الملك محمد السادس يوجه خطابا إلى الأمة غدا بمناسبة عيد الجلوس الخامس عشر

الاحتفال الرسمي ينظم في الرباط.. وسياسيون يعدون سنوات حكمه «نضالا وعملا في كل الجبهات»

الملك محمد السادس
الملك محمد السادس
TT

الملك محمد السادس يوجه خطابا إلى الأمة غدا بمناسبة عيد الجلوس الخامس عشر

الملك محمد السادس
الملك محمد السادس

يوجه العاهل المغربي الملك محمد السادس، غدا (الأربعاء)، خطابا إلى الأمة بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتوليه مقاليد الحكم في 30 يوليو (تموز) 1999، حيث جرت العادة أن يحدد فيه الخطوط الكبرى للسياسات العامة للبلاد، بالإضافة إلى عرض حصيلة مركزة بشأن أبرز الإنجازات المحققة في غضون السنة الماضية في أهم القطاعات.
ويرأس الملك محمد السادس بالقصر الملكي في الرباط، صباح غد أيضا، حفل استقبال رسميا يحضره أعضاء الحكومة، وقيادات مجلسي البرلمان، وكبار رجالات الدولة، مدنيين وعسكريين، وزعماء الأحزاب السياسية، وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في الرباط، وضيوف الملك الأجانب، وممثلو الطائفة اليهودية في المغرب, وممثلو المجتمع المدني والجالية المغربية المقيمة في الخارج.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن العاهل المغربي سيقوم، بعد تلقيه التهاني من كبار المسؤولين المغاربة وضيوفه الأجانب، بتوشيح مجموعة من الشخصيات البارزة في عالم السياسة والثقافة والفن والإعلام، إلى جانب مغاربة تألقوا خارج بلدهم، بأوسمة ملكية رفيعة. وتجدر الإشارة إلى أن جميع المغاربة الذين يحضرون الحفل يرتدون اللباس الرسمي المتمثل في الجلباب والسلهام الأبيضين، والبلغة المغربية (حذاء تقليدي)، بينما يرتدي الضيوف الأجانب بدلات سوداء. ويتخلل الحفل عزف مقطوعات موسيقية خاصة بالبلاط المغربي، ومختارات من الموسيقى الأندلسية.
ويعد الاحتفال بعيد الجلوس هذا العام في الرباط من المرات القليلة التي احتفل فيها الملك محمد السادس بالذكرى السنوية لتوليه عرش البلاد في عاصمة ملكه، فباستثناء مرتين في الرباط، وأخرى في فاس (2008)، ومرة في الدار البيضاء (2013)، حرص العاهل المغربي في غالب الأحيان على إقامة الاحتفال بالمناسبة وتوزيعه بين مدينتي طنجة وتطوان (شمال البلاد)، مخصصا لطنجة حفل الاستقبال الرسمي، بينما تستقبل مدينة تطوان حفل الولاء، الذي يجدد فيه الولاة والعمال (المحافظون) ورؤساء المناطق والبلديات والمنتخبون، ولاءهم لعاهل البلاد، هذا إلى جانب ترؤسه حفل تخرج أفواج الضباط من مختلف المدارس العسكرية والأمنية المغربية.
ويأتي الاحتفال بعيد الجلوس هذا العام في ختام زيارات ميدانية قام بها الملك محمد السادس للمنطقتين الشرقية والشمالية، وأيضا لمنطقة الأطلس (أزيلال)، ومنطقة الغرب، ومنطقة الدار البيضاء، وهي زيارات يهدف من خلالها عاهل المغرب كعادته لإطلاق مشاريع تنموية، ومتابعة أخرى سبق له أن أعطى إشارة انطلاقتها في وقت سابق.
ومنذ ارتقائه سدة الحكم في بلاده حرص الملك محمد السادس على نفض غبار التهميش والجمود الذي طال مشاريع التنمية في المنطقتين الشرقية والشمالية، وباقي مناطق البلاد، بحيث وضع الاهتمام بالمناطق التي لم تأخذ نصيبها من التنمية ضمن أجندة أولوياته.
يذكر أن الملك محمد السادس زار المنطقتين الشرقية والشمالية عشرات المرات منذ عام 1999، مثلما تعددت زياراته لمختلف مناطق البلاد، بهدف متابعته عن كثب لمسار ووتيرة إنجاز المشاريع المبرمجة ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تروم إخراج مناطق كثيرة من بؤر الفقر والهشاشة والتخلف. وحرص العاهل المغربي على جعل نفسه قريبا من شعبه، هذا إلى جانب رغبته في كسب رهان القضاء على أي هوة يلمسها أي قادم من أوروبا بين الضفة الشمالية للمتوسط وشمال المغرب.
واقترن الاحتفال بعيد الجلوس بإجراءات عفو يصدرها العاهل المغربي، ويستفيد منها سجناء ومعتقلون على خلفية قضايا محددة، ويتوقع أن يجري الإعلان عشية الاحتفالات عن عفو ملكي يطال عددا كبيرا من سجناء الحق العام.
في غضون ذلك، أجمع سياسيون وقادة الأحزاب السياسية المغربية الممثلة في البرلمان، غالبية ومعارضة، في تصريحات مقتضبة أدلوا بها لـ«الشرق الأوسط»، على عد السنوات الـ15 الماضية من حكم الملك محمد السادس بأنها سنوات النضال والعمل في كل الجبهات. وقال عبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إن من مميزات الملك محمد السادس أنه يعمل بوتيرة كبيرة جدا، مشيرا إلى قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة في الاتجاه الصحيح الذي ينفع البلاد ويجنبها الوقوع في الكثير من الأزمات التي تعاني منها بلدان كثيرة.
من جهته، قال صلاح الدين مزوار، وزير الخارجية، ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار المعارض، إن المغرب في السنوات الـ15 الأخيرة قطع مع مرحلة مهمة من تاريخه، وفتح صفحة جديدة، قوامها المصالحة مع الماضي، ومع كل مكوناته السياسية والاجتماعية والثقافية، ومنح المرأة المكانة التي تستحق.
بدوره, وصف محند العنصر، وزير التعمير وإعداد التراب الوطني، والأمين العام للحركة الشعبية، أسلوب العاهل المغربي في الحكم بأنه يعتمد على «التسريع والنجاعة»، أي سرعة الإيقاع في اتخاذ القرارات وتنفيذ الأوراش التنموية. وأضاف العنصر أن عمل الملك محمد السادس يتسم أيضا بالحضور المكثف والقوي في الميدان والاهتمام بأدق التفاصيل المرتبطة بالمشاريع التنموية، مشيرا إلى أن هذا الحضور والاهتمام بالمشاكل اليومية للسكان، خارج نطاق أي بروتوكول، يعد عاملا أساسيا لقرب الملك محمد السادس من المواطنين، مما يقوي لديهم أواصر الارتباط بملكهم.
من جهته، شدد محمد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وزير السكنى وسياسة المدينة، على القول إن المغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش خطى خطوات جبارة على طريق إرساء أسس الدولة الديمقراطية العصرية، وبناء صرح المجتمع الديمقراطي الحداثي.
اما إدريس لشكر، الأمين العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المعارض، فقال إن المغرب استطاع بقيادة الملك محمد السادس أن يصبح من أكثر البلدان استقرارا في المنطقة وجلبا للاستثمار واحتراما لمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وفي سياق ذلك، قال مصطفى باكوري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة المعارض، إن مقاربة الملك محمد السادس توخت على مدار 15 سنة الاعتماد على ثنائية القرب والمصالحة، حيث اتسمت منذ البداية بالحس الاستباقي في الطرح، والقوة في التصدي للملفات الشائكة.
ويحرص متتبعون لمسار حكم الملك محمد السادس على وصف عاهل المغرب بأنه «ملك الاستقرار»، نظرا لكونه توقع المطالب الشعبية التي حركت الشارع المغربي، إبان ما يسمى «الربيع العربي»، ولم يتفاجأ بها، مشيرين إلى أنه تجاوزها بإجراء تعديل دستوري، باعتباره قاعدة أي إصلاح، والأول في محتواه ومقاصده في العالم العربي، ذلك أن الدستور الجديد فوض صلاحيات تنفيذية واسعة لرئيس الحكومة، وفق معادلة جديدة، لتقاسم السلطة وتوازنها بين المؤسسة الملكية والهيئات المنتخبة، كما حدد آليات المراقبة والتحكيم لكي لا يحدث شطط، الأمر الذي رسخ استقرار البلاد، وثبت التحالف بين مختلف القوى الحية فيها والمؤسسة الملكية، في إطار ميثاق بيعة جديد.
ويرى مراقبون أن ملك المغرب كان حكيما بإصغائه إلى نبض الشارع، وأدرك التطلعات العميقة لشعبه، وانتهى إلى قناعة مفادها أن المطالب المرفوعة لا تتعارض مع التوجهات الملكية في التحديث والتنمية، فخطا الخطوة الكبرى، وكان التعديل الدستوري الذي تلته انتخابات تشريعية أوصلت حزب العدالة والتنمية، ذا المرجعية الإسلامية، إلى رئاسة الحكومة. وتميز مسار الملك محمد السادس أيضا منذ توليه الحكم بإعادته توجيه دفة الاقتصاد المغربي عبر إطلاق ترسانة من الإصلاحات الهيكلية والقطاعية الواسعة المدى والعميقة، التي أحدثت طفرة نوعية في بنية النسيج الاقتصادي المغربي، مع الرفع من وتيرة نموه وقدرته على التشغيل وخلق الثروات. فبتوجيه مباشر وإشراف شخصي من العاهل المغربي جرى اعتماد مقاربة مبتكرة في صياغة وتنفيذ السياسات التنموية ترتكز على التعاقد بين الحكومة والقطاع الخاص حول برامج قطاعية محددة المعالم والأهداف، وتتضمن التزامات كل طرف وفق جدول زمني واضح. وتقوم هذه المقاربة المجددة على تحديد واختيار القطاعات الإنتاجية التي يتوفر فيها المغرب على أفضل الفرص والمزايا في سياق التنافسية العالمية، بناء على دراسات دقيقة وعميقة.
في غضون ذلك، تضاعف حجم الاستثمارات المنجزة سنويا في المغرب خلال هذه الفترة بأكثر من ثلاث مرات، إذ انتقل من 82 مليار درهم (9.6 مليار دولار) عام 1999 إلى 260 مليار درهم (30.6 مليار دولار) في 2012. وخلال الفترة نفسها تضاعف حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المغرب أربع مرات ليصل إلى نحو 400 مليار درهم (48 مليار دولار) عام 2012.
وارتفع حجم الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 140 في المائة خلال هذه الفترة، منتقلا من مستوى 345 مليار درهم (40.6 مليار دولار) عام 1999 إلى 828 مليار درهم (98.4 مليار دولار) عام 2012.
من جهة أخرى، قرر المغرب في منتصف العقد الماضي رد الاعتبار للصناعة كرافعة للنمو والتشغيل. وبعد دراسات ومشاورات عميقة مع كل الفاعلين جرى في فبراير (شباط) 2009 التوقيع أمام الملك محمد السادس على «ميثاق الإقلاع الصناعي» من طرف الحكومة وممثلي القطاع الخاص، وذلك لفك ارتباط النمو بالتقلبات المناخية. وفي سنة 2008، أعطى العاهل المغربي انطلاقة مخطط المغرب الأخضر للنهوض بالزراعة وبأوضاع السكان القرويين بشكل عام. ويهدف المخطط إلى تحقيق الأمن الغذائي للمغرب من خلال تنمية مستدامة ومتوازنة للقطاع الفلاحي باعتباره محركا أساسيا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، إضافة إلى وزنه الاجتماعي والسياسي؛ إذ يعيش 45 في المائة من سكان المغرب في القرى.
وفي مجال السياحة، وبعد تجربة رؤية 2010 للنهوض بالقطاع، التي وضعت أسسا جديدة للاستثمار فيه وتنميته، اعتمد المغرب مخططا جديدا لمواصلة تنمية السياحة في أفق 2020. ويهدف المخطط الجديد إلى مضاعفة عدد السياح ليبلغ 20 مليون سائح في أفق 2020. كما تهدف الخطة الجديدة إلى الرفع من القدرة الإيوائية للسياحة المغربية عبر إنشاء 200 ألف غرفة فندقية، ومضاعفة مساهمة القطاع السياحي في الناتج الداخلي الإجمالي ثلاث مرات، وتحسين مرتبة المغرب ضمن الوجهات السياحية العالمية من المرتبة 27 حاليا إلى المرتبة 20 في سنة 2020.
وتماشيا مع روح العصر حدد المغرب هدفا طموحا في مجال الطاقة، بالوصول إلى استيفاء 42 في المائة من حاجياته من الكهرباء عبر استغلال الطاقات المتجددة كالشمس والرياح والماء (في أفق 2020).



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.