{المسافرة أبداً} الأديبة ديزي الأمير إلى رحلتها الأخيرة

غيبها الموت في بوسطن بعد اختفاء أخبارها

ديزي الأمير
ديزي الأمير
TT

{المسافرة أبداً} الأديبة ديزي الأمير إلى رحلتها الأخيرة

ديزي الأمير
ديزي الأمير

رحلت القاصة العراقية ديزي الأمير، بصمت في مغتربها في هيوستن، بعد سنوات من الغياب، كان أصدقاؤها في بيروت يتساءلون خلالها عن أخبارها دون أن يأتيهم أي جواب.
هكذا فقد كثيرون أثر الأديبة الدمثة اللطيفة ديزي التي كانت تحب الاحتفاء بصديقاتها في بيتها، بعد أن التحقت بأبناء أخوتها في أميركا، ولم يسمع أحد عنها إلا من خلال خبر نُشر في صحيفة لبنانية، علم من خلاله أن ديزي قد توفيت في الثاني والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) أي قبل ما يقارب أسبوعاً من نشر الخبر.
هكذا وصل الخبر إلى بيروت بارداً، لكنه أليم حين يتعلق الأمر بامرأة كانت جزءاً من الحياة الثقافية اللبنانية يوم كانت تعمل في السفارة العراقية، وتقلبت في مناصب عدة، بينها سكرتيرة سفير العراق، عرفت بشكل كبير في أوساط المثقفين اللبنانيين حين تولت وظيفة مديرة «المركز الثقافي العراقي» في لبنان. كان ذلك زمناً آخر، له ملامح مختلفة. لكن بعد انقلاب أحوال العراق، ركنت ديزي الأمير إلى حياتها الهادئة، قبل أن تنسحب في سنواتها الأخيرة إلى أميركا.
ولدت القاصة في الإسكندرية عام 1935 لأم لبنانية من ضهور الشوير وأب طبيب برجوازي عراقي كان قد تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت، لكن نشأتها كانت بين بغداد حيث عيادة والدها، والبصرة حيث تعيش أختها. وفاة والدتها المبكر كانت مفصلاً قاسياً في حياتها سيدمغ كل مسارها فيما بعد، خصوصاً أن الوالد الذي تقول عنه إنه كان يبث الخوف في قلوب أولاده، بدل أن يحتضن أطفاله، أغلق عيادته وباع أملاكه والتحق بزوجته الجديدة، تاركاً وراءه تمزقاً كبيراً. كان ذلك بداية عهود الترحال التي لن تنتهي في حياة الفتاة اليانعة التي لن تجد لها من ظل يحميها سوى منزل أختها في البصرة، المتزوجة من نائب عراقي ميسور. هناك ستبدأ حياة صعبة رغم حنو عائلتها. في البصرة صارت ديزي معاونة لمديرة المدرسة التي تتعلم فيها، ثم مدرّسة في دار المعلمات، لكن ضيقها من المجتمع المحافظ الذي تعيش فيه كان وقعه قاسياً عليها، سافرت تكراراً قبل أن تجد فرصة للدراسة في بريطانيا، حيث ستربطها بهذا البلد أواصر ستعيدها إليه أكثر من مرة لمتابعة دراساتها والتمتع باستقلاليتها، كان آخرها يوم ذهبت وتسجلت للحصول على الدكتوراه التي لن تتمها.
قبل ذلك كانت حياة ديزي بين العراق ولبنان لزيارة والدها، وعائلة والدتها، قد أتاحت لها التعرف على الشاعر خليل حاوي الذي سترتبط به بخطبة لن تصل إلى خواتيمها السعيدة، بسبب مرض ألم به كما قيل حينها، وهو ما بقيت ديزي تتحدث عن أسبابه تلميحاً، بما يتيح فهم أن حاوي لم يكن متوازناً بالقدر الذي يتيح ارتباطها به.
ديزي التي كانت تقول دائماً إنها تملك من الرسائل التي كتبها لها أدباء معجبون كثر، وأن واقع الحال لا يسمح لها بنشر ما بحوزتها، ولا أن تبوح بكل اعترافات الحب التي سمعتها من رجال لهم ارتباطاتهم لأنها تخشى عواقبها على حياتهم الأسرية، ذهبت وراحت على ما يبدو أسرارها معها. رسائلها المتبادلة المبتورة التي نشرتها مع خليل حاوي، لا تكفي لمعرفة الكثير.
كانت ديزي الأمير من الصنف الذي يبحث عن الأمان وتتفادى الثرثرة التي يمكن أن يتسبب بها أي نشر جريء من طرفها. عكس أديبات أخريات، كانت تعود وتدقق في مقابلاتها مع الصحافيين خشية أن يكون قد أفلت منها تفصيل لقصة قد تتسبب بصخب ما لا تطيقه. هكذا كانت ديزي وكأنما خائفة دائماً من أمر مفاجئ يباغتها. هي التي كتبت: «شبح الماضي والخوف من المستقبل لا يدعاني أرتاح لحاضري. أما الحاضر فهو غير موجود، إنه لحظة تفلت منا بعد لحظة، فإذا هو ماض ننتظر لحظته الآتية، فإذا هو مستقبل مجهول مرعب».
هكذا توجست ديزي من نهاية عصيبة، كأنما كانت تقرأها سلفاً.
والحقيقة أن ديزي عاشت دائماً، بحثاً حثيثاً عن استقرار لم تجده وبيتاً مستقلاً تعيش فيه حريتها طال انتظاره، هي التي بقيت طويلاً تعاني من سطوة زوجة أبيها على حياتها.
بعد أن فسخت خطبتها مع خليل حاوي كانت قد عادت إلى لندن لإكمال دراستها وتحضير رسالة الدكتوراه، حول «أدب المرأة العربية في الحرب العالمية الثانية»، لكنها علقت في لبنان حين عادت باحثة عن مصادر لدراستها، حيث بدأت عملها في السفارة الذي سيتطور، ويفتح لها أبواب التعارف الاجتماعي ودخول الأجواء الثقافية في بيروت من أوسع أبوابها، في فترة ازدهار كبير سبق الحرب اللبنانية في ستينات القرن الماضي. في هذه الفترة ستكتبت مجموعتها «البلد البعيد الذي تحب».
في خضم بحثها عن الاستقرار المأمول، تزوجت من الكاتب اللبناني حبيب صادق، لكن هذه العلاقة لن تدوم أكثر من سنتين قالت إنها اكتشفت خلالها «تعدد الشخصية العربية التقدمية واستغلالها»، وأنها مرحلة كان نتائجها كتابها «البيت العربي السعيد».
لم تسع ديزي للترويج لأدبها ومجموعاتها القصصية بقدر ما كانت تحب تلك العلاقات الدافئة التي تحب نسجها مع من حولها. من مؤلفاتها القصصية «في دوامة الحب والكراهية» و«وعود للبيع» و«جراحة لتجميل الزمن الجميل» و«ثم تعود الموجة» و«على لائحة الانتظار». سهل لمن يقرأ هذه القصص أن يشعر كم هي معجونة بالانتقال والتسفار والترحال. وحين سألتها مرة عن سبب هذا التحرك الدائم لأبطالها، وكأن لا مكان لهم يركنون إليه، قالت: «هكذا يقولون لي: أبطالك يعيشون إما في السيارات أو الطائرات أو على الطرقات».
كانت الحرب الأهلية اللبنانية قاسية على ديزي الأمير، كما كل اللبنانيين، لكن ذلك لم يدفعها إلى الرحيل. كان منزلها في بيروت، هي التي قضت عمرها تحلم بمنزل خاص بها، أغلى على قلبها من أي شيء آخر، ومقامها في لبنان من الصعب استبداله.
رحلت ديزي التي أحبها من عرفوها، ولا يذكرون إلا روحها المرحة المحبة، وغمامات الحزن والقلق التي تنتابها بين الحين والآخر، وابتسامتها الرقية العذبة.



«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
TT

«أرتيميس 2» في مدار القمر

كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)
كريستينا كوتش من طاقن "آرتيميس 2" تنظر إلى الكرة الأرضية من نافذة مركبة "أورايون" (أ.ف.ب)

دخل رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس2» إلى مدار القمر، أمس، في وثبة عملاقة للبشرية، تمكنهم من مشاهدة أجزاء قمرية لم تَرَها عين مجردة لإنسان من قبل.

وقبل أقل من ساعة من التحليق في مدار القمر، كان مقرراً أن يصير رواد الفضاء الأربعة أبعد مَن يصل إلى هناك من البشر، متجاوزين الرقم القياسي للمسافة الأبعد، البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً، الذي سجلته المركبة الفضائية «أبولو13» في أبريل (نيسان) 1970. وتوقع مركز التحكم في المهمة أن تتجاوز كبسولة «أوريون» التابعة لـ«أرتيميس2» هذا الرقم القياسي بأكثر من 6600 كيلومتر.

وعلى رأس قائمة أهداف البعثة «حوض أورينتال»، وقد أظهرت صورةٌ أرسلها الطاقم هذه الفوهةَ التي لم تسبق رؤيتها إلا بواسطة كاميرات تدور في مدار حول القمر من دون وجود طاقم، بالإضافة إلى أطراف منطقة القطب الجنوبي، وهي الموقع المفضل لعمليات الهبوط المستقبلية.


أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.