باسمه وباسم زوجته، إن «قلة من الأميركيين يمكنهم أو سيتمكنون من منافسة الرئيس بوش في الطريقة التي خدم فيها الولايات المتحدة». أما الرئيس السابق باراك أوباما فقال إن «أميركا خسرت رجلاً وطنياً وخادماً متواضعاً»، مشيداً بعمله الذي سمح «بخفض آفة الأسلحة النووية وتشكيل تحالف دولي واسع لطرد ديكتاتور من الكويت». ورأى أن دبلوماسية جورج بوش الأب أسهمت في «إنهاء الحرب الباردة دون إطلاق رصاصة واحدة».
وأشاد ميخائيل غورباتشوف، آخر زعماء الاتحاد السوفياتي أمس (السبت)، بدور الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش في إنهاء الحرب الباردة وسباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وأجرى بوش الأب محادثات مع غورباتشوف قبل انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991 ووقع معه اتفاقاً تاريخياً للحد من التسلح، ما أدى لخفض ملحوظ في الترسانة النووية للبلدين.
ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن غورباتشوف قوله: «كثير من ذكرياتي مرتبط به. قدر لنا أن نعمل معاً في سنوات تغييرات كبرى. كانت أوقاتاً مفعمة بالأحداث تتطلب مسؤولية ضخمة من الجميع. النتيجة كانت نهاية الحرب الباردة وسباق التسلح النووي». وتابع: «أقدم التحية لمساهمة جورج بوش في ذلك الإنجاز التاريخي. كان شريكاً حقيقياً».

وبعد أن قال بوش إن عدوان صدام «لن يستمر»، تغلبت قوات بقيادة الولايات المتحدة على الجيش العراقي في حرب الخليج وأخرجته من الكويت، لكن الأمر لم يصل إلى حد السيطرة على العاصمة العراقية بغداد. لكنه تفاعل بحزم مع غزو الكويت ما أدى إلى شن أوسع هجوم بري منذ عام 1945. وبعد هزيمة العراق، لامست شعبيته نسبة 90 في المائة.
ونعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب جورج بوش الأب مشيداً بـ«التزامه الثابت». وقال في بيان من بوينس آيرس حيث يحضر قمة مجموعة العشرين: «بتميزه وروحه والتزامه الثابت بالإيمان والعائلة وبلده، شكل الرئيس بوش مصدر إلهام لأجيال من المواطنين الأميركيين».
بقي بوش الأب 12 عاماً في البيت الأبيض؛ 8 منها نائباً للرئيس رونالد ريغان قبل انتخابه رئيساً لمدة 4 سنوات. وتزامنت ولايته الرئاسية مع انتهاء الحرب الباردة، وهذا ملف أداره بحذر شديد. كما أمر بوش بتدخل عسكري لإقالة رئيس بنما مانويل نورييغا. لكن هذه النجاحات في الخارج لم تسعفه أواخر عام 1992 في التغلب على بيل كلينتون الذي يصغره بـ22 عاماً. هزيمته تم تلخيصها من خلال تعبير أحد مستشاري كلينتون: «إنه الاقتصاد يا غبي».
لقد وعد بوش إبان حملته الانتخابية عام 1988 بعدم زيادة الضرائب، إلا أنه وافق عليها بموجب ضغوط من الكونغرس. كما شهدت الولايات المتحدة حالة من الركود عامي 1991 - 1992 أدت إلى ارتفاع حاد في معدلات البطالة.
جورج بوش كان جمهورياً معتدلاً معروفاً بدبلوماسيته وقدرته على التواؤم مع الديمقراطيين. كان رمزاً لفترة توحد نسبي في واشنطن، لكنها مهدت الساحة رغم ذلك أمام انقسام حزبي تعاني منه واشنطن الآن. فعندما قبل ترشيح الحزب الجمهوري عام 1988 كان بوش، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب الرئيس الأسبق رونالد ريغان، يحاول خطب ود المحافظين الذين كانوا أكثر تحمساً لريغان. وفي معرض رده على أسئلة عما إذا كان محافظاً، قال بشكل قاطع أمام المؤتمر العام للحزب الجمهوري: «اقرأوا شفتيَّ... لا ضرائب جديدة». إلا أنه بعد أن أصبح رئيساً وافق على زيادة الضرائب للمساعدة في خفض العجز الحكومي. وأغضب تراجعه هذا المحافظين، ما أدى إلى مواجهة غير معتادة في الانتخابات التمهيدية للحزب بينه وبين جمهوري آخر هو المحافظ بات بوكانان. وتغلب بوش بسهولة على بوكانان ليفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة، ولكن موقفه من الضرائب وديون البلاد وتراجع الاقتصاد أدى إلى خوض ملياردير من تكساس، هو روس بيرو، حملة انتخابية مستقلة. وفاز كلينتون في السباق الرئاسي بحصوله على 43 في المائة من التصويت الشعبي ليطيح ببوش من البيت الأبيض بعد فترة ولاية واحدة. وهزيمة بوش في انتخابات 1992 أعطت تحذيراً لجيل من الجمهوريين ودرساً في مواجهات اليوم بشأن الميزانية الاتحادية والإنفاق. وبعد ذلك بأعوام، كرمت مؤسسة جون كيندي في عام 2014 بوش بتقليده وسام الشجاعة، مشيدة «بقراره وضع البلاد فوق أي مصالح حزبية وسياسية».
وجورج بوش الأب هو ابن سيناتور وأصبح عضواً في الكونغرس ومديراً لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ثم نائباً لرئيس الولايات المتحدة قبل أن يتولى الرئاسة من 1989 إلى 1993. وهو والد حاكمي ولاية أصبح أحدهما وهو ابنه الأكبر جورج دبليو بوش رئيساً. وابنه الثاني جيب يعمل في السياسة أيضاً وترشح للانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الجمهوري في 2016، لكنه هزم أمام دونالد ترمب.
عاش جورج بوش الأب حياة الأرستقراطي في الساحل الشرقي في ضواحي بوسطن، ولاية ماساتشوستس، رغم أن جذوره تعود إلى تكساس. والده بريسكوت كان رجل أعمال أصبح مصرفياً في وول ستريت وممثلاً عن ولاية كونيتيكت في مجلس الشيوخ إبان الخمسينات والستينات. بعد التحاقه بجامعة ييل المرموقة، انضم بوش بعد غارة بيرل هاربور مباشرة إلى الجيش ليصبح في سن الـ18 أصغر طيار في البحرية الأميركية. ونجا من إسقاط طائرته بنيران يابانية عام 1944 فوق المحيط الهادي وتم تسريحه برتبة قائد سفينة.
بعد الحرب، صنع بوش ثروة من النفط في تكساس، وبدأ ممارسة نشاطه في الحزب الجمهوري. في عام 1967، بدأ أولى ولايتيه في مجلس النواب قبل أن يعينه الرئيس ريتشارد نيكسون سفيراً لدى الأمم المتحدة عام 1971. وبعد أن تولى قيادة الحزب في خضم فضيحة ووترغيت، عينه الرئيس جيرالد فورد رئيساً للبعثة الدبلوماسية لدى الصين، ثم في رئاسة وكالة الاستخبارات، قبل أن تتم الإطاحة به إثر وصول جيمي كارتر إلى السلطة. وقد خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في انتخابات عام 1980 الرئاسية، لكن رونالد ريغان هزمه، قبل أن يختاره لمنصب نائب الرئيس.
تقاعد بعد هزيمته في ضواحي هيوستن، حيث يحمل المطار الدولي اسمه. وأصبح عام 2001 ثاني رئيس أميركي بعد جون آدامز يرى نجله جورج دبليو بوش رئيساً بين عامي 2001 - 2009 بعد أن كان حاكماً لولاية تكساس مدة 5 سنوات. والأب رياضي برع في القفز بالمظلات (كان آخرها بمناسبة بلوغه 90 عاماً) وملقب «بوش 41» لتمييزه عن ابنه.
وكان الأكبر سناً بين الرؤساء السابقين إلى جانب جيمي كارتر الذي يصغره بـ3 أشهر.
في سنواته الأخيرة، كان يتنقل على كرسي متحرك بسبب مرض باركنسون. ومع ذلك شارك في أبريل (نيسان) 2018 في جنازة زوجته باربرا التي أمضى معها 73 عاماً، وكانت تقول عنه إنه أول صبي أعطته قبلة.
وبعد مغادرته البيت الأبيض، كرس جورج بوش الأب وقته للأعمال الخيرية، خصوصاً عندما تعرضت الولايات المتحدة أو دول مجاورة لكوارث. ومع بيل كلينتون، أسهم في جمع تبرعات لضحايا تسونامي 2004 في آسيا ولمنكوبي الزلزال الذي ضرب هايتي في 2010. وقد ظهر في الآونة الأخيرة إلى جانب بيل كلينتون وجيمي كارتر وباراك أوباما وابنه جورج ووكر بوش، لجمع أموال ومساعدة ضحايا إعصار في تكساس في 2017.
توفي جورج بوش في هيوستن بولاية تكساس محاطاً بأفراد عائلته. وقالت عائلته إن الترتيبات المتعلقة بجنازته ستعلن في الوقت المناسب. لكن جثمان الرئيس الحادي والأربعين للولايات المتحدة يفترض أن ينقل إلى واشنطن من أجل تكريم وطني. وأقام طلاب تجمعاً تكريماً له السبت، في الساعات الأولى أمام المكتبة التي تحمل اسمه في هيوستن.



فيلم «برشامة» يثير زخماً واسعاً بعد عرضه رقمياً

أحداث الفيلم تدور داخل لجنة امتحان (الشركة المنتجة)
أحداث الفيلم تدور داخل لجنة امتحان (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «برشامة» يثير زخماً واسعاً بعد عرضه رقمياً

أحداث الفيلم تدور داخل لجنة امتحان (الشركة المنتجة)
أحداث الفيلم تدور داخل لجنة امتحان (الشركة المنتجة)

أثار فيلم «برشامة» زخماً «سوشيالياً»، واسعاً عقب عرضه على إحدى المنصات الرقمية خلال أيام عيد «الأضحى»، تعليقاً على بعض مشاهده التي اعتبرها البعض مثيرة للجدل، وذلك بالتزامن مع استمرار عرضه بصالات السينما، وتحقيقه إيرادات كبيرة بعد عرضه منذ نحو 10 أسابيع.

وتباينت الآراء التي تحدثت عن «برشامة»، بين فريق أشاد بفكرته وقصته، وفريق آخر وصفه بأنه عبارة عن «اسكتشات»، تخرج عن السياق من أجل الضحك، كما طالب البعض في منشورات أخرى بالتفرقة بين «الكوميديا»، و«الإساءة».

الناقد الفني الدكتور أمير العمري كتب عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، تعليقاً على مشاهدته لـ20 دقيقة من أحداث «برشامة»، أنه لم يستطع مشاهدة الفيلم كاملاً، ولم يصله «حس الفكاهة»، ولم يستوعب الفكرة وراء الاستخفاف وادعاء الظُرف، مؤكداً عدم اقتناعه بشخصيات الفيلم، التي وصفها بـ«النمطية».

وتصدر فيلم «برشامة»، منذ عرضه في النصف الثاني من شهر مارس (آذار)، الماضي «شباك التذاكر»، بالتزامن مع بداية موسم «عيد الفطر»، والمنافسة مع أفلام «فاميلي بيزنس»، و«سفاح التجمع»، و«إيجي بست»، وحقق إيرادات تجاوزت 200 مليون جنيه حتى الآن، وفق بيان الموزع السينمائي محمود الدفراوي.

لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

فيلم «برشامة»، بطولة هشام ماجد، وريهام عبد الغفور، ومصطفى غريب، وباسم سمرة، وحاتم صلاح، وإخراج خالد دياب، وتدور أحداثه في إطار كوميدي، وتتناول تفاصيل أحد أيام امتحانات الثانوية العامة (منازل)، والتفاوت بين المستوى التعليمي.

وعن رأيه في فيلم «برشامة»، ولماذا لم يتعرض لهذا الزخم «السوشيالي»، والتدقيق في تناول تفاصيله الفنية، إلا عقب عرضه على إحدى المنصات الرقمية، على الرغم من تحقيقه لإشادات وإيرادات كبيرة في السينمات منذ طرحه.

قال الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق، إن فيلم «برشامة» أحد أنواع «الدراما السينمائية»، التي تقوم على الحدث الواحد، وهو من أكثر الأنواع في الكتابة والإخراج صعوبة لما يتطلبه من دقة في رسم الشخصيات، وتوزيع الأدوار، والبناء الدرامي، وسرعة تتابع الأحداث.

وأضاف محمد عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط»: «صناع (برشامة) نجحوا في تقديم نموذج ناجح، يقدم كوميديا راقية بأحداث غير متوقعة تولد الضحك دون افتعال أو ابتذال»، لافتاً إلى «أن كل فنان شارك في الفيلم بطل وترك بصمة، ولا يمكن الاستغناء عن دوره، وهذا هو النجاح في كتابة الفيلم ورسم الشخصيات».

مصطفى غريب جسّد دور «حليلة» بالفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار الناقد الفني إلى أن الفيلم نجح فنياً وتجارياً واستطاع تصدر شباك التذاكر بل دخول «نادي المائة مليون جنيه»، مع أكثر الأفلام تحقيقاً للإيرادات.

وأوضح محمد عبد الخالق، أن ما نراه اليوم من آراء عبر «السوشيال ميديا»، بعد عرض الفيلم رقمياً، مجرد آراء مجموعة لسنا متأكدين من مشاهدتهم للفيلم من الأساس، لكنهم يحبون دائماً أن يشاركوا برأيهم في أي شيء وكل شيء، وفئة أخرى منهم اعتادت تبني أول رأي يقابلها وترديده، وهذه الفئة منتشرة بشكل كبير يصل في بعض الأحيان إلى ما يشبه «اللجان الإلكترونية» الموجهة.

وبدوره لم يرد المخرج خالد دياب على ما يثار حول تفاصيل فيلمه «برشامة»، عقب عرضه رقمياً، بل اكتفى بمشاركة بعض الآراء الإيجابية التي أشادت بالفيلم عبر حسابه على «فيسبوك»، من بينها رأي الناقد الفني الدكتور خالد عاشور، الذي أكد أنه أعاد مشاهدة الفيلم مجدداً رغم مشاهدته بالسينما، لروعته وقدرته على إعادة الكوميديا المصرية إلى مكانتها الحقيقية، وأنه سيعيش طويلاً في ذاكرة «الكوميديا العربية».

الفيلم الكوميدي حقق إيرادات كبيرة في مصر (الشركة المنتجة)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية المصرية صفاء الليثي، أن «برشامة»، فيلم كوميدي هدفه الأول الإضحاك، بالإضافة إلى انتقاد بعض الظواهر الاجتماعية السيئة أولها «الغش الجماعي»، ولكنه مبرر في الفيلم بتعسف القوانين وقسوة تطبيقها دون الالتزام بروح القانون.

وأضافت صفاء الليثي لـ«الشرق الأوسط»: «البعض سيعتقد أن (برشامة)، معادٍ للدين ولكنه معادٍ للمبالغة»، مؤكدة، أن عدم حدوث هذا الزخم «السوشيالي»، عقب عرضه بالسينما بالمقارنة بعرضه رقمياً، يعود إلى نوعية جمهور السينما الذي يشاهد بغرض الضحك، أما المشاهدة على «منصة»، تساعد على التدقيق أحياناً.


عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
TT

عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)
عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

قال «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن إنّ ما تشهده المملكة اليوم من تحوّلات عميقة، خصوصاً في المجال الثقافي والسينمائي، لا يمكن فصله عن الإطار الأشمل الذي رسمته «رؤية 2030»، مضيفاً أنّ هذه الرؤية لم تكن مجرّد خطة اقتصادية أو برنامج إصلاحي محدود، وإنما مشروع متكامل لإعادة صياغة المجتمع والدولة على أُسس جديدة تستجيب لمتغيّرات العصر.

وأضاف المحيسن، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عقب تكريمه مؤخّراً من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، أنّ ما يميّز التجربة السعودية هو أنها لم تأتِ ردَّ فعل على أزمة أو نتيجة اضطراب سياسي، بل جاءت امتداداً لمسار طويل من التخطيط والتراكم، ما منحها قدرة أكبر على تحقيق أهدافها بشكل متوازن، مشيراً إلى أنها تختلف عن كثير من تجارب المنطقة التي ارتكزت في مراحل مختلفة على تحوّلات مفاجئة أو ثورات غير مدروسة.

المحيسن خلال تسلّمه جائزة «اغتيال مدينة» في مهرجان القاهرة (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ هذه التحولات، رغم ما حملته من شعارات، لم تكن دائماً قادرة على بناء استقرار طويل الأمد، في حين أن المملكة اعتمدت على استمرارية في الرؤية بدأت منذ توحيدها واستمرَّت عبر الأجيال، حتى وصلت إلى المرحلة الحالية التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إذ جرى الانتقال من الخطط الخمسية التقليدية إلى رؤية شاملة تستشرف المستقبل حتى عام 2030 وما بعده.

وأشار إلى أنه كان من بين المشاركين في جلسات نقاشية ضمّت خبراء من مجالات متعدّدة، هدفت إلى دراسة حاجات المملكة ووضع تصورات عملية لمواكبة التحوّلات العالمية. وهي نقاشات لم تكن نظرية، إذ انطلقت من واقع حقيقي ورغبة في إحداث نقلة نوعية في مختلف القطاعات، ومن بينها الثقافة والسينما، مؤكداً أنّ ما تحقَّق لاحقاً من إنشاء مؤسسات ثقافية، وبناء بنية تحتية متقدمة، وتوفير إمكانات غير مسبوقة للمبدعين، هو نتيجة مباشرة لهذه الرؤية.

أفلام المحيسن عُرضت في دول عدّة حول العالم (موقعه الرسمي)

وأكد أنّ «رؤية 2030» لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، فامتدت إلى بناء الإنسان، وهو ما انعكس في الاهتمام الكبير بتأهيل جيل جديد من الشباب قادر على الإبداع والمنافسة، مشيراً إلى أنّ السينما كانت من أبرز المجالات التي استفادت من هذا التوجُّه، مع إتاحة الفرص للشباب للدراسة في الخارج والعودة بخبرات جديدة، إلى جانب إنشاء معاهد ومؤسّسات تدعم الصناعة محلّياً، وهو ما أسهم في ظهور جيل سينمائي مختلف في أدواته ورؤاه.

وأضاف المحيسن: «الدولة لم تكتفِ بتوفير الدعم المادي، بل عملت على خلق بيئة متكاملة تسمح بالإبداع، من خلال التشريعات والبنية التحتية وتنظيم القطاع، وهو ما جعل المملكة، خلال مدّة قصيرة نسبياً، إحدى أبرز الدول في المنطقة لجهة تطوّر الصناعة السينمائية»، مؤكداً أنّ هذه النقلة لم تكن لتحدث لولا وجود رؤية واضحة واستراتيجية طويلة المدى.

المحيسن في كواليس «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وأوضح أنّ ما يلفت النظر في هذه التجربة هو أنها جرت بسلاسة وتقبُّل من المجتمع، من دون صدامات أو انقطاعات حادّة، وهو ما يعكس، في رأيه، نضجاً في إدارة التحوّل وقدرةً على تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، لافتاً إلى أنّ هذا التوازن يمنح التجربة السعودية خصوصيتها، ويجعلها نموذجاً مختلفاً عن تجارب أخرى في المنطقة.

وانتقل المحيسن من الحديث عن الإطار العام لـ«رؤية 2030» إلى انعكاساتها المباشرة على السينما، مؤكداً أنّ ما نشهده اليوم من تنوّع في الإنتاج وظهور أسماء جديدة هو نتيجة طبيعية لهذه البيئة الداعمة، مشيراً إلى أنّ «الجيل الحالي من السينمائيين يعمل في ظروف تختلف تماماً عن تلك التي بدأ فيها هو، إذ كانت الإمكانات محدودة والبنية التحتية شبه غائبة، ما جعل كلّ تجربة في ذلك الوقت مغامرة حقيقية».

المحيسن حاملاً درع تكريمه في مالمو (موقعه الرسمي)

وأضاف أنّ الاختلاف في الظروف لا يقلّل من قيمة التجارب السابقة، بل يبرز حجم التحدّيات التي واجهها الرواد، لكنه في الوقت نفسه يمنح الجيل الجديد فرصة للانطلاق بشكل أسرع إذا ما أحسن استغلال الإمكانات المتاحة، مؤكداً أن «الدعم وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بوعي ومسؤولية، لأنّ الفرصة إذا لم تُستثمر بشكل صحيح قد تضيع».

وأشار إلى أنّ السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات، بل أصبحت تعكس تنوّع المجتمع من خلال أفلام تتناول التقاليد، وأخرى تناقش التحولات الاجتماعية، وثالثة تذهب إلى قضايا بيئية أو إنسانية... وهذا التنوع علامة على حيوية التجربة، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تترسخ وتصل إلى مرحلة النضج الكامل.

ورأى رائد السينما السعودية أنه من المهم في هذه المرحلة أن يظلَّ صانعو السينما منفتحين على التعلم، وألا يكتفوا بما تحقَّق، لأنّ التطوّر في هذا المجال سريع، وما هو جديد اليوم قد يصبح قديماً غداً، مشيراً إلى أن التحدّي هو القدرة على مواكبة هذا التغير، على مستوى الأدوات أو اللغة أو الموضوعات.

ومن هذا السياق المعاصر، عاد المحيسن إلى تجربته الشخصية ليستعيد بداياته في زمن مختلف، موضحاً أن دخوله إلى عالم السينما جاء في وقت كانت فيه هذه الصناعة محل جدل، ومرفوضة في بعض الأوساط، وهو ما جعله يواجه تحدّيات فكرية وثقافية قبل أن تكون مادية أو تقنية.

وأوضح أنّ البيئة التي عاش فيها كانت تمرّ بمرحلة انتقالية من الانغلاق إلى الانفتاح، وهو ما جعل هذه النقاشات أكثر حدّة، لكنه كان يرى أن الزمن كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها من خلال الفهم الصحيح للنصوص، مؤكداً أن تجربته الشخصية كانت جزءاً من هذا التحوّل، مع سعيه إلى إثبات أن السينما يمكن أن تكون وسيلة للتعبير الإيجابي، وليست أداة للهدم.

استخدم المحيسن اللغة العربية الفصحى في «ظلال الصمت» (موقعه الرسمي)

وتوقَّف عند تجربته مع فيلم «اغتيال مدينة»، الذي أُعيد عرضه في مهرجان «مالمو للسينما العربية» خلال الاحتفاء بتكريمه، بعد نحو 50 عاماً من عرضه الأول في مهرجان «القاهرة السينمائي»، مؤكداً أنه كان عملاً سابقاً لزمنه لجهتَي الموضوع والرؤية، ممّا جعله يواجه صعوبة في التلقي عند عرضه الأول، إذ كانت المنطقة تعيش حالة من الاستقطاب السياسي في ظلّ انقسام عالمي بين معسكرين، وهو ما جعل طرح بعض القضايا الحسّاسة أمراً معقداً.

وأضاف أنّ الفيلم تعرَّض لاتهامات تتعلّق بتبنيه «نظرية المؤامرة»، وهو توصيف يرى أنه كان يُستخدم أحياناً وسيلة لتجنب مناقشة الأفكار التي يطرحها العمل، مؤكداً أنه بنى رؤيته على دراسة وبحث، وليس على انطباعات سطحية. لكنه أقرَّ في الوقت نفسه بأنّ بعض الأفكار تحتاج إلى وقت حتى تُفهم، وهو ما جعل وجهة النظر تجاه الفيلم تتغيّر بعد سنوات، ويحظى برؤية مغايرة بعد عقود من عرضه.

وأشار إلى أنّ ما حدث لاحقاً في عدد من الدول العربية من صراعات وتحوّلات، أعاد طرح الأسئلة التي كان الفيلم يثيرها، وجعل الجمهور يرى العمل من زاوية مختلفة. ورأى أنّ إعادة عرضه بعد عقود في مهرجانات دولية تعني أن الفكرة التي يحملها لا تزال حية، وأكثر ارتباطاً بالواقع الحالي.

وأكد أنّ السينما حين تنطلق من فكرة حقيقية ومدروسة لا تفقد قيمتها مع الزمن، بل قد تكتسب أبعاداً جديدة مع تغيُّر السياقات، وهو ما عدَّه أحد أهم أسرار هذا الفنّ، مشيراً إلى أنّ الزمن قد يكون أحياناً هو العنصر الذي يمنح العمل قيمته الحقيقية.

المحيسن خلال تحضيرات أحد أعماله (موقعه الرسمي)

وتحدَّث عن تجربته في «ظلال الصمت»، موضحاً كيف واجه تحدّياً مختلفاً يتعلّق باللغة، حين قرر استخدام العربية الفصحى، وهو ما لم يكن مألوفاً لدى الجمهور في ذلك الوقت. وقوبل هذا الاختيار في البداية بنوع من الرفض، لكنه لاحظ أنّ المشاهدين بدأوا يتأقلمون تدريجياً مع انخراطهم في العمل، وهو ما يؤكد، في رأيه، أنّ الجمهور ليس ضد التجديد، بل يحتاج فقط إلى وقت لفهمه.

وأشار إلى أنّ أي تجربة جديدة تمرّ بمرحلة من الرفض أو التردُّد، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها فاشلة، بل قد يكون مؤشّراً على أنها تطرح شيئاً مختلفاً، وهو ما يتطلّب صبراً من صانعها وإيماناً بما يُقدّم.

وانتقل إلى الحديث عن مشروعه السينمائي الجديد، موضحاً أنه يمثّل بالنسبة إليه محاولة لإعادة تقديم صورة مختلفة عن الإسلام، بعيداً عن الصور النمطية التي ربطته بالعنف، مع اختيار الانطلاق من القيم الإنسانية والحضارية التي يرى أنها جوهر هذا الدين، وتقديمها في إطار إنساني يخاطب العالم.

وأوضح أن العمل الذي لا يزال قيد التحضير يقوم على مجموعة من الحكايات المترابطة التي تسعى إلى إبراز هذه القيم في سياقات مختلفة، مؤكداً أنّ الهدف ليس تقديم خطاب مباشر، بل بناء تجربة سينمائية تجعل المُشاهد يُعيد التفكير في الصور التي يحملها، وهو نوع من الأعمال يتطلب جهداً كبيراً، سواء على مستوى الكتابة أو الإنتاج.

وقال المحيسن إنه لا ينطلق في عمله من فكرة المنافسة، بل من إيمانه بالفكرة التي يريد تقديمها، مشيراً إلى أنّ التركيز على شباك التذاكر قد يقيّد الإبداع، ويجعل صانع الفيلم أسير توقّعات السوق، بدلاً من أن يكون باحثاً عن الجديد.

عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

وأضاف أنه يتبع منهجاً واضحاً في العمل يبدأ بالفكرة ثم البحث، فالكتابة، قبل أن ينتقل إلى تشكيل فريق العمل، مؤكداً أنه لا يكتب لشخص معيّن، بل يكتب الفكرة أولاً، ثم يبحث عن الأشخاص القادرين على تجسيدها، وهي استراتيجية تبنّاها منذ وقت مبكر، ووجد أنها تمنحه حرّية أكبر.

وتحدَّث عن علاقته بالجمهور، مؤكداً أنه يحترم المتلقّي ويأخذ في الحسبان تنوّع فئاته، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح لهذا الحسبان أن يتحوّل إلى قيد، لأن الخوف الحقيقي يأتي فقط عند عرض العمل، حين يواجه ردّ الفعل المباشر، أما خلال عملية الإبداع فيحرص على أن يظل حرّاً.

واستعاد نصيحة تلقّاها في بداياته، مفادها أنّ المخرج لا ينبغي أن يقف بعيداً عن جمهوره، بل عليه أن يقترب منه، ويجد لغة مشتركة تسمح له بالتواصل مع مختلف الفئات، من دون أن يتخلّى عن رؤيته، لأن هذه المعادلة هي جوهر العمل السينمائي.

وختم المحيسن حديثه بالتأكيد على أنّ السينما في حالة تغيُّر دائم، وأنّ التحدّي الأكبر هو القدرة على مواكبة هذا التغيُّر، مشيراً إلى أنّ من لا يتجدَّد قد يجد نفسه خارج المشهد، لأن الجمهور نفسه يتغيَّر، ويبحث دائماً عن أشكال جديدة من التعبير، وهو ما يجعل التعلُّم المستمرّ ضرورة لكلّ مَن يريد الاستمرار في هذا المجال.


جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
TT

جولييت بينوش لـ«الشرق الأوسط»: ندعم السينما باختياراتنا

جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)
جولييت بينوش في مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

النجمة الفرنسية جولييت بينوش نموذج للممثلة التي تختار أدوارها بعناية، منذ أدوارها الأولى وإلى أعمالها في السنوات الأخيرة، وأحدثها «ملكة عند البحر»، إذ حافظت على إبداع أنيق ومقنع.

«الشرق الأوسط» حاورت جولييت بينوش في «كان» وسألتها عن «ملكة عند البحر» الذي يتناول موضوع ألزهايمر أو الخرف، فأجابت: «هناك نقطة مثيرة لاهتمامي؛ هي تلك التي نرقب فيها أولادنا وهم ينتقلون من الطفولة إلى سنوات الشباب، بينما يبدأ أهلنا الذين ننتمي إليهم يشيخون (...) هي نقطة فاصلة نقف فيها في منتصف الطريق بين جيل يتقدّم وآخر يتراجع. هذا هو الموضوع الذي جذبني إلى العمل».

وعن أوضاع السينما الآن تقول بينوش: «ما زال موجوداً، لحسن الحظ، عدد كبير من المخرجين الذين يرغبون في تحقيق ذواتهم من خلال الأفلام التي ينجزونها، هذه هي الحصانة الرئيسية ضد عوامل تهدد فن السينما». وتضيف: «بالنسبة ليّ، ولكثيرين من الممثلين في فرنسا وأوروبا، نوالي دعم السينما باختياراتنا من الأفلام».